<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>جليل إبراهيم المندلاوي &#8211; صوت كوردستان</title>
	<atom:link href="https://sotkurdistan.net/category/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86/%D8%AC%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%A7%D9%88%D9%8A/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<description></description>
	<lastBuildDate>Sun, 11 Jan 2026 08:50:42 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.0</generator>

<image>
	<url>https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2017/11/cropped-k-log-32x32.jpg</url>
	<title>جليل إبراهيم المندلاوي &#8211; صوت كوردستان</title>
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>ماتت ملك- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/01/11/%d9%85%d8%a7%d8%aa%d8%aa-%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 11 Jan 2026 08:50:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[واحة الشعر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=102841</guid>

					<description><![CDATA[يا سيِّدي مَن قالَ لكْ؟ أنَّ جوارٍ فاتناتٍ ينتظرنَ مقدمَكْ في جنةِ الخُلدِ يَلِجنَ مخدعَكْ إذا اغتصبتَ امرأةً إذا قتلتَ طفلةً إذا هدمتَ مسجدًا.. كنيسةً.. أو معبدًا يُصبحنَ لكْ.. يا &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><span>يا سيِّدي مَن قالَ لكْ؟</span><br />
<span>أنَّ جوارٍ فاتناتٍ ينتظرنَ مقدمَكْ</span><br />
<span>في جنةِ الخُلدِ يَلِجنَ مخدعَكْ</span><br />
<span>إذا اغتصبتَ امرأةً</span><br />
<span>إذا قتلتَ طفلةً</span><br />
<span>إذا هدمتَ مسجدًا..</span><br />
<span>كنيسةً.. أو معبدًا</span><br />
<span>يُصبحنَ لكْ..</span><br />
<span>يا سيِّدي ما أجهلَكْ</span><br />
<span>مَن قالَ إنَّ اللهَ يجزي فِعلتَكْ؟</span></p>
<p><span>يا أحمقًا مَن علَّمَكْ؟</span><br />
<span>أنَّ إلهًا يرتضي جريمتَكْ</span><br />
<span>أيُّ إلهٍ يرتضي</span><br />
<span>أن تغتصبْ.. ما ليسَ لكْ</span><br />
<span>أن تنشرَ الخرابَ</span><br />
<span>تسفكَ الدماءَ</span><br />
<span>تهتكَ الأعراضَ</span><br />
<span>دونَ رادعٍ قد يردعُكْ</span></p>
<p><span>يا سيِّدي ما أحقرَكْ</span><br />
<span>حينَ قتلتَ طفلةً تُدعى مَلَكْ</span><br />
<span>بريئةً.. طاهرةً.. من دونِ شكْ</span><br />
<span>ونعلُها.. أطهرُ حتى من فمِكْ</span><br />
<span>أطهرُ من ذاكَ الذي</span><br />
<span>أفتى بنهشِ لحمِها</span><br />
<span>وعِرضِها أن يُنتهكْ</span></p>
<p><span>يا جاهلًا.. مَن ذا الذي أحلَّ لكْ</span><br />
<span>أن تستبيحَ خِدرَها</span><br />
<span>وتشحذَ الموتَ</span><br />
<span>بسيفِ الغدرِ فوقَ نحرِها</span><br />
<span>لأنها كُورديةٌ تأبى هوانَ الذُلِّ</span><br />
<span>والإذعانَ لكْ</span><br />
<span>لأنها أشرفُ ممَّن ولدَتْكْ</span><br />
<span>أشرفُ ممَّن أرضعَتْكْ</span><br />
<span>أشرفُ حتى من خِمارِ مضجعِكْ</span></p>
<p><span>يا سيِّدي ما أرذلَكْ</span><br />
<span>فبعدَ أن شممتَ طيبَ عِطرِها</span><br />
<span>كيفَ استطعتَ قتلَها</span><br />
<span>ألم تشُمَّ عِطرَها</span><br />
<span>عِطرَ ملاكٍ تمتلكْ</span><br />
<span>مَن ذا الذي أحلَّ لكْ</span><br />
<span>فقُمتَ بالتمثيلِ في جُثمانِها</span><br />
<span>مَن ذا الذي قد خوَّلَكْ</span><br />
<span>قتلَ ملاكٍ ومَلَكْ</span><br />
<span>فالويلُ لكْ</span></p>
<p><span>ماتتْ مَلَكْ</span><br />
<span>ولن يموتَ ذِكرُها</span><br />
<span>والعارُ سوفَ يلحقُكْ</span><br />
<span>صرختُها ستحرقُكْ</span><br />
<span>ووجهُها سيؤرِّقُكْ</span><br />
<span>وروحُها</span><br />
<span>عندَ مليكٍ عادلٍ ستُدركُكْ</span><br />
<span>فالجنةُ.. لن تفتحَ أبوابَها</span><br />
<span>لِمَن بغى..</span><br />
<span>واعلمْ بأنَّ اللهَ.. لن يغفرَ لكْ</span></p>
<p><span>======</span></p>
<p><span>إلى الفتاة الكوردية.. ملك نبيل خليل، ابنة الستة عشر عامًا، التي اختطفها الإرهابيون في حزيران 2020، فغابت أسبوعين عن الأنظار، ثم عادت جثةً صامتةً في شمال سوريا، تحمل على جسدها حكاية جريمة لَحِقَ العارُ بقاتليها.</span><br />
<span>وإلى كل امرأة كوردية، اختارت الكرامة على الاستسلام، فكان ثمن الرفض حياةً سُلبت، وجسدًا مُثِّل به، وذكرى لا يجوز أن تُنسى، لتظل صرخة الكرامة أعلى من كل جبروت.</span></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مقاعد فارغة وامتيازات مضمونة- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/12/29/%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%af-%d9%81%d8%a7%d8%b1%d8%ba%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%85%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%b2%d8%a7%d8%aa-%d9%85%d8%b6%d9%85%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 29 Dec 2025 20:36:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=102286</guid>

					<description><![CDATA[في اليوم الذي كان يفترض أن يفتح فيه مجلس النواب العراقي أبوابه للتاريخ، في دولة تُدار بالتصريحات وتُقاس المسؤولية بعدد الصور وليس بعدد الجلسات، قرر 37 نائبا أن يفتتحوا دورتهم &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div></div>
<div></div>
<div>في اليوم الذي كان يفترض أن يفتح فيه مجلس النواب العراقي أبوابه للتاريخ، في دولة تُدار بالتصريحات وتُقاس المسؤولية بعدد الصور وليس بعدد الجلسات، قرر 37 نائبا أن يفتتحوا دورتهم البرلمانية برسالة واضحة للشعب: &#8220;لا تنتظروا منا الكثير.. نحن لم نأتِ أصلا&#8221;، فحسب الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، حضر الجلسة الأولى 292 عضوا، فيما تغيب 37 نائبا دون بيان الأسباب، عبارة قصيرة، لكنها كافية لتلخيص دورة نيابية كاملة، سبعة وثلاثون ممثلا للشعب اختفوا في أول اختبار حقيقي، وفي أول لحظة يُفترض أن يقول فيها النائب: &#8220;أنا هنا&#8221;، لكنهم لم يكونوا هنا، ولم يقولوا شيئا، غابوا عن الجلسة الأولى تحديدا، تلك التي يفترض أنها يوم العرس الديمقراطي والتعارف الرسمي بين النائب وكرسيه، لكن يبدو أن الوقت لم يسمح للسيد النائب حيث كان مشغولا جدا، ربما بمواعيد أهم من تمثيل الشعب، كازدحام المرور، أو قيلولة وطنية، أو اجتماع طارئ مع المصلحة الشخصية، دون أن يضطر حتى لاختلاق كذبة رسمية تحفظ ماء الوجه، لغياب أنيق وصامت، وكأنه يقول للشعب: &#8220;انتخبتمونا؟ ممتاز.. لا تزعجونا الآن&#8221;.</div>
<div>الجلسة الأولى ليست تفصيلا هامشيا ولا موعدا ثانويا يمكن تأجيله، إنها امتحان الحضور السياسي الأول ومن يفشل فيه، لا يحتاج إلى فرصة ثانية، فهي الافتتاح الرسمي لعقد سياسي بين النائب والناخب، ومن يتغيب عنها كأنه يوقّع العقد ثم يلقيه في أقرب سلة مهملات. ومع ذلك، لا مساءلة ولا استجواب، ولا حتى سؤال عابر: &#8220;أين أنتم؟&#8221;.. وكأن الغياب حق دستوري غير منصوص عليه، أو ربما بند سري في العقد يقول بوضوح: الحضور اختياري، والراتب إلزامي.. ويبقى العزاء الوحيد أن هؤلاء الغائبين على الأقل وفروا على الدولة ثمن القهوة والشاي فشكرا لهم على هذا التوفير في زمن الأزمات، ونتمنى أن يواصلوا توفيرهم بشكل دائم من خارج القاعة.</div>
<div>أما السؤال الذي يبدو ساذجا في ظاهره فهو: لماذا يحرص النائب على الحضور أصلا، وهو لم يأتِ أساسا لتشريع القوانين أو لمراقبة أداء الحكومة، ما دام البرلمان يُختزل عنده في كونه منصة للترقية الاجتماعية؟ فالعنوان البرلماني وحده كفيل بفتح أبوابٍ كانت موصدة، وتحسين شروط القروض، وتأمين وظيفة لابن العم الثامن في إحدى الوزارات، وفضلا عن ذلك تبدو الرؤية &#8220;الاستراتيجية&#8221; لهؤلاء واضحة، إذ أدركوا أن القرارات الحقيقية لا تُتخذ تحت قبة البرلمان، بل في الردهات والمطابخ السياسية، فاختاروا التوجه مباشرة إلى مصدر القوة، وهكذا يغدو المقعد غاية بحد ذاته، لا وسيلة لخدمة الناس ولا أداة لتحمل المسؤولية.</div>
<div>المنطق البسيط يقول إن أول قرار جريء يجب أن يصدر بعد انتخاب رئيس المجلس ونائبيه هو استبدال كل نائب غائب بأول خاسر في دائرته، على الأقل الخاسر حضر المعركة، أما الغائب فقد انسحب قبل صافرة البداية، وبديهيا فإن هذا الاجراء ليس انتقاما، بل محاولة متأخرة لخلق آلية رقابية حقيقية، ورسالة واضحة مفادها إن المقعد النيابي ليس غنيمة، وإن التغيب دون سبب لا ينسجم مع تمثيل الشعب، فالخاسر الذي حضر ربما يكون أصدق تمثيلا من فائز لم يكلف نفسه عناء الحضور.. لكن حتى هذا الحل قد لا يكفي، فاستبدال الغائب بالخاسر قد يُنتج جيلا جديدا من &#8220;الحاضرين غيابيا&#8221;، لذلك، ربما نحتاج إلى حل أكثر عدلًا وشفافية، كابتداع نظام اليانصيب الوطني للتمثيل النيابي.. كل مقعد شاغر بسبب الغياب يُحوَّل إلى قرعة وطنية، يشارك فيها كل مواطن تجاوز الثلاثين، والفائز ينال المقعد لمدة أسبوع كامل، مع كل الامتيازات.. سيارة مع سائق، حصانة من مخالفات السير، ووجبة غداء رسمية، وإذا تغيب الفائز بالقرعة، يُعاد السحب يوم الاثنين التالي، وهكذا نضمن عدالة توزيع الفرص، ونمنح الشعب تجربة ديمقراطية حقيقية، ونحقق في الوقت نفسه وفرا كبيرا في الرواتب، لأن النائب الأسبوعي سيكون سعيدا بالخدمة المجانية، وربما أكثر التزاما من نائب منتخب اعتاد الغياب باسم التفويض الشعبي.</div>
<div>فأعضاء المجلس لم يُنتخبوا ليختبروا مرونة الكراسي، ولا ليقيسوا سماكة السجاد تحت أقدامهم، بل ليمثلوا شعبا سئم الوعود والحضور الانتقائي. فالمشهد يوحي بأن غاية بعض المتغيبين ليس تشريعا ولا رقابة ولا خدمةً للناس، بل تمثيل ذواتهم فحسب، امتيازات تُجنى، وحصانة تُستثمر، ولقب &#8220;سعادة النائب&#8221; الذي يُستخدم أكثر مما يُمارس، فالنائب الذي الذي لا يرى ضرورة لحضور الجلسة الأولى، لن يكترث لاحقا بسماع شكوى ناخب، أو مناقشة قانون، أو حتى ضغط زر التصويت إذا كان بعيدا عن مقعده، فيبدو إن المهم لديه هو المنافع الشخصية واللقب والحصانة، وكل ما يسبق كلمة &#8220;نائب&#8221; وما يتبعها من امتيازات أما الجلسات فهي تفصيل يمكن الاستغناء عنه، أو مناسبة يحضرها فقط حين تقتضي الصورة ذلك.</div>
<div>في النهاية، لا يمكن لوم الكراسي الفارغة، فهي على الأقل حضرت في وقتها أما من غابوا، فقد أثبتوا منذ اليوم الأول أنهم يفهمون التمثيل النيابي بوصفه لقبا اجتماعيا لا مسؤولية وطنية، فالمشكلة ليست في 37 نائبا غابوا عن الجلسة الأولى، بل في ثقافة سياسية ومنظومة كاملة لا ترى في الغياب خيانة للأمانة، بل &#8220;مرونة سياسية&#8221;، حيث يصبح الصمت فضيلة والمقعد حقا أبديا.. وهكذا يبدأ مجلس النواب العراقي الجديد بمقاعد فارغة، ووعود ممتلئة بالهواء.. فاللهم احفظ برلماننا من الحضور الدائم، وارزقنا نوابا يكون غيابهم كحضورهم، وحضورهم كغيابهم، ووعودهم كرواتبهم: شهرية ومضمونة بغض النظر عن الأداء.</div>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بان زياد.. موت معلّق- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/08/18/%d8%a8%d8%a7%d9%86-%d8%b2%d9%8a%d8%a7%d8%af-%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%85%d8%b9%d9%84%d9%91%d9%82-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 18 Aug 2025 18:30:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=98347</guid>

					<description><![CDATA[حتى الآن لم تُحسم بشكل نهائي قضية &#8220;الموت الغامض&#8221; للطبيبة النفسية بان زياد أو بالأحرى التي انتحرت بطريقة مبتكرة في البصرة، ففي بلاد الرافدين حيث تُدفن الحقيقة قبل الجثث وتُسجَّل &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<div dir="auto">
<div dir="auto"></div>
<div dir="auto"></div>
<div dir="auto">حتى الآن لم تُحسم بشكل نهائي قضية &#8220;الموت الغامض&#8221; للطبيبة النفسية بان زياد أو بالأحرى التي انتحرت بطريقة مبتكرة في البصرة، ففي بلاد الرافدين حيث تُدفن الحقيقة قبل الجثث وتُسجَّل الجرائم على أنها &#8220;سوء تفاهم نفسي&#8221;، لم تعد القصص تنتهي بجملة &#8220;وعاشوا في تبات ونبات&#8221; بل غالباً بـ&#8221;وانتحرت الجثة بعد تعرضها لضرب مبرح&#8221;.. هذا على الأقل ما تقوله الرواية الرسمية في قضية الدكتورة بان، حيث إن هناك تضارب بين الرواية الرسمية والأدلة الطبية الأولية والتسريبات، فالرواية الرسمية وحتى العائلية تقول إن الدكتورة بان أقدمت على الانتحار بسبب ضغوط نفسية، فالحكومة كعادتها لا ترى في المرآة سوى ما تريد: سرقة قرن كامل من النفط؟ ليس هناك شي، مجرد فساد بالمليارات؟ أو مجرد سوء فهم مالي.. جثة عليها آثار تعذيب واضحة؟ لا يا حبيبي، انتحرت، ففي خبر عاجل قد يغير مناهج الطب الجنائي في العالم، أعلن مسؤولون في البصرة أن وفاة الدكتورة بان زياد طارق كانت انتحاراً وكأنها تقول: &#8220;لا، لا تقلقوا.. فلا وجود لآثار جريمة، الموضوع مجرد ضغوط نفسية ومجرد انتحار&#8221;، وكأن كلمة &#8220;انتحار&#8221; أصبحت مثل بخاخ معطّر للفضائح.. رغم أن الجثة تحمل آثار كدمات ورضوض وقطع في الشرايين بطريقة توحي بوجود شبهة جنائية (قتل وليس انتحار) وهذا ما أشارت إليه الأدلة الطبية المسربة وتقارير أولية وأهمها ما كشف عنه أحد نواب محافظة البصرة، يبدو أننا دخلنا عصرا جديدا من &#8220;التنوع الانتحاري&#8221;، حيث لا يكتفي المرء بإنهاء حياته بل يضيف القليل من البهارات الدموية ليُبهر الناس، الطب العدلي كعادته ما زال يدرس، هل هذه الكدمات &#8220;عرض جانبي للانتحار&#8221;، أم أنها &#8220;إبداع محلي&#8221; لا يفهمه الغرب؟ وفي حال أثبتوا أنها انتحار فعلاً، ربما نحتاج إلى إدخال فصل جديد في كتب علم النفس تحت عنوان: &#8220;كيف تضرب نفسك حتى الموت ثم تكتب رسالة وداع&#8221;.. ولو كان فرويد حياً لزار البصرة وأعاد كتابة نظرياته.</div>
<div dir="auto">الأم من جانبها قالت: &#8220;ابنتي انتحرت بسبب الضغوط&#8221;، حسناً.. في بلد مثل العراق، إذا كانت الضغوط تُنتج كدمات وجروح قطعية، فالأطباء النفسيون مستقبلاً سيوصفون العلاج كالتالي: خذ حبتين مهدئ.. واضرب نفسك بالباب مرتين، ففي العراق، حتى الانتحار عنده سيناريو خاص، فبينما العالم يعرف أن الانتحار عادة يتم بطلقة، أو حبل، أو جرعة زائدة، نحن هنا اخترعنا نسخة جديدة، انتحار مع آثار ضرب وكدمات وقطع في الشرايين، نسخة من الموت لا تحدث إلا عندنا.</div>
<div dir="auto">أما المجتمع فقد انقسم، فمجمل الرأي العام والإعلام كان له رأي آخر فهم لا يحتاجون إلى مختبر جنائي ليدركوا أن الجثة التي عليها آثار تعذيب ليست نتيجة قرار &#8220;شخصي&#8221;، فأغلب الأصوات تشكك بفرضية الانتحار وتطالب بتحقيق شفاف، خصوصا أن &#8220;بان&#8221; كانت طبيبة نفسية خبيرة وتعرف تماما وسائل الانتحار &#8220;المباشرة&#8221; ولم تكن تعاني علنا من اضطرابات خطيرة، في حين إن البعض يصدق الرواية الرسمية كمن يصدق أن الكهرباء في العراق ستستمر 24 ساعة، بينما الطرف الثالث وهو الأكثر ابتكاراً يقترح أن نترك الأمر للقرعة بأن نرمي قطعة معدنية من العملة، صورة تعني &#8220;قتل&#8221;، كتابة تعني &#8220;انتحار&#8221;، وهكذا تتحول قضية إنسانية لطبيبة متفوقة إلى عرض عبثي: الدولة تقول انتحرت، الأدلة تقول قُتلت، والجمهور يضحك ثم يبكي.. المؤسف أن الأمر لا يتوقف عند &#8220;التبرير&#8221; بل يتحول إلى إهانة للعقل الجمعي، فهناك من يريد من المواطن أن يصدق أن الجثة تتعرض أولاً للضرب ثم تتذكر فجأة أنها مكتئبة فتقرر الانتحار في مشهد يصلح لمسلسل كوميدي من الدرجة الثالثة، لكن ما لا يفهمه المسؤولون هو أن الناس لم تعد ساذجة فالمواطن الذي يقرأ ملامح الكذب في وجه السياسي قادر أن يقرأ آثار الجريمة في جسد الضحية.</div>
<div dir="auto">أما التحقيق الرسمي فلا يزال جاريا، والقرار النهائي يتوقف على تقرير الطب العدلي الذي لم يُعلن بعد بشكل قاطع،  بمعنى آخر رسميا: انتحار، أما واقعيا (حسب الأدلة والجدل الشعبي) احتمال كبير وجود جريمة قتل.. باختصار في العراق الحقيقة لا تموت.. بل هي الأخرى تنتحر، لكن بعد أن تتعرض للضرب المبرح، فالمال يُسرق باسم القانون، وتُقتل الحقيقة باسم الانتحار، وتبقى العدالة جثة أخرى تنتظر تقرير الطب العدلي، وإذا لم تقتل أو تنتحر فستحتاج إلى تصريح رسمي، وإلى أن يحين هذا التصريح، سيبقى السؤال معلقاً: هل قتلوها.. أم قتلت نفسها بطريقة لا يعرفها سوى خيال الروايات البوليسية؟</div>
</div>
<p>&nbsp;</p>
<div class="gmail_quote">
<div class="gmail_attr" dir="ltr">في الخميس، ٢٦ حزيران، ٢٠٢٥، ٢:٥٣ ص Jalil Mandelawi &lt;<a href="mailto:jalil.mandelawi@googlemail.com" target="_blank" rel="noopener">jalil.mandelawi@googlemail.<wbr />com</a>&gt; كتب:</div>
<blockquote class="gmail_quote">
<div dir="auto">تحية طيبة</p>
<div dir="auto">يرجى نشر القصة المرفقة</div>
<div dir="auto">جليل ابراهيم المندلاوي</div>
<div dir="auto">اربيل &#8211; العراق</div>
</div>
</blockquote>
</div>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>رقصة الكبرياء الأخيرة- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/06/26/%d8%b1%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%b1%d9%8a%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 26 Jun 2025 04:42:19 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=95723</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; كانت خطواته ثقيلة، تنطق بالتعب الذي يختبئ في عظامه، وجهه محاط بظلال السهر، وعيناه تعكس حكايات الليل الطويل الذي قضاه يقاتل ضجيج الأفكار، وكل نفس يلتقطه كان كأنه &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>كانت خطواته ثقيلة، تنطق بالتعب الذي يختبئ في عظامه، وجهه محاط بظلال السهر، وعيناه تعكس حكايات الليل الطويل الذي قضاه يقاتل ضجيج الأفكار، وكل نفس يلتقطه كان كأنه يحمل عبء العالم، لكنه استمر، يمضي بخطى بطيئة، كأنما يحمل ثقلاً لا يُرى، فكل شيء في هذه المدينة يشبهه، الأرصفة المتعبة، أعمدة الكهرباء العرجاء، والحر الذي يُلهب الخيال أكثر من الجسد، يحمل على كتفيه نهاراتٍ من الانتظار، وليالٍ تقضمها المولدات وتخنقها المراوح التي لا تهبّ إلا بالأمل، إنها بغداد التي كانت في يوم ما بلد السلام.. فكان كل شيء من حوله يهمس بما تبقّى من المدن حين تنهكها الذاكرة، المقاهي بنادلين ذاب صوتهم في ضجيج المراوح، الأسواق التي تشبه بيوتا بلا جدران، والنساء اللواتي يحملن الخبز وأوجاع الأمهات في أكياس النايلون، يمشي وهو يعرف أن المدن لا تموت دفعة واحدة، بل تفقد ملامحها شيئا فشيئا، كصورة تُترَك تحت الشمس طويلاً، أطفال يركضون بين الحفر وكأن الألم مجرد لعبة لا نهاية لها، وشباب يجلسون على الأرصفة، ينظرون إلى العابرين كأنهم ينتظرون شيئا لن يأتي..</p>
<p>أصبحت بغداد تنبض في صدره كوجعٍ عتيق لا يبرأ، فكلما اقترب من شارعٍ يعرفه، تاه أكثر داخل أعماقه، بعيدا عن ذاته، فهو من أولئك الذين ينامون بصعوبة ، ليس لأن النوم صار مستحيلاً، بل لأن الحلم نفسه صار عملةً نادرة، فهو يعمل نهارا في مصلحةٍ حكوميةٍ لا يعرف أحدٌ وظيفتها بالضبط، ويقضي ليله في ركن مهجور من هذا الوطن المثقل بالوعود الكاذبة، وهناك، بين صدى الصمت وغمرة الوحدة، يتساءل بصمت: من أين تأتي كل هذه الخيبات المتتالية؟</p>
<p>ولعلّ الإجابة لم تكن في الأسئلة الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي تحاصر يومه وتختصر مأساته، فحياة هذا الوطن البائس، لا تعني له أكثر من تفاصيل بسيطة، فهو رجل بسيط لا يملك من الدنيا إلا مروحة تقاعدت قبل أن تُكمل عقدها الأول، وسقفاً من الصفيح يشبه الفرن أكثر مما يشبه البيت، كلّ صيفٍ يفتح أبوابه كأنه يوم القيامة، ويمرّ نهاره كأنه عقوبة مؤبدة بلا محاكمة، ففي تلك الأزقة التي لا تزورها النسمات، لم يكن يبحث عن ظلٍ، بل ليعتاد على الجحيم القادم، يُقنِع نفسه أن العرقَ طهارة، وأن انقطاع الكهرباء امتحان إلهي في الصبر، وأن صوت المولدة القريبة هو النشيد الوطني الحقيقي لهذا البلد، وعند الظهيرة، يبدأ العرض اليومي للمعاناة، تنقطع الكهرباء، فتسكت الأجهزة، وتصحو الحشرات، يُغمس جسده في دلو ماءٍ كأنه يحاول أن يسرق لحظة نجاة من هذا اللهيب، بينما المولدات تتعارك مع الهواء لتبيع الوهم بالكيلوواط، أما الكهرباء الوطنية؟ فتلك حكاية تُروى للأطفال قبل النوم، فالكبار فيدفعون عن كل أمبير، فاتورةَ صبرهم، وفي المساء، حين تتهيأ النجوم لتضيء لغيره من البشر، يجلس على سطح داره، يعدّ أضواء الطائرات ويشتم الحكومة، ثم يعود ليُصلي صلاةً خامسة اسمها &#8220;صلاة الكهرباء&#8221;، لا توقيت لها، ولا يقين باستجابة، ورغم ذلك فهو لا يثور، ولا يهاجر، ولا يلعن الوطن، فقط يبتسم ابتسامةً فيها من الحكمة ما يكفي لهزيمة اليأس، ويقول: &#8220;هذا الصيف سيعلّمني شيئاً جديداً&#8221;، ثم ينام، إن استطاع، على أمل نسمةٍ تُولد بالخطأ، أو انقطاع مؤقتٍ في موجة الحرّ، وفي كل مرةٍ يسأله الزائرون: كيف تصبر؟</p>
<p>يردُّ وهو يعبّ من هواءٍ لا يبرد: &#8220;الصيف عندنا ليس فصلاً، هو شخصية وطنية مستقلة&#8221;.</p>
<p>وسط كل ذلك التعب اليومي، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تتآمر على راحته، كان في قلبه متسع لشيء آخر، شيء نقي، هشّ، لا يشبه صخب المولدات ولا ضيق الأزقة، حيث لم يكن عاشقا تقليديا، بل كان يحب كما يُحبّ الذين يعرفون أن الحياة لا تمنح فرصا ثانية، يكتب رسائل لا يرسلها، ويحتفظ بأغلفة الشوكولاتة كأنها براهين على وجود لحظات دافئة في زمن بارد، أحبّ امرأةً كانت تمرّ كل صباح من ذات الزقاق، شعرها مشدود كسطرٍ مستقيم في دفتر مدرسي، وعطرها يفتح في قلبه فصلاً لم يكتمل، لكنه لم يقل لها شيئا، اكتفى بأن يمنح ابتسامته للهواء كلما مرّت، ويعود إلى داره المستأجرة، حيث السقف أقرب من الحلم، والمروحة تدور كما تدور أيامه: دون جدوى..</p>
<p>كتب لها ذات مرةً على غلاف دفتَرٍ قديم: &#8220;لو كنتِ مدينة، لكنتِ بغداد التي في قلبي، مُتعبة، جميلة، لا يفهمها أحد&#8221;.. ثم مزّق الورقة، ورماها من الشباك، فطارَت بعيدا، ككل شيء أحبّه.. في الليل، يسمع الأغاني التي تُشبِهه، يغني بصوتٍ خافت كي لا يوقظ جاره العجوز، ويرسم على جدران قلبه امرأةً لا تأتي، ولا تنسى، حتى أصبح قلبه يشبه أرصفة بغداد: كثيرا ما مرت عليه الخطوات، وقليلاً ما وقفت.. فمنذ سنوات وهو كلما أحبّ، ضاع أكثر.</p>
<p>ولأن القلب إذا انكسر لا يتوقف عن المحاولة، دخلت امرأة أخرى حياته، لا تشبه الأولى، لكنها حملت الوعود نفسها التي يحب أن يصدقها، فقد كانت تشبه الربيع، ففي أول آذار أقبلت عليه مثل وعدٍ انتخابي، قالت: &#8220;سأجعلك رجلاً لا يعرف الحزن&#8221;.. فصدقها كما صدق يوما نائبا قال إن الكهرباء ستعود كاملة بعد العيد، فانتظر العيد والعام والعقد، ولم يعد إلا الظلام، كان يعطيها قلبه، ووقته، وماله القليل الذي يجنيه من دوامه الطويل في دائرةٍ تشبه المقبرة، وكانت تأخذ كل شيء، ثم تختفي حين يُطالبها بالمقابل، كما تختفي شعارات الأحزاب بعد انتهاء الانتخابات، قال لنفسه: &#8220;لن أُلدغ مرتين&#8221;.. لكن الحقيقة؟ لقد لُدغ عشرا، وفي كل مرة كان ينهض من الخيبة كمن ينهض من تحت أنقاضه، يلملم ما تبقى من قلبه، ويقنع نفسه أن الإنسان لا يُولد قويا، بل يُصبح كذلك من فرط الانكسارات، كان يعرف جيدا أن الحب في بلده ترفٌ، والصدق عملة نادرة، لكن قلبه، رغم كل شيء، ظل ساذجا بما يكفي ليحلم، حتى جاءت المرأة الثالثة كأنها &#8220;برنامج حكومي&#8221;، بتسريحة شعرٍ أنيقة، وكلماتٍ محفوظة، قالت له: &#8220;نستطيع أن نُغيّر الواقع سويا&#8221;.</p>
<p>أعطاها مفتاح بيته وقلبه، فغيّرت الأقفال، واحتفظت بالمفتاح وحدها، وحين حاول أن يستعيد نفسه، أخبرته أن حبها كان مشروطا: &#8220;إن أردت أن أبقى، فعليك أن تتغيّر&#8221;.</p>
<p>كأنها حكومة تشترط على المواطن أن يكون صالحا ليستحق الخدمات، لا أن تُصلح نفسها.. كان متمردا، لا يحب أن يُطأطئ رأسه، حتى حين يُجبره الحر على الانحناء، أو حين يغرق الشارع بمياه المجاري المختلطة بالحلم، لكنه كل مرة كان يقع، لأنه كان يؤمن أن الحب قد يكون الخلاص، كما كان يصدق أن صناديق الاقتراع قد تُنجب كرامة.</p>
<p>ومع اقتراب كل انتخابات، يتغيّر شكل النساء في حياته، فجأة تظهر امرأة جديدة، تشبه الملاك، تقول له إن زمن الظلم انتهى، وإنها تختلف عن كل ما مضى، تعده ببيتٍ دافئ، وأمانٍ عاطفي، وبأنها &#8220;مستقلة&#8221;، لا تنتمي لأي فئة أو مصلحة، فقط تبحث عن شريك صادق، كان يضحك من داخله، لكنه يتبعها.. حتى بات يؤمن أن النساء في حياته يشبهن الفصول: الأولى كانت شتاءً، باردة وناعمة وصامتة، والثانية ربيعا يزهر بالكلام ويذبل بالفعل، أما هو فظل عالقا بينهما، كخريف لا ينتهي.. ربما لهذا كان صوته لا يسمعه أحد، ووجوده لا يزعج أحدا، وغيابه لا يُربك جدول يوم أحد، كان قد وصل إلى نقطة لا ينتظر فيها شيئا من أحد، كل شيء فقد بريقه: الحب، الوطن، حتى نفسه، لكن الحياة، بمهارتها في السخرية، لا تتوقف عن اختبار القلب الذي يظنّ أنه لم يعد صالحا للمعارك.</p>
<p>كان كل شيءٍ حوله يعيد نفسه: الخطابات، الشعارات، الملامح، وحتى الخيبات، كأن المدينة تُعيد بثّ نفس الحلقة القديمة من مسلسلٍ لا نهاية له، ومع ذلك، ظل يمشي، لا لأن في الخطى أملاً، بل لأن التوقّف صار أكثر إرهاقا، وكان في داخله شيء يقول: لا جديد سيأتي، فكل الطرق مأهولة بالمألوف، وكل الوجوه مستعارة.. لكن الحياة، كعادتها، كانت تخبئ استثناءً صغيرا، لا يُعلن عن نفسه، ولا يطرق الأبواب بقوة..</p>
<p>في أحد الأيام، عاد إلى بيته بعد يومٍ عملٍ كُتب على وجهه بالبؤس، لم يكن ينتظر شيئا خلف الباب سوى الظلمة والصمت، لكنّه وجد امرأة جديدة في انتظاره، بشعرٍ أسود وملامح ناعمة، وقفت كأنها استثناء، وقالت له بصوتٍ يشبه المطر: &#8220;أنا لا أعدك بشيء، فقط أعطني ثقتك، وسأصنع لك وطنا صغيرا&#8221;.</p>
<p>نظر في عينيها طويلاً، ، وفي داخله صوت قديم يتمنى التصديق، لكنّه لم يكن ذاك الرجل القديم، ثم أطفأ النور، وأدار وجهه نحو الجدار، وقال بصوت خافت يشبه تنهيدة خيباته: &#8220;كفاكنَّ كذبا.. لقد امتلأ قلبي بالوعود، حتى لم يعد فيه مكان للنبض&#8221;.</p>
<p>لم يكن بحاجةٍ لمزيد من الكلمات، فقط فتح الباب، كمن يُخرج نفسه من غرفة ضيقة في ذاكرته، وخرج إلى الشارع، كانت الجدران مملوءة بملصقات المرشحين، كل واحدٍ يعده بما وعدته به امرأة يوماً ثم اختفت</p>
<p>ضحك بسخرية مرّة، كأنما يعبث به الزمن نفسه، وقال: &#8220;حتى الوجوه باتت تتكرر كأنها وجوه أشباح تائهة في صحراء الوعود، وحين تفتش عن الحقيقة، تجد صدى كاذباً يتردد بين جدران الوهم، في الحب وفي السياسة، كثيرة هي الوجوه، لكن صمت الخيبات واحد، والألم هو الوعد الوحيد الذي لا يخلف&#8221;.</p>
<p>لم يستطع أن يترك ذلك الصوت يمرّ مرور الكرام، فتابع خطواته في الشارع، وهو يشعر بثقلٍ داخلي لا تزيله الكلمات، ويردد مع نفسه: &#8220;يا لغبائي، حين اعتقدتُ أن الحبّ يُقاسُ بكمية التوسل، وأن الركوع على أعتاب القلب المُغلق قد يُعيد فتحه يوما، كنتُ أظن أني فارسُ الحكاية، لكنها كانت تكتب النهاية&#8221;.. ثم توقّف للحظة أمام نفسه، سائلاً بمرارة: &#8220;هل تستحقُّ كل هذا الانكسار؟ كل هذا الانحدار من كرامتي؟&#8221;.. ضحكت نفسه، ساخرةً منه، وأجابت بلسانها الذي حفظ مرارة الخذلان: &#8220;أما فهمتَها حين لمّحت بأنها أفضل منك؟&#8221;</p>
<p>فلمَ يا قلب.. توسّلتَ لمن رأت فيك ظلاً، لا وطنا، وجعلتَ من كيانك مهزلة، من أجل ابتسامةٍ لم تكن لك؟ ونسيتَ أن الكبرياء حين ينكسر، لا يُصلحه حُبٌّ مزيف.. دعها تمضِ، فالنهايات ليست دائما خسارات.</p>
<p>وفجأة، أدرك أن قلبه توسّل لمن لم تراه سوى ظلاً، لا وطناً، وجعل من كيانه مهزلة من أجل ابتسامة لم تكن له، نسي أن الكبرياء حين ينكسر، لا يُصلحه حبٌ مزيف.. فأغمض عينيه، وقال لنفسه بهدوء مُتعب: &#8220;دعها تمضِ، فالنهايات ليست دائما خسارات&#8221;.</p>
<p>لم يجد أمامه سوى المشي، لا لأنه يؤمن بأن الخطى ستقوده إلى خلاص، بل لأن التوقف كان أثقل من أن يحتمله، فمشى متمردا كما هو، حاملاً على كتفيه وطناً يشبهه، وطناً يشبه وعدا لا يُنجز، يسير في طريقه دون أن يلوي على شيء، فكان يمرّ بين الوجوه كمرور الغيم فوق مدينة عطشى: لا يُمطر، ولا يعد بشيء، وفي كل زاوية، كان كل شيءٍ يعيد نفسه: الخطابات، الشعارات، الملامح، وحتى الخيبات، كأن المدينة تُعيد بثّ نفس الحلقة القديمة من مسلسل لا نهاية له.. توقف قليلاً أمام ملصقٍ لشابٍ أنيق يبتسم بثقة ويعد بـ&#8221;الكرامة والتنمية&#8221;، همس في نفسه: &#8220;هذا الوجه يشبهها، حين قالت لي: سأمنحك حياة لا تشبه شيئا قبلك، ثم مضت، وتركتني أعدّ خساراتي كموظفٍ في أرشيف الوطن&#8221;.</p>
<p>كان وجهه لا يحمل الغضب، بل إرهاقاً عميقاً، تعبَ من عالم لم يعد يفرق بين الحلم والوهم، بين الوطن والعاطفة، وقف عند الرصيف، أخرج سيجارة من جيبه، أشعلها بلا رغبة في التدخين، بل ليشاهد شيئاً يحترق أمامه دون مقاومة، ثم همس بصوت خافت، كأنه يبوح لسكون الليل: &#8220;كلهم وعدوني بمستقبل أفضل، هي، والمرشّح، والدولة، وحتى الشعراء، لكن وحده الليل ظلَّ وفيّا، يأتي كلّ مساء، دون أن يعد بشيء&#8221;.</p>
<p>في الزاوية ذاتها التي اعتاد الوقوف عندها كل مساء، حيث تناثرت ألوان الوعود على جدران الحي الملطخة بملصقات المرشحين، مرَّ طفل صغير يحمل في يده بالوناً أحمر، توقّف أمامه للحظة، عيونه براءة لا تعرف المكر، وسأله ببساطة: &#8220;يا عم، ما معنى الوعد؟&#8221;</p>
<p>نظر إليه طويلاً، ثم إلى البالون، ثم إلى تلك الجدران التي تكدّست عليها الأكاذيب والوعود الزائفة، وفكّر في عدد المرات التي علّق فيها قلبه على وعودٍ حلّقت في السماء فقط لتختفي في العدم، تنفّس بعمق، وأجابه بصوت هادئ يشبه الحكمة المتعبة: &#8220;الوعدُ يا صغيري، هو شيءٌ يُملأ بالهواء، ثم يُطلق في السماء، فنظلّ نُحدّق فيه حتى يغيب&#8221;.</p>
<p>ابتسم الطفل، وركض مبتعدا ببالونه، أما هو، فجلس على حافة الرصيف، نزع حذاءه، وترك قدميه تلامسان إسفلت المدينة الساخن، كأنّه يريد أن يتأكّد أن الأرض ما تزال هنا، حتى لو غابت كل الأحلام، ثم نظر للسماء، لكنه لم يسألها شيئا، فلم تعد لديه أسئلة، بل أجوبة لا يطلبها أحد، أشعل سيجارةً لم تَعد تسكته كما كانت تفعل، وقال لنفسه بصوتٍ خافتٍ كأنه صدى وطن بأكمله: &#8220;أنا آخر مواطن يؤمن أن الشمس قد تخجل من قسوتها يوما، وأن البلاد ستعتذر، ولو مرّة، لرجلٍ أحبّها دون مقابل&#8221;.</p>
<p>ثم سحب نَفَسا طويلاً، ونهض ببطء، كأنّه ينهض من داخله بعد غياب طويل، عاد يمشي، ليس إلى بيت يأويه، ولا نحو حبيبة تنتظره، بل نحو نفسه، تلك الذات التي نسيها في زحمة الوعود والخيبات، وها هو يحاول أن استعادتها، ولو بعد فوات الأوان.. وفي آخر الليل، حين سكنَ كل شيء من حوله إلا قلبه، صعد إلى السطح، ذلك المكان الوحيد الذي لا يُحاسبه أحد على صدقه، ولا يُطالب فيه بتمثيل دور، وجلس تحت سماءٍ لا تعده بشيء، حدّق طويلاً في العتمة تلتهم الأفق، كأنه يحاول أن يلمح ملامحه القديمة التي غابت عن بصره طويلاً، ثم تنفّس ببطء، كمن يُطفئ شمعةً لا تخصّه، وقال بصوتٍ بالكاد يسمعه الهواء: &#8220;لا أريد أكثر من حياة لا تشرح نفسها، لا حبٍّ يُشبه الإعلانات، ولا وطنٍ يتحدّث بلغةٍ ليست لغتي، أريد فقط.. أن لا أنتظر شيئا، وأن لا أخاف من لا شيء&#8221;.</p>
<p>وابتسم، تلك الابتسامة التي لا تقول: &#8220;أنا بخير&#8221;، بل تقول: &#8220;لقد مررتُ بكل هذا، وما زلتُ هنا&#8221;.</p>
<p>ثم أغلق عينيه، كأنه يبحث عن وطن مؤقت في عمق النوم، حيث لا تُطلب جوازات سفر ولا يُقطع التيار، مكان لا تحكمه خيبات اليقظة ولا قسوة الواقع.. فنام، ليس لأن التعب قد انتصر، بل لأن الخيبة تراجعت قليلاً، فأصبح بوسع قلبه أن يستريح ولو للحظة، وفي الخارج، كانت المولدات تئن بصمتها المعتاد، وبغداد، كما هي دائماً، تنفض عن كتفيها غبار الحنين، وتواصل طريقها بلا توقف، وكأن شيئاً لم يكن.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>في البدء كان الشك- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/06/10/%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d8%a1-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%83-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d9%84%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 10 Jun 2025 19:38:47 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=94867</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; لم يكن يبحث عنها ولا عن الحب، فقد كان ككل الذين خاضوا الحرب ضد العواطف، وعاش السنوات الماضية من عمره الذي ناهز الخمسين في هدوء مطلق، بعيداً عن &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>لم يكن يبحث عنها ولا عن الحب، فقد كان ككل الذين خاضوا الحرب ضد العواطف، وعاش السنوات الماضية من عمره الذي ناهز الخمسين في هدوء مطلق، بعيداً عن صخب المشاعر وعواصف القلب، كان اختار العزلة كملاذ آمن بعد تجارب مؤلمة تركت في روحه ندوباً لا تُمحى، ليلوذ بالحذر ولا يُسلّم قلبه بسهولة، ولا يقيم وزناً للهفوات العابرة.. فكان يقضي أمسياته في مكتبه الصغير، يكتب مقالاته ويراجع أوراقه، وقد اعتاد على الصمت حتى صار جزءاً من شخصيته.. لكنها أتت، لا من باب، بل من تردّد خافت في سماعة الهاتف النقال، من تنهيدة عبر الأثير، من ارتجافة صامتة بين سطر وسطر، ففي إحدى ليالي الربيع الهادئة، رن هاتفه النقال برقم غريب، تردد للحظة، ثم أجاب بصوت متعب: &#8220;نعم؟&#8221;</p>
<p>كان الصوت الذي وصل إليه عبر الخط أشبه بنغمة موسيقية، صوت امرأة يحمل في طياته نبرة حزن خفيف مخلوط بقوة داخلية، اعتذرت عن الإزعاج، قالت إنها حصلت على رقمه من صديق مشترك، وأنها تود مناقشة موضوع عمل معه، قالت بهدوء: &#8220;كنت أعمل في مجال الإعلام، وقد قرأت بعض مقالاتك.&#8221;</p>
<p>ساد صمتٌ قصير بين جملتها الأخيرة وصوته، صمت لم يكن من النوع المُحرج، بل أشبه بفاصل موسيقي بين مقطوعتين، كأنه كان يصغي لما بين الكلمات، لا لها.</p>
<p>&#8211;  أهوَ إعجاب بكتاباتي؟ أم بحث عن شيءٍ آخر؟</p>
<p>سألها بنبرة لا تخلو من سخرية ناعمة، كأنه يضع مسافة خفيفة بينه وبين الاحتمالات.</p>
<p>ضحكت، ضحكة قصيرة، أقرب لارتعاشة هواء، ثم قالت: &#8220;لا تقلق، لا أبحث عن الحب، ولا أبيع الإعجاب، فقط شيء أردت أن أناقشه معك، كتاباتك لامست شيئا داخلي&#8221;.</p>
<p>توقف لحظة، تردد أن يطلب منها أن تشرح، لكنه تراجع، لم يكن ممن يلاحق الكلمات إلى جحورها، كان يفضل أن تأتي إليه طوعًت:&#8221; تفضلي، أنا أستمع&#8221;.</p>
<p>قالها وهو يُغلق ملفات على سطح مكتبه بعناية، كأنه يفسح لها مكانا في مساحة لا يقتحمها أحد عادة.</p>
<p>&#8211; &#8220;منذ أشهر، أفكر في مشروع وثائقي عن التحولات الاجتماعية في المنطقة بعد الحروب&#8230; أردت أن أبدأه من زاوية مختلفة، ليست سياسية بحتة، بل إنسانية، شعورية&#8221;.</p>
<p>كان يصغي إليها بكامل انتباهه، نبرة صوتها الهادئة، تلك التي تسير على حافة البوح، أثارت فيه شيئا نائما، سأل بنبرة غير متفاجئة، لكن فيها مسحة اهتمام صادق: &#8220;وثائقي؟&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;نعم، لكن ليس وثائقيا تقليديا، أريد أن أُدخل فيه شيئا من الشعر، من النَفَس السردي، لا أعرف بعد، الأمر غامض في رأسي، وأنت بارع في صياغة الغموض كأنه حقيقة&#8221;.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>ابتسم، لا ابتسامة فرح، بل تلك التي تأتي حين تكتشف أن أحدهم قرأك كما تقرأ أنت نفسك: ببطء، وبحذر، وبعاطفة مكبوحة وقال بهدوء: &#8220;وماذا تريدين مني؟&#8221;</p>
<p>ترددت، ثم أجابت بصوت أكثر خفوتا، لكن بنبرة أكثر قربا: &#8220;أريدك أن تكتب معي، أو تكتب لي، أو ربما، فقط تساعدني في أن أرى الصورة من عينيك&#8221;.</p>
<p>صمت. لم يجب. شيء ما في داخله بدأ يتحرك، شيء يشبه أول قطرة مطر على نافذة مُغلقة منذ سنين.. استمرت المكالمة لوقت قصير، تحدثا عن البداية، ثم انزلقا تدريجياً إلى مواضيع أخرى، كان هناك شيء مميز في طريقة حديثها، في صمتها بين الجمل، في طريقة ضحكها الخفيف حين يقول شيئاً طريفاً، وعندما انتهت المكالمة، بقي جالساً في مكتبه لساعات، يحدق في الهاتف، لم يكن يتوقع أن صوتاً واحداً قادر على أن يهز كيانه بهذه الطريقة، وأن مكالمة واحدة كانت كافية لخلخلة توازن كائن اعتاد الصمت، فارتجّت فيه الأزمنة، وانقلبت عليه الجدران التي شيّدها بعرق الوجع، فلم تكن مكالمة عادية، بل كانت طقساً صوفياً، تعميداً بالكلمات في معبد الوجد، حيث كان صوتها كنغمة عود قديم يعزف لحناً منسياً في روح رجل ظن أنه نسي معنى الحب منذ أمد بعيد، ففي البدء كان الصوت.. صوت يتسلل عبر الأثير كنهر من ضوء القمر، يشق عباءة الليل، بل وكأنه رياح تعصف بخرائب قلبه المهجور، لتنفخ في رماد الذكريات فتشعل ناراً لم يعرف أنها كانت تحت الرماد تنتظر، ليسقط في تلك اللحظة الأولى في بئر عميق اسمه الحب، وكان السقوط أشبه بالطيران، فحين سمع صوتها لأول مرة، انكسرت فيه كل الحصون التي بناها من قسوة التجارب القديمة، كانت الكلمة منها تعادل قصيدة، وكان الصمت بين الجمل أشبه بسطر خفيّ من صلاة لم تُكتب بعد، لم تكن سوى مكالمة، ومع ذلك أحسّ أن الحياة بدأت تُعاد تشكيلها في خلاياه، مكالمة تشبه النور حين يتسلل من شقّ في جدار كهف قديم، لا يضيء فقط، بل يكشف عن الظلال الكامنة، يعرّي النفس من سُباتها.</p>
<p>أصبحت المكالمات المسائية طقساً يومياً بينهما، تحدثا عن كل شيء: عن الطفولة والأحلام، عن الخيبات والآمال، واكتشف أنها أم اختارت العزلة العاطفية بعد تجربة زواج فاشلة، وأنها كانت تعمل بجد لتربية أطفالها وحدها، وقد بنت حول قلبها أسواراً عالية لحمايته من المزيد من الألم، شمم.. كانت اسماً بلا اسم، زهرة برية نبتت في حديقة مهجورة، جميلة ومتوحشة في آن واحد، امرأة نسجت من خيوط الغموض والنور، قد اختارت العزلة كراهبة في دير الأمومة، تحرس أطفالها كحارسة معبد تحمي الكنوز المقدسة، فلم تكن تغازل ولم تكن تتصنّع.. كامرأة تقف على حافة الغياب، بعد أن مرت بعواصف الحب فخرجت منها محطمة الأشرعة، فقررت أن ترسو في مرفأ الوحدة، وأن تنسحب من صخب العواطف لتطوي العالم حول أولادها كما تطوى الأم غطاءها على جسد نائم، وآمنت أن في الزهد عفة، وفي التربية حياة أكثر نُبلا من كل لذائذ العشق، هذا النُبل الذي ينهض من تحت رماد الخذلان.</p>
<p>ذات مساء، قالت له بصوتٍ يشبه نسمة على خدّ جرح: &#8220;لست أبحث عن الحب.. لقد تعبت من كل هذا.&#8221;</p>
<p>أجابها بصراحة رجلٍ سئم أيضا من الحرب، لكنه لم ينزع سلاح قلبه تماما: &#8220;ولا أنا&#8230;&#8221;</p>
<p>ثم صمت قليلاً، كمن يسمع قلبه لأول مرة منذ سنين، وأضاف: &#8220;لكن يبدو أن الحب يأتي أحيانا.. دون استئذان&#8221;.</p>
<p>سادت لحظة صمت بينهما بعد كلمته الأخيرة، لم تكن كسورا في الحديث، بل كأنها فسحة تأمل، مساحة صغيرة ليعيد كلٌّ منهما ترتيب ارتباكه.. قالت: &#8220;لم أعد أؤمن بذلك النوع من الحب الذي يُحدث ضجة&#8221;.</p>
<p>&#8211; &#8220;ولا أنا.. الحب الحقيقي لا يأتي كالعاصفة، بل كالمطر الخفيف، يتسلل بهدوء ثم يستوطن&#8221;.</p>
<p>ضحكت ضحكة قصيرة لكنها حقيقية، كأن شيئا من الحطب القديم اشتعل فيها دفئا لا نارا ورددت: &#8220;تقول كلاما يشبه القصائد، لكنك تخفي قلبك بين السطور&#8221;. قالت جملتها الأخيرة بنبرة لا تتهم، بل تلمس.</p>
<p>&#8211; &#8220;أنا فقط&#8230; حذر.. كما لو أن القلب قطعة خزف وقعت كثيرا، وصار عليه أن يتعلّم كيف يظل واقفا بلا أن يُلمَس&#8221;.</p>
<p>&#8211; &#8220;أفهمك&#8230;&#8221;</p>
<p>ثم أضافت همسا: &#8220;ربما لأنني مثلك، أمشي بحذر على أطراف الذاكرة&#8221;.</p>
<p>كان الليل يتسلل من نوافذ الصمت، والمكالمة بينهما صارت أشبه بجسر يمتد من روحٍ إلى أخرى، لا يحمل مواعيد، ولا وعودا، فقط هذا التواطؤ غير المعلن: أن شيئا ما يحدث، رغم النفي، ورغم الحذر.</p>
<p>-&#8221; أتعرف؟ أحيانا أفكر أن القلوب التي تنجو من الغرق، لا تنسى الطوفان، حتى وهي تبتسم للشاطئ&#8221;.</p>
<p>قالها وهو يغمض عينيه كأنما يرى وجهها دون أن يراه.</p>
<p>&#8211; &#8220;وأنا، أجابت، صرت أخاف من اليابسة أكثر من الغرق&#8221;، ثم تنهدت وتابعت: &#8220;على الأقل، الغرق واضح، أما اليابسة.. فهي التي تخدعنا بالأمان&#8221;.</p>
<p>تمنى في تلك اللحظة أن يراها، لا ليتأكد من ملامحها، بل ليرى إن كانت عيناها تشبه صوتها حين يتكلم عن الخوف.</p>
<p>&#8211; &#8220;أتسمحين لي بسؤال؟&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;تفضّل&#8221;.</p>
<p>&#8211; &#8220;لماذا أنا؟ لماذا اخترتِ أن تشاركي هذا كله معي؟&#8221;.</p>
<p>سكتت. ثم قالت بصوت يجرح بلطف: لأنك الوحيد الذي لا يصرخ حين يتكلم.. الوحيد الذي يُشبه الصمت الذي أفهمه&#8221;.</p>
<p>لم يطلب منها أكثر من صوتها، وكانت تستجيب له كأنها كانت تنتظره منذ زمن بعيد، لا تدري متى بدأ، ولا إلى أين يسير.. وكان هو، الرجل الذي يكتب كلماته كما يتنفس، ويحفر حروفه في صخر الصدق، ، فقد كان عاشقاً للصدق إلى حد الجنون، إلى حد أن يحفر قبره بيديه، ويعبد الحقيقة كما يعبد المتصوفة النور، فلم يكن كاذبا، لم يُخفِ، لم يُجمّل، لم يتقمّص دورا، أتى إليها كما هو: رجلاً مثقلاً بالبدايات القصيرة والنهايات الحادة، حاملاً اعترافاته كأوسمة خيبات على صدره، ناسفا كل احتياط العشّاق، ظانّا أن في الصدق طمأنينة، وفي الاعتراف خلاص، فكان شفافاً حتى وجعه، في أمسيات مضيئة بالكلمات، شرع في طقوس الاعتراف المقدسةن فكان صادقاً معها في كل شيء، وحكى لها عن ماضيه، عن نساء اللواتي مررن في حياته كفصول في كتاب لم يكتمل، عن لحظات ضعف وخوف وعطش قديم للحب الذي ظنه حباً فاكتشف أنه كان مجرد بروفات لمسرحية لم تُعرض بعد.. لم يجمل الحقائق، لم يرتدِ أقنعةن واعترف لها بكل شيء، بالحب الذي ظن أنه حب وتبين أنه مجرد عادة، بالليالي التي قضاها يبحث عن نفسه في عيون أخريات، فكان اعترافه كمن ينثر الملح على جراحه، مؤلماً لكنه مطهر، وكانت تستمع إليه كمن تستمع إلى اعترافات روح في المطهر، تشعر بالألم والحنان معاً، وفي قلبها السري، كانت تعرف أنها وجدت في كلماته ما لم تجده في صمت السنين، وظنّ أن الصدق سينقذه من الكذب، فإذا به يصير لعنة تطارده في دهاليز القدر، فالصدق، حين يهبط في قلب مثقوب بالخذلان، يتحوّل إلى خنجر.</p>
<p>وخلال ثلاثين يوماً، تحولت حياتهما، كانا يتحدثان لساعات كل مساء، وكأن الزمن يتوقف عندما يسمع كل منهما صوت الآخر، لم يلتقيا وجهاً لوجه، لكن قلبيهما تلاقيا في عالم خاص بهما، عالم من الكلمات والمشاعر والأحلام المشتركة، ثلاثون يوماً كانت كعمر كامل، كحياة موازية انزلقت إليها روحه دون استئذان، ففي تلك الأيام، كان الزمن يسير بإيقاع مختلف، كأن الساعات تتمدد مثل عجينة ذهبية تحت أصابع خباز ماهر، وكان كل حرف تكتبه، كل كلمة تنطقها، يتحول إلى جسر يعبر عليه قلبه نحو عالمها المحاط بأسوار الحذر، إلا إن صدقه كان كسيف ذي حدين، يقطع الأكاذيب لكنه يجرح القلوب أيضاً، فسرعان ما تسلّلت إليها الظنون، لا من قلبها فقط، بل من ظلٍ ممثل لم يُدعَ إلى العرض، صديق، أو ادعى أنه كذلك، يلبس قناع الود ويخفي وراءه قلباً أسود كليل بلا نجوم، كان يراقب كيف تنمو المشاعر بين الاثنين، وكيف أنها بدأت تميل بقلبها نحو الرجل، حيث تحول الحديث بينهما إلى شعر، والصمت إلى موسيقى.. يراقب نمو هذا الحب كمن يراقب وردة تتفتح، لكن بدلاً من أن يسقيها، قرر أن يسقيها بالسم، ويغرس الشكوك كما تُزرع الألغام في حدائق الكلام، فقد كان يتسلل بينهما مثل دخان لا يُرى، يُخبرها بما يريد لها أن تصدق، يحرّض وساوسها كما تُحرّك الريح خيوط الغبار في غرف الروح المهجورة، همس في أذنها كالشيطان يوسوس وبدأ يروي لها قصصاً مختلقة عن حبيبها، عن امرأة أخرى في حياته، عن علاقات سرية، عن كذبات وخيانات لم تحدث أبداً، وإن قصتها معه ليست إلا محطة قبل أن يعود إلى حب قديم لم ينطفئ، وإنها، مهما نَبَض قلبها، لن تكون إلا عتبة بينه وبين امرأة أخرى يخبّئها في الظل:</p>
<p>&#8211; &#8220;أعرفه جيداً&#8221;، قال لها بنبرة مشفق، &#8220;إنه رجل جيد، لكنه لا يستطيع أن يكون صادقاً تماماً مع النساء، هناك امرأة أخرى في حياته، يخفيها عنك.&#8221;</p>
<p>لم تُجبه مباشرة، كان صوته يتردد في رأسها كصدى قادم من مغارة الشك، فقد كانت الأكاذيب تتساقط من فمه كقطرات السم، وتتسرب إلى روح المرأة التي كانت تحب بصدق لكنها تخاف بصدق أيضاً، حيث تحولت كلماته الى سهام مسمومة اخترقت قلب تلك التي تشبه الشمم، لتزرع فيه بذور الشك التي تنمو في الظلام مثل الفطر السام، وتتراكم في قلبها مثل الغيوم الداكنة قبل العاصفة.</p>
<p>نظرت إلى الهاتف بعد أن أغلقت المكالمة، كأنها تتفحصه بحثا عن الحقيقة، لكن الحقيقة لا تسكن الشاشات، بل ترتجف في أعماقنا حين يهتز اليقين.</p>
<p>في تلك الليلة، لم تتصل بحبيبها كعادتها، فظل ينتظر، دقائق، ثم ساعات، وكل دقيقة كانت تمرّ عليه كسؤالٍ بلا جواب، كتب لها رسالة قصيرة: &#8220;هل أنتِ بخير؟&#8221;</p>
<p>لكنها لم ترد.. ليغمض عينيه ويستند على الكرسي، حيث شعر بشيء يتغير، ليست المسافة ما يؤلم، بل تلك المسافة الجديدة بين قلبين كانا يقتربان، فصار أحدهما يتراجع فجأة بلا سبب مفهوم.</p>
<p>أما هي، فكانت جالسة أمام نافذتها، تحدّق في الظلام، وتعيد كلمات الصديق مرارا، شيء فيها رفض التصديق، لكن شيئا آخر، أضعف، بدأ يتشكك، كأن قلبها عاد طفلا يخاف أن يُلدغ، سألت نفسها: &#8220;لماذا قال هذا؟ ولماذا الآن؟&#8221;</p>
<p>لكن السؤال الأعمق ظل يرتجف خلف الجفن: &#8220;وماذا لو كان محقا؟&#8221;</p>
<p>في اليوم التالي، كسر هو الصمت مجددا، بصوتٍ هادئ لا يحمل عتبا بل يحمل خوفا أن يكون قد خسر شيئا لم يمتلكه بعد، فقال: &#8220;لم أسمع صوتك أمس&#8230; حدث شيء؟&#8221;</p>
<p>جاءها صوته كما يأتي الضوء بعد ليلة ثقيلة، لكن الوساوس كانت قد حفرت مكانا في صدرها، فردت: &#8221; لا شيء، فقط كنتُ متعبة قليلاً&#8221;.</p>
<p>عرف من نبرة صوتها أنها ليست متعبة فقط، بل مترددة، مرتبكة، وكأن جدارا خفيا قد ارتفع بينهما: &#8220;إذا كنتِ قد سمعتِ شيئا عني، فأفضّل أن تسأليني بدل أن تصدقيه&#8221;.</p>
<p>صمَتت، كأنها لم تتوقع صراحته، أو كأنه سبقها إلى نفيٍ لم تعترف به بعد، فقالت: &#8220;لم أسمع شيئا&#8221;.</p>
<p>&#8211; &#8220;حبيبتي&#8230;&#8221; قال اسمها كمن يستدعيها من مكان بعيد، ثم أضاف: &#8220;أنا لا أجيد الكذب، وهذه ليست فضيلة، بل ضعف، لكنني أضعف من أن أبدأ علاقة بكذبة، ما بيننا حقيقي، حتى وإن لم نعترف به بعد&#8221;.</p>
<p>أغمضت عينيها، شعرت بدمعة تسقط بلا صوت، لم تكن دمعة حزن، بل ذلك النوع من الدموع التي تنهمر حين يُفسد الخوف لحظة جميلة، ثم رددت أخيرا: &#8220;لا أعرف لماذا أشعر بالخوف&#8221;.</p>
<p>&#8211; &#8220;لأنكِ حقيقية&#8221;، صمت لبرهة ثم تابع: &#8220;والخوف ملاك الحقيقة، لا شيطانها&#8221;.</p>
<p>سكتت قليلاً، كأنها تخشى أن تنكسر إن فتحت فمها، ثم قالت بصوتٍ خافت يشبه الندم: &#8220;أحياناً.. أخاف من أن أصدق، أكثر من خوفي من أن أُكذَّب&#8221;.</p>
<p>ردّ بعد برهة، بصوتٍ يحمل الحنان أكثر مما يحمل الدفاع: &#8220;وهذا أخطر ما قد يفعله بنا الخوف.. يجعلنا نهرب من ما نريده حقاً، لأننا لا نحتمل خسارته&#8221;.</p>
<p>رفعت رأسها، كأنها تنظر من خلال الهاتف إلى عينيه: &#8220;أنا لا أريد أن أكون مجرد قصة عابرة في حياتك، ولا جسرا نحو امرأة أخرى&#8221;.</p>
<p>تنهّد، لم يكن يتنهد ضعفا، بل كمن ينفخ الغبار عن جرحٍ قديم: &#8220;وأنا لا أريدكِ أن تكوني جداراً أتكئ عليه لأنني تعبت، أنتِ فصلٌ جديد، لا هامش في نهاية كتاب&#8221;.</p>
<p>صمتت مجددا&#8230; ثم قالت، كأنها تعترف لمرآتها: &#8220;لكني حين أحب، أضع قلبي كلّه.. ولا أعرف كيف أحبّ بنصف يقين&#8221;.</p>
<p>ردّ بلطفٍ لا يخلو من رجاء: &#8220;وإن خذلك قلبك مرة، فلا تجعليه يتوقف عن الخفقان، دعيه يتعثر، لكن لا تسجنيه خلف القضبان&#8221;.</p>
<p>ترددت قليلاً، ثم سألت، بسؤالٍ لا يُراد له جواب: &#8220;ولو كنتُ أنا مكان تلك المرأة التي سمعت عنها&#8230; هل كنتَ ستُصدّق؟&#8221;</p>
<p>ابتسم بصمت، لم تكن ابتسامة تهكّم، بل تلك التي يبتسمها من يعرف مرارة التشكيك، ثم قال: &#8220;أنا لا أصدّق الكلام، بل أصدّق ما يقوله القلب حين يخاف أن يفقدك&#8221;.</p>
<p>تبعثرت الكلمات في حلقها كأوراق لم تُرتب بعد، ثم همست: &#8220;أنا فقط.. خفت أن أكون وحيدة في هذا الحب&#8221;.</p>
<p>فأجابها بهدوء يشبه حضنا دافئا في ليلٍ موحش: &#8220;الوحدة هي أن نحيا في قلبٍ لا نُرى فيه، وأنتِ مرآتي، لا ظلّي&#8221;.</p>
<p>لحظة طويلة مرت دون صوت، كانت تمسك الهاتف بقوة، كأنها تخشى أن تسقط منه المسافة التي عادت تنكمش بينهما، ثم كتبت له، دون أن تتكلم: &#8220;أنا هنا.. فقط، لا تتركني وسط هذا الصمت وحدي&#8221;.</p>
<p>حاول الرجل بكل الطرق أن يُقنعها، بلا دموع، بلا مناشدات، بأن ما تسمعه غير صحيح، وأقسم ببراءته، لا على مذبح العشق، بل على صليب كلماته، بأنه لم تكن هناك امرأة مفقودة في الحكاية، لم يُخفِ شيئاً، لم يخن قلبها ولا لحظة، لكنها، وقد سكنها الشك مثل نبتة سامة، لم تصدّقه وأرادت منه أن يعترف بكذبة لم يقترفها، أن يسلّم لها بأن خيانته حدثت، كي ترتاح، وكان هو قد قرر، في لحظة عناد نبيل، أن لا يفرّط بصدقه من أجل إرضائها، فهو لا يتقن دور المتهم، ولا يعرف كيف يراوغ في الظلال، رجل يُشبه الصمت حين يكون أبلغ من كل الكلمات، ويُشبه الكبرياء حين لا يعلو صوته، يرفض صناعة وهم كي يُرضيها، حتى لو كان ثمنه أن يفقدها..</p>
<p>&#8211; &#8220;كيف أعترف بشيء لم أفعله؟&#8221; كان يسألها بألم، &#8220;كيف تريدين مني أن أدمر صدقي من أجل وهم؟&#8221;</p>
<p>صمتت طويلاً، كانت تحدّق في الهاتف كما لو أنه مرآة، تبحث فيها عن ملامح قلبه، لكنها لم تجد سوى صدى صوتها المرتبك، وحده الصوت ظل يتردد داخلها، ممتزجا بما قاله ذلك الذي ادعى أنه صديق، وبما لم يقله هو.. قالت أخيرا، بصوت متعب، يشبه من يُشعل شمعة في غرفة خانقة: &#8220;لكنك لا تفهم.. الألم ليس فقط في الشك، بل في أني لا أستطيع أن أُثبت العكس أيضاً.. وكأن الحب صار محكمة، ونحن شهود بلا دليل&#8221;.</p>
<p>ردّ، وقد تجمعت في صوته حرارة غريبة، مزيج من الحزن والكرامة: &#8220;لأنكِ صدقتِ صوتاً غير صوتي، وأدنتِ قلبي قبل أن تسمعي دقاته كاملة&#8221;.</p>
<p>ثم أضاف، بشيء من الرقة الجارحة: &#8220;كنتُ مستعداً أن أكون مرآتكِ، أن أحتمل صمتكِ، ومخاوفكِ، وحتى شكوككِ، لكني لستُ مستعداً أن أكون كاذباً لأُشعركِ بالأمان&#8221;.</p>
<p>هزّت رأسها ببطء، كما لو أنها ترفض شيئاً لم تَعِ تماما أنها قبلته دون وعي، ثم همست: &#8220;هل يعني هذا أنك سترحل؟&#8221;</p>
<p>أجاب، دون تردد، لكن بصوت خافت، كأنه يضع قلبه على الطاولة ثم يبتعد: &#8220;لن أرحل.. لكني لن أزيف الحب كي أبقى&#8221;.</p>
<p>أرادت أن تصرخ، أن تقول له إن كل ما فيها يصدقه، لكنها كانت قد شربت كثيراً من كأس الشك، ولم تعد تملك الشجاعة لتتقيأه، فبقيت صامتة، وكأن اعترافها الوحيد هو هذا الصمت ذاته.</p>
<p>ثم كتب لها رسالة أخيرة، لم يُرسلها، فقط كتبها وتركها تنام في هاتفه، مثل صلاة لا يُقال لها &#8220;آمين&#8221;: &#8220;أنا لم أخنكِ، لكنكِ خذلتِ صدقي&#8221;.</p>
<p>وفي المساء، جلس وحده، كعادته، وأشعل سيجارة لم يكن يريدها، فقط ليملأ الفراغ، ينفث دخانها كما لو أنه ينفث كل ما لم يُقل، ثم نظر إلى الأعلى، وقال في سرّه: &#8220;يا الله.. ما أصعب أن تُحبّ امرأة تشكّ في كل شيء&#8230; حتى حين تُقسم لها بقلبك&#8221;.</p>
<p>وفي وسط هذه العاصفة الجهنمية، تدخّل صوت آخر، صديق نقي القلب، حمل في صدره نية طيّبة، حاول أن يزيل الغشاوة عن عينيها، وأن يُصلح ويوقظ الحكمة لعله يردم الهوّة قبل أن تتسع، ويُقيم جسراً فوق هوة الشك، ليكافح كفارس يحارب تنيناً خرافياً، ويدافع عن الحقيقة بسيف الكلمة وترس الإخلاص، لكن الوسواس كان قد تجذر في قلبها كشجرة شيطانية جذورها تمتد إلى أعماق الخوف البدائي، فقد كانت قد ركبت غرورها وآمنت بوهمها، وأدمنت وساوسها، صارت تتنفس من رئة الشك، وتسمع بقلبٍ تُلي عليه الوشايات مرارا حتى تشكّل على هيئة يقين، فقد كانت تظن أنها تعرف كل شيء، وأن قلبها جهاز استشعار لا يخطئ، ونسيت أن القلوب حين تمتلئ بالخوف، ترى الحقائق على هيئة أشباح، وهي تطالبه بالاعتراف بعلاقة لم تكن موجودة أصلاً، بخطيئة لم يرتكبها، بحب لم يعشه، بامرأة لم توجد إلا في خيال الشيطان الهامس، وكان هو يقسم بكل المقدسات أنه لم يكذب عليها، أن صدقه معها كان ديناً يؤمن به، لكن كيف تثبت عدم وجود شيء؟ كيف تحارب وهماً تحول إلى حقيقة في عقل من تحب؟ كيف تثبت عدم وجود ظل في العتمة؟ وكيف تقنع امرأة أن الصوت الذي تسمعه في رأسها ليس إلا صدى خوفها من الحب؟</p>
<p>مضى كل شيء، كما لو أن الحب كان حلماً بخيلاً، لا يمنح أكثر من ثلاثين يوماً.. ثلاثون يوماً بالضبط انقضت كفراشة تحترق في ضوء الشمعة التي تعشقها.. كحلم جميل يتحول إلى كابوس، أو شريط ناعم يُلفّ حول جرح قديم ثم يُنتزع فجأة.. ثلاثون يوما كانت كافية ليُعاد تشكيل الذاكرة، ويُعاد نحت الروح من جديد.. ثلاثون يوما ظنّ فيها أنه لم يحب من قبل، وأن كل النساء كنّ محطات، وأنها، هي، تلك المرأة التي يطل من وجهها الليل ويغيب في عينيها الوطن.. كانت البداية والنهاية في آن واحد.. فقد كانت هي، في لحظات الصدق النادرة، تعترف أنها لم تحب رجلاً مثله، وأن قلبها لم يرقص من قبل على إيقاع صوت كصوته، لكن الغيرة تحولت إلى تنين ينفث النار في حديقة قلبها، يحرق الورود ويترك الأشواك، حتى صارت جلاده، وهو الذي لم يعشق امرأة بهذا النقاء من قبل، صار ضحيّتها، فالغيرة حين تتحول إلى شك، تتحول إلى وحش يأكل قلبها من الداخل وتذبح الحب كما يُذبح الحمل في أول العيد، بلا رحمة، بلا ندم، حيث أعدمت الرجل لا بخيانة، بل بحُكم لا يقبل استئنافا، صاغه خيالٌ مسموم، لم يكن هناك وداع، فقط نهاية بلا صوت، كالموت الذي يحدث أثناء النوم، حيث لم يقل وداعا، ولم تسمع رجاءً، رحل كلٌّ منهما إلى صمته، كأن الثلاثين يوماً كانت جنونا جميلاً أفاقا منه دفعة واحدة، ففي النهاية انتصر الباطل على الحق، والكذب على الصدق، والوسواس على الحب، والخوف على الثقة، وانتصرت الأوهام على الحقائق كما ينتصر الليل على النهار في الشتاء الأبدي للروح، لتنتهي أجمل قصة حب بلا وداع، كما تنتهي الأحلام الجميلة دون إنذار، وتنتهي أجمل سيمفونية كما تنتهي الموسيقى عندما ينكسر الوتر الأخير، حيث انسحب الصديق الطيب كجندي مهزوم من معركة خاسرة، وغادر في صمت العارفين، كمن ينفض يديه بعد صلاة في معبد خاوٍ، بينما الشيطان الهامس استمر في العزف على أوتار الشك، وبقي هناك، يُحدّثها باسم الحرص ويطعنها بالخوف، ويحوم كطيفٍ يتغذى على غطرسة امرأة ظنّت أنها تعرف كل شيء، وأن الحُب لا يعميها بل يمنحها بصيرةً لا تخطئ، لكنها في الحقيقة، اتبعت غرورها كمن يتبع قطارا بلا وجهة، رافضةً أن تصغي لصوت القلب، أو أن تمنح الحكمة فرصة واحدة.</p>
<p>أما هو، فقد انسحب من العالم إلى عزلته ودخل في طقوس الحداد الأبدي وأقفل نوافذ قلبه، وقرر ألا يكتب إلا لها ولذكراها، ليكتب قصصاً وقصائد عن المرأة التي أحبها لثلاثين يوماً، والتي علمته أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى زمن طويل ليترك أثراً عميقاً، فكان كل حرف ينزف، كل كلمة تحمل ألماً جميلاً، كل نص يروي قصة حب انتهت قبل أن تبدأ حقاً.. ومع هذا، فإنها رغم الغياب، ستبقى الحبر والورق، والجرح الذي لا يلتئم، فلم يعد يريد الحب، كما لم يعد يريدها، فكان قراره في أن يخلّدها، لا أن يستعيدها، وراح يعيش بين السطور، يقضي أيامه مع كلماته في محراب الألم، يصلي بحروفه لإله الحب الذي خذله، ويُشعل نيرانه في النصوص، ينام داخل الفواصل ويستفيق في آخر السطور، ويغرق في بُحيرةٍ من وجع لم يعرفه في حياته، فقد كان كل حرف نزفا، وكل فاصلة قبرا، وكل نقطة آخر الطريق، وكل يوم، كان يتمنى الموت، لا عن يأس، بل عن ذبول، لأنه نسي بسببها معنى الحياة، و لعله اكتشف معنى الحياة بسببها فصار الموت بدونها لا معنى له، كان ألمه مقدساً كألم العشاق الصوفيين، وجعاً جميلاً يطهر الروح بالنار، كما تمنى أن ينسى الحياة كما يُنسى الحلم الذي لا يُروى، لكنه لا ينسى صوتها، ذاك الصوت، الذي سكن فيه كآية غير مكتوبة، فقد كانت هي.. المرأة التي لم تحمل اسما، لكنها حملت في طيفها شمما هزّه من الداخل حتى انفصمت فيه العروق، بينما كانت هي تعيش مع قرارها، تحاول أن تقنع نفسها أنها اتخذت القرار الصائب، واختارت الطريق الصحيح، بينما قلبها ينزف في صمت على حب ضاع بين كبرياء امرأة ووساوس شيطان، ففي لحظات صمتها النادرة، كانت تسمع صدى صوته في قلبها، وتتساءل أحياناً إن كانت قد ضيعت شيئاً جميلاً بسبب خوفها من أن تؤذى مرة أخرى.. فيما بقي هو يحوم حولها كطيف، يتغذى على انتصاره الصغير، دون أن يدرك أنه دمر شيئاً جميلاً كان بإمكانه أن ينمو ويزدهر.</p>
<p>وهكذا انتهت حكاية الثلاثين يوماً بلا نهاية حقيقية، أو لعلها لم تنته أبداً، فقد انتهت بلا مشهد أخير، بلا تصفيق، بلا ستارة تُسدل على العشّاق، انتهت كما بدأت: بلا أسماء، بلا وداع، بلا ندمٍ يُجدي، لكنها لم تُمحَ من الذاكرة، بل تحوّلت إلى ظلٍ دائم، يمر كل ثلاثين يوماً، يوقظ الوجع، ثم يرحل دون استئذان، وبقيت تتردّد كصدى في قلب رجل لم يعد يؤمن بالحب، لكنه لم يستطع التخلّص منه، لأن الحب الحقيقي لا ينتهي، بل يتحول إلى ألم جميل يسكن في زوايا القلب، ينبض مع كل دقة، ويذكر الروح بأنها عرفت يوماً معنى أن تحب بصدق، حتى لو كان هذا الصدق هو السبب في ضياع كل شيء.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثلاثية النفط، الرواتب، والدستور.. طقوس الإذلال المتعمد- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/05/30/%d8%ab%d9%84%d8%a7%d8%ab%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b7%d8%8c-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%aa%d8%a8%d8%8c-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%af%d8%b3%d8%aa%d9%88%d8%b1-%d8%b7%d9%82%d9%88%d8%b3/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 30 May 2025 07:21:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=94537</guid>

					<description><![CDATA[&#160; يُقال &#8220;وأرجوك عزيزي القارئ لا تضحك&#8221; إن العراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويُقال أيضا إن النفط يُدار بموجب اتفاقات دستورية واضحة، والحقيقة؟ أن النفط هنا ليس &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>يُقال &#8220;وأرجوك عزيزي القارئ لا تضحك&#8221; إن العراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويُقال أيضا إن النفط يُدار بموجب اتفاقات دستورية واضحة، والحقيقة؟ أن النفط هنا ليس مورداً اقتصادياً، بل طلسم أسود يتحرك تحت طاولة السياسة كالأشباح، لا أحد يعرف كم نُنتج، كم نُصدر، كم نأكل، وكم نُخزّن كرشوة سياسية ليوم عصيب، ففي بلاد تُدار فيها الموازنات كما تُدار مباريات كرة القدم، وتُحسب فيها حصص الأقاليم كما تُحسب النقاط في لعبة شد الحبل، نجد أنفسنا مجددا أمام ثلاثية الخلاف الذهبية بين أربيل وبغداد: النفط، الرواتب، والدستور، ثلاثية درامية، تصلح لمسلسل رمضاني بعنوان &#8220;المال السايب يعلّم الحكومات الشطارة&#8221;، ليصبح النفط في العراق ليس فقط مصدر دخل، بل مصدر &#8220;تندرية سياسية&#8221;، كلما اشتد النقاش بين أربيل وبغداد، يتم سحب ورقة النفط وكأنها مفتاح نهاية اللعبة في &#8220;مونوبولي&#8221;، أربيل تقول: &#8220;هاكم نفطنا، وأعطونا حقوقنا&#8221;، وبغداد ترد: &#8220;أين الفاتورة؟ وأين البراميل؟ وأين الدستور؟&#8221;، وكأنها أم غاضبة تبحث عن فردة الجورب المفقودة.. ففي كل مرة تقترب فيها أربيل وبغداد من التفاهم، تخرج وزارة المالية لتُعلن: &#8220;ممتاز.. بس باقي ختم مدير المدرسة وثلاثة شهود وعدّاد غاز&#8221;، لأن البيروقراطية العراقية لا تؤمن بالنوايا، بل تؤمن بأن البرميل بريء حتى تثبت إدانته، حتى إن الموظف الكوردي، مثل كثير من العراقيين، لم يعد يفهم إن كانت وزارة المالية مؤسسة سيادية، أم تطبيقا على الهاتف: &#8220;مرحباً، لقد تطابقنا مع راتبك هذا الشهر، يرجى المحاولة مرة أخرى بعد ثلاثين يوما، أو ثلاثين تصريحا!&#8221;</p>
<p>ففي هذه البلاد التي تُدار فيها الثروات بتطبيق &#8220;منو مزاجه اليوم؟&#8221;، تظهر شخصية بارزة أصبحت حديث الشارع، والبرلمان، والموظفين، وحتى أحلام العاطلين: وزيرة المالية الاتحادية، السيدة طيف سامي، نعم، الاسم وحده يحمل رمزية، فـ&#8221;طيف&#8221; في اللغة العربية هو كائن يظهر ويختفي بلا موعد، ويبدو أن الوزيرة قرّرت أن تجسّد المعنى حرفياً، لكن ليس في السماء بل في جداول الرواتب، فحين تُسأل السيدة الوزيرة عن تأخير رواتب موظفي الإقليم، تخرج بتصريح مهيب، يُكتب عادة بخط عريض، ويُقرأ بصوت رخيم في نشرة الأخبار، تقول فيه: &#8220;لقد أرسلنا كل شيء&#8221;؟</p>
<p>لكن كما هو معروف، في العراق &#8220;كل شيء&#8221; تعني أي شيء، عدا الشيء المطلوب فعلياً، فالسيدة الوزيرة تعلم جيدا بوجود مدارس اقتصادية كثيرة: الكينزية، النيوليبرالية، الاشتراكية، لكنها جاءت بمدرسة جديدة كلياً أطلقت عليها اسم: الاقتصاد التأمّلي، في هذه المدرسة: لا تحتاج إلى صرف الرواتب في موعدها، بل إلى الإيمان بأنها ستأتي، ولا ضرورة لعرض الجداول المالية، بل يكفي أن تقول: &#8220;ثقوا بي&#8221;، لا مشكلة في أن يغلي الشارع الكوردستاني، فأزمة الرواتب؟ ما هي إلا تمرين وطني للصبر&#8221;، وربما علينا أن نكون أكثر تفهماً، فربما السيدة الوزيرة لا ترى تأخير الرواتب أزمة، بل تعتبره &#8220;برنامج تطوير ذاتي&#8221;، يشجع على: التأمل الجماعي على طريقة: &#8220;اللهم ارزقنا راتبا من عندك، فإن المالية مشغولة بالتخطيط المستقبلي.&#8221;</p>
<p>دعونا لا نُشكك في نوايا الوزيرة، فهي &#8220;على الأرجح&#8221; تعمل بجد، وتواجه تحديات ضخمة، لكننا فقط نتساءل، بكل احترام: كيف وصلت الموازنة إلى الإقليم على الورق، لكن لم تصل إلى الجيوب؟</p>
<p>أربعة أشهر فقط تم دفعها لموظفي الإقليم هذا العام، بينما وزارة المالية تقول بكل ثقة ووقار: &#8220;استلمتم حصّتكم كاملة&#8221;، كأنما نحن في فيلم من إنتاج نتفليكس: وزارة المالية تعيش في بُعد زمني مختلف، حيث الرواتب تصرف في الخيال، وتحسب على الورق، وتتبخر في الهواء، وأحد الموظفين في كوردستان قال وهو ينظر للسماء: &#8220;يا رب، ارزقنا راتبا لا يُعلق، ووزيرة لا تستخدم الحاسبة بالنية&#8221;.</p>
<p>فالمواطن الكوردستاني، ابن العراق، صاحب الرقم البطاقة الوطنية العراقية، والدستور العراقي، ما زال يبحث عن راتبه الضائع كأنه يبحث عن آثار سومرية تحت بيته، تتصرّف المالية الاتحادية وكأن الرواتب هدايا شخصية تُمنح بالذوق، لا حقوق تُصرف بالقانون.</p>
<p>حيث أصبحت رواتب موظفي إقليم كوردستان، هواية موسمية تمارسها الحكومة الاتحادية: &#8220;هذا الشهر، لن نصرف الرواتب، لأسباب فنية&#8221;، الأسباب الفنية؟ نعم، لأن الرواتب في العراق تحتاج إلى تأشيرة، وتصريح أمني، وربما تحليل DNA للتأكد أنها ليست مدسوسة من جهات معادية.. أما الدستور، فحدّث ولا حرج، هذا الكتاب الذي يُرفع في كل مناسبة، ولا يُفتح أبدا، يُستشهد به كما يُستشهد بالحكم والأمثال، وكل طرف يقرأه كما يقرأ الفنجان، الكل يدّعي احترامه، ويطالب بتطبيقه، لكنه يطبّقه مثلما نطبق تعليمات &#8220;مكعبات ليغو&#8221;: نركب ما يعجبنا، ونرمي الباقي تحت السرير.</p>
<p>النواب الكورد بدورهم قدموا مذكرة احتجاج إلى رئيس الوزراء الاتحادي، واستشهدوا بالمحكمة الاتحادية، التي قالت إن الرواتب يجب ألا تكون أداة سياسية.. جميل، لكن يبدو أن هناك نسخة غير مرئية من الدستور في بغداد تقول: &#8220;المادة صفر: يُؤخّر الراتب عند اللزوم، حسب المزاج الانتخابي&#8221;.</p>
<p>دعونا نكون واقعيين، الحل الوحيد هو حوار وطني جامع صادق، أو نكمل المسلسل المدبلج الذي يتصدره عنوان جديد كل شهر: &#8220;هل سيأتي الراتب في الحلقة القادمة؟ أم سيختفي البطل؟&#8221;، وحتى ذلك الحين، يبقى المواطن الكوردستاني يراقب نشرة الأخبار مثلما يراقب نشرة الطقس في تموز: لا مطر ولا راتب، بس حرارة سياسية فوق الخيال.</p>
<p>وطالما أن هناك انتخابات قادمة، ستُستخدم الرواتب كرصاصة ضغط، والنفط كعصا تفاوض، والدستور كورقة تواليت سياسية: فليحيا العراق الموحد، في الأخبار فقط.. وليحفظ الله العراق، والدستور، وحسابات وزارة المالية من الخطأ الطباعي، أو الحذف المقصود، وليرقد الدستور بسلام.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>النفط يمرّ من هنا.. كوردستان تكتب مستقبلها- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/05/23/%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b7-%d9%8a%d9%85%d8%b1%d9%91-%d9%85%d9%86-%d9%87%d9%86%d8%a7-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d8%aa%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d9%85%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a8%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 23 May 2025 06:25:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=94295</guid>

					<description><![CDATA[&#160; في مشهد سياسي واقتصادي لافت، بدا رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني وكأنه يلعب دورا مزدوجا: مبعوث استثماري يحمل بين يديه مفاتيح مستقبل الطاقة في الإقليم، وسفير سياسي يوقّع &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>في مشهد سياسي واقتصادي لافت، بدا رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني وكأنه يلعب دورا مزدوجا: مبعوث استثماري يحمل بين يديه مفاتيح مستقبل الطاقة في الإقليم، وسفير سياسي يوقّع على رسالة مفادها أن كوردستان ما زالت حليفا استراتيجيا موثوقا وسط الشرق الأوسط المتقلب، حيث وقف في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن، لا ليطلب دعماً عسكرياً كما كان يفعل الساسة في عراق ما بعد 2003، بل ليشهد توقيع اتفاقيتين في قطاع الطاقة بقيمة تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، نعم، مليارات وليست ملايين، وشركتا &#8220;HKN Energy&#8221; و&#8221;Western Zagros&#8221;  لم تكونا ضيفتين جديدتين على مائدة النفط الكوردستاني، بل شركاء قدامى، فالاتفاقيتان ليستا جديدتين بل تمت إعادة تثبيت أقدامهما في لحظة توقيت سياسي بالغ الحساسية، فالعراق، منذ 2005، لم يستطع حتى اللحظة أن يلد قانوناً موحداً للنفط والغاز، ليبقى الجنين التشريعي مُعلّقاً في رحم خلافات بغداد &#8211; أربيل، ورغم ذلك، تُصر أربيل على أن ما لا تستطيع بغداد تقنينه، تستطيع كوردستان استثماره، وهنا يكمن الذكاء السياسي، فمن خلال هذا التوقيع العلني، تضع كوردستان طابع &#8220;الشرعية الدولية&#8221; على اتفاقياتها النفطية، وتقول بصوت عالٍ: نحن هنا، نتعاقد، ننتج، ونوقّع، والعالم يشهد.</p>
<p>الحدث الذي جرى داخل مقر غرفة التجارة الأمريكية، لا في دهاليز السياسة المعتمة، لم يكن مجرد توقيع بالأحبار الرسمية، بل أشبه بإشهار سياسي أنيق، يحمل بين سطوره رسائل سياسية دقيقة إلى كل من يهمه الأمر، عبر كلمات الترحيب التي كانت حافلة بالتفاؤل، وأُحيطت الاتفاقيات بهالة من المديح عن الاستقرار الكوردستاني والاستثمار طويل الأمد، فما حصل لم يكن فقط اتفاقاً نفطياً، بل مشهداً دبلوماسياً ناعماً يلمّح إلى تحولات في تموضع الإقليم في الخارطة الإقليمية والدولية، بارزاني لم يوقّع فقط على عقود طاقة، بل عزّز &#8220;عقد شراكة&#8221; سياسي طويل الأمد مع واشنطن، بينما في بغداد، لا يزال البرلمان يُمسك بورقة &#8220;مشروعية العقود&#8221;، رغم أن المحاكم العراقية نفسها، وفق ما أعلنته وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم، قالت كلمتها قبل سنوات وأقرّت بصحة الاتفاقيات، الطريف أن العراق، كدولة، لم ينجز بعد قانوناً واضحاً للنفط والغاز، لكنه لا يمانع من إصدار فتاوى سيادية حول دستورية ما لم ينظّمه بعد.</p>
<p>الاتفاقيتان، كما أكد مسرور بارزاني، ليستا مجرد صفقة نفطية، بل إعلان صريح بأن الإقليم يمضي قدما نحو &#8220;أمن طاقي&#8221; مستقل، مدعوم ببنية تحتية وغطاء دبلوماسي ثقيل الوزن، فالكلمات التي نُطقت من واشنطن لم تكن دبلوماسية خالصة، بل جاءت مشحونة بدلالات استراتيجية، فحين تصف وزارة الخارجية الأمريكية هذا التوقيع بـ&#8221;تعزيز العلاقات التجارية وتوسيع إنتاج الغاز في العراق&#8221;، فإن الرسالة الأوضح قد تكون: من يملك الغاز، يملك مفاتيح التفاوض، ولم تكتفِ وزارة الخارجية الأمريكية بالترحيب، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بالحديث عن منافع تعود على &#8220;الشعبين&#8221;، أي الشعب الأمريكي وشعب كوردستان، في تصريح فيه من الرمزية أكثر مما فيه من دبلوماسية، ليتحول إلى تحالف استراتيجي اقتصادي معلن.</p>
<p>والأكثر إثارة هو ما جاء من وزارة الثروات الطبيعية في كوردستان التي بدت وكأنها ترد على اتهامات استباقية من بغداد، مؤكدة أن العقود نافذة منذ سنوات، وأن التغيير الوحيد هو &#8220;اسم الشركة المشغلة&#8221;، مشيرة إلى شرعية دستورية لا يمكن تجاهلها، الرسالة هنا كانت واضحة: لا تنتظروا موافقة بغداد، فالإقليم يتحرك بقوانينه، ومصالحه، وتحالفاته.</p>
<p>ما يُعقّد المشهد أكثر هو أن العراق &#8220;كدولة اتحادية&#8221; لم ينجح حتى الآن في إقرار قانون موحد للنفط والغاز، ما يُضعف حجج الاعتراضات الرسمية من بغداد، كيف يمكن الحديث عن &#8220;لا شرعية&#8221; لاتفاقيات، والقانون الذي يُفترض أن يحتكم إليه الجميع لم يولد بعد، وبينما ما تزال بعض القوى في بغداد تصرّ على استخدام لغة الوصاية، جاء الرد بلغة أكثر حضارية: تفضلوا بتشريع قانون النفط أولاً، ثم حدّثونا عن &#8220;المشروعية&#8221;.</p>
<p>فحكومة الإقليم لم تتأخر في تسويق اتفاقياتها كجزء من صلاحياتها الدستورية، مستندة إلى المادة 112 من الدستور العراقي، التي فُسّرت وما تزال تُفسّر بطرق شتى، في المقابل، تلوّح بغداد دوماً بأن النفط والغاز &#8220;ثروات وطنية&#8221;، وأن لا اتفاق شرعي دون المرور من بوابة الدولة المركزية، وفي الواقع، التوقيع في واشنطن لم يكن فقط إبراما لعقود طاقة، بل عرض سياسي يُذكّر المركز بأن كوردستان ليست مجرد وحدة إدارية تحت عباءة بغداد، بل كيان يعرف كيف يدير مصالحه، بمعنى آخر: كوردستان لا تسعى فقط إلى تصدير الوقود، بل تسعى إلى تصدير نموذجها الخاص في التنمية والطاقة والشراكة، في وقت ما زالت فيه بغداد غارقة في جدل قانوني بلا قانون.</p>
<p>خطاب رئيس حكومة إقليم كوردستان لم يكن اقتصادياً صرفاً، الرجل تحدث عن الاستقرار، والأمن، والإصلاح، والكهرباء التي &#8220;نأمل أن نصدّرها لباقي العراق&#8221;، وهذا ليس مجرد طموح تقني، بل تلويحة رمزية للجهة الجنوبية تقول: حين تغرقون في الظلام التشريعي، نضيء نحن الطريق، ولو بيد واحدة، فأهمية هذه الاتفاقيات لا تكمن فقط في استثمار النفط، بل في إنتاج الغاز الطبيعي الذي سيُغذّي محطات الكهرباء في كوردستان، وربما لاحقاً في وسط وجنوب العراق، ومع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والغاز كبديل استراتيجي، يصبح من يملك مفاتيح الغاز لاعباً سياسياً لا يُستهان به، وكوردستان، كما يبدو، تسعى لتكون تلك اليد التي تُشعل المصابيح وتطفئ الأزمات.</p>
<p>صحيح أن الغاز الطبيعي سيكون وقود محطات الكهرباء في الإقليم وربما العراق، لكن الوقود الحقيقي هنا هو الرؤية، رؤية حكومة تعرف كيف تستخدم السياسة الدولية لصالح شعبها، وتدرك أن بناء علاقات مع واشنطن عبر الاقتصاد، أكثر نفعاً من التلويح بالخطابات القومية في مجالس السياسة الداخلية، فزيارة مسرور بارزاني شملت ملفات أكثر سخونة من الغاز والكهرباء، من الأمن والدبلوماسية إلى الاستثمار والسلام، كل تلك العناوين كانت على طاولة المباحثات مع المسؤولين الأمريكيين، وأي متابع يعلم أن توقيع اتفاق نفطي بهذا الحجم لا يتم دون ضوء أخضر سياسي ثقيل.</p>
<p>في المقابل، تقف بغداد أمام مشهد معقّد، فالاتفاقية قد تُحرج الحكومة الاتحادية وتفتح ملفا جديدا في العلاقة المتوترة أصلا مع إقليم كوردستان، فكلما خطا الإقليم نحو الاستقلال المالي والاستثماري، زادت وتيرة الجدل في البرلمان العراقي حول &#8220;المشروعية&#8221; و&#8221;الحصة النفطية&#8221;، وكأن الجميع يُجمع على قطف ثمار لم تُزرع بعد، لكن الأهم أن أمريكا، من خلال هذه الاتفاقيات، باتت حاضرة بقوة في المشهد الطاقي العراقي، ولكن من بوابة كوردستان، وهو ما قد يدفع دولا أخرى، وربما لاعبين إقليميين، إلى إعادة حساباتهم في خارطة النفوذ.</p>
<p>الرسالة الأهم من كل ما جرى قد تكون ببساطة: كوردستان تريد أن تحجز مقعدها في المستقبل الاقتصادي للعراق، وربما أبعد من ذلك، بمساعدة شركات كبرى وحلفاء كبار، لكن الواقع يُشير إلى أن طريق الطاقة محفوف بالأسلاك السياسية، وأن كل برميل نفط أو متر مكعب من الغاز في هذا الجزء من العالم لا يُمكن عزله عن معادلات النفوذ، والسيادة، والتحالفات الدولية.</p>
<p>وهكذا، وفي قلب واشنطن، لم يوقّع مسرور بارزاني على اتفاقيتين للطاقة فقط.. بل على مرحلة جديدة من السياسة الكوردستانية، فيها النفط وسيلة لا غاية، والغاز كلمة سرّ لعلاقة طويلة الأمد مع القوة الأولى في العالم، وفي النهاية، كل أنبوب نفط هو خط تواصل، وكل اتفاقية طاقة هي رسالة جيوسياسية مشفّرة، وما جرى في واشنطن لم يكن توقيعاً على ورق، بل خارطة نفوذ، تُرسم بالغاز، وتُقرأ بالكهرباء.. إنه غاز كوردستان، ولكن بثمن أمريكي، وبمذاق عراقي مُرّ قد يتطلب وقتا طويلاً لابتلاعه.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أربع وعشرون ساعة من الصمت- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/05/18/%d8%a3%d8%b1%d8%a8%d8%b9-%d9%88%d8%b9%d8%b4%d8%b1%d9%88%d9%86-%d8%b3%d8%a7%d8%b9%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%85%d8%aa-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 18 May 2025 06:47:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=94129</guid>

					<description><![CDATA[&#160; كان الوقت يتلاشى مثل رذاذ الماء على صفحة ساخنة، والساعات تتحوّل إلى غبار يتراقص في ضوء الشمس المائل، هناك، على رصيفٍ صدئ من زمنٍ مهجور، التقى ظلان، كأن الكون &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>كان الوقت يتلاشى مثل رذاذ الماء على صفحة ساخنة، والساعات تتحوّل إلى غبار يتراقص في ضوء الشمس المائل، هناك، على رصيفٍ صدئ من زمنٍ مهجور، التقى ظلان، كأن الكون تعمّد أن يجمع بين روحين متناقضتين، لا يجمعهما نورٌ ولا وضوح، بل انجذاب غامض، كما تنجذب النجوم المتناثرة في الفضاء البعيد إلى بعضها، قبل أن تتحوّل إلى مجرّة من الحب والوعود.. كانا ظلَّيْ رجلٍ وامرأة يتشاركان خيوط القدر المتشابكة، بحب يشبه المتاهة: معقّد، غامض، وبلا نهاية واضحة، ولم تكن علاقتهما كما يُصوّرها الشعراء في دواوينهم، بل كانت أشبه بلوحة سريالية تتقاطع فيها خطوط الواقع مع تعرّجات الخيال.. هو بقلبه المُتخم بالأمل، وهي بروحها المتمرّدة على كل قيد، وبشممٍ يشبه جمر الروح، كانا يصنعان عالماً هشّاً من الوعود المعلّقة على حبال الغد.</p>
<p>كانا يعرفان الكثير عن الحياة، عن كيفية تذوّق نبيذ فاخر دون كسر الطقوس، وكيفية التحليق فوق الواقع المرير بأجنحة من الكلمات المنتقاة والضحكات المدروسة، أرادا أن يبنيا شيئا يشبه القصيدة، يشبه البيت، الحلم، المستقبل.. قصرا من الاحتمالات والممكنات، ورسما خططا لا تشيخ ولا تموت، حيث كانا يلتقيان هناك، في ذلك الركن المهجور من مدينة منسية، حيث لا صوت يعلو فوق صمت الحوائط الصدئة التي شهدت على أجيال من الوداع واللقاء، في عينيه، كانت تتراقص شظايا الأمل والخوف معاً، كأنها معركة داخلية لا تنتهي بين ما يرغب به وما يخاف أن يخسره. هو، الذي اعتاد أن يكون صلبا كالصخرة، يجد في حضورها لغزا يذيب كل جبروته، وينسج من ضعفها قصيدة لا تشبهه.. أما هي، فكانت ترتدي تمردها كدرع، وتخفي خلفه شمم الروح، كما تخفي وراء ضحكتها المدروسة آلاما عميقة وأحلاما محطمة، كانت تعرف أن حبها له ليس فقط رحلة إلى الفرح، بل نزيف يتلوه شفاء مؤلم، وأحيانا خوف من أن ينكسر العالم الذي بنياه معا إذا ما سقطت قطعة واحدة منه، رغم ذلك، كانت الكلمات التي تتبادلانها بين الحين والآخر تحمل في طياتها وعودا لا يمكن نطقها صراحة، واعترافات مبطنة بأن هذا الحب المتاهة لا يخلو من أبواب مغلقة ونوافذ تطل على هواجس المستقبل المجهول.</p>
<p>&#8211; &#8220;سأبني لكِ قصراً من الكلمات.&#8221; همس لها ذات ليلة، وعيناه تعكسان نجوم سماء لم تُخلق بعد.</p>
<p>ضحكت بنعومة: &#8220;وماذا سأفعل بقصر لا أستطيع أن أسكنه؟&#8221;</p>
<p>كانت تلك أول مرة تُخطئ بحقه، حين شككت في قدرة حلمهما على التحول إلى حقيقة ملموسة، فهي، ولسببٍ لا يفهمه إلا من خاض غمار الحب وأدرك أن الخوف منه أقوى من الخوف من العدم، كانت تخطئ، لم تكن أخطاؤها كبيرة، بل صغيرة وناعمة، كندوبٍ خفيّة على بشرة مرآة، لا تُرى إلا حين يسطع الضوء عليها، كانت تختفي فجأة، تقفل هاتفها، تتجاهل رسائله، ثم تعود بلا تفسير، كطائر مهاجر يعود إلى عشه حين يحلو له، دون اعتذار أو تبرير، وهو، كان يسامح، كان يتجاوز في كل مرة، لا حبا في الغفران، بل لأنه كان يؤمن أن من نحبهم لا نُدينهم، بل ننتظرهم.. ننتظر أن يدركوا أن الحب ليس رفاهية، بل ضرورة، كالهواء تماما.</p>
<p>&#8211; &#8220;سنتجاوز هذه المرة أيضا.&#8221; كان يهمس لنفسه في كل مرة، وهو يراقب ترميم جدران قلبه المتصدعة، حيث كانت هناك معركة صامتة، بين الإصرار على الأمل والرغبة المتزايدة في الهروب، كان يشعر بثقل المسؤولية التي فرضها على نفسه، ذلك العبء الخفي الذي جعله يتردد في التعبير عن ضعفه، كل كلمة تنطق بها، وكل صمت يطول بينهما، كان يشكل له جرحا جديدا، لكنه يخفيه خلف ابتساماته المدروسة، كما لو أن العالم لن يرى سقوطه إذا لم يظهر ضعفه، فكان يعاني من الخوف المموه، خوف أن يكون هذا الحب الذي طالما حلم به، مجرد وهم جميل قد يتحطم بمجرد أن يحاول الإمساك به، كان يخشى أن تبتعد روحه عنه، أن تختفي تلك اللحظات النادرة من السكينة التي يجدها فقط في حضورها.</p>
<p>أما هي، فكانت تغوص في عوالمها الخاصة، مليئة بالتناقضات، كانت تسير بين الأمل واليأس كراقصة على حافة هاوية، في أعماقها، كانت تدرك أن تمردها ليس مجرد رفض للقيود، بل صرخة أخيرة لمحاولة البقاء على قيد الحياة في عالم لا يرحم، كل مرة تضحك، كانت تضغط على جزء من ألمها، تحاول أن تخفي الضعف خلف الجدران التي بنتها بحذر، فكانت تخشى أن يفهمها حقا، أن يقترب من زوايا روحها المظلمة، حيث تكمن الحكايات التي لم تجرؤ على سردها لأحد، لكن في الوقت ذاته، كانت تتوق لأن يُرى ذلك الجانب منها، أن يكون هو الملاذ الذي لا يُخاف فيه من أن تُفقد السيطرة.</p>
<p>في تلك اللحظات، بين الحضور والغياب، بين الكلمات التي لم تُقال والاحتياجات المكبوتة، كانا يعيشان حوارا صامتا يتخطى الزمان والمكان، كانا يتشاركان الخوف ذاته: هل هذا الحب قادر على تجاوز الجدران التي بنياها حول أنفسهما؟ أم أن الصمت هو الحاجز الأخير الذي لن يتمكن أحد من كسره؟</p>
<p>مرّت الأيام، وتحولت إلى شهور، وأصبحت الأخطاء تتسلل بينهما مثل قطرات المطر في ليلة عاصفة، بطيئة في البداية، ثم متسارعة، حتى غدت سيلا جارفا، لكنهما كانا يتجاوزان كل عاصفة، يُلملمان ما تبقّى من أحلامهما، ويعيدان بناء ما هدمته الكلمات الحادة والصمت الثقيل.</p>
<p>في عوالمهما الموازية، كانت القطط تحلم بالطيران، والعصافير تخشى السقوط، وفي عالمهما، كانا يتعثّران، ينهضان، ويستمران كما لو أن الألم مجرّد وهم عابر، وكانت أخطاؤها تتراكم كأوراق الخريف: مرة حين أغلقت الهاتف بوجهه، ومرة حين قرأت رسائله دون أن ترد، ومرة حين شككت بوفائه، كان يغفر، لا لأنه ضعيف، بل لأن روحها كانت تسكن في تفاصيله.</p>
<p>&#8211; &#8220;الحُب يشبه الموت.&#8221; قالت له ذات مرة وهي تتأمل انعكاس وجهها في فنجان قهوة بارد: &#8220;كلاهما يأتي دون استئذان، ويترك خلفه فراغاً لا تملؤه الكلمات.&#8221;</p>
<p>نظر إليها وقال بصوت هادئ: &#8220;بل الحُب يشبه الحياة، مليء بالتناقضات والألغاز والأسئلة التي لا تنتهي.&#8221;</p>
<p>وهذه المرة، كان الخطأ من نصيبه، حين ظن أن الحب يمكن تفسيره بالمنطق، وفي كل مرة، كان القدر يراقبهما بابتسامة ساخرة، ويهمس لنفسه: &#8220;سأمنحهما فرصة أخرى، فقط لأرى كيف سيفسدانها.&#8221;</p>
<p>لكن في المرة الأخيرة، لم تكن هناك عاصفة، بل صمت مطبق، حين تكسّرت اللغة، واختنق الصمت والكلام معا، خلاف بسيط تحوّل إلى جدار سميك من الصمت، حاول أن يصل إليها، ليكتشف أن رقمه قد أُدرج رسميا على &#8220;قائمة المحظورين&#8221;، وكأنها تضع قلبها في صندوق مغلق وتُلقي به في أعماق المحيط، ليس لأنها أرادت ذلك، بل لأن عنادها كان أقوى من حكمتها، والقدر، بسخريته السوداء، قرر أن يلعب لعبة أخرى.</p>
<p>مرّت الساعة الأولى كصفعة على وجهه، الثانية كطعنة في كبريائه، وفي السابعة، شعر أنه بدأ يتحوّل إلى تمثال ملقى في متحف مهجور لا يزوره أحد، ثم مرت بقية الساعات، واحدة تلو الأخرى، بطيئة كقطرات المطر المتسلّلة من سقفٍ متهالك، الرجل الذي طالما كان يبحث عن طرقٍ للوصول إليها، وجد نفسه هذه المرة يتأمل هاتفا صامتا، وقلبا يتشقّق ببطء، أما هي، فكانت تنظر إلى هاتفها كل دقيقة، تتوقع أن يجد طريقة للاتصال بها، ألم يكن دائما يجد طريقا إليها، مهما وضعت من حواجز؟.. لكن الهاتف بقي صامتا، كقلبها الذي بدأ يفقد إيقاعه المعتاد، وفي تمام الساعة الرابعة والعشرين، كانت الأرض قد أكملت دورة كاملة حول نفسها، دورة من التجاهل والنسيان، ليجلس أمام نافذته يتأمل السماء التي بدت أكثر اتساعا من أي وقت مضى، فكّر في طريقة للاتصال بها، ثم تذكّر أن كرامته، وشمم روحه، أغلى من أن تُهان مرة أخرى: &#8220;الحبيبة التي تستطيع أن تترك حبيبها أربعا وعشرين ساعة، لا تستحق أن تكون حبيبة&#8221;، همس لنفسه، والسماء تتنهّد موافقة.</p>
<p>أربع وعشرون ساعة، يوم كامل، ألف وأربعمائة وأربعون دقيقة من الانتظار، وفي كل دقيقة، كانت الحقيقة تتضح أمامه، كما تتضح الصورة في غرفة مظلمة: الحبيبة التي تستطيع أن تترك حبيبها يغرق في بحر الصمت ليومٍ كامل، لا يمكنها أن تكون حبيبة حقيقية، الحبيبة التي تستطيع أن تنام بهدوء، تأكل بشهية، تضع أحمر شفاهها بدقة، وتمارس حياتها اليومية دون أن يقلقها قلبك المنتظر، ليست حبيبة، بل مُشاهدة عابرة في مسرحية حياته، قررت الانسحاب قبل الفصل الأخير.</p>
<p>في تلك اللحظة، قرر ألا يتصالح معها، لا انتقاما ولا كبرياءً، بل لأنه أدرك أخيرا أن بعض أنواع الحب تشبه الأشجار الميتة: تظل واقفة، لكنها في الحقيقة فقدت روحها منذ زمن، فلم يغضب، ولم يبكِ، ولم يكتب رسالة وداع مليئة بالعتاب، بل فقط، أغلق الباب بينه وبين الفكرة، بعد أن أدرك أن الحب، ذلك الكائن الهش، لا يموت حين نصرخ، بل حين نصمت طويلا، وننتظر اتصالاً لا يأتي.. في قلبه، بقي شمم الروح صامدا، كصخرة تواجه المد، لا عنادا، بل وفاءً لما تبقّى فيه من ذاته التي رفضت أن تُختزل في لحظة خذلان.. تذكّر كم مرة قيل له إن الصمت أبلغ من الكلام، لكنه لم يتذكّر أن أحدا قال له من قبل إن صمت أربعٍ وعشرين ساعة كفيلٌ بقتل قصة حب كاملة، كما يقتل الصقيع وردة متفتحة، لتتجلى سخرية القدر، حين نمتلك كل شيء، ونمتلك القدرة على بناء مستقبل مشترك، لكننا نفتقر أحيانا لأبسط الأشياء: القدرة على الغفران في الوقت المناسب.</p>
<p>فكّر مع نفسه: &#8220;ماذا لو كتبت له: اشتقت؟&#8221;.. كلمة واحدة، قصيرة، لكنها تأخرت، فالاشتياق بعد أربعٍ وعشرين ساعة من الخذلان، يشبه إشعال شمعة على قبرٍ لم يعد يتذكرك، فكم هو ساخر هذا القدر، في تلك اللحظة، فهم أن بعض الأشياء، حتى لو عادت، لا تعود كما كانت، فالماء المسكوب لا يعود إلى الكأس، والوقت الضائع لا يعود إلى الساعة، والقلب المخذول لا يعود إلى النبض، فالذي ينتظر أربعا وعشرين ساعة ليتذكر أنه يحب.. لا يعرف معنى الحب.</p>
<p>في مكانٍ ما، في متاهات الزمن، كان هناك كونٌ موازٍ يعيش فيه ذات الرجل وذات المرأة، لكن هناك، كان أحدهما قد أرسل رسالة، والآخر قد رد، وفي ذلك الكون، كانت قصتهما مختلفة تماما، لكن في هذا الكون، كان الصمت أبلغ من الكلام، القدر، بحسّه الساخر المرير، يمنحنا أشخاصا نحلم أن نكبر معهم، ثم يضعهم على قوائم الحظر، بحجّة أن التوقيت ليس مناسبا، أما الحب؟ فهو لا يموت حين نصرخ، بل حين نصمت طويلا، وننتظر اتصالاً لا يأتي، وتلك هي المفارقة السوداء: أن أكثر ما نخشاه ليس الموت، بل أن نعيش في عالمٍ موازٍ مليء بالـ &#8220;ماذا لو&#8221;، وأن نكتشف أن أرواحنا المتعبة قد أضاعت فرصتها في اللقاء مع نصفها الآخر، لمجرد خطأ في التوقيت، أو لحظة غضبٍ عابرة.</p>
<p>وهكذا، انفصلا.. لا بصخبٍ أو ضجيج، بل بصمتٍ عميق يشبه ثقوب الفضاء السوداء، يبتلع كل شيء، حتى الضوء، وفي غرابة الأقدار، ظلّا يتقاطعان في الأمكنة، وفي قلب كل منهما سؤال مؤجَّل إلى الأبد: هل كان يمكن أن تكون النهاية مختلفة، لو أن أحدنا تجاوز كبرياءه وأرسل رسالة واحدة؟</p>
<p>لكن القدر، بحسّه الفكاهي القاتم، لا يترك مجالا للتساؤلات، فهو يعلم أن البشر يعيشون على أمل &#8220;غدٍ&#8221;، بينما الحقيقة هي أن &#8220;اليوم&#8221; هو كل ما نملك، وأن الانتظار هو أكثر أشكال الموت قسوة ووحشية.</p>
<p>لحظة واحدة كانت كفيلة بإنقاذ كل شيء، لكن لا بأس، فالحب ليس معادلة رياضية، ولا قانونا فيزيائيا، إنه نكتة سوداء من الكون، يضحك فيها عليك.. ثم يمضي، دون أن يعتذر، وربما.. كان الخطأ خطأه منذ البداية، حين ظن أن الظلال يمكن أن تلتقي دون ضوءٍ بينهما، أو ربما.. كان الحياة تعلمه درسا: أن القدر، رغم سخريته، يمنح فرصا ثانية للذين يجرؤون على تجاوز كبريائهم، والاعتراف بأن الحب، في النهاية، أقوى من كل الحواجز، وأن البناء مع الآخرين لا يحتاج إلى كلماتٍ عظيمة، بل إلى حضور، ووجود، واستمرارية.. ففي النهاية، كانت قصتهما مجرد سطرٍ في رواية الحياة الطويلة: &#8220;كانا يمكن أن يكونا كل شيء، لكنهما اختارا أن يكونا.. لا شيء.&#8221;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>شمم الروح- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/05/17/%d8%b4%d9%85%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%ad-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 16 May 2025 21:11:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=94086</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; كان الضوء الشاحب يتسلّل بخجلٍ رمادي من نافذة الغرفة الصغيرة، كما لو أنّ الصباح نفسه يخجل من الدخول، ضوءٌ باهت كذكرى فقدت لونها، يغمر زاويةً مظلمة جلس فيها &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>كان الضوء الشاحب يتسلّل بخجلٍ رمادي من نافذة الغرفة الصغيرة، كما لو أنّ الصباح نفسه يخجل من الدخول، ضوءٌ باهت كذكرى فقدت لونها، يغمر زاويةً مظلمة جلس فيها متأمّلا ورقةً بيضاء كأنها صفحة منسية من حياته، بل كأنها مرآة لفراغه، يتأملها بعينين مرهقتين لا تطلبان شيئا سوى الصمت.. لقد مضى وقتٌ طويل&#8230; لا يدري كم، ولم يعد يُهمّه الحساب، كل ما يعرفه أن الظلال انسحبت من حياته كما انسحب الآخرون، تركة من الخيبات تكدّست في صدره دون عزاء.. ورغم محاولاته المستميتة لتمزيق خيوط الذاكرة، لتطهير روحه من طيف تلك الخيانة، إلا أن رائحتها ما زالت عالقة في أنفاسه كرائحة عطر قديم يُصرّ على البقاء حتى بعد أن يتلاشى صاحبه، فلم تكن فقط ذكرى امرأة خذلته، بل ذكرى نفسه حين كان يؤمن بشيء.. كان قد أقسم على قطيعةٍ لا رجعة فيها، حتى صار الوفاء للعزلة هو المبدأ الوحيد الذي يحكم حياته..</p>
<p>&#8211; &#8220;لن أسمح لنفسي بأن أغوص في بحر الوهم مجددا&#8221;، هكذا كان يهمس لنفسه كل صباح، وكأنه يوقّع كل يوم على اتفاقية هدنة جديدة معها، يعرف أنها هشّة، مؤقتة، لكنها تمنحه سببا للاستمرار، فيما تمرّ الشهور وهو يشحذ قلبه ليغدو صخرة، تتحطّم عليها أمواج المشاعر دون أن تترك خدشا، دون أن تترك أثراً.</p>
<p>كان الصمت في تلك الغرفة لا يُشبه الصمت العادي، بل أقرب إلى هديرٍ داخلي، يهمس له بما لا يُقال، بما دُفنَ منذ سنين تحت طبقات من النسيان المتعمد، فلم يكن وحده في وحدته، كانت هناك أصوات خافتة تتسلّل من جدران ذاكرته، تعود إليه من أماكن لم يزرها منذ زمن، من شوارع تنكر له أهلها، ومن وجوهٍ كان يظنها الوطن.. مرّت صورة والده أمامه، كما تمرّ طيف ابتسامة في حلمٍ مكسور، رجلٌ لم يكن حنونه ظاهراً، لكنه كان حاضراً كظل شجرة قديمة، لا تتكلم كثيراً، لكنها تحميك من الشمس في أيامٍ لم يكن فيها سقفٌ للنجاة. تذكّره وهو يمدّ له كوب الشاي في مساءٍ شتويّ، دون أن ينبس بكلمة، كأن المحبة كانت تُصبّ في الكؤوس لا في العبارات.. ثم جاءت صورة أخرى&#8230; صبيٌ نحيل في ساحة المدرسة، يحمل دفتراً ملطّخ الحواف، يكتب فيه جملاً لا يفهمها أحد، ولا حتى هو، لكنّه كان يؤمن أنها نافذته إلى عالمٍ آخر، كم ضحكوا عليه حين قرأ أحدها بصوتٍ عالٍ في الصف، وكم سخر المعلم من &#8220;أحلامه البلاغية&#8221;. كانت تلك اللحظة أول طعنة يتلقاها الحلم وهو يرتدي زيه المدرسي.</p>
<p>لم يكن الليل قد حلّ بعد، لكن الغرفة بدت كأنها دخلت مساءها مبكرا، كعادتها، تنسحب من النهار كما انسحب هو من كل ما يشبه الضوء، جلس ثابتا في مكانه، لا يتحرك، كأنه يخاف أن يُحدث صوتا يُربك هدوءه المتشظي، غير أن شيئا خافتا بدأ يطرق باب ذاكرته&#8230; لم تكن صورةً، بل صوتا&#8230; ضحكة قصيرة، مألوفة، كأنها خيط من زمنٍ مائل، يعود رغماً عنه.. ارتجف قلبه فجأة، كما لو أنّ تلك الطعنات القديمة ما زالت تملك حق الدخول دون استئذان، عاد إلى الورقة البيضاء أمامه، كانت ما تزال تنتظره، صامتةً كسابق عهدها، لكنه الآن بدأ يشعر أنها لا تشبه المرآة فقط&#8230; بل تشبه الكفن.. لم يكتب، لم يحرّك القلم، لكنه كان يكتب في داخله، كأن الماضي نفسه بدأ يُملي عليه، جملةً بعد جملة، لا بالحبر، بل بما تبقّى من صدق.</p>
<p>&#8220;هل تذكرين؟&#8221;.. همس في نفسه دون وعي وبشيء من الرجفة، وفجأة، شعَر أن الورقة أمامه لم تعد بيضاء تماما، بل بدأت تتلوّن من الداخل، كما لو أن الكلمات التي لم تُكتب قد قررت أن تكتب نفسها.. &#8220;ليست الخيانة هي ما يؤلم&#8221;، فكّر، &#8220;بل أنّني صدّقت أنني لا زلت أستحق أن يُحَبّ مثلي&#8221;.. وسكت، كأنه سمع نفسه لأول مرة.</p>
<p>في مساء بارد لم تكن الرياح سوى شهقة مؤجلة من قلب مثقوب، كأن الأرض تنفست بعد طول حبسٍ، ولفظت حكاية كانت مختبئة في جوف الليل، تنحت ملامحها فوق ضلوع من لا يُراد له أن يُروى، حيث رن هاتفه بمكالمة من رقم مجهول، تردد قليلاً قبل أن يجيب، وعندما فعل، سمع صوتاً يشبه ترنيمة ناعمة خرجت من صندوق موسيقي قديم، كان صوتها يحمل نبرة خاصة، مزيجاً من القوة والرقة، كنسمة هواء لطيفة تحمل عبقاً غريباً، في البدء كان الصمت.. لا أحد، لا شيء، سوى صوتٌ عبر هاتفه، جاء كنسمة من غيمٍ لم يمطر بعد، لم يكن يبحث، بل كان قد أقسم، بملح الجراح، أن لا يعود، أن لا يمنح قلبه لظل امرأة بعد اليوم، أن يُطفئ كل الشموع التي أحرقت يديه في ماضٍ ذاب فيه حتى العظم.. للحظة، شعر بشيء يتحرك في تلك الصخرة الصلبة التي صارت قلبه..</p>
<p>&#8211; &#8220;آسفة للإزعاج.. هل يمكنني التحدث معك.&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;لا بأس.. بالتأكيد..&#8221;</p>
<p>لم تكن الكلمات بحد ذاتها ما أربكه، بل الطريقة التي قيلت بها، تلك اللهجة التي تشبه الذاكرة حين تتنكر في صوت غريب، لا تعرفه&#8230; لكنك تشتاقه، كان يريد أن يسألها: &#8220;من أنتِ؟&#8221;، لكنّ لسانه خانه، أو لعلّ عقله تريّث، كأن شيئا في داخله خاف من الإجابة، من كسر الطقس الذي اعتاده&#8230; الطقس المملوء بالوحدة والصمت والورق الأبيض، فساد صمت غريب، كأن صوتها تسلل من زمنٍ آخر، من حياةٍ لم تكتمل أو حلمٍ تعثّر عند مشارف الصباح، لم يسألها من تكون، ولم تسأله إن كان يعرفها، بينهما، كان الزمن يُصلّي بصوت خافت لا يسمعه سوى أولئك الذين خسروا أكثر مما اعترفوا به.</p>
<p>&#8211; &#8220;أعرف أني أتحدث في ساعة غريبة&#8230;&#8221; قالت، وكأنها تمشي على حافة الاعتراف.</p>
<p>&#8211; &#8220;كل الساعات أصبحت غريبة منذ زمن&#8230;&#8221; ردّ بصوت متعب لم يُفلت من عتبة الحنين، ثم سعل بصمت، كمن يختبر حقيقة كونه ما يزال حيّا، ثم جلس، وضع الهاتف على طاولة قريبة، لكنه لم يغلق المكالمة، بقي يستمع، لا لأنه مهتم، بل لأنه خائف من أن يكون مهتمّا.</p>
<p>&#8211; &#8220;لم أطلب شيئا، فقط أردت أن أسألك شيئا ما.&#8221;. همست بذلك، وكأنها تكتب رسالة في زجاجة وترميها في بحر لا تعرف ماؤه، ثم ضحكت بخفة، ضحكة لم تكن مستفزة، بل أشبه برائحة قهوة تُصادفها في شارعٍ لم تمرّ به من قبل، فتذكّرك بشيءٍ لا تملك اسمه.</p>
<p>أحسّ بشيءٍ يتحرك مجدداً في صدره، ليس حنينا، ولا حباً، ولا رغبةً حتى، بل ذلك الشعور الغريب الذي يُولد حين يُفاجئك صوت في العتمة، ويذكّرك أنك ما زلت حياً، وما زال أحدهم&#8230; يستمع.. تردد، كان عليه أن ينهي المكالمة، أن يعود إلى جدار صمته، أن يُغلق هذا الباب الذي بدأت نسائم الغيم تتسرّب منه، لكنه قال: &#8220;هل أخطأتِ الرقم؟&#8221;.. قالها بنبرة تشكك أكثر مما تسأل.</p>
<p>ضحكت، ضحكة صغيرة، رقيقة، كأنها لم تُستخدم منذ سنين: &#8220;ربما&#8230; وربما لا. أحيانا نحتاج أن نُخطئ كي نصل إلى الطريق.&#8221;</p>
<p>كان يعرف تلك النبرة، ليس الصوت بالضرورة، لكن المعنى، كأنها تكلّمه من زاوية نسيها في نفسه، زاوية لا تُضاء إلا حين يكون القلب نصف ميت ونصف نادم: &#8220;أنا لا أُجيد الحديث مع الغرباء.&#8221;. قالها وكأنه يُنذرها لا يُخبرها، فقد كانت الخيانة قد حفرت اسمه تحت رمادها، حتى بات كل حنينٍ رجفة ألم، وكل أنثى احتمالاً للفقد، وكل صوتٍ أنثويّ، فخا أخيرا، تخلص من ذلك الحب كما يتخلص الجسد من شوكة دخلت عظمه؛ ببطء، بألم، بعرقٍ ودمعٍ وجرحٍ يشفى دون أن يُنسى، لكنه سمعها.. لا وجه، لا هيئة، لا تفاصيل.. فقط صوتٌ كأنما ولد في فجر غامض من دهشة ناعمة، مبحوح برفق، شفيف كوشوشة وردة في ليلٍ ساكن، لم يكن الصوت دعوة، بل كان شغفا خفيا، شمم الروح حين تستنشق أول نسمة بعد أن تغادرها الحياة، فكانت تلك اللحظة التي تغيرت فيها حياته، كمن وجد نبعاً في صحراء، تشبث بالمحادثة، وبدأت قصة جديدة من حيث لم يتوقع أبداً، مكالمة تلو الأخرى، صارت الأحاديث أكثر عمقاً، وأصبح الهاتف جسراً يربط بين عالمين، فبينما كان الليل يواصل تنفّسه خارج النافذة، جلس هو قبالة الهاتف، يسمع صوتها يتردد الأثير، لا يحمل طلبا، لا يحمل ماضيا واضحا، لكنه يحمل شيئا يشبه الباب&#8230; لا يُفتح، ولا يُغلق&#8230; فقط يُترك مواربا، كقلب لم يعد يريد أن يُحب..</p>
<p>– &#8220;أنا لا أطلب حديثا&#8230; لدي سؤال واحد فقط.&#8221;.. قالت ذلك بشيء من الخجل.. وانتهت المكالمة.. بقي الهاتف في يده، لا يصدق ما حدث تماماً، كأنّ الحياة لمست باب وحدته بخفة، ثم تراجعت.. لكنه هذه المرة لم يغلق الباب.</p>
<p>في الليلة التالية، جلس أمام النافذة، دون أن يشعل الضوء، ترك الغرفة كما هي، نصف ظلامٍ، نصف انتظار.. لم يكن يترقّب شيئاً محدداً، لكنه أحس أن الصمت هذه المرة ليس كالسابق.. كأن الهاتف نفسه صار ثقيلا، يزِن في حضوره أكثر من المعتاد، مرّت الساعات، ولم تتكرر المكالمة.. &#8220;كما توقعت&#8221;، قال في داخله، محاولاً أن يُقنع نفسه بأن الأمر انتهى، أنه كان محض صدفة لا أكثر… لكن قلبه لم يصدق، فمنذ فترة طويلة، لم يحدّث امرأة، لم يفتح باب الحديث إلا على سبيل المجاملة أو التملّص، لم يعد يرى في الأصوات إلا احتمالات للخذلان، للرجوع إلى الهاوية التي بالكاد نجا منها.. لكن هذا الصوت كان مختلفاً، لا لأنّه أنثوي، بل لأنه لم يطلب شيئاً، لم يحاول الدخول، فقط مرّ، كما يمرّ طيف حلمٍ جميل في نومٍ مضطرب.</p>
<p>في اليوم الثالث، وبينما كان يرتشف الشاي على مهل، رنّ الهاتف مجددا.. الرقم ذاته، لم يتحرّك على الفور حيث توقف قلبه للحظة، ثم رفع الهاتف أخيرا وأجاب دون كلمة، الصمت كان هناك أولاً، مثل المرة السابقة، لكنه هذه المرة كان يعرف أن في الطرف الآخر روحا تتنفس.. لم تكن المكالمة عادية، لم تكن صوتا فقط، بل حضورا رماديّا يتسلل في المسافة بين الوحدة والنسيان، لم يكن الحديث هو ما شدّه، بل تلك الطريقة التي يسري فيها الصمت بين الكلمات، كما لو أن الآخر لا يريد شيئا سوى أن يوجد.. فقط أن يوجد، بصوتٍ لا يطلب، لا يشرح، لا يقتحم.. في داخله، تحرك شيء، لم يكن دفئا، ولا حنينا، بل تلك الرعشة الخفيفة التي تسبق المطر، أو الذكرى، أو الحنين الذي لا يريد الاعتراف باسمه، لم يفهم تماما، لكنه لم يرفضه، تركه يمر، كما يمر الهواء في غرفة أُغلقت طويلا، فقد اعتاد أن تكون وحدته محكمة، كقلعة مهجورة لا تزورها سوى الأشباح، لكن الآن، ثمة طيف غريب يمشي على أطراف الحروف، يشارك الصمت، لا يفرض نفسه، ولا ينسحب، كأنه ظلّ بعيد، لا يريد الاقتراب، لكنه لا يستطيع الرحيل.. وعلى غير عادته، لم يغلق الهاتف فور انتهاء المكالمة، بقي يحدّق فيه، كمن يلمس أثرا لا يُرى، وفي صدره، كانت الصخرة القديمة تبدي تشقّقا صغيرا، لا يُلاحظ.. إلا لمن عاش فيها طويلا.</p>
<p>مرت ليالٍ عدة، صار صوتها خلالها طقسا يوميّا، كأن روحه اعتادت الانتظار دون أن تعترف، وكأن الزمن، المتوقف في غرفته منذ سنين، بدأ يتحرك على وقع كلماتها البسيطة&#8230; لا تسأل كثيرا، لا تبوح بما يفوق حاجتها، لكنها تترك في حديثها فراغات ذكية، كأنها تدعوه لاكتشافها دون أن تعطيه خريطة.</p>
<p>&#8211; &#8220;أخشى الاقتراب كثيراً.&#8221; اعترفت له بعد أيام قليلة من المحادثات الطويلة، &#8220;فالقرب يكشف العيوب، والكشف يجلب الخذلان.&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;وأنا أخشى أن أمنح ثقتي مرة أخرى،&#8221; أجاب بصدق، &#8220;لكنني أجد نفسي أتجاوز هذا الخوف معك&#8221;.</p>
<p>في لحظة لم يستطع تفسيرها، استنشق عبير أملٍ دفين، شمم روحه تنبعث من جديد، كانت لحظة انفجار داخلي، حين استشعر أن روحه تأخذ نفساً عميقاً بعد خنق طويل، لم يكن هذا الاستنشاق مجرّد شعور عابر، بل كانت ثورة صامتة في داخله، تخرج روحه من ظلال السكون لتعلن انتصارها على كل ما كبلها، شمم الروح لم يكن مجرد شعور، بل تحول إلى قوة تمنحه القدرة على الوقوف مجدداً في وجه الألم، لينسجا معاً حلماً، رسما تفاصيله بكلمات متبادلة في منتصف الليل، وخططا لمستقبل كأنه قصيدة من خيال، كان يحكي لها عن نفسه وكأنه يكتشفها للمرة الأولى، ويستمع إليها كما يستمع الظمآن لصوت الماء، فتسللا إلى الحلم كطفلين يكتشفان مدينة مهجورة، بنيا عالما لا تُطال خرائطه، تحدّثا كما لو أنهما أرواح تلاقت قبل أن تُخلق الأجساد، استحضرا ماضيهما كمن يُحرق آخر رسائل الأسى على ضوء شمعة، حكى لها كيف خانته تلك المرأة ذات الذاكرة الحادة، وكيف أمسك خيط العشق فقط ليخنقه لاحقا بيده، وأقسمت هي، ببراءة ترتعش، أن لا شيء سيعكر صوتيهما، لا غيرة، لا ظنون، لا أشباح..</p>
<p>في ليلة موشومة بالثقة، فتح لها صندوق ذكرياته المؤلمة، وأفرغ فيه الخيانة التي غيّرت مسار قلبه، لا حياته فقط، حكى كل التفاصيل، كيف وثق بلا حدود، وكيف سقط من علوِّ ثقته تلك ليرتطم بأرض الواقع القاسي:</p>
<p>&#8211; &#8220;لقد تخلصت منها تماماً،&#8221; أكد لها، &#8220;ولم يعد لها أي وجود في حياتي.&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;أفهم، ولن أتأثر بهذا.&#8221; أجابت بثقة، &#8220;الماضي ماضٍ.&#8221;</p>
<p>لكن ما لم يدركه أن قصته أشعلت شيئاً في داخلها كان يبحث عن ذريعة، وأيقظت في داخلها جرحاً لم يُسمّه أحد، أو لعله شكٌ خفيّ، فخلال الأسابيع التالية، بدأت الأسئلة تزداد، وصارت التلميحات أكثر وضوحاً:</p>
<p>&#8211; &#8220;هل ما زلت تفكر فيها أحياناً؟&#8221; سألته ذات مرة بنبرة تحاول إخفاء ما وراءها.</p>
<p>&#8211; &#8220;لا، كيف أفكر فيها وأنت ملء روحي وخيالي؟&#8221;</p>
<p>لكن الغيرة من شبح امرأة لم تعرفها قط بدأت تستولي عليها، مرة بعد أخرى، كانت تعود للحديث عن تلك المرأة، حتى صارت وكأنها حاضرة معهما في كل مكالمة، تسللت كلماتها للومه، وأحياناً تجرحه:</p>
<p>&#8211; &#8220;يبدو أنك لم تتخلص منها كما تدعي، ربما ما زلت تقارن.&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;كيف يمكنني أن أثق بأنك لن تعود إليها؟&#8221;</p>
<p>حاول أن يشرح، أن يبرهن، أن يؤكد، لكن الشك كان يزداد مع كل محاولة للإثبات، تحمل الكثير، واستمر يغذي الحلم المشترك رغم التصدعات التي بدأت تظهر فيه، كالغيرة، تلك الندبة الأنثوية التي لا تعترف بالمنطق، وتُراكم الألم على صمتٍ قديم، حيث بدأت تزحف، ببطء، كأنها لعنة لا صوت لها، أسئلتها لم تعد حنونة، كانت تنقب في رمادٍ برد منذ زمن، وتصرخ: “ألم تُطفئه بعد؟”</p>
<p>&#8211; &#8220;كيف يُطفئ ما لم يعد له لهب؟ كيف يُبرر للريح أنه لم يعد يملك جناحين؟&#8221;</p>
<p>تحملها.. كمن يتحمل موجا يُقبّل صخره ثم يعود، تحملها وهو يظن أن الحب يُغفر، أن الخوف الأنثوي يمكن أن يُحتوى، أن الألم قد يُعاد تشكيله أغنية، حتى حلت تلك الليلة العاصفة، حيث انفجر كل شيء، اتهمته بصراحة: &#8220;أنت ما زلت على اتصال بها، أليس كذلك؟&#8221;</p>
<p>حين سمع منها التهمة الأخيرة، تلك الطعنة التي لا يسبقها إنذار، عرف أن شيئا ما انكسر، ليس في قلبه، بل في ذلك العالم الورقيّ الذي بنياه معا:</p>
<p>&#8211; &#8220;هذا محض خيال.&#8221; أجاب بإرهاق، &#8220;لقد انتهى كل شيء منذ زمن بعيد.&#8221;</p>
<p>&#8211; &#8220;أرى في كلماتك ظلها، وأسمع في صوتك نبرة مختلفة عندما تنفي.&#8221;</p>
<p>استمر الجدال حتى ساعات طويلة، وعندما وضع الهاتف أخيراً، أدرك أنه كان يعيش وهماً جديداً، ببطء، بدأت الحقيقة تتكشف أمامه، حلقة تلو الأخرى، حيث لم تكن تغار، لم تكن تتألم من امرأة لم تعد تسكنه… كانت تهدم، فقط، تهدم لسبب لم يبلغه، لم يعرفه، وربما لن يعرفه أبدا.. كانت تبحث عن مخرج، عن سبب للانسحاب، وكانت قصة الماضي فرصتها المثالية.. في صباح اليوم التالي، أرسلت رسالة قصيرة: &#8220;أظن أنك تحتاج للوقت لتنسى الماضي تماماً.&#8221;</p>
<p>رحلت، أو تلاشت، أو انحلّت في الفراغ كأنها نوتة أخيرة في سمفونية لا جمهور لها، ولم يبكِ، بل وقف على حافة ذاته، ينظر إلى اللاشيء، ويهمس لصوته الداخلي: &#8220;كم مرة يجب أن أُولد من رمادي؟ وكم شمما للروح يحتمل القلب قبل أن يصبح حجراً؟&#8221;</p>
<p>أدرك حينها أن الشبح الحقيقي لم يكن في ماضيه بل في الصورة التي رسمتها هي لذلك الماضي، صورة استخدمتها كسلاح وكذريعة، ليقف الآن أمام النافذة، يراقب المطر يغسل الشوارع، في يده ورقة صغيرة عليها كلمات كان قد كتبها لها ولم يرسلها أبداً، يبتسم بسخرية هادئة من سذاجته، ثم يمزق الورقة إلى قطع صغيرة ويتركها تتطاير مع الريح، فهذه المرة، لم يقسم على شيء، فقط أغلق النافذة بهدوء، وترك للصمت أن يملأ المكان، ربما لم يكن الدرس الحقيقي في اجتناب الحب، بل في توقيت الانسحاب، أن تعرف متى تُطفئ الشمعة، ومتى تعترف أن النسمة كانت وهما.. في معرفة متى تكون رائحة الروح حقيقية، ومتى تكون مجرد سراب، ففي المكان الذي انتهت فيه الحكاية، لم يبقَ شيء سوى صدى صوتٍ يشبه نسمة، عبر هاتفٍ لم يعد يرن.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ذاكرة طريق- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/05/10/%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d8%b7%d8%b1%d9%8a%d9%82-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%88%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 10 May 2025 06:03:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=93855</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في مكان لا تعرفه الخرائط، وزمان لا تقيسه الساعات، حيث لا شيء هنا.. لا جدران، لا أرض، لا سماء، مجرد فراغ يمتد، صمت كثيف يتدلّى مثل خيوط دخان &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في مكان لا تعرفه الخرائط، وزمان لا تقيسه الساعات، حيث لا شيء هنا.. لا جدران، لا أرض، لا سماء، مجرد فراغ يمتد، صمت كثيف يتدلّى مثل خيوط دخان رمادية، لا بداية ولا نهاية، وفي قلب الفراغ، يقف هو، بلا ظل، بلا صوت، يحاول أن يخطو، فلا أرض تحمله، ويحاول أن ينظر، فلا يرى إلا عتمة تلتف حول عينيه كضباب، وفجأة، تتكوّن جملة في الهواء، مكتوبة بالنور، لكنها تبهت سريعا.. كلمات تتبعثر، تسقط من اللاشيء، وتترتب لتصنع صوتا بداخله: &#8220;يخذلونك بصمت.. كأنهم يمضغون الحقيقة تحت ألسنتهم، فلا يبتلعونها ولا يلفظونها&#8230;&#8221;</p>
<p>يهتز الفراغ. تتشكل خطوط باهتة، تلوّن العدم بخيوط خجولة من الأزرق الباهت والرمادي القديم، كما لو أن أحدهم يحاول رسم واقع متردد، واقع لا يملك الجرأة ليكتمل.. يهمس الصوت من جديد، لكن هذه المرة بصوتٍ مألوف&#8230; صوته هو: &#8220;هل أنا ميت؟&#8221;</p>
<p>لكن الصدى لا يجيبه، فيتابع الصوت: &#8220;أم أنني أستيقظ أخيرا؟&#8221;</p>
<p>وصار الصوت يعلو، يردد الجملة، تتردد أصداؤه بين جدران لا تُرى، حتى صار الصوت هو نفسه، وصار هو الصوت، ليتردد مجددا في عمق الذاكرة المفقودة: &#8220;يخذلونك بصمت.. كأنهم يمضغون الحقيقة تحت ألسنتهم، فلا يبتلعونها ولا يلفظونها، يتركونك معلّقا بين كلمة لم تقال، وخطوة لم تُقطع، يخذلونك حين يلبسون وجوههم قناع الوفاء، بينما تحت الجلد نار تنخر، وابتسامة تتقن طعنات الظهر.. يبدون لك ما ليس في قلوبهم.. كأنهم ممثلون بارعون على خشبة الحياة، يتقنون أدوارهم حتى تصدّق أن النقاء يسكن أعينهم، وأن الطهر يرفرف في كلماتهم، بينما الحقيقة… هناك، في ظلال قلوبهم المتآكلة، حيث لا ضوء ولا عهد ولا ودّ.. حتى يتمزق قلبك.. كأنك ثوب قديم شدّته أيادي الخيبة من كل زاوية، تمزقت خيوطك بصمتهم، وانسكب صبرك من ثقوب ثقتك، حتى لم يبق منك إلا شظايا قلب… تلمع بدموع لا يراها أحد&#8230; فليخذلوك… لكن لا تخذل نفسك&#8221;.</p>
<p>كما لو أن الزمن نفسه اختار أن يعيد تدوير الجملة بلا نهاية، تهاجمك الكلمات من كل جانب، فتتسلل إلى جسدك كما لو كانت طعنات سكينٍ مغمورة في أعماقك، ثم تسحب نفسها ببطء كما لو كانت تعود إلى مكانٍ لا تعرفه، فيُغمض عينيه، يحاول أن يغلق كل شيء في وجهه، ولكن لا شيء يغلق، يستمر الصوت، يتعاظم، يتحوّل إلى زخات مطرٍ ثقيلة تتساقط على وجهه، تتدفق عبر حواجز عقله، تنقض على الحواف المظلمة التي تشكل جزءا من كيانه، ووفي تلك اللحظة، تتشكل صورة في ذهنه، صورة ضبابية للغاية، كما لو أنها مجرد خيال على حافة الذاكرة، إنه في مكان آخر، في زمان آخر، يلمح هناك صورة وجه، وجه غريب، لكنه مألوف، يراه مبتسما، لكن الابتسامة غير حقيقية، فهناك شيء ما في هذه الابتسامة، شيء يضغط عليه، شيء يجعل قلبه يتفطر من جديد، والابتسامة تصبح أكبر، أوسع، حتى تتسع لتملأ الفراغ بالكامل، يلتفت، يحاول الهروب، لكنه لا يفرّ، فكلما تحرك، كلما تمددت الظلال، وكلما ازدادت الوجوه المحيطة به، تصبح الوجوه أكثر وضوحا إلى درجة أن كل واحدة منها تحمل عينين تلاحقانه، كل واحدة منها تحمل ابتسامة غير مكتملة، تنضح بالخيانة.</p>
<p>وبدأ جسده يرتجف، لكنه لا يقدر على الحركة، يفتح فمه ليصرخ، لكن صوته محبوس في الداخل، لا يخرج، يراه الجميع، لكنهم لا يسمعونه، ترى الأعين كلها تعبيرا غريبا، كما لو أنهم يحاولون أن يخبرونه بشيء، لكنهم لا يستطيعون، ثم تظهر فجأة يده، تطفو في الهواء، كما لو أن فكرة ما قد تسللت إليه، فكرة عن الماضي، عن الوعود التي تم تقديمها، عن النوايا التي كانت تغلفها كلمات هادئة، وكما لو أن الزمن نفسه يرفض التوقف، يبدأ قلبه في الانقباض، ليشعر بالضياع التام، كل شيء يتحطم حوله، حتى الوجوه التي كانت تتبعثر بين يديه تلتصق بالفراغ، تندمج معه.. يصرخ، هذه المرة بصوتٍ مسموع، لكن لا شيء يتحرك، وفي تلك اللحظة، يشعر بشيء غريب يتملكه، شعورٌ بالتحرر، وكأن الجمل التي ترددت طوال هذا الوقت قد بدأت تتلاشى في الهواء، وصوت أخرس ينتشل نفسه من الأعماق، ويغرقه في يقينٍ جديد. يمد يده نحو الظلام، نحو الحافة المجهولة، ولكن هذه المرة لا يعود الخوف يلاحقه، لا شيء يلاحقه، فيغلق عينيه للحظة طويلة، ثم يفتحها، ليكتشف أنه لم يعد في المكان الذي كان فيه، لم يعد هناك ظلال أو وجوه تحاصره، لم يعد هناك صوتٌ يردد الخذلان، أصبح وحيدا، في مكانٍ أوسع، في فراغٍ جديد، حيث يبدو أن كل شيء قد بدأ من جديد.</p>
<p>في هذا الفراغ الجديد، في الفضاء المعلّق بين الواقع والخيال حيث لا شيء يحده سوى امتداد اللازمان، خُيّل له أنه أصبح هو ذاته هذا الفراغ، لا وجه، لا اسم، لا ذكرى، سوى هواء ثقيل يملأ صدره، وقف ينظر إلى السماء المتشققة كمرآة قديمة، لا نجوم تتلألأ، ولا قمر يبعث نوره، فقط فراغ كوني يمتص الأصوات والذكريات، فيما كانت المياه تحت قدميه سوداء، تعكس وجهه المشوه بالخيبات، وعلى كتفيه تستقر طيور من دخان، تنعق بكلمات لم تُقل، وتغادر كلما حاول الإمساك بإحداها، همس للفراغ: &#8220;لقد وعدتِ&#8221;، عاد صدى صوته إليه كضحكات ساخرة، فقد بنى قصورا من وعودها، حفر اسمها على جدران روحه، أطعم قلبه الأمل حتى تضخم وملأ صدره، والآن، تتساقط حروف اسمها من ذاكرته كأوراق الخريف، تتحلل في بركة الخذلان التي تطفو عليها أحلامه الميتة، وفي يده رسالة تتبخر كلماتها كلما حاول قراءتها، كانت رسالة الوداع التي لم تكن شجاعة بما يكفي لتسليمها بيدها، فأرسلتها مع الريح، لتصفع وجهه في ليلة عاصفة.</p>
<p>تقدم نحو البحيرة السوداء، فظهرت على سطحها خيالات لوجوه تبتسم بمكر، وجوه لأشخاص كانوا شهودا على حبهما، يتظاهرون بالفرح، بينما يحيكون مؤامرات الفراق في الخفاء، حيث أدرك فجأة: &#8220;كانوا يعلمون أنها ستغادر، وابتسموا في وجهي&#8221;.</p>
<p>تحولت الأرض تحته إلى رمال متحركة من الذكريات، صور تتوالد، هي تضحك وتشير نحو النجوم، تقسم بحب أبدي، تشرب من كأسه، ثم تلتفت إلى آخر، تهمس في أذنه وتضحك معه على سذاجة من صدق، فيما يتساقط مطر أحمر من السماء المتشققة، يصطدم بوجهه كدموع دافئة، مدّ يديه ليتلقف المطر، فتشكّلت في راحتيه كلمات لم تُقل، اعترافات بخيانات لم تُعترف بها، قصص حب أخرى عاشتها في الظلال، ليظهر خيالها في الأفق يرقص مع ظلال متعددة، كأنها ممثلة تؤدي أدوارا مختلفة مع كل شخص، ووجهها الحقيقي غائب، ربما لأنها نسيته، أو لأنه لم يكن موجودا أصلاً.</p>
<p>رفع يده إلى صدره، حيث كان قلبه ينبض ببطء مؤلم، أدخل أصابعه بين ضلوعه، وانتزع قلبه المثقل، كان يتنفس في يده كمخلوق جريح، ينزف ذكريات وأمنيات.. &#8220;لن أكون سجينك بعد اليوم&#8221; خاطب قلبه، &#8220;لقد تعبت من حمل خيباتك&#8221;.</p>
<p>رمى قلبه في البحيرة السوداء، فغاص للحظات ثم طفا مجددا، متحولا إلى قارب ورقي صغير من حب محترق، ابتعد القارب، حاملاً كل الكلمات التي لم يقلها، كل الدموع التي احتُبست، واللحظات التي اعتقد أنها حقيقية، وبدأت السماء المتشققة تلتئم، والضباب ينقشع، ظهرت أمامه طريق طويلة مضاءة بنور غامض، وخلفه اختفت البحيرة السوداء وكل ما حملته من خذلان.</p>
<p>مشى في الطريق الجديد بصدر فارغ، لكنه خفيف، وفي الفراغ الذي تركه قلبه، بدأت تنمو بذرة صغيرة من شيء آخر، شيء لا يشبه الحب الذي عرفه، بل يشبه الحرية التي لم يختبرها من قبل، فلم يعد ينتظر رسائل لن تأتي، أو وعودا ستُكسر، لم يعد يبحث عن صدق في عيون تجيد التمثيل، أو يصدق ابتسامات تخفي خناجر، والآن، صار هو الطريق، وهو المسافر، هو السؤال، وهو الإجابة، هو الوعد، وهو الوفاء، حيث أدرك أن أعظم خذلان كان يمكن أن يرتكبه بحق نفسه، لو استمر يغرق في بحيرة خذلانها السوداء، ينتظر أن تعود لتنتشله.</p>
<p>تلاشت ذكراها مع كل خطوة، ككتابة على رمال يمحوها المد، ولم يبقَ في أذنيه سوى صدى حكمة قديمة: فليخذلوك.. لكن لا تخذل نفسك.</p>
<p>استيقظ على الفراغ، وكأنه كان في حلم يتبخر عند أول لمسة وعي، لا يتذكر منه سوى ظلال شعور ثقيل، كأن قلبه نسي كيف ينبض دون وجع.. الغرفة تتنفس من حوله، جدرانها تنبض كأنها أوردة في سماء غائمة، قهوته تبرد على الطاولة منذ دهور، بينما تتسلل خيوط ضوء شاحبة من شقوق السقف.. حاول أن يتذكر متى وصل إلى هنا، لكن الذكريات تتداخل كألوان مائية تسيل على لوحة مبتلة، فقد كانت رسائلها تصله عبر قصاصات ورق تظهر فجأة تحت وسادته كل صباح، كلماتها موعودة بلقاء، تحمل عطراً غامضاً يشبه رائحة المطر على التراب.</p>
<p>المرآة في الزاوية تعكس وجهاً لا يعرفه تماماً، كأن ملامحه تتحول ببطء مع كل دقة قلب، كان ينتظرها كل مساء في الحديقة المهجورة خلف البناية الرمادية، الأرجوحة تتحرك وحدها رغم سكون الهواء، وأحياناً يسمع ضحكتها تتردد بين الأشجار، لكنها لا تظهر أبدا.</p>
<p>وفي مساء آخر يشبه ما سبقه من الانتظارات، جلس على المقعد الخشبي المهترئ تحت شجرة تآكلت أوراقها من الغياب، تحدق فيه الغربان من أعالي الأغصان وكأنها شهود صامتون على ما لم يحدث، الأرجوحة ما زالت تتأرجح وحدها، تصدر صريراً خافتاً كأنه بكاء صدأٍ قديم، الهواء كان ساكناً، لكنه شعر بأن شيئاً ما يتحرك في الحديقة، شيئاً غير مرئي، لكنه ثقيل، مثل حضور فكرة لم تُفهم بعد.</p>
<p>مدّ يده ليتحسس المقعد إلى جانبه، كأنه يتوقع أن تكون هناك، أن تكون جلست قبله وتركَت حرارة جسدها في الخشب، لكن كل ما وجده هو ورقة، ورقة مطوية بعناية، بنفس الخط الذي عرفه جيداً، بنفس العطر، فتحها ببطء، كانت سطورها قصيرة، لا تقول الكثير، لكنها تنزف شعوراً دفيناً: &#8220;أراك أكثر مما تراني، تسمعني حين أصمت، وتلمسني في غيابي. سامحني إن كنتُ ظلا يمشي خلفك، لا يملك الشجاعة أن يسبقك أو يواجهك&#8230;&#8221;</p>
<p>ارتجف الورق بين أصابعه، وكأن الكلمات لا تريد أن تُقرأ، أو كأنها تذوب كلما اقترب منها. رفع عينيه إلى الظلام الزاحف بين الأشجار، وتردد الصوت الذي يعرفه، لا يأتي من الخارج، بل من داخله: &#8220;هي هنا، لكنها لا تستطيع البقاء&#8230;&#8221;</p>
<p>تساءل، لأول مرة، هل كانت حقاً موجودة؟ أم أنه اخترعها ليملأ هذا الفراغ الهائل بداخله؟ كل ما عرفه هو أنه لم يعد يميّز بين الذكرى والخيال، بين الواقع والحلم، بين وجهها وظله، ثم، ولأول مرة، توقفت الأرجوحة عن التأرجح، وصمتت الحديقة، وساد السكون، لكنه لم يكن هدوءا مطمئنا، بل سكونا كثيفا، كثافة الحقيقة حين تتجلى بلا رتوش، كأن الزمن نفسه توقف لبرهة ليرى ماذا سيفعل الآن، لم يعد هناك صرير، ولا ورق يتساقط، حتى الغربان اختفت، تاركة وراءها فراغا في السماء مثل ندبة قديمة.. وقف ببطء، شعر أن الهواء صار أثقل، كأن كل خطوة منه تُسحب من بئرٍ عميق في داخله، نظر إلى الأرجوحة الثابتة، ثم إلى المقعد الذي بات خاليا من الورق والعطر، ومن كل أثر لها.</p>
<p>عاد إلى غرفته، الجدران ما زالت تنبض، لكن نبضها صار أبطأ، كأنها أيضاً بدأت تتخلى عنه. نظر في المرآة مرة أخرى، وابتسم ابتسامة باهتة لكنها حقيقية، كأنها خروج من طقسٍ طويل من الحداد على شيء لم يُولد.. جلس أمام قهوته الباردة، رفع الكوب، وتذوّقها… طعمها مر، بلا سكر، بلا نكهة، لكنه لم يمتعض. بل قال لنفسه: &#8220;أخيرا… طعم الحياة كما هو.&#8221;</p>
<p>وكأن القدر قرر أن يسخر منه في ليلة أخرى، حيث وجد على طاولته مفتاحاً نحاسياً صغيراً، ومعه ورقة كُتب عليها: &#8220;الباب الأخير في الممر&#8221;، لم يكن يعلم بوجود ممر، لكن عندما استدار، وجد في جدار غرفته فتحة لم تكن موجودة من قبل.. الممر طويل، مضاء بمصابيح متذبذبة، وعلى جدرانه صور لأشخاص تبدو ملامحهم مألوفة، لكنه كلما اقترب منهم، تمحو ملامحهم كالشمع المنصهر، الباب الأخير كان مطلياً بالأزرق، وعندما أدار المفتاح، سمع نبضات قلب تتسارع، لم يعرف إن كانت نبضاته أم نبضات الغرفة نفسها، وجدها تجلس هناك، ظهرها إليه، شعرها الطويل ينساب كشلال من حبر أسود، تحيط بها المرايا من كل جانب، كل مرآة تعكس وجهاً مختلفاً لها، همس باسم لم ينطقه من قبل، فاستدارت ببطء، لكنه لم يرَ وجهاً، بل مرآة أخرى تعكس صورته هو، ملامحه مشوهة بالانتظار والأمل والخذلان، مدت يدها، ولم تكن سوى يده، وسلمته ظرفاً محكم الإغلاق، عندما فتحه، وجد داخله كل الرسائل التي كان يكتبها لنفسه كل ليلة، مؤرخة بتواريخ سنوات مضت.</p>
<p>فهم حينها أنه كان يراسل نفسه، يخلق وهم حب لامرأة لم توجد يوما، ليهرب من فراغ روحه، كان الخاذل والمخذول، البطل والضحية، الواعد والمنتظر، تحت قدميه، تشققت الأرضية كبلور متكسر، وبدأت الغرفة تنهار من حوله.</p>
<p>استيقظ مجددا في غرفته، قهوته ما زالت تبرد على الطاولة، نظر عبر النافذة، الحديقة المهجورة تبدو كسراب قديم، لكن هذه المرة، قرر أن يخرج من البيت بلا انتظار، بلا رسائل، بلا أمل زائف، ولا خلفه مرآة، ولا أمامه وعد.. حمل قلبه المتشظي بين يديه وخرج ليواجه عالماً حقيقياً.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حرب الكبار.. بين التنين والعم سام &#8211; جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/04/24/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%86%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85-%d8%b3%d8%a7%d9%85-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 24 Apr 2025 20:03:56 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=93277</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في إحدى زوايا الكوكب، وتحديداً في زاوية ساخنة من خريطة العالم، حيث تُحشى الرمانة بالنفط، وتُطبخ السياسة على نار طائفية هادئة، تجلس منطقة تدعى الشرق الأوسط، تضع ساقاً &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في إحدى زوايا الكوكب، وتحديداً في زاوية ساخنة من خريطة العالم، حيث تُحشى الرمانة بالنفط، وتُطبخ السياسة على نار طائفية هادئة، تجلس منطقة تدعى الشرق الأوسط، تضع ساقاً على ساق، تحتسي الشاي بنكهة النعناع أو النفط الخام (بحسب المزاج)، وتقلب صفحات الصحف، تتابع نشرة الأخبار الاقتصادية كما تتابع المسلسلات التركية: مشدودة، مشوشة، ولا تفهم شيئاً، وإذا بعناوينها تهدر كصافرات الإنذار: تصعيد في الحرب التجارية بين الصين وأمريكا، فتتنهد المنطقة، وترفع حاجبيها، ثم تضحك ضحكة باهتة وتهمس لنفسها: وماذا بعد؟ هل سنُطلب للشهادة؟ أم نُستدعى كخبراء في اقتصاد الكباب والبطالة؟ ثم ما علاقتنا نحن؟ وهل نحن إلا خلفية مشوشة في هذه الصورة فائقة الدقة؟</p>
<p>نعم، إنها الحرب التي لا تُطلق فيها رصاصة، بل يُطلق فيها تغريدة من حساب البيت الأبيض واشنطن تقابلها فيديوهات على &#8220;ويبو&#8221; من بكين فتتساقط الأسهم كما يتساقط سعر الدينار أمام إشاعة عن حرب وينتج عن ذلك ارتفاع أسعار لا يشرحه حتى البنك الدولي، ففي هذه الحرب، لا يُقتل الجنود، بل تُقتل أحلام المستهلكين، ولا تُسفك فيها دماء، بل تُسفك فيها صفقات، وتُقصف فيها الأسواق بالبضائع، وتُحتل فيها العقول بالإعلانات الممولة، حرب بأسلحة دمار اقتصادي شامل: تعريفات جمركية، حظر تكنولوجي، و&#8221;تيك توك&#8221; يُمنع من التنفس في أمريكا، بينما &#8220;أبل&#8221; يتعثر في بكين كأنه جمل في سوق شعبي.</p>
<p>إنها الحرب التي لا يُستخدم فيها البارود، بل &#8220;باور بوينت&#8221; محشو بالرسوم البيانية والعقوبات الاقتصادية. حرب يتبادل فيها التنين والعم سام اللكمات التجارية بوجوه باسمة ونوايا مسمومة، حرب لا تُحرق المدن، بل تُحرق فواتير الشحن، وتفوح منها رائحة البلاستيك الإلكتروني والعطور المزيفة، فتُمنع شركة هواوي في الغرب، لتختنق الأسواق. يُمنع تيك توك في أمريكا، فيصاب المراهقون بالاكتئاب الجماعي. يُحاصر &#8220;آيفون&#8221; في الصين، فيبدأ الآيفون نفسه يشك في ولائه.</p>
<p>لكن مهلا.. من الذي علق في منتصف هذه الحرب؟ من الذي وقع بين المطرقة الصينية والسندان الأمريكي؟ إنها تلك المنطقة التي كانت تجلس في زاوية ساخنة من خريطة العالم والتي تدعى  الشرق الأوسط، تتفرج على المشهد وكأنه مسلسل طويل: فيه إثارة، لكن نهايته غير مفهومة.</p>
<p>وبينما واشنطن وبكين تتبادلان اللكمات الاقتصادية، تجد دول المنطقة نفسها مضطرة أن تختار: هل تستورد أجهزة هواوي؟ أم تلتزم بالعقوبات الأمريكية؟ هل تشتري سيارات شيري الأرخص من التكتك؟ أم تتمسك بسيارة الجيب الأمريكية التي تكلف نصف ميزانية وزارة غير سيادية بحسب لجان المشتريات فيها؟</p>
<p>فتجلس دول المشرق مثل العراق وسوريا والأردن وحتى لبنان، على دكة المتفرجين، بيد تحمل قائمة استيراد، وبالأخرى كأس شاي مغلي بالأزمات، كل يوم يتغير المشهد، مرة يمنع الين الصيني والتومان، فيهرع السوق لتصريفها كما تُصرف الحكايات الرسمية، ومرة يُسمح بهما، فيعود المستوردون من الحدود وعلى وجوههم نفس التعب الذي تحمله كتب المناهج الوزارية، أما المواطن، ذلك الكائن الملحمي، فهو يعيش مغامرة من نوع خاص، يستفيق صباحاً ليجد أن هاتفه الصيني أصبح سلعة محرّمة، محاصرا كأنه عنصر معارض في مؤتمر اقتصادي أمريكي. وفي المساء، يُقال له: لا، لا، لم يكن الحظر حقيقياً، فقط ضغط نفسي، ليسمع أن أمريكا سمحت به مجددا، فيهرول للشراء، ثم يكتشف أن الشاحن صار يباع لوحده بسعر خرافي، لأن الشركات تعيد هيكلة التكاليف بسبب النزاع التجاري.</p>
<p>في دول الخليج، المشهد أكثر رقياً وفخامة، أو لنقل أكثر تصميماً داخلياً، فالإمارات تحاول أن تصبح سويسرا الحيادية لهذا النزاع: تستقبل الطرفين، تحتسي الشاي الأخضر مع الصين، وتشرب الكابتشينو مع أمريكا وتصافحها وهي تضحك لقصص الديمقراطية، أما السعودية، فمن جهتها تبحث إن كان يمكن تحويل هذه الحرب إلى فرصة، وتتساءل: هل يمكننا استخراج النفط من هذه الحرب؟ وإن لم نستخرج، فهل يمكننا على الأقل تصدير تصريح ناري عنها؟.. ثم تطلق مبادرة غامضة اسمها: &#8220;رؤية اقتصاد بلا ضرائب&#8230; لكن بشروط تجارية متقلبة.</p>
<p>أما في الكواليس فكانت هناك مفاجأة كبرى أتت من حيث لا يتوقع أحد، إذ لم تأتِ من البنتاغون، ولا من سور الصين العظيم، بل من صناع المحتوى الصينيين، أولئك الذين كنّا نظنهم مشغولين برقصة الباندا وتحديات الأكل الحار، فجأة يتحولون إلى صحفيين استقصائيين، يدخلون المصانع كما تدخل الجرذان مخازن الحبوب، ويصورون لنا الحقيقة المجردة، ويكشفون الكارثة: كل شيء تقريباً&#8230; صُنع في الصين، معظم البضائع الفاخرة التي نشتريها من ماركات العالم الأول تُصنع في الصين، الملابس الفاخرة، الحقائب التي تبيعها ماركات أوروبية بعينين زرقاوين ولهجة فرنسية، الساعات التي تُقال عنها إنها صُنعت يدوياً في جبال سويسرا على ضوء القمر، كلها صُنعت في مصنع صيني في مدينة لا يعرف أحد موقعها على الخريطة، يعمل فيه عمّال لا يعرفون معنى اسم الماركة، لكنهم يعرفون تماماً أن القميص الذي صنعوه اليوم سيُباع لاحقاً بسعر يعادل إيجار شقتهم لستة أشهر.</p>
<p>ولكن الفضيحة ليست في الصناعة نفسها، وليست الصدمة في كون التنين هو العامل المتعب، بل في الفارق الصادم بين كلفة الإنتاج وسعر البيع، قميص يكلف 5 دولارات، يُباع في نيويورك بـ100 دولار.. ساعة تكلف 50 دولاراً تُعرض في ميلانو بـ2000 دولار، مع عبارة: مصنوعة بحرفية أوروبية، وإعلان فيه رجل يركض في جبال الألب وكأنه فقد عقله أو جيبه، والحقيقة؟ أنها صُنعت في مدينة صينية اسمها لا يمكن نطقه بدون ممارسة تاي تشي أسبوعية.</p>
<p>وهنا ينهض المواطن في دول المشرق من سباته، يصفق كفاً بكف، ويسأل: إذا كانت البضاعة تُصنع في الصين وتُباع في الغرب، لماذا لا نشتريها من المصنع مباشرة؟ لماذا نمنح هذه الشركات الغربية فرصة سرقتنا بخفة راقصة باليه؟.. لكن الجواب يأتي سريعاً: لأنك تشتري الحلم، يا عزيزي، لا القميص، بل تشتري ماركة، وواجهة متجر، وإعلاناً صوّره عارض أزياء على متن يخت لم يركبه في حياته، تشتري وهماً، بنكهة الرأسمالية المغلفة ببلاستيك معاد تدويره، أما الحكومات في المنطقة، فهي تحاول أن توازن بين الرغبة في استيراد الأرخص، والخوف من غضب العم سام الذي يراقب كل صفقة كما يراقب شرطي مدرسة حقيبة طالب مشاغب.</p>
<p>وهكذا، يستمر العرض، بين تنين يصنع كل شيء، وعم سام يبيعه بأربعة أضعاف، ومواطن يتفرج من بعيد، فهل الحرب التجارية هي مجرد مسرحية اقتصادية طويلة الأمد؟ أم أن هناك فصلاً ختامياً ننتظره؟ لا أحد يعلم… سوى المصانع الصينية، التي ما زالت تعمل بصمت، وتبتسم كلما رفعت شركة غربية سعر منتجٍ صُنع في أحشائها، وإلى أن تنتهي هذه الحرب، ستبقى منطقة الشرق الأوسط تراقب، تستنشق رائحة البضائع، وتعيد حساباتها، فربما، في أحد الأيام، تكتشف أن الحياد الذكي هو أفضل سلاح في زمن الحرب الاقتصادية، أو على الأقل، أرخص من شراء آيفون جديد بدون شاحن، فالخبراء يقولون إن هذه الحرب ستؤثر على سلاسل الإمداد، التجارة الإلكترونية، وحتى على أسعار المانغا اليابانية، لكن المواطن العادي لا يهمه كل ذلك، ما يهمه أن سعر الرز لا يزيد، وأن الإنترنت يبقى سريعا بما يكفي ليشاهد المباراة دون أن يعلق في الدقيقة 89.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مفاجأة القمة.. الشرع في بغداد- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/04/20/%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%ac%d8%a3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%b9-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d8%ba%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 20 Apr 2025 09:54:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[البيانات و النشاطات]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=93053</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في تطوّر سياسي جديد على مسرح العبث السياسي حيث تتحوّل الحكايات من ملفات أمنية إلى دعوات رسمية، ومن قوائم الإرهاب إلى بطاقات VIP لحضور القمم، حيث نعيش الفصل &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في تطوّر سياسي جديد على مسرح العبث السياسي حيث تتحوّل الحكايات من ملفات أمنية إلى دعوات رسمية، ومن قوائم الإرهاب إلى بطاقات VIP لحضور القمم، حيث نعيش الفصل الأحدث من مسرحية الشرق الأوسط الكبرى وهو الأكثر سريالية منذ أن استُقبل بشار الأسد بفرقة دبكة في أبو ظبي، أعلن مصدر سوري &#8220;يبدو أنه لم يشرب قهوته بعد&#8221; أن سيادة رئيس المرحلة الانتقالية السورية (والتوصيف هنا يُفهم حسب المزاج) أحمد الشرع، قد أعطى &#8220;موافقة مبدئية&#8221; على زيارة بغداد، وذلك تلبيةً لدعوة رسمية من رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، نعم، عزيزي القارئ، لا تفرك عينيك، فالأستاذ أحمد الشرع المعروف فنيّا باسم أبو محمد الجولاني، والموصوف سابقا بلقب &#8220;الظلّ الذي يرتدي عمامة&#8221;،  قد وافق مبدئيا على زيارة العاصمة العراقية لحضور القمة العربية، لأن الحصانة الدبلوماسية تغسل كل الذنوب، تماما كما يفعل ماء زمزم لكن بلمسة من مجلس الأمن.</p>
<p>ولمن لا يعرف &#8220;الشرع&#8221;، فقد كان بالأمس &#8220;أمير القاعدة في العراق&#8221;، واليوم &#8220;سيادة الرئيس الانتقالي في سوريا&#8221;، وبعد غدٍ ربما يصبح &#8220;رئيس اتحاد الجمهوريات الإسلامية المتحدة&#8221;، وعرفته أجهزة الأمن العراقية ذات يوم تحت مسمى &#8220;أبو محمد الجولاني&#8221;، وكانت صورته مرفقة بعبارة &#8220;مطلوب حيا أو ميتا&#8221;، ثم، وبسحر من نوع خاص لا يباع في الأسواق، تحوّل هذا &#8220;المطلوب&#8221; إلى &#8220;مرحب به&#8221;، وإلى &#8220;ضيف شقيق&#8221; يحمل حقيبة دبلوماسية تحتوي على نُسخ مصورة من اتفاقيات جنيف، وعطر رجالي اسمه &#8220;حصانة&#8221;، ويُفرش له السجاد الأحمر ويُقدَّم له الكنافة بأسلوب دبلوماسي، فالذي كان حتى وقت قريب نجما في &#8220;لوائح المطلوبين&#8221; وأيقونة في قائمة &#8220;من يُرجى القبض عليه قبل الغروب&#8221;، كانت المكافآت تُعرض لقاء رأسه، قررت واشنطن مؤخرا أن تلغي الجائزة وكأنها تقول: &#8220;لقد أصبح الآن رجل دولة، دعوه يتحدث في القمة عن التنمية المستدامة&#8221;، وها هو اليوم يجلس إلى طاولة الدبلوماسية، ويتباحث بشأن &#8220;أمن الحدود&#8221;، تلك الحدود التي التي كان يخرقها ذات يوم وهو يحمل سلاحا لا تصريح إقامة، هو تجسيد حيّ لفكرة أن التاريخ في الشرق الأوسط لا يُكتَب بالحبر، بل يمسح بالسبورة، ففي منطقة فيها السياسي الحالي يتهم بالفساد بعد كل جلسة برلمان، والحلاق في الحي قد يكون عميلا مزدوجا، لا شيء مستحيل.</p>
<p>اللقاء الأول من نوعه بين السوداني والشرع تم بوساطة قطرية، لأنها ببساطة تتدخل في كل شيء، من تسوية النزاعات الإقليمية إلى إعداد وصفات الحُمص، وكان أشبه بلقاء أخوين افترقا يوم كان أحدهما يقاتل في الصحراء تحت راية &#8220;لا أمريكا بعد اليوم&#8221;، والآخر ينتظر موافقة البرلمان على موازنة وزارة الزراعة، جلسا سويّا، في الدوحة، بوساطة من الشيخ تميم، تبادلا أطراف الحديث، وربما أطراف ملفات أمنية، لأن الشرع أصبح خبيرا أمنيا محترفا بعد سنوات من التدريب العملي، بينما أمير قطر يتوسط المشهد كعرّاب عصري يرتب تحالفات الشرق الأوسط كما كان يفعل دون كورليوني في نيويورك، لكن مهلا، فالشيخ تميم قرر هذه المرة أن يلعب دور &#8220;العرّاب&#8221;، لا بين عشيرتين متنازعتين، بل بين رئيس دولة و&#8230; أحد زبائنه القدامى من قوائم الإرهاب، وحين اجتمع الثلاثة في غرفة واحدة، لم يُناقشوا الماضي &#8220;فهو مزعج&#8221; بل ناقشوا الحاضر برحابة صدر، وتبادلوا الضحكات وربما بعض الذكريات، إذ قال الشرع: &#8220;أتعلم، مررت من هذه الحدود مرة وأنا أهرب من ملاحقة القوات الأمريكية.. ضحك السوداني وقال: &#8220;أما أنا فمررت منها وأنا أهرب من جلسة استجواب برلمانية&#8221;.. وضحك تميم بدوره، وقال: &#8220;مرحبا بكما&#8230; قطر تحتضن الجميع، بشرط أن يكون لديهم ملف أمني محترم&#8221;.. &#8220;مرحب به في بغداد&#8221; – رئيس وزراء العراق، الذي لم يقرأ الفقرة الثانية من تقرير المخابرات، لكن لا بأس، فالدولة الحديثة تُبنى بالتسامح، والمصالحة، وغض النظر&#8230; وخلع العدسات الطبية عند النظر في السجلات الأمنية.</p>
<p>من الناحية القانونية، هرع خبراء القانون &#8220;الذين يبدو أنهم يتنفسون دخان الدستور من النرجيلة&#8221; لطمأنة الشعب بأن اللقاء &#8220;لا يخالف القانون&#8221;، وأن مذكرة القبض السابقة ضد الشرع &#8220;تبخرت&#8221; كما يتبخر الحياء في المؤتمرات الصحفية، لأن الرجل صار الآن محصّن أكثر من لقاح الجدري، فهو رئيس جمهورية، ولو كانت جمهورية مؤقتة، من ورق، وبلا طوابع بريدية، وبذلك، سقطت كل التهم الموجهة إليه… لا بقرار قضائي، بل بعبارة سحرية تُشبه افتح يا سمسم:  &#8220;هو حاليا رئيس، وبالتالي معذور على كل ما فعله عندما لم يكن رئيسا&#8221;، ومعلوم أن رئاسة الجمهورية في منطقتنا تشبه جهاز إزالة البقع، تمحو أي ماضٍ، ولو كان مسلّحا، ويبدو أن الحصانة في الشرق الأوسط ليست حماية قانونية، بل غسيل شامل للذاكرة الوطنية، فبمجرّد أن يتحوّل الشخص إلى &#8220;فخامة&#8221; أو &#8220;دولته&#8221;، يتم شطب كل شيء، الفيديوهات، الوثائق، حتى النكات التي قيلت عنه في المقاهي، فالشرع نفسه نفى شخصيا في بيان صحفي قُرئ بلكنة مشكوك في مصدرها، أنه شارك في المعارك الطائفية، وقال إن &#8220;هيئة تحرير الشام&#8221; قطعت علاقتها بالقاعدة، وقطعت كذلك التيار الكهربائي والماء والإنترنت عن مناطق عدة، لكنها تعهدت الآن بربط الجميع بخدمة الـ5G  مع مستقبل زاهر لا يحتوي على متفجرات.</p>
<p>وبينما تجهز بغداد السجاد الأحمر للرئيس القادم من دمشق، يؤكد الشرع أنه لا علاقة له بأي تنظيمات متطرفة حاليا، وأنه رجل دولة يعمل من أجل &#8220;المصالح السورية العليا&#8221;، صحيح أنه دخل العراق أول مرة متسللا عبر الحدود على ظهر شاحنة ذخيرة، لكن هذه المرة سيأتي على متن طائرة رئاسية، محاطا بوفد أمني، وربما بكاميرا قناة &#8220;الجزيرة مباشر&#8221;، ليجلس في قصر المؤتمرات ببغداد إلى جوار القادة العرب، يناقش قضايا الأمن الغذائي، ويمضغ ورقة نعناع بينما يسأل: &#8220;متى نبدأ بمشروع الربط السككي؟&#8221;، أما بشار الأسد، الذي فاته القطار (حرفيا ومجازيا)، فما زال يعيد تشغيل تطبيق &#8220;تليغرام&#8221; على أمل أن تصله دعوة ما، من نوع: &#8220;هل ترغب بالانضمام إلى مكالمة زووم مع القادة العرب؟&#8221;، بينما السوداني، يقول بكل وقار، إن الشرع &#8220;مرحب به في بغداد&#8221;، وكأنما يتحدث عن شاعر من العصر العباسي، بل لعل السوداني &#8220;إن وجد القمة مملة&#8221; يسأله عن بعض &#8220;أسرار القيادة الميدانية&#8221;، أو يعرض عليه منصب مستشار شؤون &#8220;القتال الأخلاقي&#8221;، أو يرسل له دعوة لحضور مهرجان بابل الدولي كـ&#8221;رمز للتحول الوطني&#8221;.</p>
<p>ما بين قمة بغداد وذاكرة سجن بوكا، تتقاطع الخطوط، ويتداخل السياسي بالجنائي، وتنهار الحدود بين ما هو شرعي وما هو شرع… وبينما يلوّح بعض السياسيين السابقين بمذكرات اعتقال مؤجلة، يؤكد المستشارون أن &#8220;المصلحة الوطنية تقتضي غض النظر، وطأطأة الرأس، وربما الانحناء قليلا إن لزم الأمر&#8221;، فبعد هذه السابقة التاريخية، قد نتوقع في القمة العربية المقبلة دعوة شخصيات أخرى للم الشمل مثل: زعيم مافيا سابق قد يترأس وفد مكافحة الفساد، مُهرب آثار يعيّن مديرا للمتاحف الوطنية، مستشار روحي لميليشيا يُمنح وسام التنوير الفكري، أما المواطن فعليه أن يحلم، فقد يكون لك منصب في يوم ما، حتى لو سرق مصرفا في 2006، أو أحرق مركز شرطة في 2008، أو كتب منشورا عدائيا في 2010، فما عليه إلا الانتظار قليلا، فالبوابة الدبلوماسية مفتوحة، وكل ما سيحتاجه هو وظيفة بعنوان غريب من ثلاث كلمات: &#8220;المرحلة الانتقالية للهيئة المشتركة العليا&#8221;، وقد يعلن عن فتح باب الترشيح لمنصب &#8220;رئيس دولة مؤقت&#8221;، على أن تكون الأولوية لمن لديه خلفية أمنية قوية، ويفضل من كان اسمه مدرجا سابقا في قوائم المكافآت الأمريكية، فالدولة تتسع للجميع، والعدالة نائمة، والذاكرة مثقوبة… لكن الطاولة مستديرة، والكرسي شاغر، ففي هذا الشرق، كل شيء ممكن، حيث المستحيل ليس لغة، بل قاعدة دبلوماسية.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مفاوضات نووية بطعم النعناع- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/04/15/%d9%85%d9%81%d8%a7%d9%88%d8%b6%d8%a7%d8%aa-%d9%86%d9%88%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%b7%d8%b9%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b9%d9%86%d8%a7%d8%b9-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 15 Apr 2025 08:35:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=92834</guid>

					<description><![CDATA[&#160; في خبر عاجل، لا يختلف كثيرا عن حلقة جديدة من مسلسل تركي طويل وممل، ظهرت علينا نشرات الأخبار من طهران بنغمة هادئة ونبرة مطمئنة، تخبرنا بأن مفاوضات جديدة ستعقد &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>في خبر عاجل، لا يختلف كثيرا عن حلقة جديدة من مسلسل تركي طويل وممل، ظهرت علينا نشرات الأخبار من طهران بنغمة هادئة ونبرة مطمئنة، تخبرنا بأن مفاوضات جديدة ستعقد بين إيران وواشنطن، هذه المرة في &#8220;أجواء بناءة وهادئة&#8221;… نعم، هادئة، وكأنها نُزهة دبلوماسية على ضفاف الخليج، يتبادل فيها الطرفان القهوة المرة والنظرات الحادة والابتسامات المشدودة.<br />
الاجتماع تم في سلطنة عُمان، ذلك البلد الفريد الذي يمكنه جمع القاتل بضحيته، ثم إقناع العالم أن كليهما &#8220;يتحدثان باحترام متبادل&#8221;، عُمان، حيث تُمتصّ التوترات النووية كما تمتص الرمال شاي النعناع، اللقاء الأول، كما كشف المفاوض الإيراني، جرى في منزل وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، لأن لا شيء يُضفي مصداقية على التفاهم النووي مثل كنب مخملي وأصص زهور اصطناعية وشاي عُماني تفوح منه رائحة الترقب، في ذلك المنزل المعطر بالبخور والزيت العُماني، وتحت ثريا تُشبه قنابل الدموع من فرط تألقها، اجتمع رجال السياسة، يضعون الأقنعة على الوجوه بربطات عنق مُحكمة وابتسامات مرهقة، يتداولون الكلمات كما لو كانت قنابل موقوتة أو أكواب شاي بنعناع دبلوماسي، نعم.. إنها مفاوضات إيران وأمريكا&#8230; ذلك المسلسل الذي لا نهاية له، خمسة من كل طرف، وثلاثة وسطاء عُمانيين، كانوا يترجمون الكلمات والنيات والابتسامات… وربما بعض الإشارات تحت الطاولة، جلس الطرف الإيراني من جهة، والأمريكي من جهة، يتوسطهم العُمانيين بمهام مستحيلة: الوساطة بين من يتحدث بلغة التخصيب النووي ومن يرد بلغة العقوبات.<br />
عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني الذي يبدو كمن قرأ كل كتب فن التفاوض، ثم قرر استخدامها كورق للتدخين، خرج علينا مبتهجا ليبشّرنا بأن المفاوضات كانت &#8220;بناءة&#8221; وفي &#8220;أجواء هادئة&#8221; و&#8221;بعيدة عن لغة الإساءة&#8221;، وبالطبع، حين يستخدم المسؤولون هذه العبارات، اعلم أن كل شيء كان على وشك الانفجار لكنهم تمكنوا من تجميله كما تُجمّل الجنازات بالزهور، وكأن ما سبق من سنوات الشد والجذب والتصريحات المزلزلة لم يكن سوى سوء تفاهم بين جارين في عمارة واحدة اختلفا على موقف السيارة، وما هي هذه &#8220;الأجواء الهادئة&#8221;؟! هل هي هدوء ما قبل القصف؟ أم ذلك الهدوء القاتل الذي يُشبه صمت السفاح قبل أن يُخرج المنشار؟ كل شيء ممكن&#8230; فالمشهد مكتوب بقلم هوليوودي، يُغذيه خيال دبلوماسي مختلّ.<br />
على الجانب الآخر من الطاولة، ستيفن ويتكوف، المبعوث الأمريكي الذي يُشبه رجال المافيا أكثر من الدبلوماسيين، كتب على منصة &#8220;إكس&#8221; وقال: &#8220;المحادثات كانت إيجابية وبنّاءة للغاية&#8221;، وهنا علينا التوقف قليلا: ما تعريف &#8220;إيجابي&#8221; في القاموس الأميركي؟ هل هو نفس تعريف &#8220;بناء&#8221; في اللهجة الإيرانية؟ أم أن الطرفين اتفقا فقط على عدد فناجين القهوة؟ إنهم يتحدثون عن المفاوضات كما يتحدث موظف خدمة العملاء عن تجربة الرد على مكالمة غاضبة: &#8220;كان الزبون يصرخ، لكن بطريقة بناءة&#8221;.<br />
وبينما العالم يتثاءب من التكرار، وكانت التصريحات تتطاير كحمام سلام من شرفة الأخبار، دخل قائد السيرك العالمي وعرّاب القرارات الانفعالية دونالد ترامب على الخط بتصريح مقتضب كعادته من طائرته الرئاسية &#8220;المكان الوحيد الذي يبدو فيه ذكيا لأنه فوق الجميع حرفيا&#8221; يقول فيه: &#8220;المفاوضات تسير على نحو جيد للغاية&#8221;، ولمن يعرف ترامب، فإن هذه الجملة قد تعني أي شيء من: &#8220;نقترب من اتفاق&#8221; إلى &#8220;سأقصفهم غدا&#8221;، فالرجل يملك موهبة تحويل الغموض السياسي إلى فن تعبيري معاصر، ثم أضاف، بكل عبقرية فيلسوف غارق في الحماقة: &#8220;لكن لا شيء يهم حتى تنتهي&#8221;، تصريح يصلح لأن يُقال عن طبخة لازانيا أكثر من مفاوضات نووية.. ترامب يُجيد الحديث عن الأمور وكأنه يعلق على مباراة كرة قدم، لا مفاوضات قد تؤدي لنهاية العالم، وكأن أحدهم يُمسك بزر أحمر ويقول: &#8220;لا تقلق، الأمور تمضي على ما يُرام&#8221;.<br />
لكن المفاجأة جاءت من الجنرال إيرج مسجدي، مستشار قائد فيلق القدس، الذي قالها بصراحة وبدون لف أو دوران: &#8220;ترامب هو من طلب المفاوضات&#8221;، أي أن الولايات المتحدة جاءت إلى طهران وهي تلوّح بغصن زيتون وتقول: &#8220;دعونا نتحدث&#8230; قبل أن نقصفكم بحُسن نوايانا، وأخيرا عرفنا أن كل هذا المشهد التفاوضي بدأ برسالة حب سياسية من ترامب إلى طهران، كتبها على الأرجح بعد وجبة ثقيلة وهو يتصفح تويتر بنصف وعي، ننتظر الآن أن نعرف: هل كتبها بيده؟ أم أرسلها عبر حمامة نووية؟ وهل احتوت الرسالة على &#8220;قلبي معكم&#8221;، أم &#8220;دعونا نساوم على مصير المنطقة&#8221;؟<br />
وأكد مسجدي أن إيران دخلت هذه المفاوضات بدافع الأمل، وكأنها تُشارك في برنامج &#8220;ذا فويس&#8221; الدبلوماسي، تنتظر أن يدير أحدهم كرسيه قائلا: &#8220;أحببتُ طريقتك في تخصيب اليورانيوم&#8221;.<br />
إذا إيران استجابت، ليس خوفا، بل &#8220;أملا في نتائج إيجابية&#8221;، وهذه جملة تُقال عادةً في علاقات الحب السامة، لا بين دولتين على وشك إشعال حرب عالمية ثالثة، يبدو أن الجميع يُفاوض من باب &#8220;دعونا نجرب، يمكن تنجح… وإذا ما نفعت، نرجع للدرونز&#8221;.<br />
لكن قمة الإثارة لم تأتِ بعد، الجولة الأولى من المفاوضات جرت في منزل الوزير العُماني! أجل، ليست قاعة رسمية، ولا مقر أممي، بل في بيت رجل! جلس الحاضرون على أرائك الصالون الفاخر، يشربون الشاي وهم يتناقشون حول القنابل النووية وكأنهم يتحدثون عن ديكور الستائر.<br />
ولأن لا شيء يُضاهي سريالية الشرق الأوسط، فجأة، وبلا سابق إنذار، قرروا أن الجولة المقبلة من المفاوضات لن تُعقد في عُمان، ولا في جنيف، ولا حتى في ركن مظلم من مقهى فيينا، بل… في دولة أوروبية حيث العاصمة الايطالية روما، فهناك لا أحد يكتب النص، كأنهم سيعقدون الصفقة في قبو قلعة مهجورة، يحضرها مندوب الشيطان شخصيا، وبحضور مترجم يتقن اللاتينية القديمة ويشرب دمه من كأس كرستالية تعود للعصور الوسطى، الجميع يرتجل، وكلما اعتقدت أن العرض انتهى، أطلّ مهرج جديد من خلف الستار وهو يلوّح بسيف من كرتون ويهدد بسحق الجميع.<br />
أما في الطرف الآخر من الكوكب، فقد ظهر دونالد ترامب مجددا، ببدلته التي تصرخ: &#8220;أنا لا أقرأ، أنا أرتجل!&#8221;، وأعلن من على منبر البيت الأبيض أنه عقد اجتماعاً مع مستشاريه لبحث الملف الإيراني، دون أن يفسد علينا حبكة التشويق بتفاصيل إضافية، كل ما نعرفه هو أن &#8220;قراراً سريعاً&#8221; يلوح في الأفق، وربما يهبط علينا كما تهبط الصواريخ… دون مقدمات، ثم، وكأنه نسي أنه لا يزال في بث مباشر، هدد ترامب بتوجيه ضربات إلى المواقع النووية الإيرانية، متهماً طهران بـ&#8221;المماطلة&#8221;.<br />
يبدو أن الإيرانيين لم يقرأوا جدول أعماله جيداً، لأنهم تجرأوا على المفاوضة يوم سبت! وهذا في عرف ترامب جريمة أخلاقية تستدعي الرد الفوري، قالها بوجه نصف جدي، نصف برتقالي: &#8220;كان لدينا لقاء معهم يوم السبت، ولدينا اجتماع آخر السبت المقبل، وقلت إن هذا وقت طويل. تعرفون أن هذا وقت طويل.&#8221;<br />
طبعا نحن لا نعرف، لكننا نؤمن.. ثم جاء الهجوم المعتاد، عندما اتهم الإيرانيين بأنهم &#8220;كانوا متعودين على التعامل مع أشخاص أغبياء&#8221; في إشارة ضمنية إلى إدارة بايدن، وكالعادة، لا يكتمل العرض إلا بجملة ختامية من النوع الذي يُطرز على قمصان المتظاهرين: &#8220;إذا كان علينا أن نقوم بأي شيء قاس، فإننا سنقوم بذلك.&#8221;<br />
وحين سئل إن كانت الإجراءات تشمل ضرب المواقع النووية، أجاب ترامب بابتسامة شخص يشاهد نفسه بطلا في فيلم أكشن: &#8220;بالطبع&#8221;، وهكذا يستمر العرض، مشهد بعد مشهد، تهديد بعد تهديد، مفاوضة بعد مفاوضة، الشرق الأوسط ما زال يرقص على حافة بركان، والمخرج – على ما يبدو – في إجازة مفتوحة، أما أهم ما خرجنا به من هذه المهزلة المُهذبة، فهو أن &#8220;الطرفين لا يرغبان في إطالة أمد المفاوضات&#8221;.. بعد عقد ونصف من المباحثات المتكررة، كأنهم يقولون: &#8220;لقد انتهينا من ترتيب مائدة الشطرنج، الآن دعونا نبدأ تحريك البيادق&#8221;، ولتُفاجأ أن اللعبة لم تكن شطرنجا أصلا، بل مونوبولي، والجميع يحاول فقط ألا يفلس.<br />
إنها دبلوماسية القرن الحادي والعشرين، مفاوضات غير مباشرة، في بيوت خاصة، بوساطة ثلاثية، وحضور وسائل التواصل الاجتماعي كضيف شرف، ويُعاد فيها تدوير العبارات، وتدوير الكراسي، وتدوير الخرائط.. وقد نرى في الجولة القادمة وزير الخارجية الإيراني وترامب يتبادلان نكات خفيفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بينما يلعب بدر البوسعيدي دور الحكم الرابع ويطلق الصافرة بين الجولات، فكل طرف يُريد أن يبدو كأنه المنتصر، وكل طرف يخاف من أن يُنادى بالخائف، أما الشعوب، فليست أكثر من جمهور في مسرح الدمى، ينتظر أن يُسدل الستار، على أمل أن لا يكون الستار هذه المرة.. سحابة مشرقة من الفناء النووي، لكن لا داعي للقلق، فالجولة الثانية قادمة، وكما في كل جزء جديد من هذا المسلسل، سيُعاد المشهد ذاته، مع تغيير في زاوية الكاميرا وربطة العنق، وربما نكتشف في النهاية أن &#8220;الحوار البنّاء&#8221; لم يكن سوى مقدمة لسقف ينهار.. ببطء، لكن برشاقة دبلوماسية، وإلى أن تعقد الجولة المقبلة، سنظل نحن نتابع الأخبار كما نتابع مباريات كرة القدم: نصرخ ونحلل، لكن دون أن ندري ما إذا كانت الكرة دخلت المرمى… أم أننا ما زلنا نلعب في الشوط الإضافي.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مزاد جيوسياسي.. سيادة تبحث عن لجوء- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/04/12/%d9%85%d8%b2%d8%a7%d8%af-%d8%ac%d9%8a%d9%88%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%a8%d8%ad%d8%ab-%d8%b9%d9%86-%d9%84%d8%ac%d9%88%d8%a1-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 11 Apr 2025 21:00:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=92627</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في عالمنا المليء بالتحديات الجيوسياسية والأزمات التي تتسارع كالأمواج، هناك قضية كبرى قد تكون أكثر إلهاما من مسرحية هزلية، وهي &#8220;ضياع السيادة&#8221;، حيث يمكن تلخيص الأخبار اليومية لهذا &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في عالمنا المليء بالتحديات الجيوسياسية والأزمات التي تتسارع كالأمواج، هناك قضية كبرى قد تكون أكثر إلهاما من مسرحية هزلية، وهي &#8220;ضياع السيادة&#8221;، حيث يمكن تلخيص الأخبار اليومية لهذا العالم بجملة واحدة &#8220;حدث ما لم نتوقعه، ولكنه تكرّر&#8221;، ليقف مفهوم السيادة كضحية مدهوشة في مسرح جريمة لا أحد يريد التحقيق فيه، فهل نحن أمام قضية سياسية؟ أم مجرد نكتة طويلة تتكرر بنسخ مختلفة؟</p>
<p>فلنتخيل هذا المشهد: مطار دولي ضخم، حقيبة سوداء مكتوب عليها &#8220;سيادة&#8221; تختفي من على السير، ترامب يركض بتغريداته وهو يصرخ: &#8220;ليس لي علاقة بالموضوع&#8221;، عراقجي يهمس بابتسامة مبهمة: &#8220;قد تعود قريبا&#8221;، ونتنياهو يتسلل نحو بوابة الطائرات وهو يرتدي نظارات الواقع البديل ويردد: &#8220;أنا من صممت الخريطة&#8221;، وفي الزاوية، آخرون يكتفون بالمشاهدة، بصمت بارد..</p>
<p>فإذا كان هناك شيء واحد يمكننا أن نتفق عليه في هذا العصر المتقلب، فهو أن السيادة العالمية أصبحت تماما مثل حقيبة الظهر الضائعة في مطار دولي، حتى أضحت مجرد عبارة غامضة نسمعها من وقت لآخر، مثل الأنباء عن الطقس في العصور الوسطى، لنجد أنفسنا أمام مشهد سياسي يجمع بين ثلاث شخصيات يبدو أن أسلوبهم في التصريح والمناورة قد اختلط بين فصول الكوميديا السوداء والدراما المملّة، دونالد ترمب، الرجل الذي يستطيع إشعال تويتر بــ 140 حرفا، عباس عراقجي، الذي يختلط خطابه بين الحفلات السياسية والمناورات الدبلوماسية التي لا تصل إلى شيء، وبيبي نتنياهو، الذي يبدو أنه يقرأ السياسة من كتب هزلية في عالم الخيال السياسي.</p>
<p>فماذا يحدث عندما يتقاطع هؤلاء في ساحة واحدة؟ لذا، دعونا نغرق في بحر من الفوضى وننظر إلى هذا الزمن الذي تتداخل فيه الأحداث وتتسارع فيه التغيرات السياسية بشكل يبعث على الدوار، ودعونا نتأمل في هذا المهرجان العبثي، حيث باتت فيه السيادة مجرد &#8220;بند افتتاحي&#8221; في بيانات ختامية لا يقرأها أحد، وبين تغريدات دونالد ترمب التي تحرق الأخضر واليابس، ومؤتمرات عباس عراقجي التي تشبه حفلات الزفاف: الكثير من المجاملات ولا أحد يعرف من العريس، وأخيرا، هناك نتنياهو، الرجل الذي أهدانا دروسا في كيفية أن تكون مجنونا بأناقة، فهو الشخص الذي يجيد خلق الأساطير ويقوضها بدم بارد بينما يضحك على طريقة عقله المريض.. في خضم سباق الجنون الدولي وهذه الفوضى وجدنا أنفسنا نحن الشعوب المغلوب على أمرها، في مصاف الدول التي تُذكر كثيرا، وتمارس قليلا.. حتى أصبحنا في موقع لا يُحسد عليه، فلا لحانا بقيت، ولا سيادتنا صمدت، وكل ما جنيناه من صراخ الكبار هو مزيد من الفوضى، وتحوّلنا إلى هامش على دفتر حسابات لا نملك مفاتيحه.</p>
<p>ففي لحظة نادرة من &#8220;الشفافية&#8221;، يكتشف المواطن أن بلاده أصبحت شاشة عرض مجانية لتصادم الأقوياء، فيما هو لا يملك سوى الريموت المكسور، ترمب يكتب: &#8220;لقد فعلناها&#8221;، وعراقجي يبتسم: &#8220;ما زال أمامنا فرصة&#8221;، بينما يلوّح نتنياهو بالعلم الإسرائيلي، ويهدّد بحرية كل شيء، أما نحن، فنقف وسط المشهد ككومبارس تم تدريبه على جملة واحدة فقط: &#8220;نؤكد على احترام السيادة&#8221;، لا أكثر، ولا أقل، حتى هذه الجملة صارت تُقال بوجوه مصطنعة وكأنها إعلان عن شامبو جديد.</p>
<p>السيادة؟ آهٍ على السيادة.. كانت في يوم من الأيام مفهوما يُدرّس في كتب التربية الوطنية، واليوم تحوّلت إلى إشعار على الهاتف المحمول: &#8220;انتهاك جديد: دخول طائرة مجهولة الأهداف فوق سماء المدينة، هل ترغب في الشجب؟ اضغط نعم أو انتظر التوجيه الأمريكي&#8221;.</p>
<p>والفوضى؟ الفوضى تسير وفق نظام عالمي دقيق: ترمب يقرّر، عراقجي يفاوض، ونتنياهو يعزف الجاز في حفلة موسيقية فوضوية، وحكوماتنا تكتب بيانا، المواطن يغضب، ثم يهدأ، ثم يعود ليتساءل: &#8220;ها، من كان؟ أمريكا أم إيران أم إسرائيل؟&#8221; لتأتيه الإجابة من الأخبار: &#8220;زيارة غير معلنة لمسؤول رفيع&#8221;، وبعدها ترتفع مؤشرات &#8220;ضغط السيادة&#8221; في الجو، ويبدأ موسم جديد من النفي والتأكيد.</p>
<p>لنكن صريحين: السيادة كانت آخر شيء اختفى في هذه الموجة المجنونة من السياسة، بين تغريدات ترامب الحارقة، ومناورات عباس عراقجي التي تبدو كخطة لتسويق مسحوق غسيل جديد، ونتنياهو الذي يلوّح بحرب في كل زاوية، نجد أن السيادة ليست سوى ذكرى متلاشية، ربما في عالمنا هذا، تكون السيادة أكثر تشويشا من كل كلمة تخرج من فم السياسيين الكبار، حتى لم يبقَ لدينا شيء لنتمسك به سوى اللحى.. اللحى التي تكاد تكون الشيء الوحيد الذي لا يمكن أن يختفي، اللحى تبقى، واللحى تنقلب إلى رمز للهوية، ولكن، في النهاية، السيادة؟ نتركها في صندوق الأمانات بين تغريدة وابتسامة في غرفة المفاوضات، لكن حتى اللحى، يا سادة، لم تسلم، ضاعت لحانا في دهاليز الاجتماعات المكوكية، حيث تتصافح الأيدي وتُبتلع المواقف، بينما يخرج البيان ليقول: &#8220;الجانبان اتفقا على مواصلة الحوار&#8221;، حوار لا نعرف متى بدأ، ولا متى سينتهي، لكننا متأكدون أن جدول أعماله لا يشمل سعر الخبز، أو انقطاع الكهرباء، أو الحصة التموينية.</p>
<p>لذلك، وحرصا على ما تبقى من السيادة (أو ما يُشبهها)، أقترح &#8220;من باب الوطنية الساخرة&#8221; أن نستحدث وزارة جديدة نطلق عليها اسم، &#8220;وزارة اللحى المهدورة والسيادات المهزوزة&#8221;، تكون مهمتها إصدار بيانات تعزية عند كل انتكاسة دبلوماسية، وتوزيع صور وطنية عالية الجودة يمكن طباعتها على بوسترات الانتخابات القادمة.</p>
<p>كما أقترح تطوير تطبيق &#8220;سيادتي+&#8221;، يربط مباشرة بهواتف السياسيين، ويرسل تنبيهات على مدار الساعة:</p>
<p>&#8220;تم تسجيل تدخل خارجي في ملف النفط – هل ترغب في تشكيل لجنة؟</p>
<p>&#8220;تم رصد قوات أجنبية تتحرك دون علمك – أرسل تغريدة استنكار؟&#8221;</p>
<p>وفي الختام، وبين صفقة تسليح ترمبية، وجولة مفاوضات عراقجية، وحدود وخرائط جديدة يعيد نتنياهو رسمها وفقا لمزاجه اليومي، لم نعد نملك سوى أن نبتسم سخريةً من هذا العرض السياسي، وننتظر أن نسمع عن &#8220;التغيرات الكبيرة&#8221; التي سيتم الإعلان عنها قريبا، وكالعادة، لا يحدث شيء، ولن يبقى لنا من السيادة سوى نسخة PDF محفوظة في الأرشيف الوطني،،، وربما صورة لمسؤول يضع يده على قلبه ويقول: &#8220;نحن دولة ذات سيادة&#8221;.</p>
<p>نبتسم ونردد بصمت: &#8220;بياناتنا قوية.. تماماً مثل ضعف قراراتنا&#8221;.. ثم نطفئ الشاشة، ونعود إلى الواقع.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العيد بين الهلال والسياسة- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/03/30/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%84%d8%a7%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 30 Mar 2025 07:40:15 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=92131</guid>

					<description><![CDATA[&#160; في عالمنا الإسلامي، لا شيء يُوحِّدنا كما تفعل الخلافات، فبينما تفشل جهود الوحدة السياسية والاقتصادية، نثبت مرارا وتكرارا أننا نستطيع الاختلاف حتى على المسائل التي يُفترض أن تكون بديهية، &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>في عالمنا الإسلامي، لا شيء يُوحِّدنا كما تفعل الخلافات، فبينما تفشل جهود الوحدة السياسية والاقتصادية، نثبت مرارا وتكرارا أننا نستطيع الاختلاف حتى على المسائل التي يُفترض أن تكون بديهية، وآخر حلقات هذا المسلسل الممتد منذ قرون كان &#8220;لغز&#8221; عيد الفطر المبارك لهذا العام، أو كما يحلو للبعض تسميته: &#8220;حرب الأهلة الكبرى&#8221;.</p>
<p>فبعد أن أعلن ديوان الوقف السني في العراق، أن يوم الاثنين 31 مارس هو أول أيام العيد، وهنا، كعادتها، تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة تفتيش حديثة، وانطلقت أبواق الاتهامات يمينا ويسارا، وبدلا من الاحتفال، انطلق موسم التخوين السنوي: العلماء متآمرون، الفلكيون عملاء، وحتى القمر نفسه متواطئ مع الأجندات الخفية.. واتُّهِم الوقف السني في العراق بخيانة الأمانة والرضوخ لـ&#8221;الدولة العميقة&#8221;، وبالطبع، لم يكن الأمر مجرد رؤية هلال، بل مؤامرة عالمية ضد عيد الفطر وضد فرحة المسلمين، لأن من الواضح أن قوى خفية قررت التدخل في توقيت العيد أيضا، وربما قامت بتزوير وثائق سفر الهلال حتى لا يظهر في الوقت المحدد!!</p>
<p>لكن مهلا… هل كانت هذه الخيانة حكرا على العراق وحده؟ أم أن هناك شبكة دولية من &#8220;المتآمرين الخونة&#8221; الذين تآمروا لإفساد فرحة المؤمنين؟ لأنه، وللغرابة، أعلنت دول مثل مصر، ليبيا، المغرب، سلطنة عمان، الأردن، سوريا، إيران، أستراليا، سلطنة بروناي، إندونيسيا، ماليزيا، بنجلاديش، باكستان والهند أن الأحد مكمّل لشهر رمضان، والاثنين هو العيد، فهل كل هذه الدول تعمل ضمن أجندة سرية رضخت لضغوط القوى الخفية والدولة العميقة تهدف إلى تدمير فرحة المسلمين؟ أم أننا أمام معضلة لا تتعلق بالمؤامرات بقدر ما تتعلق بالحسابات الفلكية والتقنية؟ بالطبع، المؤامرة تبدو أكثر إثارة، أليس كذلك؟</p>
<p>وفي المقابل، هناك الدول &#8220;المستقلة&#8221; و&#8221;الصلبة&#8221; في قراراتها، والتي يمكن أن نطلق عليها مجازا دول &#8220;المقاومة الفلكية&#8221;، وقفت في وجه هذا التيار العالمي وأعلنت أن الأحد 30 مارس هو العيد بلا تردد، نعم، لقد رفضوا الخضوع لهذه المؤامرة الكونية، وأصروا على الاحتفال بالعيد كما تشتهي أمزجتهم الفقهية والسياسية، ولأن لديهم خبراء في علم الفلك &#8220;الحدسي&#8221; الذين يستطيعون رؤية الهلال حتى لو كان مختبئا خلف الغيوم أو وراء الشمس، وربما حتى داخل خزانة أحد الفلكيين المغضوب عليهم، وعلى رأس هذه الدول: السعودية، قطر، الإمارات، الكويت، البحرين، لبنان، وفلسطين، فهل أصبح الآن معيار الأغلبية والأقلية يُحسب بعدد الدول التي اتخذت القرار؟ أم بعدد الدول التي نحب قراراتها أكثر؟ أم أن المسألة برمتها لا تزال غارقة في فوضى &#8220;كلٌّ يغني على ليلاه&#8221;؟ المهم أننا لا نتفق، وهذه هي الفكرة الأساسية.</p>
<p>الغريب أن الأمر لم يعد يُناقش وفقا لمعايير علمية واضحة، بل وفقا للولاءات الجغرافية والسياسية، لم يعد السؤال عن إمكانية رؤية الهلال، بل عن هوية من أعلنه أولا!.. ولو ظهر الهلال في إحدى الدول المخالفة، لتم اتهامه بالخيانة العظمى، فالكل يحاول إثبات صحة موقفه، لا عبر الأدلة الفلكية، بل عبر الصراخ الإعلامي والتخوين الجماعي، في حين أن المنطق يُحتّم علينا جميعا أن نتفق على معايير موحدة وواضحة للرؤية، سواء كانت بالعين المجردة أو باستخدام التقنيات الحديثة، لكن يبدو أن التراشق بالاتهامات أكثر إغراء من اللجوء إلى المنطق.</p>
<p>فمنذ متى أصبح الاحتفال بعيد الفطر يعتمد على مواقف سياسية أكثر من كونه مناسبة دينية؟ الإجابة قد تكون مفاجئة، منذ اللحظة التي قرر فيها البعض أن يرقصوا على وتر الفروق الفلكية والشخصية، وأن يملؤوا صفحات الجرائد بتواريخ متباينة لبداية العيد، وكأن كل واحد منهم يريد أن يثبت أنه الأكثر تقوى، أو الأكثر &#8220;علمية&#8221; في تحديد مواعيد رؤية الهلال، ففي البداية، كان الأمر بسيطا، مجرد مراقبة للهلال بالعين المجردة، لكن مع تطور الزمن، أصبح الهلال نفسه يتعرض للتسييس، وكأن الأمر أشبه بمعركة &#8220;من سيعلن عن العيد أولاً؟&#8221;، أو كأنها مسابقة للجائزة الكبرى لاختيار أول من يشهر سيفه في مواجهة المزايدات الدينية والسياسية.</p>
<p>لكن أين تكمن المشكلة؟ أولاً، هناك من يرى في هذا التباين من مواعيد العيد مجرد &#8220;لعبة سياسية&#8221;، فكما يُقال: &#8220;فرق تسد&#8221;، أولئك الذين يتبنون هذه الفكرة يرون أن الاختلافات في تحديد مواعيد العيد ليست إلا محاولة لزرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد، بحيث يصبح العيد مناسبة للاحتجاج السياسي بدلاً من أن يكون مناسبة للتآلف الاجتماعي.</p>
<p>والقصة لا تنتهي هنا، فإن قسوة التباين في الآراء تبدو جلية في تصاعد النزاع حول طرق رؤية الهلال، متناسين أن العيد في النهاية هو فرحة جماعية لا يمكن أن تقتصر على فئة أو طائفة، فالمشكلة ليست فقط في &#8220;من يرى الهلال أولاً&#8221;، بل أيضا في &#8220;من يقرر أن هذه هي الطريقة الوحيدة لرؤية الحقيقة&#8221;، كأن هناك قانونا سياسيا لا يقبل أي رأي آخر، وكأن هذا &#8220;الاختلاف&#8221; هو ضرب من العبث الذي لا يهم إلا أولئك الذين يعتقدون أن الخلافات الدينية هي أكثر أهمية من توحيد المجتمع وتيسير الفرح.</p>
<p>لكن في نهاية المطاف، سيكون هناك من يحتفل، وسيكون هناك من ينتقد، ستظل الاختلافات حاضرة، وستبقى الأسئلة قائمة: هل سيتفق الجميع على شيء بسيط مثل تحديد موعد العيد، أم أن الاختلاف سيظل &#8220;هلالا&#8221; سياسيا يحتاج إلى رؤية بعين متحيزة؟ وفي النهاية، سواء كان العيد الأحد أو الاثنين، فإن النتيجة واحدة: فريق سيحتفل اليوم، وفريق آخر سيصوم وهو يتفرج على جيرانه يلتهمون الكليجة والمعمول ويتبادلون التهاني، بينما هو يحتفظ بمصحف صغير ووجه عبوس ليؤكد للجميع أنه ما زال في رمضان، وهناك فريق ثالث &#8220;دائما موجود&#8221; لا يهمه في أي يوم يقع العيد، بقدر ما يهمه في أي يوم سيتم صرف الراتب، المشكلة ليست في متى نعيد، بل في كيف نُحوّل كل مناسبة دينية إلى ساحة معركة، حيث تتصارع الفتاوى وتتناطح البيانات الرسمية، وكل طرف يصرّ على أنه وحده من يملك الحقيقة المطلقة، فيما ينظر إلينا باقي العالم ويتساءل: &#8220;كيف استطاعوا جعل حتى القمر مثار جدل؟&#8221; وبينما نحن مشغولون بفرز الناس بين &#8220;أهل الحدس&#8221; و&#8221;أهل الحساب&#8221;، يستمتع العالم بالكعك والقهوة وينتهي من العيد قبل أن نقرر حتى متى يبدأ.</p>
<p>كل عام وأنتم بخير… أيا كان اليوم الذي تحتفلون فيه</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تركيا،، اعتقال يشعل شرارة الغضب- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/03/26/%d8%aa%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a7%d8%8c%d8%8c-%d8%a7%d8%b9%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84-%d9%8a%d8%b4%d8%b9%d9%84-%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b6%d8%a8-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 26 Mar 2025 15:51:42 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=92010</guid>

					<description><![CDATA[&#160; تبدو تركيا اليوم أمام درس تاريخي جديد، فقد أشعل اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، فتيل الغضب الشعبي، مما أدخل البلاد في موجة احتجاجات عارمة لم تتوقف، حيث &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>تبدو تركيا اليوم أمام درس تاريخي جديد، فقد أشعل اعتقال أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول، فتيل الغضب الشعبي، مما أدخل البلاد في موجة احتجاجات عارمة لم تتوقف، حيث يصر المتظاهرون على البقاء في الشوارع للدفاع عن الديمقراطية، فمنذ اعتقاله، تحولت مدينة إسطنبول إلى ساحة احتجاجات متواصلة، في خطوة أثارت جدلا واسعا حول مستقبل الديمقراطية في البلاد، وبينما يرى المعارضون أن الحكومة تسعى إلى فرض سيطرتها بإجراءات قمعية ومصادرة إرادة الناخبين من خلال فرض وصايتها على بلدية إسطنبول، تتصاعد المظاهرات التي لم تثنها قرارات حظر التظاهر، بل زادت زخما مع مرور الأيام.</p>
<p>ما يحدث في إسطنبول ليس احتجاجات عابرة فحسب، بل معركة سياسية كبرى بين تيارين متناقضين، حتى بات اعتقال إمام أوغلو نقطة تحول كبرى في المشهد السياسي التركي، فالرجل، الذي استطاع انتزاع بلدية إسطنبول من قبضة حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2019، أصبح اليوم رمزا لمعارضة متماسكة تتحدى سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، ورغم الزج به في سجن سيليفري، إلا أن مكانته لم تهتز، بل على العكس، منحه الاعتقال زخما سياسيا غير مسبوق، وجعله رمزا للمعارضة ضد حكم أردوغان، وارتفعت أسهمه داخل حزب الشعب الجمهوري، الذي أعلن ترشيحه رسميا للانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أن نال تأييد الأغلبية الساحقة من أعضاء الحزب في الانتخابات الداخلية الأخيرة، مدفوعا بالتعاطف الشعبي الكبير الذي يحظى به، وهكذا، أصبح إمام أوغلو، بفضل اعتقاله، الرقم الأصعب في مواجهة أردوغان، في مشهد يعيد للأذهان تجارب قادة سياسيين صعد نجمهم من خلف قضبان السجون.</p>
<p>منذ لحظة اعتقال إمام أوغلو، لم تهدأ شوارع إسطنبول، ولا ميادين أنقرة وإزمير، ورغم أن السلطات فرضت قيودا صارمة على التظاهر، وأغلقت محطات المترو والطرق الرئيسية لمنع التجمعات، إلا أن المحتجين وجدوا طريقهم إلى الساحات، متحدين القمع الأمني، الذي شمل استخدام الغازات المسيلة للدموع والرصاص المطاطي، إضافة إلى موجة اعتقالات واسعة، لكن اللافت في هذه الاحتجاجات أنها لم تعد مجرد مظاهرات غاضبة، بل تحولت إلى حركة منظمة تسعى لتغيير قواعد اللعبة السياسية، فالمعارضة التي كانت تتشتت في السابق، باتت اليوم أكثر انسجاما، مدركة أن المواجهة مع الحكومة لم تعد خيارا، بل ضرورة فرضها الواقع السياسي والاقتصادي المتأزم.</p>
<p>لطالما كان الرئيس أردوغان لاعبا ماهرا في السياسة، لكنه اليوم يواجه أصعب اختبار منذ وصوله إلى السلطة، فبينما يحذر من أن هذه الاحتجاجات تهدد استقرار البلاد وتفاقم الأزمة الاقتصادية، يرى خصومه أن سياسات القمع هي التي دفعت البلاد إلى هذا المنزلق الخطير.</p>
<p>تركيا اليوم ليست كما كانت قبل سنوات، إذ تواجه أزمة اقتصادية خانقة، مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وهروب الاستثمارات الأجنبية بسبب عدم الاستقرار السياسي، ومع تصاعد التوترات، هناك عدة سيناريوهات لمستقبل المشهد السياسي، أولها إعادة ترتيب المشهد المعارض: فقد دفع اعتقال إمام أوغلو المعارضة إلى التوحد خلفه، ما قد يؤدي إلى تشكيل جبهة أقوى في مواجهة أردوغان، أما السيناريو الثاني فهو التأثير على الانتخابات المقبلة: إذ قد يكون للزخم الشعبي الحالي أثر كبير على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2028، أما السيناريو الثالث، فيتعلق بالتداعيات الاقتصادية الخطيرة: فاستمرار القمع السياسي قد يؤدي إلى انسحاب المزيد من الاستثمارات، مما يزيد الضغوط على الحكومة ويضعف شعبيتها.</p>
<p>وتعد تركيا لاعبا رئيسيا في السياسة الإقليمية، وخاصة في الملف السوري، أي تغيير في القيادة السياسية قد ينعكس على تواجد تركيا في شمال سوريا، وهو ما قد يؤدي إلى انسحاب تدريجي للقوات التركية، مما يفتح المجال أمام النظام السوري لاستعادة السيطرة على مناطق كانت تحت النفوذ التركي، إضافة إلى إضعاف الجماعات المسلحة المدعومة من أنقرة، مما قد يدفعها إلى البحث عن تحالفات جديدة أو إعادة تموضعها، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، خصوصا مع الدول التي كانت على خلاف مع تركيا في الفترة الماضية.</p>
<p>في ظل استمرار هذه الاحتجاجات، تبدو تركيا على مشارف منعطف حاسم، فإما أن ينجح أردوغان في احتواء الأزمة عبر تقديم تنازلات وإعادة النظر في سياساته، أو أن يواجه خطر فقدان السيطرة، مما قد يفتح الباب أمام تغييرات جوهرية في المشهد السياسي، لكن الأهم من ذلك هو كيف ستتعامل المعارضة مع هذه الفرصة؟ هل ستنجح في تحويل هذا الغضب الشعبي إلى قوة سياسية منظمة قادرة على قلب موازين السلطة في الانتخابات المقبلة؟ أم أن الحكومة ستتمكن من تفكيك هذه الحركة عبر القمع والاعتقالات، كما فعلت في السابق؟</p>
<p>يراهن الرئيس أردوغان وحكومته على أن هذه الاحتجاجات ستتلاشى بمرور الوقت، كما حدث في مرات سابقة، لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن الأمور مختلفة هذه المرة، حيث إمام أوغلو أصبح المرشح الأقوى للانتخابات الرئاسية المقبلة، مما يعني أن كل اعتقال له وكل مظاهرة داعمة له تعزز صورته كبطل للمعارضة، أما المعارضة، فترى في هذه اللحظة فرصة ذهبية لفرض معادلة جديدة وإعادة التوازن للحياة السياسية، التحدي الأكبر أمامها هو القدرة على توحيد صفوفها وعدم الوقوع في فخ الاستقطاب السياسي الذي سيفيد الحكومة أكثر مما يضرها.</p>
<p>الاحتمالات مفتوحة، لكن الأكيد أن البلاد دخلت في مرحلة سياسية جديدة، قد ينجح أردوغان في كبح الاحتجاجات مؤقتا، لكنه لن يتمكن من إطفاء جذوة الغضب الشعبي التي بدأت تتوسع يوما بعد يوم، وكما قال أحد المتظاهرين في ساحة تقسيم: &#8220;لسنا هنا فقط لأجل إمام أوغلو، بل لأجل تركيا التي نريدها&#8221;.</p>
<p>السؤال الكبير الآن: هل سيتحول إمام أوغلو من سجين سياسي إلى رئيس جمهورية؟ الأيام القادمة ستحمل الإجابة، لكن المؤكد أن تركيا لن تكون كما كانت قبل اعتقال إمام أوغلو، فمن الواضح أن البلاد على أعتاب تحول كبير، قد يعيد رسم مستقبلها السياسي بالكامل.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حرية بطعم الرماد- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/03/26/%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d8%b7%d8%b9%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%85%d8%a7%d8%af-%d8%ac%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a5%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%af%d9%84%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 26 Mar 2025 15:43:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=92008</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; حمل الورقة بين أصابعه كأنها جمرة، وكأن الحروف المنحوتة عليها لا تزال تنبض بحرارة ذلك الزمن، بل وكأنها تهمس له بأصوات دفنها في أعمق زوايا الذاكرة، كانت الورقة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>حمل الورقة بين أصابعه كأنها جمرة، وكأن الحروف المنحوتة عليها لا تزال تنبض بحرارة ذلك الزمن، بل وكأنها تهمس له بأصوات دفنها في أعمق زوايا الذاكرة، كانت الورقة قديمة، حوافها متآكلة، وحبرها باهت بالكاد يُقرأ، لكنها كانت كافية لبعث ارتجافةٍ في أطرافه، ولبعث ذلك الألم القديم الذي ظنَّ أنه نجح في وأده، ارتجفت أنفاسه وهو يقرأ الاسم المنحوت عليها، الاسم الذي كان يوما مرادفا للأمل، للحياة، ثم أصبح مرادفا للخديعة، لطالما كان يخشى هذه اللحظة، لحظة المواجهة مع ما كان يهرب منه، مع حقيقة أنه لم يكن سوى ظلّ يتبع وهما، قلب تآكلته الخديعة حتى أصبح صدى باهتا لنبض كان يوما ممتلئا بالحياة.</p>
<p>عاد به الزمن إلى تلك الأيام التي كان يسير فيها خلفها كالتائه في صحراء عطشى، يلتقط من كلماتها قوارير ماء تروي ظمأ روحه، لم يكن يدرك حينها أن ما يرتشفه لم يكن سوى سراب، كل ضحكة، كل وعد، كل لمحة حنان، لم تكن سوى قناع زائف يخفي خلفه حقيقة أكثر قسوة مما تخيل.</p>
<p>كانت الورقة رسالة، رسالة أخيرة منها، لم يفتحها حينها، مزقها بيدين مرتجفتين وقلب يتشظى، لكنه الآن، يعيد جمع شظاياها، يعيد قراءتها وكأنها مرآة تعكس ما تبقى منه: &#8220;رجاءً، يكفي كلاما يصدر عنك لا أفهم مغزاه، قلتُ: إن كنتَ تريد أن تعتبرني صديقة، فبابي مفتوح، رجاءً، تفهّمني، تحياتي&#8221;.</p>
<p>ضحك بمرارة، أيكون للأسف وزن بعد أن أصبح القلب خرابة مهجورة؟ أيكون للاعتذار معنى حين لا يبقى من الحب سوى رماده؟ ألقى الورقة جانبا، تنهيدة طويلة انسلت من بين شفتيه، ثم نهض، لا جدوى من النبش في رماد الماضي، فقد حان وقت المضي قدما، ولو بأقدام أنهكها الطريق، ولكنه ليس ذاك الذي يهرب من امرأة كانت وطنا لروحه، ظلّا لخطواته، وصدى لصوته حين كان يناجي الليل باسمها، أحبها بكلّ رعشات القلب، بكلّ ارتعاش الأصابع وهي تكتب لها، بكلّ الدمع الذي كان يفضحه حين يمرّ طيفها في خاطره.</p>
<p>لكنه كان مخدوعا، مخدوعا في بريق عينيها الذي كان يظنُّه شوقا، فكان محض وهم عالق بين سراب الأماني، مخدوعا في كلماتها التي كان يحفظها كآيات نجاة، فإذا بها طلاسم لا تفتح أبواب الرحمة بل تسجنه خلف قضبان الخديعة، حتى اهتمامها، كان قيدا من حرير، يشدُّه إليها بينما كانت تبحث عن درب آخر تهرب إليه.</p>
<p>كانت الحب الأخير بالنسبة له، والأقسى، لم تكن هي الوطن، بل كان هو الوطن الذي ضاع فيه حلمه، كان المساحة التي خطت عليها خطواتها حتى سئمت، حتى نظرت بعيدا بحثا عن أرض أخرى تغرس فيها جذور رغباتها، لم يرَ ذلك، أو ربما رآه وأغمض عينيه، كما يُغمض العاشق عينيه عن كل ما يهدد فردوسه المزعوم، كان يظنها الشوق، فإذا بها السراب، كان يراها الأمان، فإذا بها عاصفة، وكان يصدق كلماتها، فإذا بها مفاتيح أبواب لم تُفتح له قط.</p>
<p>لكن الحقيقة لم تكن بهذه البساطة، كان هناك سرٌ دفين، أكبر من مجرد حبٍّ قديم، وأكبر حتى من خيانتها له، عثر عليه بالصدفة، عندما تلقى رسالةً مجهولة المصدر، كانت عبارة عن سلسلة من الصور والمحادثات، رأى فيها وجهها، لكنه لم يكن وجهه من ينعكس في عينيها، بل وجه رجلٍ آخر، لم يكن ذلك العاشق القديم بل شخصا نافذا في عالم السياسة، رجلٌ كان ظهوره كفيلا بربط الخيوط المبعثرة.</p>
<p>كانت تحمل في قلبها جرحا قديما، حبا لم ينطفئ رغم المسافات، لم يكن سوى محطة، استراحة تأخذ منها أنفاسها حتى يعود إليها عاشقها الأول، لم يلحظ ذلك في البداية، فقد كانت بارعة في التمثيل، ماهرة في ارتداء القناع المناسب لكل لحظة، فكان غارقا في وهمها حتى نسي نفسه، وأصبح أسير كلماتها، سجينا لوعودها التي لم تتحقق أبدا.</p>
<p>وحين عاد ذلك الغائب، انقلبت موازينها، تبدّلت، صارت أخرى، باردة كحجر، بعيدة كأنها لم تكن يوما بين يديه، حاول أن يتجاهل الإشارات، أن يبحث عن أعذارٍ تبرر فتورها، لكن الحقيقة كانت واضحة، صارخة كجرح مفتوح: لم يكن سوى عابرٍ في قلبها، لم يكن سوى ظلٍّ ينتظر أن يُمحى، ولم تكن هي سوى مجرد امرأة خائنة، إذ كانت جزءا من لعبةٍ أكبر، السياسة، الخداع، المصالح المتشابكة، كل شيء كان يدور حولها دون أن يدرك، إنه كان ورقةً استُخدمت في مرحلةٍ ما، وكان لا بد من التخلص منها حين انتهى دوره.</p>
<p>اليوم، لا يهرب منها، بل يهرب من نفسه، يهرب من ذلك الرجل الذي تقمص دوره، الرجل الذي صدّق الكذبة حتى أصبحت جزءا منه، لكن كيف يُقنع القلب بأنه كان أعمى؟ كيف يقنع الروح بأنها اختارت من أطفأها بدلا من أن يشعلها حياةً؟ كيف يقنع الذكريات بأنها لم تكن سوى خدعة، وأن كل لحظة دفء كانت مجرّد طقسٍ زائف في صقيع الخيانة؟</p>
<p>فأسوأ مراحل الاستغفال في الحب ليست تلك التي يُخدع فيها القلب، بل التي يُقنع فيها نفسه بالخديعة، أن ترى الحقيقة واضحة كالشمس، لكنك تغمض عينيك متذرعا بالخوف من الظلام، أن تلمح الغياب في كل حضور، والبرود في كل دفء، ثم تقول: ربما أتوهم.</p>
<p>إنها المرحلة التي تصبح فيها أكاذيب الحبيب أكثر ألفة من صدق الآخرين، وحبال الأمل المتهالكة أكثر راحة من أرض الواقع الصلبة، حينما تتحول كلمات &#8220;أنا بخير&#8221; إلى درع زائف تخفي وراءه انهيارك البطيء، وحين يصبح الصمت لغةً جديدة لتبرير ما لا يُبرَّر، فأسوأ مراحل الاستغفال في الحب، هي أن تكون آخر من يعلم، ليس لأن الحقيقة كانت غائبة، بل لأنك كنت من دفنها بيديك.</p>
<p>في أحد الأيام، وبينما كان يبحث عن مخرج من متاهة الندم التي تلاحقه كظلّ ثقيل، وجد نفسه وسط عاصفة سياسية تعصف بالمدينة، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والشوارع غارقة في زخم من الاحتجاجات، الهتافات تعلو، والأصوات تزداد قوة كأمواج البحر الهائجة، وكأنها تطلب العدالة التي طالما تم تجاهلها، اللافتات ترفع في كل مكان، مليئة بشعاراتٍ تلامس قلبه، كأنها كانت قد كُتبت خصيصًا له: &#8220;الخيانة لا تُغتفر&#8221;، &#8220;الوعود الزائفة لا تصنع وطناً&#8221;.</p>
<p>كان يرى في عيون المتظاهرين ما كان يشعر به من قبل، نفس الوجوه التي تحمل عبء الخيبة، نفس القلوب التي تمزقها خيانة الأمل، وعيناه تتنقلان بين اللافتات، فتُذكره بكل ما عاشه من تجارب مشابهة في حياته الخاصة، حيث كانت الوعود الوردية تتحول إلى سراب، والأحلام تُسحق تحت وطأة الواقع القاسي، كانت تلك الهتافات، رغم عنفها، هي الصدى الحقيقي لندمه.</p>
<p>بينما كانت العاصفة السياسية تضرب المدينة، كان هو يقف في وسطها، عاجزا عن الهروب من مرآة ماضيه، كل صرخة كانت تذكره بكل لحظة ضاعت فيه، وكل خطوة اتخذها دون أن يدرك أنه كان يسير في طريق مليء بالفخاخ، مثلهم تماما، شعر بأن الخيانة لا يمكن أن تُغتفر، وأن الوعود الزائفة لا يمكن أن تبني شيئا سوى الخراب.</p>
<p>أدرك حينها أن الخداع ليس حكرا على العلاقات العاطفية، بل هو جزءٌ من نسيج الحياة بأكملها، رأى في السياسة ذات الوجوه التي عرفها في حبّه الماضي، ذات الابتسامات المخادعة، ذات العهود التي تُكسر عند أول فرصة، كان يراقب المشهد ويتساءل: هل نحن محكومون بالخداع، أم أننا ببساطة نختار ألا نرى الحقيقة حتى تصفعنا؟</p>
<p>ثم جاءته فكرة مفاجئة: هل من الممكن أن يبدأ من جديد، بعيدا عن وعود لا تُسمن ولا تغني من جوع؟ هل يمكنه أن يعيد بناء ما تهدم في داخله، كما يطمح هؤلاء المتظاهرون لبناء وطن جديد؟ ربما العاصفة التي تجتاح المدينة هي في النهاية فرصة للمطالبة بتغيير حقيقي، لا مجرد كلام فارغ، كما كان يردد في نفسه: &#8220;إذا لم يكن لدينا خيار آخر، لعلنا نبدأ من الآن.&#8221;</p>
<p>لذلك كرهها بكل ما أوتي من وجع، وأقسم أن لا يراها مجددا، بل كان يرتجف خوفا من أن تطل عليه من زاوية قدر عابث، كان يشعر أنه يحدق في عين الشيطان كلما التقت نظراتهما، ويتحسس ذلك الخنجر المغروس في ظهره، وذلك الآخر الذي يعبث بقلبه كأنه لا يكتفي بإيذائه بل يستلذ بتمزيقه ببطء.</p>
<p>ولكنه حين يغمض عينيه، لا يرى سواها، وحين يخاصمه النوم، يسمع صوتها يهمس له كتعويذة لا فكاك منها، كيف له أن يكرهها وهي تتسلل إلى روحه كعطر لا يزول؟ كيف له أن ينساها وهو لا يزال يتنفسها في كل شهقة ألم؟</p>
<p>ربما هو مجنون، بل يكاد يكون مهووسا بها، لكن أي عقل يتجرأ على محاكمة القلب حين يصرّ على عشق من طعنه؟</p>
<p>فالحب رغم خيانته، لا يموت بسهولة، يظل كالندبة على الروح، يترك أثرا لا يُمحى، لكنه في النهاية، يصبح مجرد ذكرى، والأهم أنه لا يمنعنا من أن نجد حبا آخر، حبا نقيا، نابعا من روحٍ لم تلوثها الأكاذيب، لم يكن سقوطها من قلبه نهاية، بل كان بدايةً لحياة جديدة.</p>
<p>مرت الأيام، وبدأ يرى العالم بنظرة جديدة، لم يكن الأمر سهلا، فالخذلان يترك أثره كما تفعل الحروب، ولكنه يترك لنا درسا قاسيا عن طبيعة البشر، السياسة والحب يتشابهان، فكلاهما لعبة مصالح، وكلاهما يعج بالأقنعة.</p>
<p>أحيانا، لا يكفي أن نقف في العتمة وننتظر الصباح، فبعض الليالي لا تنقضي إلا إذا مزّقنا ستائرها بأيدينا، كان لا بد من هذا الشرخ، من تلك الكسور التي ظنناها نهايات، لكنها لم تكن سوى نوافذ جديدة فتحها القدر في جدران أرواحنا المتعبة.</p>
<p>حين سقطت أولى الشقوق، شعر بالبرد، بالخوف، بذلك الفراغ الذي يبتلع كل شيء، لكنه لم يدرك أن النور لا يطرق الأبواب، بل يبحث عن صدوعٍ يتسلل منها، وحين اشتد الكسر واتسع، رأى ما لم يره من قبل: أحلاما كانت مخنوقة، ألوانا لم تدركها عيناه، وطريقا جديدا كان يبحث عنه دون أن يدري أنه كان خلف ذلك الجدار المتهالك.</p>
<p>في إحدى الأمسيات، وبينما كان جالسا في أحد المقاهي يتابع أخبار المدينة الملتهبة، جلس إلى طاولته امرأة لم تكن تشبهها في شيء، نظراتها كانت حقيقية، صوتها لم يكن مغلفا بالخداع، تحدث معها طويلا عن كل شيء، عن الأمل والخسارات، عن الخيبات التي تصنعنا، عن الوعود التي لا نصدقها بعد الآن، لم يكن حبا من النظرة الأولى، لكنه كان بداية شيء مختلف، شيء لم يكن يحمل طعم الخداع.</p>
<p>وفجأة، تأتيك الجرأة كريحٍ هوجاء، تقتلع جذور الخوف من روحك، تعبث بأوراقك المتناثرة كأنها تذكّرك بأنها مجرد حبرٍ على ورق، لا أكثر، تهتزّ جدران ذلك الركن العتيق في قلبك، حيث خبأتَ الذكريات بحذرٍ يشبه الرهبة، كأنك كنت تؤجل المواجهة مع أشباحها.</p>
<p>الآن، ها هي الصفحة أمامه، الصفحة التي خشي حتى لمسها، كأنها تملك سلطانا عليه، طالما كان يراها نافذةً على وجعٍ لا يُغلق، قيدا لا يُكسر، لكنه اليوم، ولأول مرة، لا يكتفي بطيّها… بل يمسكها بثباتٍ غريب، يقرّبها من النار، يرى ألسنة اللهب تتراقص على حوافها، تلتهم الكلمات كما لو أنها لم تكن يوما حقيقة، لتتبدد ذكرياتها من روحه، كما يتبدد الرماد في الريح، تاركةً خلفها دروسا لا تُنسى، وحين التقى بعينين جديدتين، بعالم آخر لم يخنقه السراب، أدرك أن الحب لا ينتهي، بل يتجدد… وأن سقوط حبٍ زائف قد يكون أعظم انتصارٍ نحصل عليه في الحياة.</p>
<p>وفي النهاية، يتلاشى الحبر، يتصاعد الدخان، يتهاوى الرماد في صمت، ومعه يسقط آخر خيطٍ كان يربطه بماضٍ لم يعد يعنيه، لا ندم، لا تردد، فقط حريةٌ أخيرا… حريةٌ بطعم الرماد.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العراق بين الحياد والتصعيد.. تداعيات حرب اليمن- جليل إبراهيم المندلاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/03/23/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%af-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d8%b9%d9%8a%d8%af-%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%ad%d8%b1/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 23 Mar 2025 07:45:43 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[جليل إبراهيم المندلاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=91900</guid>

					<description><![CDATA[&#160; مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة نتيجة للعمليات العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن، يطرح تساؤل جوهري هام حول احتمالية امتداد هذه التداعيات إلى العراق الذي يشكل نقطة التقاء &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة نتيجة للعمليات العسكرية الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن، يطرح تساؤل جوهري هام حول احتمالية امتداد هذه التداعيات إلى العراق الذي يشكل نقطة التقاء للعديد من المصالح الإقليمية والدولية، والذي يواجه تحديات متزايدة في ظل التعقيدات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كما يثار السؤال عن مدى قدرته على الحفاظ على استقراره في ظل العلاقات المعقدة بين الفصائل المسلحة في العراق وإيران، والتي يمكن أن تتسبب في زعزعة الأمن الداخلي للبلاد، ومن الممكن أيضا أن تؤدي التفاعلات الإقليمية المعقدة في الشرق الأوسط إلى انخراطه في هذا الصراع، مما قد يعرضه لتهديدات مباشرة من القوى الكبرى.</p>
<p>فالعراق، الذي لا يزال يعاني من تداعيات حروب سابقة وأزمات داخلية مزمنة، يواجه خيارا صعبا بين تعزيز استقراره الوطني من خلال ضبط الجماعات المسلحة وتطبيق سياسة حسن الجوار، أو مواجهة تحديات جديدة قد تجر البلاد إلى دوامة من النزاعات الإقليمية، وعلى الرغم من سياسة الحياد التي يتبعها رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، في ما يتعلق بالنزاعات الإقليمية، إلا أن العراق لا يزال يشهد تهديدات متزايدة من فصائل مسلحة قد تساهم في تعقيد الوضع الأمني، تهديدات هذه الجماعات التي تساند الحوثيين وتعلن استعدادها للرد على الهجمات الأمريكية، قد تضع العراق في مرمى العمليات العسكرية الأمريكية إذا تدخلت هذه الفصائل في صراع مباشر مع الولايات المتحدة.</p>
<p>وقد أبلغت واشنطن الحكومة العراقية بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة لضمان عدم تفاقم الوضع الأمني، محذرة من أن أي دعم لهذه الفصائل قد يؤدي إلى تصعيد الضغوط الغربية على العراق، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية قد تؤثر سلبا على استقراره، ورغم التحديات التي يواجهها العراق، إلا أن الحكومة العراقية تمتلك الإمكانيات المادية والعسكرية لمواجهة أي نزاع داخلي، وقد أظهرت بالفعل خطوات إيجابية، مثل إغلاق مكاتب الحوثيين في العراق، وهو ما يُعدّ خطوة نحو الحد من امتداد تأثير الحرب اليمنية إلى أراضيها، لكن، يبقى تعزيز السيطرة على الجماعات المسلحة أمرا بالغ الأهمية لتفادي أي زعزعة جديدة للاستقرار الداخلي، فالحكومة العراقية تملك القدرة على تفكيك هذه الجماعات عبر إجراءات قانونية صارمة وفرض الرقابة على نشاطاتها، خاصة أن إهمال هذه الفصائل قد يجعلها مصدرا رئيسيا لانعدام الاستقرار الإقليمي.</p>
<p>من جهة أخرى، يعد موقف العراق من الحرب في اليمن محط اهتمام دولي، حيث تسعى حكومة بغداد إلى الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الكبرى في المنطقة، ومع تصاعد الضغوط من الولايات المتحدة، يتعين على العراق اتخاذ قرارات حاسمة لضمان الحفاظ على علاقات متوازنة مع جيرانه واللاعبين الدوليين، لضمان عدم الانزلاق في صراعات إقليمية قد تضر بمصالحه الوطنية.</p>
<p>في ظل هذه الظروف، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحكومة العراقية فرض سيطرتها على الجماعات المسلحة التي تشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار البلاد؟ رغم سياسة الحياد التي تنتهجها الحكومة العراقية، إلا أن الوضع الراهن يتطلب موقفا أكثر صرامة لضمان استقرار العراق على المدى الطويل، حيث ينبغي على الحكومة العراقية أن تواصل تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وحلفائها، وفي الوقت نفسه تحافظ على تواصلها مع إيران لضمان توازن مصالحها الإقليمية، فالعراق لا يمكنه تجنب التأثيرات الإقليمية، حيث إن أي تصعيد جديد في الشرق الأوسط قد يضعه في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، التي لن تتردد في الرد على أي هجمات قد تستهدف قواتها في العراق، وبالتالي، فإن بغداد تجد نفسها في موقف حرج، حيث تسعى للحفاظ على علاقات متوازنة مع كل من واشنطن وطهران، في ظل الضغوط المتزايدة من الطرفين.</p>
<p>لذلك ينبغي على الحكومة العراقية استغلال دورها كوسيط في المنطقة لدعم استقرارها الداخلي من خلال تعزيز آليات الحوار مع القوى المسلحة المختلفة، من خلال الحوار المفتوح مع جميع الأطراف، لتتمكن من معالجة العديد من القضايا الأمنية والسياسية التي تهدد استقرار البلاد.</p>
<p>من جانب آخر، لا يمكن تجاهل التداعيات الاقتصادية المحتملة التي قد تنتج عن تصعيد عسكري محتمل، ففي حال تأزمت الأوضاع أكثر، قد تفرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية شديدة على العراق، ما سيؤثر على الاقتصاد المحلي خاصة في مجالات الطاقة والتجارة الدولية، لذلك، يعد تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الدول الغربية خطوة مهمة لتخفيف هذه الضغوط الاقتصادية.</p>
<p>في النهاية، يعتمد استقرار العراق بشكل كبير على قراراته السياسية والإستراتيجية في المرحلة القادمة، فبينما يحاول تجنب الانخراط في أي مواجهة عسكرية مباشرة، تظل التهديدات الأمنية والسياسية قائمة، ما لم يتمكن من تحقيق توازن دقيق بين القوى الداخلية والخارجية، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الحفاظ على استقرار العراق في ظل هذه التفاعلات الإقليمية المعقدة، وتجنب تحوله إلى ساحة جديدة لصراع القوى الكبرى في المنطقة.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
