الانتخابات والتنظيمات والأحزاب وأجنحتها المسلحة –  مصطفى محمد غريب

نشر المادة في مواقع التواصل !

التنظيمات المسلحة أو ما يطلق عليها الميليشيات المسلحة حالة شاذة في الدولة التي تمتلك أجهزة أمنية مختلفة بما فيها الجيش والشرطة، ولهذا نلاحظ وجود الميليشيات أي إن كانت طائفية أو قومية أو تحت مسميات أخرى تتنافى مع الحياة الطبيعية بما فيها تطبيق القانون وعدم التجاوز على حقوق المواطنين بذرائع شتى.

منذ البداية  فالقوى الوطنية والديمقراطية والمدنية التي تسعى لإقامة العدل والدولة المدنية تتضادد مع وجود ميليشيات مسلحة غير منضوية تحت قيادة الدولة والتي لا تخضع للقائد العام للقوات المسلحة  وتعتبرها مهما قيل عنها حالة غير صحية وشاذة في بلد له فسحة من الحرية لتكوين أحزاب سياسية وفق الدستور، لهذه الأسباب وغيرها لم نكن يوماً بجانب أي ميليشيات مسلحة وكنا ومازلنا نحذر من التنظيمات المسلحة التابعة لأحزاب الإسلام السياسي الشيعي أو السني أو أي جماعة أخرى مهما كانت الأسماء والادعاءات لأننا ومن تجاربنا وتجارب الشعوب ستكون هذه التنظيمات المسلحة غير المنضبطة والتي هي خارج اطر الدولة وان أدعت غير ذلك وبالاً ومأساة نتائجها وخيمة، هنا لا نتحدث عن حروب التحرير، أو الخلاص  من الأنظمة الدكتاتورية التي تغلق جميع الطرق أمام النضال السلمي والاختلاف في الرأي، وهي حالة معروفة وقد سجل التاريخ الكثير من قيام تنظيمات مسلحة تابعة لأحزاب وتنظيمات سياسية لمقارعة الاستعمار المحتل أو الأنظمة الدكتاتورية والفاشية ولكن سرعان ما انتهت وحلت نفسها بعد تحرير البلاد من الاستعمار أو إسقاط الأنظمة الدكتاتورية المعادية للشعب، إلا أن هذه الحالة لم تجري على الواقع العراقي لا بل شكلت سابقة غريبة بعض الشيء وقد تكون فريدة في بلد يدعي تبنيه للحريات والديمقراطية، فبالإضافة إلى بقاء تنظيمات وميليشيات مسلحة قديمة بعد إسقاط النظام الدكتاتوري، شاهدنا إنشاء تنظيمات وميليشيات طائفية مسلحة جديدة تحت حجج شتى راح بعضها ينشط بشكل سري وآخر علني لا بل البعض منها كان يأتمر ببعض القوى  السياسية المتنفذة وحتى قوى خارجية وتنفذ أعمالا غير قانونية مستغلة القوات المسلحة من جيش وشرطة في تنفيذ خططها وأعمالها وكثيراً ما كانت تقوم بخطف وحتى اغتيال معارضين لها أو القوى السياسية التي تأتمر بقراراتها وهذا موضوع معروف وليس فيه تجنى أو اتهام لأن الوقائع التي شهدها العراق في هذا المجال لا تحصى، فضلاً على ما قامت به تنظيمات مسلحة تابعة للنظام الدكتاتوري السابق أو تنظيم القاعدة أو داعش الإرهاب ،وللعلم وبسبب قانون الانتخابات غير العادل والتي تصر عليه القوى صاحبة القرار فقد تسلل إلى مجلس النواب البعض من الجانبين وتحت غطاء أحزاب وتحالفات جديدة بينما سرقت علناً أصوات القوى الوطنية والديمقراطية المدنية .

هذه الصورة المكثفة لم تلم بكل الإجراءات والممارسات غير القانونية ولا الشرعية التي صاحبت العملية السياسية والانتخابات التشريعية ومجالس المحافظات ولهذا بقى مجلس النواب غير متوازن في قراراته وتشريعاته لا بل ارتكب في  الكثيرمن الأحيان العديد من التجاوزات والأخطاء والمواقف التي لا تمثل حتى تطلعات الجماهير التي صوتت لهم لكثرة الوعود التي قدموها ولم ينفذ منها حتى 10% ،وأصبحت هذه الوعود التي تكررها هذه القوى  قبل أي انتخابات برلمانية بهدف خداع وعي المواطنين .

في هذه الأيام وبعد الإعلان عن انتصارات ( الجيش والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والحشد العشائري والبيشمركة ) على داعش وهزيمته عسكرياً أعلن مجلس الوزراء بأنه صوت على موعد الانتخابات البرلمانية ” أن يكون موعد إجراء الانتخابات البرلمانية في 15 أيار 2018 ” وتتولى الحكومة الاتحادية توفير البيئة الآمنة لأجراء الانتخابات وإعادة النازحين إلى مناطقهم وان يكون التصويت الكترونيا وأن لا  تكون للأحزاب التي تخوض الانتخابات أجنحة مسلحة”.

لقد كانت تجارب الانتخابات السابقة عبارة عن دروس غنية من جميع الوجوه يجب الاستفادة منها وبخاصة ما ألت إليه النتائج السلبية من تجاوزات وتزوير وشراء الذمم  وانحياز المفوضية العليا للانتخابات لجهات متنفذة دون غيرها، فضلاً عن قانون الانتخابات الجائر الذي فرض على العملية الانتخابية بواسطة برلمان غير متوازن ما زال يعمل من اجل تأمين حصص الحيتان الكبيرة في البرلمان لكي يتحكم في تشريعاته وحسب المصالح المشتركة بين أطراف تؤمن بالاستحواذ والاستيلاء من الكسب الانتخابي غير المشروع، والا كيف يفسر أن عشرات البرلمانيين لم يحصلوا إلا على أصوات قليلة بعضها لا يتجاوز المئات بينما حرم مرشحين حصلوا على آلاف الأصوات ؟ وكيف يفسر أن البعض من النواب الذين على أساس يمثلون الشعب لا يحضرون جلسات البرلمان وهم متقاعسين في واجباتهم ما عدا استلام الملايين من الرواتب والمخصصات إضافة إلى أن قسماً منهم لم يحضر ولا يوجد  له أي ارتباط بالاجتماعات التي يعقدها مجلس النواب! هؤلاء وغيرهم جُلبوا بدون أي اعتبارات للمواطنين الذين صوتوا، ومثلما أشار النائب فائق الشيخ علي ” نواب دمج ” وقد أشار أيضاً “صار لنا ثلاث سنين ونص،وخمسه بالبرلمان ما شايفيهم ولا سامعين بيهم ولا ندري إمنين همه.. ومشَّوا قضيتهم”. وهو ما أكدنا عليه هو أن القوى صاحبة القرار لا يهمها من الانتخابات إلا فوزهم لتمشية مصالحهم بعد أن مرروا المفوضية العليا للانتخابات وقانون الانتخابات لضمان مواقعهم في العملية الانتخابية القادمة، وزاد الطين بلّة ذلك الإعلان في البداية عن مخططات لإشراك الحشد الشعبي في الانتخابات القادمة مما أثار استغراب  واستنكار أكثرية الشعب والقوى الوطنية وكل من يهمه مصلحة البلاد، إلا أن الموقف السليم لرئيس الوزراء ومجلس الوزراء من قضية عدم مشاركة التنظيمات المسلحة المستقلة أو تلك الأحزاب والتنظيمات السياسية والدينية التي لديها أجنحة عسكرية مسلحة وقد تكون سرية لا يعلن عنها أو علنية تحت أسماء أخرى للتمويه وهذه الظاهرة لا يمكن التستر عليها في العراق، وكان قرار مجلس الوزراء ايجابياً وقد يساعد في غلق البعض من منافذ الهيمنة على البرلمان أمام التنظيمات والميليشيات المسلحة إذا ما جرى تطبيق قرارات مجلس الوزراء ولم يلتف عليها  بطرق ملتوية وحجج مموهة مثلما حدث لدخول أقسام من ميليشيات الحشد الشعبي في سوريا وقتاله إلى جانب قوات النظام السوري وتنظيمات حزب الله اللبناني العسكرية وميليشيات من إيران وغيرهم على الرغم من قرارات حيدر العبادي ” عدم التدخل بشؤون دول الجوار وعلى وجه الخصوص سوريا” وطالبت تنظيمات مسلحة موالية بالانتشار على الحدود السورية ” بحجة حماية الحدود ” إلا إنها تريد فرض واقع الأمر بإيجاد ممراً لما تقدمه إيران من دعم لوجستي عبر الحدود البرية للعراق وسوريا وصولاً للبنان”هذه الميليشيات موالية لتيارات سياسية محسوبة على المالكي وغيره تحظى بدعم إيراني”

أن القلق المشروع لقضية التدخل في الانتخابات البرلمانية القادمة يأتي  من المواقف الكثيرة التي لم تلتزم بقرارات الدولة ولا الحكومة وبخاصة وعلى الرغم من إقرار البرلمان حول الحشد الشعبي وإلزامه بالخضوع للقائد العام للقوات المسلحة العراقية لكن هذا الإلزام أصبح في مهب الريح أثناء التطبيق العملي فعلى الرغم من وجود قيادة للحشد موحدة حسب الشكل فإننا نجد أن لكل طرف منه قيادة مستقلة في قراراتها وتحركاها وهنا تكمن الخطورة في الوقت الحاضر أو في المستقبل لأنها ستضاهي قوة الجيش والشرطة الاتحادية وقد تكون صاحبة القرار حتى بالتغيير بطرق عسكرية وهو أمر متوقع إذا لم تتخذ إجراءات وقرارات حاسمة وإخضاع الحشد الشعبي للقائد العام للقوات المسلحة بشكل مطلق ودمجه بالقوات المسلحة وإبعاده عن أية تأثيرات أو قيادات دون قيادات القوات المسلحة العراقية.

أن قرار منع أي تنظيمات أو أجنحة مسلحة المشاركة في الانتخابات النيابية القادمة هو قرار صائب وسليم، إضافة إلى ضرورة سن قانون انتخابي عادل تجمع عليه أكثرية القوى السياسية وعدم فسح المجال للتجاوز والابتزاز والتزوير وجعل المفوضية العليا للانتخابات مستقلة فعلاً لكي تكون الانتخابات القادمة محطة تغيير وإصلاح حقيقي ومجيء برلمان يختلف عن ما سبقه يخدم فعلاً مصلحة الشعب ومصلحة العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *