ثورة اكتوبر غيّرت العالم و الفكر !- 1 من 2- د. مهندالبراك

نشر المادة في مواقع التواصل !

                                                                                                                                                    ahmedlada@gmx.net

مرّت هذه الأيام الذكرى المئوية لإنتصار ثورة اكتوبر العظمى التي حوّلت الأمبراطورية الروسية المترامية الأطراف، بملايينها التي كانت تعيش في عصر القنانة والإقطاع والعبودية القيصرية الآرثذوكسية . . الى دولة عصرية شغلت العالم طيلة القرن الماضي وصارت محط انظار دوله الفتية و احزابه التحررية و مناضليه الساعين الى تحرر وانعتاق شعوبهم بالتضامن مع كل القوى الساعية الى تقدم و رفاه البشر، من جهة . . و صارت محط مراقبة و نشاط مخططات انواع كيانات و اقطاب الرأسمال العالمي التي سعت الى وأدها و اجهاضها و تحطيمها منذ نجاحها ، من جهة اخرى . . 

بعد ان حققت و اصابت و اخطأت، و لأول مرة في التاريخ دولة قائمة على اساس تحقيق السعادة و الرفاه للكادحين، و على اساس نشر روح التآخي القومي والديني و المذهبي و حرية المرأة و مساواتها باخيها الرجل، و على اساس كشف و الغاء المعاهدات السرية لأقتسام العالم بين الأقطاب العظمى . . فتسابقت مئات الحركات التحررية في العالم لخطب ودّها و للحصول على دعمها النزية الداعي الى التكاتف في وجه المخططات الشريرة الساعية الى الأحتلال و الى التمييز العرقي، البشري، و القومي و الديني .

و يرى كثير من المحللين ان اهميتها ـ وبالتالي تقييمها كما يسعى البعض ـ لايمكن ان تُعرف او تُقاس الاّ اذا دُرست و حُسبت ابعادها في زمانها و ظروفها الوطنية الداخلية و ظروفها العالمية آنذاك و ما احدثت . و يصنّفها مؤرخون بانها لا يمكن ان تقلّ اهمية عن الثورة الفرنسية العظمى 1789 و الثورة الصناعية في بريطانيا عام 1848 . . . سواء في دورها الوطني الداخلي في بلد شغل سُدس الكرة الأرضية ، او في تأثيرها الفكري و دورها الإقتصادي والإنساني العالمي، الى يومنا . .

و يرى عديد من علماء التاريخ و المجتمع المعاصرين ان نجاح ثورة اكتوبر اثبت بأن النظريات الداعية الى دولة العدالة الإجتماعية، ليست رجماً بالغيب و ليست رمادية ممكنة على الورق فقط و لا خيالية كـ ” جمهورية افلاطون ” و انما انها ممكنة التطبيق، حيث نجحت و انجبت دولة “اتحاد الجمهوريات السوفياتية ” التي غيّرت مسار التاريخ العالمي طيلة القرن المنصرم … 

وانها رغم الأخطاء التي اقترفتها (1) والتي لايخلو منها اي تغيير هائل كالذي احدثته في روسيا المترامية و في العالم، الاّ انها كانت التطبيق الخلاّق الأول للفكر الماركسي في زمان انتصارها مطلع القرن العشرين بانشاءها دولة كبرى !! كانت السبب الأساسي للبدء بالتحشيد الرأسمالي العالمي ضدها و لأشعال حروب التدخل الطويلة لخنقها ولإيقاعها في شتى الفخاخ العملية و الفكرية، التي وصلت الذروة في الهجوم الهتلري النازي عليها في محاولة لتحطيمها و فرض نظام احتكاري جديد عليها ..
والذي انتهى بدورها الباسل في تحطيمه و تحرير الدول الأوربية الشرقية منه (2)، بعد خسائر قاسية بالارواح و الممتلكات .  .

و وصولاً الى جهود الإحتكارات الغربية و الصهيونية لتوريطه في حرب افغانستان ، التي يكشف عنها النقاب تدريجياً، بعد ان تم كشف العديد من ملفات المخابرات المركزية الأميركية و البريطانية، عملاً بقوانين الأرشيف ، والتي اعلنت في مواقعها على الأنترنت، اضافة الى تصريحات عدد هام من القادة و الموظفين الكبار فيهما . 

و يرى خبراء سياسيون و تنظيميون، ان ذلك الأنتصار الأول للفكر الأشتراكي الذي تم بواسطة و على يد الحزب البولشفي الروسي، و الذي لم يكن لينجح في الاستيلاء على السلطة واقامة دولة من نمط جديد (3) لولا اسلوب بنائه و آلياته آنذاك . . هو الذي ادىّ الى تبنّي غالبية الأحزاب العمالية و الشيوعية و غيرها نمط بنائه و قواعده الحديدية في محاولتها تأمين الأنتصار على غراره آنذاك ، بعد ان سميّ بـ ” حزب من طراز جديد “. و ادىّ من جهة اخرى الى بلورة ستالين بعدئذ اسس بناء الحزب على ذلك النمط في كتابه ” اسس اللينينية ” التي فرضها بشكل اكثر صرامة على احزاب الأممية الثالثة . . التي لم تتفق كلها معه، كالحزب الشيوعي الفرنسي، الإيطالي ثم الصيني و الإسباني و غيرها ، رغم احتفاظ الجميع بوحدتهم في الموقف من الصراع بين المعسكرين العالميين آنذاك.

فيما يرجع آخرون تلك الصرامة الى تزايد حدة الصراع مع القوى الخارجية التي استشرست في صراع طويل ضد الإتحاد السوفيتي و انجبت عشرات المنظمات الأرهابية السرية على غرار جماعات المئة السود الأولى وغيرها للقيام بانواع التخريب على اراضيه . الأمر الذي ادىّ بتواصلها و تراكمها اضافة الى تراكم اخطاء و عوامل اخرى في بنائه و نشاطه . . الى نشوء التطرف و التعالي و شيوع روح العصمة من الأخطاء و بالتالي الى البيروقراطية الحزبية و الأوامرية الإدارية، و الخروج عن المنهج العلمي الديالكتيكي الماركسي، في مواجهة التطورات العالمية الفكرية و العلمية ، التكنيكية و المعلوماتية ، في العقود اللاحقة .

و لايمكن باي حال اغفال ان ثورة اكتوبر بقيادة ف . أ . لينين استطاعت ان تحل مشاكل القوميات على اسس الأممية البروليتارية و حق تقرير المصير، التي اقيمت على الآليات التي وحّدت شعوب روسيا القيصرية في مواجهة الاقطاع و سلطة رأس المال و القيصر ـ رغم ثغرات و نواقص ـ وحققت الكثير من المكتسبات للشغيلة من الجنسين بعد ان اطلقت حرية المرأة و مساواتها بالرجل، وحوّلت البلاد من دولة غلب عليها الطابع الإقطاعي الى دولة تسعى للكهربة و التكنيك والتقدم الصناعي ، حتى وصلت و سابقت في الفضاء . . و صارت قطبا من القطبين الأعظمين اللذين توقف على مباراتهما و نتائجها مصير المئات من الدول و الحركات التحررية و الإنسانية . 

و حتى صارت سمة الانتقال من الرأسمالية الى الأشتراكية سمة معترفا بها في العالم ، وصارت الأشتراكية هي الأمل و حلم خلاص ملايين المحرومين من الظلم و الطغيان و الإستغلال الأقتصادي و الروحي و الديني في العالم في تلك الحقبة التاريخية. ففي منطقتنا العربية الشرق اوسطية صارت دور النشر العربية ومنذ ستينات القرن الماضي تتسابق على نشر المطبوعات الأشتراكية، بل وصارت كثير من الحركات القومية التحررية في الشرق الأوسط تتزيّن و تتمنطق بالأشتراكية (4) للوصول الى عقل و قلب الكادحين بصياغتها مصطلحات جديدة لم تعرف سابقاً : كـ ” الإشتراكية العربية ” و ” الإشتراكية الرشيدة ” ، اضافة الى حركات اسلامية كبيرة غدت تتحدث و تفسّر ” اشتراكية النبي محمد ” ، ” اشتراكية امام المتقين علي ” ، ” اليمين واليسار في الأسلام ” و وصل الأمر الى الإعلان عن نشوء المنظمات ” الإسلامية الإشتراكية ” التي كادت احداها ان تصل الى الحكم في ايران في انتخابات مطلع الثمانينات من القرن الماضي (5) .

الأمر الذي لم يكن بمعزل عن مواقف الإتحاد السوفيتي من قضايا نضال الشعوب و الدول العربية و عموم البلدان النامية ، و دعمه ايّاها من اجل تحقيق حقوقها العادلة و نجاحها في صراعاتها ضد السياسات الأمبريالية و الأحتلال و النهب و التمييز و اشعال الفتن القومية و العرقية و الطائفية .

وفيما يذكر كثيرون و يكتبون عن ” ربيع براغ ” في 1968 وعن نضال ” اتحاد النقابات الحرة البولونية ” ـ ليش فالينسا في الثمانينات و عن الدعوة الى الديمقراطية في اوروبا الشرقية حينها ، الاّ انهم لايذكرون شيئاً ـ لأسباب متعددة لا يتسع لها المقال ـ عن التحولات الجدية التي كانت تموج بها الحركات العمالية و النقابات و احزاب و انظمة اوروبا الغربية الصناعية ذاتها، بسبب تزايد النفوذ الفكري و الأنساني للأشتراكية بمدارسها المتنوعة، لحاجة الأوساط العمالية و الكادحة لها لرسم طريق نضالها من اجل الحصول على حقوقها المهضومة .

حتى صار الأمر يهدد بانفصال ايطاليا الرأسمالية عن الناتو ، بعد ان شرعت مؤسسات ايطالية هامة بالتقارب و بالدعوة الى تأسيس عقود عمل مع الدولة السوفيتية في مطلع سبعينات القرن الماضي كطريق لحل الأزمة الأقتصادية التي تسببت ببطالة الملايين فيها، بسبب الصراع المرير للأحتكارات . . وكان ذلك التحوّل هو السبب المباشر في حادث اختطاف و اغتيال رئيس الوزراء الإيطالي المعتدل ” الدو مورو ” آنذاك (6) . 

اضافة الى ماكانت تسببه دولتا السويد و المانيا الغربية من قلق في اوروبا الغربية الرأسمالية، لتحقيق احزابهما الحاكمة منجزات و حقوق للشغيلة بسبب تزايد شعبية و ضغوط النقابات والحركات العمالية و اليسارية، التي لعب وجود كتلة شرقية قائمة فعلاً على الأرض دوراً هاماً في تزايد نفوذ القوى اليسارية و افكار الأشتراكية و العدالة الإجتماعية فيهما مطلع الثمانينات . . بعيداً عن ادراك ما كان يموج داخل الكتلة الشرقية فعلاً . 

و بسبب ذلك النفوذ الفكري بالقناعة، ينسى قسم لماذا ؟ و مَنْ ؟ كان وراء الأنقلابات العسكرية الدموية التي اجتاحت العالم و الشرق الأوسط و اميركا اللاتينية تحديداً طيلة نصف القرن الماضي و ازهقت آلافاً مؤلفة من الأرواح . . التي عبّر بشأنها الرئيس الأميركي الاسبق جورج دبليو بوش عن اعتذار الولايات المتحدة عنها (!!) في خطابه السنوي عن حال الإتحاد عام 2003  .  .  و اليوم و بعد افول الأتحاد السوفيتي الذي كان يُتّهم بكونه منبع العنف ، ازداد العالم جموحاً و تزايد العنف و برزت مخاطر رهيبة يشيعها النهب و العنف و الأرهاب المتنوع، و تعود الصراعات الى اساليب الوحشية القروسطية . 

و بالمقارنة يرى مؤرخون محايدون، بان الأنظمة الرأسمالية المتنوعة القائمة اليوم لم تأت بوصفة سحرية او نظرية لرجل علم او فيلسوف محدد معيّن ، بقدر ما انها تكوّنت عبر صراعات مريرة و تغييرات عاصفة و ثورات و ازمات حادة استهلكت ارواح و مصائر، و نظريات صعدت و افلت، طيلة قرون . . حتى صارت تسعى الى تشجيع الإبداع و التجديد و العلوم، التي تحقق ارباحاً افضل لرأس المال، النابع من مبادئها الربحية التنافسية ذاتها، دون تقييد ديني او اخلاقي في واقع الحال و دون الأهتمام الحقيقي بمصائر البشر ـ و بالذات خارج بلدانها ـ عدا تخصيص معونات خيرية لأدامة مكانة و سمعة انظمتها وفق قوانين ضريبية و ائتمانية معمول بها ، رغم البهرجة الأعلامية المنادية بالمبادئ السامية . . التي ترى فيها مؤسساتها بكونها ضرورة قصوى لتسويق بضائعها و بالتالي سياساتها . وهي في مواقفها كثيرة التنوع و تسير بوتيرة كثيرة التعاريج و الصعود و النزول تتمحور على ضمان ارباحها ، الأمر الذي يهدد حتى بتصادمها العنيف فيما بينها ايضاً .

اضافة الى انها اعتمدت اساليب استعمار الشعوب الأخرى و سرقتها و قامت بسوق ابناء تلك الشعوب الى حروبها هي . . و ادامت تلك السرقات التي امّنت و تؤمن لها مصادر مالية وتقنية و بشرية اسطورية ، دعمت تمويلها و تمويل الفتن و الحروب التي اشعلتها، و التي بالمقابل واجهها الإتحاد السوفيتي السابق سياسيا باستخدامه المتكرر لحق النقض الفيتو في الأمم المتحدة . .
و واجهها ماليا و عسكرياً من خزينة دولته التي أُرهقت بالهبات و المعونات بلا مقابل لشعوب العالم النامي و للدول المستقلة حديثاً ، وفي محاربة الفاشية و الحروب العدوانية . . كتمويله السد العالي في مصر بلا مقابل ، و اعادته تسليح الدول العربية التي تضررت بسبب خساراتها في حروبها مع اسرائيل، الهائلة التكاليف بلا مقابل او بمدفوعات اسمية ايضاً ، اضافة الى تمويله حركات التحرر في كل انحاء العالم كما حصل في فيتنام و كوريا و المنظمات الفلسطينية غيرها و بلا مقابل . وكان آخرها تنازله دون مقابل عام 1989عن كل ديونه لجزيرة الحرية ” كوبا ” و التي بلغت بحدود 20 عشرين مليار دولار بسبب ضائقتها المالية التي تسبب بها الحصار. و غيرها من الأموال الفلكية من ميزانيتها . . ـ تجنبت الصين الأشتراكية مثلاً القيام بذلك الدعم و بتلك الضخامة و وفرت تلك الأموال داخلياً لها ـ . 

(يتبع)

 

10 / 11 / 2017 ، مهند البراك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. راجع سياسة الأصلاح المقترحة من لينين لحل الأخطاء ، المعنونة بـ ” السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب ” . 
  2. اشارت الإحصاءات الرسمية السوفيتية في نهاية الحرب العالمية الثانية التي استكملت في عام 1990 عن خسارة اكثر من 20 مليون انسان، اضافة الى عشرات المدن الكبرى المخرّبة وآلاف المدن الصغيرة و القرى، اضافة الى الخسائر اللوجستية الهائلة في كل نواحي الحياة . 
  3. بعد ان جرت محاولات في بلدان اخرى و فشلت . .
  4. رغم التحوّل الحقيقي ايضاً ، الذي جرى في عدد منها .
  5. منظمة مجاهدي خلق في عام 1981 التي وثّقت حتى وقتذاك نضالها على منهج المادية التاريخية واختلافها مع المادية الديالكتيكية، لأنها تمس الدين، وفق تعبير وثائقها آنذاك . 
  6. راجع كتاب ” اندريوتي : بين السياسة ، المخابرات السرية و المافيا ” ـ شهادات و وثائق محاكمة الرئيس الإيطالي الأسبق اندريوتي ـ وثائق الأحزاب و وثائق المنظمات السريّة السياسية ، الدينية و المافيوية ـ ريجينا ايغيل / دار هيربيغ ، عام 2001 . بالأنكليزية و الألمانية . 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *