<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>د. جوتيار تمر &#8211; صوت كوردستان</title>
	<atom:link href="https://sotkurdistan.net/category/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86/%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AA%D9%85%D8%B1/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<description></description>
	<lastBuildDate>Mon, 28 Sep 2026 18:19:04 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.3</generator>

<image>
	<url>https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2017/11/cropped-k-log-32x32.jpg</url>
	<title>د. جوتيار تمر &#8211; صوت كوردستان</title>
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الانسحاب الأمريكي من العراق: بين الوهم والواقع- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/28/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/28/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 28 Sep 2026 18:19:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107781</guid>

					<description><![CDATA[&#160; بعد يومين، في 30 سبتمبر 2026، يصل الانسحاب الأمريكي وقوات التحالف الدولي من العراق إلى موعده المعلن والنهائي؛ وبذلك تنتهي مرحلة عسكرية امتدت، بأشكال مختلفة، منذ عام 2003، وتدخل &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>بعد يومين، في 30 سبتمبر 2026، يصل الانسحاب الأمريكي وقوات التحالف الدولي من العراق إلى موعده المعلن والنهائي؛ وبذلك تنتهي مرحلة عسكرية امتدت، بأشكال مختلفة، منذ عام 2003، وتدخل الدولة العراقية مرحلة جديدة يفترض أن تتحمل فيها بصورة أكبر مسؤولية أمنها ومجالها الجوي وملاحقة تنظيم داعش وحماية مؤسساتها وحدودها؛ لكن المشكلة تبدأ تحديدا من هنا، لأن انتهاء الوجود العسكري الأجنبي لا يعني بالضرورة اكتمال السيادة، كما أن خروج القوات لا يحسم تلقائيا سؤال من يملك القوة، ومن يقرر استخدامها، ومن يمتلك القدرة على حماية الدولة عندما تتعرض للتهديد.</p>
<p>لقد تعامل الخطاب الرسمي العراقي مع 30 سبتمبر بوصفه لحظة استعادة للسيادة، وهو توصيف مفهوم من الناحية السياسية، لكنه لا يكفي من الناحية الاستراتيجية.. فالسيادة ليست مجرد غياب القوات الأجنبية عن الأرض، وإنما هي قدرة الدولة على احتكار القرار الأمني والعسكري، وحماية مجالها الجوي، وملاحقة الجماعات المسلحة الخارجة عن بنيتها المؤسسية، ومنع استخدام أراضيها منصة لصراعات الآخرين؛ ولهذا فإن اليوم التالي للانسحاب سيكون، في الحقيقة، الاختبار الأصعب للدولة العراقية، لا خاتمة الاختبار.</p>
<p>المفارقة الأوضح أن الانسحاب سيكتمل في نهاية سبتمبر، بينما لم يحسم العراق بعد ملف السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة؛ فقد انتقل رئيس الوزراء علي الزيدي من الموعد الذي كان قد طرحه سابقا لإنهاء ملف سلاح الفصائل في 30 سبتمبر إلى خطة جديدة تنتهي في 30 يونيو 2027؛ ووفقا للخطة المعلنة، تبدأ العملية بمرحلة تهدئة مدتها تسعون يوما تمتنع خلالها الفصائل عن شن الهجمات، في مقابل عدم استهدافها من القوات الأمريكية، ثم تبدأ عملية نقل السلاح إلى سلطة الدولة بصورة تدريجية حتى نهاية يونيو المقبل.. وقد أكد المبعوث الأمريكي أن واشنطن وبغداد تتفقان على أن تكون الدولة، بحلول ذلك الموعد، صاحبة الاحتكار العسكري.</p>
<p>لكن المشكلة أن هذا الجدول الزمني لا يحظى بإجماع الفصائل؛ فبعضها طالب بتمديد المهلة إلى نهاية 2027، فيما ظهرت داخل الإطار التنسيقي نفسه تحفظات على تثبيت موعد ملزم، باعتبار أن تحديد سقف زمني صارم قد يعقد المفاوضات مع الفصائل المسلحة، وهنا تظهر المنطقة الرمادية التي سيجد العراق نفسه فيها بعد 30 سبتمبر: القوات الأجنبية تغادر، لكن احتكار الدولة للسلاح لا يتحقق في اليوم نفسه.. وهذا يعني أن الدولة ستدخل مرحلة جديدة وهي مطالبة بإدارة التوازن بين قوى مسلحة تملك قدرات عسكرية وسياسية، وبين التزام حكومي معلن بإعادة حصر القوة في مؤسسات الدولة.</p>
<p>وهذا هو الفارق بين الانسحاب والسيادة؛ الانسحاب قرار عسكري يمكن تحديد موعده وتنفيذه، أما السيادة فهي عملية مؤسساتية طويلة لا تبدأ وتنتهي بجدول زمني.. فإذا خرجت القوات الأجنبية وبقيت القوة موزعة بين الدولة وفصائل -ولائية- متعددة، فإن الفراغ الذي يتركه الانسحاب لن يكون بالضرورة فراغا جغرافيا، وإنما قد يتحول إلى فراغ في مركز القرار؛ ولا يعني ذلك أن العراق يدخل مرحلة خالية من القدرة العسكرية، فالقوات العراقية أثبتت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تنفيذ عمليات ضد بقايا داعش، بما في ذلك استخدام الطائرات العراقية من طراز F-16 في ضربات جوية استهدفت مخابئ للتنظيم في مناطق كركوك وصلاح الدين؛ وفي سبتمبر وحده نفذت القوات العراقية ضربات جوية ضد مواقع للتنظيم، كما نفذت عمليات برية وأمنية متواصلة.</p>
<p>لكن وجود هذه القدرة لا يلغي السؤال الآخر: هل تستطيع المنظومة العراقية المحافظة على مستوى الكفاءة نفسه من دون المساندة الدولية في مجالات الاستخبار والمراقبة والاستطلاع والدعم التقني والتدريب والصيانة؟ ، فهذا هو الاختبار الحقيقي الذي سيبدأ بعد الانسحاب، العراق لا يبدأ من الصفر، لكنه أيضا لا ينتقل من الاعتماد على التحالف إلى الاكتفاء الذاتي بمجرد مغادرة آخر جندي أجنبي؛ والأهم أن داعش لم يعد قوة تسيطر على مدن وأراض كما كان الحال قبل عام 2017، لكنه لم يختف من المشهد الأمني؛ ففي 27 سبتمبر تعرضت قرية المالحة في محافظة كركوك لهجوم بقذائف الهاون، وأفادت مصادر أمنية بمقتل امرأة وإصابة مدنيين، فيما اشتبكت القوات العراقية في اليوم نفسه مع مسلحين يرتدون أحزمة ناسفة قرب ألتون كوبري، وأسفرت العملية عن مقتل اثنين منهم وإصابة ثالث واعتقاله، هذه الوقائع لا تعني عودة داعش إلى ما كان عليه، لكنها تؤكد أن التنظيم ما زال يمتلك قدرة على الحركة والاختباء وتنفيذ عمليات في المناطق الريفية والجبلية والصحراوية،  ولذلك فإن المسألة بعد الانسحاب ليست: هل عاد داعش؟ وإنما: هل تستطيع الدولة العراقية منع بقايا التنظيم من تحويل المناطق الهشة أمنيا إلى مساحات لإعادة بناء قدراته؟.</p>
<p>ومن هنا تصبح كركوك ومناطق التماس أكثر أهمية؛ فالمناطق المتنازع عليها ليست مجرد جغرافيا أمنية، وإنما مساحة تتقاطع فيها مسؤوليات الجيش العراقي والبيشمركة، وتتعقد فيها مسألة التنسيق الأمني، وكل ضعف في التنسيق يمكن أن يتحول إلى ثغرة يستفيد منها التنظيم، لذلك فإن الانسحاب الأمريكي يضع بغداد وأربيل أمام ضرورة الانتقال من التنسيق الظرفي إلى بناء منظومة أمنية مشتركة أكثر وضوحا في المناطق التي تتداخل فيها المسؤوليات.</p>
<p>أما في اقليم كوردستان، فإن المسألة أكثر حساسية؛ فالانسحاب لا يقتصر على مغادرة قواعد في بغداد أو المناطق الاتحادية، وإنما يشمل أيضا القوات والمنظومات الدفاعية الموجودة في الاقليم؛  وقد أعلنت وزارة شؤون البيشمركة في 28 سبتمبر أن مغادرة القوات الأمريكية وقوات التحالف في 30 سبتمبر ستترك الاقليم من دون منظومة دفاع جوي، واعتبرت أن حماية المجال الجوي للاقليم، بوصفه جزءا من المجال الجوي العراقي، تقع على عاتق الحكومة الاتحادية؛ وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات المرحلة الجديدة حساسية.. فاقليم كوردستان لا يملك قرارا منفردا في ملف الدفاع الجوي، لأن المجال الجوي جزء من السيادة العراقية، في حين أن قدراته الخاصة في هذا المجال محدودة، وبذلك يصبح السؤال الكوردي بعد الانسحاب سؤالا عراقيا أيضا: هل تستطيع بغداد أن توفر الحماية للمجال الجوي للاقليم كما توفرها لبقية العراق؟ ، وهل يمكن تحويل العلاقة الأمنية بين الجيش العراقي والبيشمركة من ترتيبات ظرفية إلى منظومة دفاع اتحادية حقيقية؟.</p>
<p>وتزداد أهمية هذا السؤال بسبب الهجمات التي تعرض لها الاقليم خلال الأشهر الماضية؛ ففي 28 سبتمبر استهدفت ثلاث مسيرات مخيما للمعارضة الكوردية الإيرانية في منطقة كويسنجق جنوب شرقي أربيل، في استمرار لسلسلة هجمات تعرضت لها مواقع داخل الاقليم خلال مرحلة التصعيد الإقليم؛  وهذا يعني أن الاقليم يدخل مرحلة الانسحاب في بيئة إقليمية لم تهدأ، وليس في ظرف أمني مستقر يمكن فيه التعامل مع مغادرة المظلة الدفاعية الأمريكية بوصفها مجرد انتقال إداري؛ وفي المقابل، شهدت كوردستان في 21 سبتمبر خطوة مؤسساتية مهمة تمثلت في الإعلان الرسمي عن توحيد قوات البيشمركة وإعادة تنظيمها تحت وزارة شؤون البيشمركة، بعد سنوات طويلة من وجود بنيتين عسكريتين مرتبطتين بالقوتين السياسيتين الرئيسيتين في الاقليم؛ وقد أعلنت الوزارة أن القوات أصبحت ضمن هيكل قيادة وسيطرة موحد، فيما أكدت رئاسة الاقليم أن التوحيد يمثل بداية مرحلة جديدة.. لكن قيمة هذه الخطوة لا ينبغي أن تقاس بالاحتفال السياسي بها وحده، وإنما بما ستنتجه على الأرض؛ فالتوحيد المؤسسي يكتسب معناه الحقيقي عندما يصبح القرار العسكري واحدا، وسلسلة القيادة واضحة، والتمويل والتسليح والتدريب خاضعة لمؤسسة واحدة، والولاء للمؤسسة لا للقوى السياسية؛ وقد ظهرت بالفعل قراءات مختلفة بشأن مدى اكتمال هذا التحول عمليا، ما يجعل المرحلة المقبلة هي الاختبار الفعلي للتوحيد لا مجرد الإعلان عنه.</p>
<p>وهنا يمكن أن يلتقي مسارا بغداد واربيل في نقطة واحدة؛ بغداد مطالبة بحصر السلاح في الدولة، واربيل مطالبة بتحويل توحيد البيشمركة إلى مؤسسة عسكرية مستقرة؛ وفي الحالتين لا تكفي الصيغة القانونية وحدها.. الدولة الحديثة لا تقوم فقط على وجود مؤسسات تحمل أسماء رسمية، وإنما على وجود سلسلة قرار واضحة قادرة على تنفيذ ما تقرره.. ولهذا فإن انسحاب الولايات المتحدة يضع بغداد واربيل أمام فرصة وامتحان في الوقت نفسه؛ الفرصة تتمثل في إعادة تعريف العلاقة الأمنية العراقية على أساس الدولة والمؤسسات، والامتحان يتمثل في قدرة الطرفين على بناء ترتيبات دفاعية مشتركة لا تجعل الاقليم منطقة أمنية منفصلة عن العراق، ولا تجعل بغداد تنظر إلى أمن الاقليم باعتباره ملفا ثانويا؛ وإذا كان المجال الجوي العراقي واحدا دستوريا، فإن المسؤولية عن حمايته يجب أن تكون واحدة عمليا أيضا.</p>
<p>أما على المستوى السياسي، فإن العراق سيدخل بعد 30 سبتمبر مرحلة أكثر حساسية في علاقته بين واشنطن وطهران؛ فالانسحاب الأمريكي المباشر سيقلل الوجود العسكري الأمريكي داخل العراق، لكنه لا يعني انتهاء العلاقة العراقية الأمريكية، فمن الممكن أن تستمر أشكال أخرى من التعاون الأمني والاستخباري والدفاعي عبر ترتيبات ثنائية جديدة، وهو ما يجعل الانسحاب العسكري مختلفا عن الانفصال السياسي والاستراتيجي.. وفي الوقت نفسه، فإن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي يزيل واحدة من الحجج الرئيسية التي تستخدمها الفصائل المسلحة لتبرير استمرار سلاحها؛ غير أن ذلك لا يعني أن مسألة السلاح ستنتهي تلقائيا.. فقد أعلنت فصائل مسلحة أنها تربط التخلي عن السلاح بخروج القوات الأجنبية، فيما تقول الحكومة إن احتكار الدولة للسلاح ضرورة للانتقال إلى المرحلة الجديدة.</p>
<p>وهكذا قد يتحول السؤال بعد 30 سبتمبر من سؤال عن وجود القوات الأجنبية إلى سؤال أكثر عمقا: ماذا تفعل الدولة عندما لا يبقى وجود أجنبي يمكن تحميله مسؤولية الاختلالات الأمنية؟، عندها ستصبح قدرة الحكومة على فرض قواعد موحدة، وإدارة السلاح، وحماية المجال الجوي، وضبط الحدود، والتعامل مع التهديدات الداخلية، هي المعيار الذي ستقاس به الدولة.. ومن هنا أيضا يجب النظر إلى العلاقة مع إيران بعيدا عن التبسيط؛ فالعراق يقع في منطقة تتداخل فيها المصالح الإيرانية والأمريكية والتركية، ولا يستطيع أن يلغي هذا الواقع بمجرد انسحاب قوة عسكرية من أراضيه؛ المطلوب ليس أن ينتقل العراق من مظلة إلى مظلة أخرى، وإنما أن يبني قدرة دولة تسمح له بإدارة علاقاته الخارجية من موقع مؤسساتي أكثر توازنا.</p>
<p>أما اقليم كوردستان، فسيكون أمام معادلة أكثر تعقيدا: الحاجة إلى استمرار التعاون الدولي من جهة، والحاجة إلى تطوير قدراته الدفاعية ضمن الاطار العراقي من جهة أخرى.. ولذلك فإن الخيار العملي لا يبدو في رفض الانسحاب، ولا في تجاهل مخاطره، وإنما في بناء ترتيبات جديدة تشمل الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتنسيق بين البيشمركة والجيش العراقي، واستمرار التدريب والدعم التقني من خلال العلاقات الثنائية مع الدول التي شاركت في دعم العراق والاقليم خلال السنوات الماضية.</p>
<p>إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتعامل العراق مع 30 سبتمبر باعتباره نهاية المشكلة، بينما هو في الحقيقة بداية مرحلة جديدة من المسؤولية؛ فخروج القوات الأجنبية قد يغلق فصلا عسكريا، لكنه يفتح فصلا سياسيا وأمنيا أكثر صعوبة.. وفي هذا الفصل لن يكون السؤال: هل انسحب الأمريكيون؟ فهذا أمر مقرر، بل: هل تستطيع الدولة أن تملأ المساحة التي تركها الانسحاب؟، إن الدولة التي تريد سيادة كاملة تحتاج إلى جيش قادر، وقوة جوية فاعلة، ودفاع جوي يحمي مجالها، وأجهزة استخبارية تمتلك المعلومات قبل وقوع الخطر، ومؤسسات سياسية قادرة على اتخاذ القرار، وسلاح لا ينازعها عليه طرف آخر، وتحتاج كذلك إلى علاقة اتحادية واضحة بين بغداد واربيل، لأن الأمن في العراق لا يمكن تقسيمه على نحو يجعل تهديدا في كركوك ملفا اتحاديا، وتهديدا في أربيل ملفا اقليميا، بينما المجال الجوي والحدود والتهديدات الإقليمية واحدة.</p>
<p>لهذا لا ينبغي النظر إلى الانسحاب الأمريكي بوصفه انتصارا مكتمل الأركان ولا بوصفه كارثة حتمية؛  هو حدث استراتيجي ينقل المسؤولية بصورة أكبر إلى الدولة العراقية، ويكشف في الوقت نفسه مستوى استعداد مؤسساتها لتحمل تلك المسؤولية، فإذا نجحت بغداد واربيل في تحويل مرحلة ما بعد الانسحاب إلى مرحلة بناء مؤسسات أمنية مشتركة، فقد يتحول خروج القوات الأجنبية إلى بداية مختلفة للعلاقة بين الدولة ومؤسساتها؛ أما إذا بقي السلاح موزعا، والقرار الأمني متعددا، والدفاع الجوي غائبا، والتنسيق الاتحادي هشا، فإن الانسحاب لن يصنع السيادة وحده؛ فالسيادة لا تبدأ بخروج الجندي الأجنبي وتنتهي عند الحدود؛ السيادة تبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم والسلاح والدفاع والأمن قرارا مؤسسيا واحدا؛ وفي 30 سبتمبر ينتهي وجود عسكري طويل، لكن السؤال الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي: هل أصبح العراق قادرا على حماية نفسه، أم أنه انتقل فقط من مرحلة الاعتماد على القوة الأجنبية إلى مرحلة اختبار قدرته على صناعة قوته الخاصة؟.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/28/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d9%85/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>من ازمة الحكومة الى ازمة الكيان: كوردستان امام لحظة الحقيقة- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/14/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%89-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/14/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%89-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 14 Sep 2026 18:42:04 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107496</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان 14-9-2026 لم تعد الازمة التي يعيشها اقليم كوردستان العراق مجرد ازمة تشكيل حكومة جديدة، ولا خلافا عابرا بين الاحزاب حول توزيع المقاعد والوزارات والمواقع؛ فلو كانت المشكلة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong>اقليم كوردستان 14-9-2026</strong></p>
<p>لم تعد الازمة التي يعيشها اقليم كوردستان العراق مجرد ازمة تشكيل حكومة جديدة، ولا خلافا عابرا بين الاحزاب حول توزيع المقاعد والوزارات والمواقع؛ فلو كانت المشكلة محصورة في تشكيل الحكومة، لكان من الممكن التعامل معها باعتبارها جزءا طبيعيا من العملية السياسية، مهما طال التفاوض حولها؛ لكن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو ان ازمة تشكيل الحكومة جاءت في سياق اوسع تتراكم فيه ازمات السياسة والاقتصاد والامن والعلاقة مع بغداد والثقة الشعبية، بحيث اصبح كل ملف ينتج اثرا في ملف اخر؛ ولهذا فان السؤال الحقيقي لم يعد: متى تتشكل الحكومة؟ بل: ما طبيعة الكيان السياسي الذي ستديره هذه الحكومة، وما مقدار القرار الذي ما زال يمتلكه، وما المشروع الذي تستطيع تقديمه لشعب يزداد شعوره بالقلق والياس؟.</p>
<p>ان الصراع على تشكيل الحكومة يكشف في جوهره مشكلة تتجاوز توزيع المقاعد؛ فعندما يصبح التفاوض منصبا بصورة اساسية على الحصص والمناصب والنفوذ، تتحول الحكومة من مؤسسة يفترض ان تكون اداة لادارة المصلحة العامة الى مساحة لتوزيع القوة بين الاحزاب؛ والنتيجة المباشرة هي ان تشكيل الحكومة يصبح هدفا بحد ذاته، بينما يتراجع السؤال المتعلق بما ستفعله هذه الحكومة بعد تشكيلها؛ وهنا يصبح من المشروع ان نسأل: هل يجري التنافس على السلطة من اجل بناء مؤسسات اكثر كفاءة، ام ان المؤسسات نفسها اصبحت مجالا لاعادة توزيع النفوذ السياسي؟ فالحكومة التي تولد من صراع طويل على المقاعد قد تجد نفسها منذ اليوم الاول مقيدة بالتوازنات التي انتجتها، وعندها تصبح قدرتها على اتخاذ قرارات صعبة ومستقلة محدودة بطبيعة الاتفاق الذي قامت عليه.</p>
<p>ولا يمكن فصل هذه الازمة عن طبيعة العلاقة بين القوى السياسية الكوردية وبغداد؛ فالعلاقة مع الحكومة الاتحادية ليست في حد ذاتها مشكلة، بل هي جزء من النظام الدستوري والسياسي الذي يفترض ان ينظم العلاقة بين الاقليم وبغداد؛  لكن المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الاقليم انتاج موقف موحد في القضايا التي تمس حقوقه ومصالحه وموقعه الدستوري؛ وحين تصبح حسابات بعض القوى السياسية مرتبطة بصورة اقوى بمصالحها الحزبية وعلاقاتها الخاصة مع بغداد من ارتباطها بموقف كوردستاني مشترك، فان الموقف التفاوضي للاقليم يضعف تلقائيا، لاسيما وأن قوات التحالف التي يتسمك الاقليم بها على وشك الخروج من العراق والاقليم – احتمال خطر قادم &#8211; ؛ وذلك ما سيفرض واقعا جديدا ، فبغداد اذا استمرت الاوضاع كما هي الان  لا تعود  تتعامل بالضرورة مع كيان سياسي يتحدث بصوت واحد، بل مع بيئة سياسية متعددة المواقف يمكن ان تتحول خلافاتها الداخلية الى عناصر ضغط في التفاوض.</p>
<p>وهنا تظهر واحدة من اخطر مشكلات المرحلة الراهنة: تراجع وحدة القرار.. فالكيان السياسي لا يقاس فقط بوجود حكومة وبرلمان وحدود ومؤسسات رسمية، وانما يقاس ايضا بقدرته على اتخاذ قرار واحد في القضايا التي تحدد مستقبله، وكلما تعددت مراكز القرار في الملفات المصيرية، اصبحت وحدة الكيان اضعف من الناحية السياسية، حتى لو بقيت قائمة من الناحية القانونية، فالانقسام لا يبدأ عندما ترسم حدود جديدة، بل قد يبدأ عندما يصبح القرار المشترك رهنا بتفاهمات بين مراكز سياسية متنافسة، وعندما تصبح المؤسسة اضعف من القوى التي يفترض ان تعمل من خلالها.</p>
<p>وهنا ينبغي التمييز بين بقاء الكيان من الناحية القانونية، وبقاء مؤسساته من الناحية الشكلية، وبقاء قدرته على الفعل من الناحية السياسية؛ فقد يبقى الاقليم قائما بحدوده ومؤسساته واسمه، بينما تتراجع تدريجيا قدرته على انتاج قرار موحد؛ وهذه هي النقطة التي تجعل الخطر الحالي مختلفا عن مجرد ازمة حكومية او خلاف حزبي، فالكيان السياسي لا يفقد قوته بالضرورة عندما تختفي مؤسساته، بل قد يبدأ ضعفه عندما تبقى المؤسسات قائمة، بينما تصبح قدرتها على صناعة القرار محدودة او موزعة بين مراكز قوة متعددة.. وبمعنى اخر، قد يبقى الشكل السياسي للكيان، بينما تتآكل وظيفته السياسية.</p>
<p>وتزداد خطورة هذه المسالة في الملف الامني، ولا سيما ملف البيشمركة؛ فمن حيث المبدأ، لا يمكن ان يكون هناك اعتراض على بناء مؤسسة عسكرية وطنية موحدة تخضع لمرجعية مؤسسية واحدة، لان توحيد البيشمركة هو في جوهره جزء من بناء دولة قوية وقادرة على حماية نفسها، لكن القضية ليست في مبدأ التوحيد، بل في طبيعة التوحيد ومرجعيته ووظيفته السياسية، فالدمج الذي لا يستند الى مشروع وطني واضح قد يتحول من توحيد لمؤسسة وطنية الى مجرد اعادة ترتيب لموازين القوى، ولذلك فان السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: هل ستندمج البيشمركة؟ بل: تحت اي قرار ستندمج، ومن يملك قرارها، وما طبيعة المؤسسة التي ستنتج عن هذا الدمج، وهل ستكون مؤسسة وطنية تعبر عن ارادة كوردستان الموحدة، ام مجرد مؤسسة يعاد توزيع نفوذها ضمن ترتيبات سياسية اوسع؟، لاسيما اذا خضعت ادارة البيشمركة لبغداد.</p>
<p>ان ازمة البيشمركة تكشف في الحقيقة عن ازمة القرار السياسي نفسه؛ فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع ان تكون موحدة بصورة كاملة اذا كانت المرجعيات السياسية التي تقف خلفها غير موحدة؛ ولذلك فان استمرار تعدد مراكز القرار السياسي ينعكس بالضرورة على المجال الامني، ويجعل اي ازمة مستقبلية اكثر حساسية، لان قوة المؤسسة لا تتحدد فقط بعدد افرادها وتسليحها، بل ايضا بوضوح المرجعية التي يصدر القرار عنها، وعندما تكون وحدة القوة منفصلة عن وحدة القرار، تصبح وحدة الارض وحدها غير كافية لضمان وحدة الكيان.</p>
<p>ولا تتوقف المشكلة عند السياسة والامن، بل تمتد الى الموارد التي تمثل جوهر القدرة على الحكم، فالنفط والمنافذ والايرادات ليست مجرد ملفات مالية او ادارية، وانما هي ادوات من ادوات القرار السياسي، وكلما انتقلت ادارة هذه الملفات الى ترتيبات مركزية اوسع، تراجع هامش القرار المحلي اذا لم يقابله تصور سياسي واضح يحمي مصالح الاقليم ضمن اطار دستوري متوازن، ولا يعني ذلك ان كل تفاهم مع بغداد يمثل انتقاصا من الاقليم، ولا ان كل اجراء اتحادي يعني الغاء خصوصية كوردستان، لكن من الضروري التمييز بين الشراكة الاتحادية وبين تراجع القدرة الفعلية على اتخاذ القرار، فالقدرة السياسية لا تقاس فقط بوجود المؤسسات والرموز، بل تقاس ايضا بمقدار القدرة على ادارة الموارد واتخاذ القرارات المؤثرة في مستقبل المجتمع.</p>
<p>ومن هنا ينبغي النظر الى النفط والمنافذ والعلاقة المالية مع بغداد ضمن سؤال واحد: هل ما زال الاقليم قادرا على ادارة موارده والتفاوض عليها من موقع مؤسسي موحد، ام ان الخلافات الداخلية جعلت هذه الملفات تتحول الى ساحات اضافية للصراع السياسي؟ فكلما اختلفت القوى الكوردية حول هذه القضايا، اصبحت قدرة الاقليم على التفاوض اضعف، وكلما ضعفت القدرة على التفاوض، ازدادت قابلية القرار المحلي للتأثر بموازين القوى الخارجية، وهذه هي الطريقة التي يتآكل بها القرار السياسي تدريجيا: ليس من خلال قرار واحد يلغي وجود الاقليم، وانما من خلال تراكم ترتيبات تجعل مساحة القرار الذاتي اضيق من السابق.</p>
<p>وفي الداخل، تظهر نتائج هذا المسار في ازمات تمس الحياة اليومية للمواطن مباشرة.. ازمة الرواتب وازمة البنزين ليستا مجرد مشكلتين اقتصاديتين منفصلتين، ولا يجوز التعامل معهما باعتبارهما ازمات خدماتية عابرة، فحين يتكرر العجز عن ضمان انتظام الراتب او توفير الوقود او معالجة الاختناقات الاقتصادية، يتحول المواطن من متلق للسياسة الى ضحية مباشرة لها، المواطن لا يعيش تفاصيل الخلافات الحزبية، ولا يعنيه كثيرا من حصل على الوزارة او من ربح جولة التفاوض، لكنه يعرف ما اذا كان راتبه يصل في موعده، وما اذا كان يستطيع شراء الوقود، وما اذا كانت مؤسسات الدولة قادرة على تلبية احتياجاته الاساسية.</p>
<p>ومن هنا تتحول الازمة الاقتصادية الى ازمة ثقة، فعندما تتكرر الوعود ولا تتحقق النتائج، يصبح المواطن اكثر شكا في الخطاب السياسي.. وعندما تتكرر الازمات نفسها دون حلول مستدامة، يفقد المواطن ثقته في قدرة المؤسسات على معالجة مشكلاته، ومع استمرار هذا الوضع، ينتقل المجتمع من الاحتجاج الى الارهاق، ومن الارهاق الى اللامبالاة، ومن اللامبالاة الى اليأس، وهذه المرحلة اكثر خطورة من الغضب نفسه، لان المواطن الغاضب ما زال يؤمن بان التغيير ممكن، بينما المواطن اليائس يبدأ بفقدان الايمان بامكانية الاصلاح.</p>
<p>وفي هذه النقطة تحديدا تظهر مسؤولية الاحزاب التي تقدم نفسها بوصفها معارضة، فالمعارضة السياسية ليست مجرد رفض للعوائل الحاكمة، وليست مجرد انتقاد يومي للحكومة، وليست مجرد محاولة لتغيير الاشخاص الذين يحتلون مواقع السلطة، المعارضة التي لا تقدم مشروعا اقتصاديا وسياسيا واداريا وامنيا لا تقدم بديلا حقيقيا، وانما تعيد انتاج الصراع نفسه من موقع مختلف، فالمواطن يحتاج الى ان يعرف ماذا ستفعل المعارضة اذا وصلت الى السلطة، وكيف ستعالج الرواتب، وكيف ستتعامل مع النفط والمنافذ، وكيف ستوحد البيشمركة، وكيف ستعيد بناء العلاقة مع بغداد، وكيف ستواجه الفساد، وكيف ستعيد الثقة بالمؤسسات.</p>
<p>اذا لم تقدم المعارضة اجابات عن هذه الاسئلة، فانها تظل جزءا من ازمة النظام السياسي حتى لو كانت خارج الحكومة، فالسلطة التي لا تقدم حلا، والمعارضة التي لا تقدم بديلا، تضعان المجتمع امام انسداد مزدوج: لا اصلاح من داخل السلطة، ولا مشروع واضح للتغيير من خارجها، وفي مثل هذه البيئة يصبح المواطن محاصرا بين واقع لا يرضيه ومستقبل لا يعرف كيف يمكن الوصول اليه.</p>
<p>اما الحكومة، فان الخطر عليها لا يكمن فقط في فشلها في حل الازمات، بل في تحولها تدريجيا الى واجهة لادارة التوازنات، فالحكومة التي لا تستطيع اتخاذ القرار المستقل تصبح اقرب الى مساحة لتوزيع النفوذ منها الى مركز للقرار العام، ويمكن ان تتشكل الحكومة فعلا، وان تعلن برنامجها، وان تعقد الاجتماعات، وان تصدر البيانات، وان تعرض مشاريعها، لكن كل ذلك لا يكفي اذا كانت القرارات الكبرى تحتاج في كل مرة الى موافقات ومساومات خارج اطار المؤسسة الحكومية.</p>
<p>ولهذا فان تشكيل الحكومة لا يمثل حلا بحد ذاته، فقد تكون هناك حكومة مكتملة من الناحية الشكلية، لكنها عاجزة عن انتاج سياسة عامة متماسكة، وقد يكون هناك مجلس وزراء، لكن القرار الفعلي موزع بين مراكز اخرى، وفي هذه الحالة تصبح الحكومة مجرد اطار لادارة التوازنات، لا مؤسسة قادرة على قيادة المرحلة، وهذه هي المشكلة التي يجب الانتباه اليها قبل الاحتفال بمجرد الوصول الى اتفاق على توزيع المناصب، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الخطاب الذي تركز فيه الحكومة على الانجازات الكونكريتية باعتبارها دليلا نهائيا على نجاح التجربة، فالطرق والجسور والمباني والمشاريع العمرانية مهمة بلا شك، ولا يمكن التقليل من قيمتها في حياة الناس، لكن التنمية المادية لا تعني وحدها قوة الدولة، والكونكريت لا يمكن ان يكون بديلا عن المؤسسة، يمكن بناء شارع جديد في وقت تعاني فيه المؤسسة من ضعف، ويمكن تشييد مبنى حديث في وقت تتراجع فيه الثقة، ويمكن افتتاح مشروع جديد في وقت يواجه فيه المواطن ازمة راتب او وقود.</p>
<p>لذلك فان معيار النجاح السياسي لا ينبغي ان يكون عدد المشاريع المنجزة فقط، بل قدرة النظام على بناء مؤسسات مستقرة، وادارة الموارد بكفاءة، وتوحيد القرار، وحماية حقوق المجتمع، والحفاظ على مساحة القرار الكوردستاني، وتقديم رؤية واضحة للمستقبل، فالطريق والجسر والمبنى تثبت ان هناك قدرة على الانجاز المادي، لكنها لا تثبت وحدها ان هناك مشروعا سياسيا متماسكا.</p>
<p>والمشكلة تصبح اكثر عمقا عندما تقترن هذه الصورة باستمرار الوعود والشعارات التي لا تجد طريقها الى التنفيذ، فالسياسة لا تعيش على الوعد الى ما لا نهاية، الوعد الذي لا يتحول الى نتيجة يفقد قيمته، والوعد المتكرر من دون تنفيذ يتحول الى عامل من عوامل فقدان الثقة، وعندما يسمع المواطن كل مرة عن اصلاحات قادمة، وعن حلول قريبة، وعن خطط استراتيجية، ثم يجد نفسه بعد فترة امام الازمة نفسها، يصبح الخطاب السياسي نفسه جزءا من المشكلة، هنا تتشكل دائرة مغلقة: ازمة سياسية تؤخر القرار، وتأخر القرار يفاقم الازمات الاقتصادية، والازمات الاقتصادية تضعف ثقة المجتمع، وتراجع الثقة يزيد اليأس، واليأس يضعف الضغط المجتمعي من اجل الاصلاح، وضعف الضغط يسمح باستمرار النظام على حاله، واستمرار الحال يعيد انتاج الازمة السياسية من جديد.. وعندما تستمر هذه الدائرة طويلا، لا تعود الازمة ظرفا مؤقتا، بل تتحول الى نمط في ادارة الحكم.</p>
<p>ومن هنا يمكن فهم الخطر الحقيقي الذي يواجه اقليم كوردستان اليوم، الخطر ليس ان تختفي كوردستان غدا من الخريطة، ولا ان يصدر قرار مفاجئ بالغاء وجودها – وهذا احتمال وارد- ، الخطر الاكثر واقعية هو ان يتآكل الكيان من الداخل عبر فقدان وحدة القرار، وتراجع استقلالية المؤسسات، وتعدد مراكز القوة، وضعف القدرة على ادارة الموارد، وتراجع الثقة الشعبية، فالكيانات السياسية لا تزول دائما بضربة واحدة، بل يمكن ان تفقد وظائفها تدريجيا حتى يبقى الاسم بينما تتراجع القدرة على الفعل؛ وهذا يعني ان بقاء الكيان قانونيا لا يكفي وحده للحكم على قوته السياسية، فقد يبقى الاسم، وتبقى الخريطة، وتبقى المؤسسات، بينما تتراجع القدرة على اتخاذ القرار في القضايا المصيرية، وعندما يصبح الفرق كبيرا بين وجود الكيان من الناحية الشكلية وقدرته على الفعل من الناحية السياسية، فان الازمة لا تعود ازمة حكومة، بل تصبح ازمة في الوظيفة التي يفترض ان يؤديها الكيان نفسه.</p>
<p>وهنا تتضح العلاقة بين الملفات كلها، الصراع على المقاعد يعرقل تشكيل حكومة مستقرة، وتعثر الحكومة يضعف مركز القرار، وتعدد مراكز القرار يضعف الموقف التفاوضي مع بغداد، وضعف الموقف التفاوضي يضيق مساحة القرار في الملفات الاستراتيجية، وتعدد المرجعيات السياسية ينعكس على المؤسسة الامنية، بينما تستمر ازمات الرواتب والبنزين والخدمات في دفع ثمن هذا الانقسام الى المواطن، فتتراجع الثقة وينتشر اليأس، وفي المقابل، تستمر الحكومة والاحزاب في تقديم الخطابات والوعود والمشاريع الكونكريتية، وكأن الازمة يمكن قياسها بما بني من مبان وطرق، لا بما فقد من ثقة وقرار ومشروع.</p>
<p>لهذا فان السؤال الذي ينبغي ان يطرح اليوم ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ وليس فقط: من سيحصل على الوزارات؟ وليس فقط: من هو المسؤول عن ازمة الرواتب او البنزين؟ بل السؤال الاكبر هو: هل ما زال لدى الطبقة السياسية الكوردستانية مشروع واضح لحماية كوردستان ككيان سياسي، ام ان الجميع انشغل بادارة السلطة الى درجة نسيان الغاية من وجودها؟، اذا كان هناك مشروع، فعليه ان يظهر في القرارات لا في الشعارات، وفي توحيد المؤسسات لا في توزيع المناصب، وفي بناء اقتصاد قادر على الصمود لا في معالجة الازمات بعد وقوعها، وفي بناء مؤسسة امنية وطنية موحدة لا في ادارة الانقسام، وفي علاقة متوازنة مع بغداد لا في الارتهان لمواقف متفرقة، وفي استعادة ثقة المواطن لا في مخاطبته بالوعود.</p>
<p>اما اذا استمر المشهد كما هو، فان الخطر لن يكون في ان تسقط كوردستان دفعة واحدة، بل في ان تبقى موجودة في الاسم والخريطة بينما تتآكل في الواقع، وقد تبقى الحكومة موجودة بينما تتراجع وظيفتها، وقد تبقى البيشمركة موجودة بينما تصبح مرجعيتها موضع اعادة ترتيب – كأن تدمج مع الجيش العراقي -، وقد تبقى الاحزاب تتحدث باسم الشعب بينما يتزايد ابتعاد الشعب عنها، وقد تستمر المشاريع الكونكريتية بينما تتراجع الثقة بالمشروع السياسي نفسه.</p>
<p>وهنا تصل الازمة الى جوهرها الحقيقي: كوردستان لا تواجه فقط ازمة حكومة، وانما تواجه اختبارا لقدرتها على البقاء ككيان يمتلك قرارا ومؤسسات ومشروعا وثقة شعبية، ولهذا فان اللحظة الراهنة تحتاج الى شجاعة سياسية تتجاوز الحسابات الحزبية والعائلية، والى مراجعة صريحة لا تبحث فقط عن المسؤول عن الازمة، بل عن النظام الذي يعيد انتاجها.. المطلوب ليس حكومة جديدة بالاسم، وانما حكومة قادرة على الحكم، وليس معارضة جديدة في الاسم، وانما معارضة تملك مشروعا، وليس دمجا اداريا للبيشمركة، وانما مؤسسة وطنية موحدة بقرار واضح، وليس تفاهمات جديدة مع بغداد، وانما استراتيجية تحمي حقوق الاقليم ومصالحه ضمن الدستور، وليس مزيدا من الوعود، وانما نتائج يمكن للمواطن ان يلمسها في حياته اليومية.</p>
<p>فالكرسي يمكن ان يبقى، والمبنى يمكن ان يبقى، والخريطة يمكن ان تبقى، والشعار يمكن ان يبقى، لكن الكيان السياسي لا يبقى قويا الا اذا بقي القرار موحدا، والمؤسسات فاعلة، والموارد قابلة للادارة، والامن خاضعا لمرجعية وطنية، والمواطن مؤمنا بان المستقبل لا يزال ممكنا، وهنا تكمن لحظة الحقيقة: اما ان تتحول الازمة الراهنة الى فرصة لاعادة بناء مشروع كوردستان على اسس سياسية ومؤسسية جديدة، واما ان يستمر الجميع في ادارة الازمة حتى يصبح ما نعده اليوم مجرد ازمة مؤقتة، واقعا دائما يصعب تغييره.</p>
<p>فالمشكلة في النهاية ليست من يجلس على كرسي الحكومة، بل ما اذا كان هذا الكرسي ما زال قادرا على صناعة القرار، وليست المشكلة فقط في مستقبل البيشمركة، بل في مستقبل المؤسسة التي تحمي الكيان، وليست المشكلة فقط في الراتب والبنزين، بل في علاقة المواطن بالدولة. وليست المشكلة فقط في بغداد، بل في مقدار ما تستطيع كوردستان ان تقرره بنفسها، لأن الكيان لا يحيا بالخرائط وحدها، ولا تحميه الشعارات وحدها، ولا تنقذه المشاريع الكونكريتية وحدها.. الكيان يحيا عندما يمتلك قرارا، ومؤسسات، ومشروعا، وشعبا يؤمن بان هذا المشروع يستحق ان يدافع عنه.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/14/%d9%85%d9%86-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%88%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%89-%d8%a7%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أين الخلل؟ قراءة نقدية في واقع إقليم كوردستان- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/08/%d8%a3%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%84%d8%9f-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%86%d9%82%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%82%d8%b9-%d8%a5%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%83%d9%88/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 08 Sep 2026 12:25:59 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107409</guid>

					<description><![CDATA[اقليم كوردستان 8-9-2026 &#8211;  كلما اشتدت أزمة سياسية أو اقتصادية في إقليم كوردستان، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن بصيغة تحمل في داخلها اتهاما مبطنا للمجتمع: هل المشكلة في السلطة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1 dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"></h1>
<h1 dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">اقليم كوردستان 8-9-2026 &#8211; </span></h1>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">كلما اشتدت أزمة سياسية أو اقتصادية في إقليم كوردستان، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة، ولكن بصيغة تحمل في داخلها اتهاما مبطنا للمجتمع: هل المشكلة في السلطة أم في الشعب؟ هل أخفقت الأحزاب في إدارة الإقليم، أم أن الإنسان الكوردي نفسه لم يتغير بما يكفي ليصنع واقعا سياسيا مختلفا؟ ومع تكرار الأزمات، يصبح من السهل أن نسمع عبارات من قبيل: الشعب هو الذي أوصل هؤلاء إلى السلطة، الشعب لا يعرف كيف يختار، المجتمع نفسه غارق في الحزبية، والناس لا يريدون التغيير؛ وهكذا، وبهدوء شديد، تنتقل المسؤولية من الذين يملكون السلطة والقرار والثروة إلى الذين يعيشون نتائجها</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">لكن هل هذا السؤال صحيح من الأساس؟ وهل يمكن النظر إلى العلاقة بين السلطة والمجتمع بهذه البساطة؟ فالمواطن الذي يعيش داخل منظومة سياسية واقتصادية محددة ليس كائنا حرا تماما يتحرك خارج شروط الواقع، كما أنه ليس مجرد ضحية بلا إرادة؛ إنه جزء من مجتمع تشكل خياراته داخل شبكة معقدة من المصالح والخوف والحاجة والولاءات، ولذلك فإن تحميل الشعب مسؤولية فشل السلطة قد يكون أحيانا أسهل طريقة لإعفاء السلطة من مسؤوليتها</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">المشكلة تبدأ عندما ننسى الفرق بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الأخلاقية؛ فمن حقنا أن ننتقد المجتمع، وأن نسأل عن دوره في استمرار الأحزاب التقليدية، وعن ثقافة الولاء، وعن الصمت، وعن ضعف المبادرة المدنية، لكن هذا لا يعني وضع المسؤولية نفسها على قدم المساواة بين المواطن والمسؤول، فليس المواطن هو الذي يملك القرار السياسي، ولا هو الذي يدير الثروة العامة، ولا هو الذي يعين كبار المسؤولين، ولا هو الذي يضع السياسات الاقتصادية؛ المسؤولية تتناسب مع مقدار السلطة، وكلما اتسعت سلطة الفرد أو المؤسسة اتسعت مسؤوليتها عن النتائج</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">إن السياسي الذي يفشل في إدارة مؤسسة ثم يقول إن المشكلة في الشعب يشبه من يقود سفينة إلى العاصفة ثم يلوم الركاب لأنهم لم يعرفوا كيف ينقذونها؛ صحيح أن المجتمع ليس معصوما من الخطأ، وأن الانتخابات لا تعفي الناخب من مسؤوليته، لكن الديمقراطية لا تعني أن الشعب يصبح مسؤولا عن كل ما تفعله السلطة بعد وصولها إلى الحكم؛ فالانتخاب تفويض مشروط، وليس صكا مفتوحا يعفي الحاكم من المساءلة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">والسؤال الأكثر أهمية هو: هل يملك المجتمع فعلا حرية الاختيار التي نفترضها نظريا؟ من السهل أن نقول للناس: غيروا الواقع، لكن من الصعب أن نسأل عن الأدوات المتاحة لهم لتغييره؛ ماذا يفعل المواطن عندما تكون فرص العمل مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بشبكات النفوذ؟ وكيف يتصرف الشاب الذي ينتظر وظيفة في اقتصاد محدود الخيارات؟ وما مدى استقلال القرار السياسي للفرد عندما يشعر بأن اعتراضه قد ينعكس على حياته المهنية أو الاجتماعية؟ وهل يمكن مطالبة مجتمع يعتمد جزء كبير منه على مؤسسات السلطة اقتصاديا بأن يتصرف كما لو كان مستقلا عنها تماما؟.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">هنا ينبغي أن نتوقف عند حقيقة غالبا ما يجري تجاهلها: السلطة لا تحكم المجتمع فقط، بل تساهم أيضا في تشكيله؛ فهي تنتج، عبر سياساتها ومؤسساتها وخطاباتها، أنماطا معينة من العلاقات والسلوك، عندما يصبح الولاء طريقا أسرع للحصول على الفرص، فإن الولاء لا يعود مجرد خيار أخلاقي للفرد، بل يتحول إلى سلوك تفرضه شروط البقاء، وعندما يشعر المواطن بأن القانون لا يحميه بالقدر نفسه الذي تحميه العلاقات، فإنه يبدأ بالبحث عن الجماعة التي توفر له الحماية، وعندما تصبح المؤسسة ضعيفة أمام النفوذ، يتعلم الفرد أن الوصول إلى حقه لا يمر دائما عبر القانون</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">لهذا فإن السؤال ليس فقط: لماذا لا يتغير المجتمع؟ بل يجب أن نسأل أيضا: كيف تصنع السلطة المجتمع الذي يجعل تغييرها أمرا صعبا؟، هذه ليست محاولة لتبرئة المجتمع من كل مسؤولية، بل محاولة لفهم العلاقة الحقيقية بين الطرفين.. فالمجتمع الذي نراه اليوم ليس نتاج ذاته فقط، وإنما هو أيضا نتاج عقود من التعليم والسياسة والاقتصاد والإعلام وطبيعة المؤسسات،ولا يمكن أن نطالب المواطن بسلوك سياسي مثالي بينما نترك البنية التي تنتج عكس ذلك السلوك دون مساءلة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">وفي إقليم كوردستان تأخذ هذه المسألة بعدا أكثر حساسية، لأن السلطة السياسية لا تستند فقط إلى أدوات الحكم التقليدية، بل تحمل معها أيضا شرعية تاريخية وقومية؛ وهذا ما يجعل نقدها أكثر تعقيدا، فغالبا ما يختلط نقد السلطة بنقد القضية، ويصبح الاعتراض على أداء حزب أو مسؤول قابلا للتأويل باعتباره اعتراضا على تاريخ كامل من النضال والتضحيات، وهنا تنشأ واحدة من أخطر المشكلات: عندما تتحول شرعية التاريخ إلى وسيلة لحماية الحاضر من النقد؛ فالشعب الذي ضحى من أجل الحرية لا ينبغي أن يتحول إلى متهم لأنه يطالب بمؤسسات أفضل؛ والمواطن الذي ينتقد الحكومة لا يصبح أقل إخلاصا لقضيته، بل ربما يكون العكس هو الصحيح: فالقضية التي لا تستطيع تحمل النقد تتحول تدريجيا من مشروع جماعي إلى ملكية خاصة لمن يديرونها</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">إن لوم الشعب عند فشل السلطة يحمل في داخله نوعا من الوصاية السياسية؛ فهو يفترض أن الناس غير قادرين على فهم مصالحهم، وأنهم بحاجة دائما إلى من يقرر عنهم، والمفارقة أن السلطة قد تستخدم ضعف الوعي الذي ساهمت هي نفسها في إنتاجه دليلا على ضرورة استمرارها، فتصبح الحلقة مغلقة: لا نعطي المجتمع مؤسسات حقيقية لأنه غير جاهز، ثم نقول إنه غير جاهز لأنه لم يتعلم كيف يعيش داخل مؤسسات حقيقية، وهنا يصبح السؤال عن وعي الشعب سؤالا ملتبسا؛ فالوعي لا ينمو في الفراغ، والديمقراطية ليست مكافأة تمنح لشعب بعد أن يثبت أنه أصبح مثاليا، بل هي ممارسة يتعلم المجتمع من خلالها معنى المشاركة والمسؤولية والمحاسبة، ولا يوجد شعب يولد ديمقراطيا، كما لا توجد سلطة تصبح ديمقراطية بمجرد إعلانها ذلك، المجتمعات تتعلم من خلال التجربة، والمؤسسات هي المدرسة الحقيقية للمواطنة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">إن مطالبة الشعب بأن يكون أكثر وعيا مشروعة، لكن مطالبة السلطة بأن تكون أكثر مسؤولية أكثر مشروعية؛ فليس من العدل أن نطالب المواطن وحده بالتضحية والصبر والوعي، بينما لا نطالب من يملك السلطة بالشفافية والكفاءة والمساءلة، ولا يمكن أن تتحول أخطاء المجتمع إلى ذريعة دائمة لتبرير أخطاء الحاكم، ربما كان علينا أن نعيد ترتيب السؤال كله، فبدلا من أن نسأل: لماذا لا يغير الشعب السلطة؟ ينبغي أن نسأل: ما الذي يجعل تغيير السلطة صعبا؟ وبدلا من أن نكرر أن المجتمع يعاني من الحزبية، ينبغي أن نسأل: من الذي جعل الحزب يتغلغل في تفاصيل الحياة إلى هذا الحد؟ وبدلا من اتهام المواطن بالصمت، ينبغي أن نسأل: ما هي كلفة الكلام في مجتمع تختلط فيه السلطة بالعمل والعلاقات والمصالح؟.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">هذا لا يعني أن الشعب بريء تماما، ولا أن المجتمع لا يحتاج إلى نقد ذاتي، فكل مجتمع يحتاج إلى مراجعة ثقافته السياسية، وإلى التحرر من الولاءات المغلقة، وإلى بناء حس مدني أكثر استقلالا، لكن النقد الذاتي يختلف تماما عن تحميل الضحية مسؤولية النظام الذي يعيش داخله، فالمواطن مسؤول عن موقفه بقدر ما يملك من قدرة على الاختيار، أما السلطة فمسؤولة عن النظام كله بقدر ما تملك من أدوات القرار؛ المشكلة الحقيقية إذن ليست في الإنسان الكوردي ولا في افتقاره إلى الإيمان بقضيته؛ كما أنها ليست، في المقابل، مجرد مشكلة أفراد سيئين وصلوا إلى السلطة؛ المشكلة الأعمق هي في العلاقة التي تشكلت بين السلطة والمجتمع، وفي قدرة البنية السياسية على تحويل الحاجة إلى تبعية، والولاء إلى وسيلة للعيش، والتاريخ إلى حصانة، والنقد إلى تهمة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">ولهذا فإن الخروج من الأزمة لا يبدأ بإلقاء اللوم على الشعب، ولا بتبرئته بصورة رومانسية، بل بإعادة تعريف المسؤولية، يجب أن يعرف المواطن أن له دورا في التغيير، لكن يجب أن تعرف السلطة أن امتلاكها للقوة والقرار يعني امتلاكها للنصيب الأكبر من المسؤولية؛ فالمجتمعات لا تتغير فقط عندما يصبح أفرادها أكثر شجاعة، بل عندما تصبح المؤسسات أقل قدرة على معاقبة الشجاعة؛ ولا تتطور المواطنة بمجرد مطالبة الناس بأن يكونوا مواطنين، بل عندما يشعرون أن القانون يحميهم أكثر مما تحميهم الأحزاب، لذلك، فإن السؤال الأصح ليس: هل الخلل في الشعب أم في السلطة؟ بل: كيف وصلنا إلى بنية تجعل الشعب يدفع ثمن أخطاء السلطة، ثم يطلب منه أن يتحمل مسؤوليتها أيضا؟، عند هذه النقطة يبدأ النقد الحقيقي، لأن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة ليس أن تفشل فقط، بل أن تقنع المجتمع بأن فشلها هو عيبه هو</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الدولة كشعار: بين الولاءات الخارجية والطموحات الهوياتية- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/03/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d9%83%d8%b4%d8%b9%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%a1%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 03 Sep 2026 14:31:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107318</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان  3-9-2026 ليست كل دولة ضعيفة دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فقد تبقى الدولة حاضرة بكل علاماتها الشكلية: علمها، ودستورها، ومؤسساتها، وحكومتها، وعضويتها في المنظمات الدولية، بينما تكون &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>اقليم كوردستان  3-9-2026</p>
<p>ليست كل دولة ضعيفة دولة فاشلة بالمعنى التقليدي للكلمة؛ فقد تبقى الدولة حاضرة بكل علاماتها الشكلية: علمها، ودستورها، ومؤسساتها، وحكومتها، وعضويتها في المنظمات الدولية، بينما تكون قد فقدت، في الواقع، وظيفتها الأساسية بوصفها الإطار الأعلى لتنظيم المجتمع وإدارة اختلافاته، في هذه الحالة لا تختفي الدولة، بل يحدث تحول أكثر عمقا: تتحول من إطار يؤسس للمواطنة والسيادة إلى شعار يمنح الشرعية لفاعلين وشبكات لا تتحرك بالضرورة وفق منطقها.</p>
<p>المشكلة، إذن، ليست دائما في غياب الدولة، بل قد تكون في بقائها شكلا بعد أن تتغير وظيفتها، فالمؤسسات تستمر، والقوانين تبقى، والوظائف الرسمية تشغل، لكن السلطة الفعلية تنتقل تدريجيا إلى شبكات عائلية أو حزبية أو طائفية أو قومية أو ميليشياوية، تستخدم الدولة بوصفها غطاء قانونيا ورمزيا لمصالحها، وهنا لا تعود الدولة إطارا يحكم هذه الشبكات، بل تصبح موردا تستثمره.</p>
<p>تعمل هذه البنية من خلال توزيع غير معلن لوظائف السلطة: الهوية تمنح الشرعية، والخارج يمنح الموارد، والشبكة توفر الحماية، بينما تمنح الدولة الغطاء القانوني والاعتراف الرسمي، ومن هذا التقاطع تنشأ بنية هجينة يصعب فيها الفصل بين الرسمي وغير الرسمي، أو بين القانوني وغير القانوني، لأن الشبكة لا تعمل بالضرورة خارج الدولة، بل قد تعمل من داخل مؤسساتها وتحت شعاراتها؛ حين تعتمد القوى المحلية على ولاءات خارجية، تتحول السيادة إلى مورد تتقاسمه قوى متعددة، فالدعم الخارجي لا يوفر الموارد فحسب، بل يعيد تشكيل النخب المحلية أيضا، تصعد قوى لا تستمد قوتها من شرعية محلية بقدر ما تستمدها من قدرتها على الوساطة بين الداخل والخارج؛ وهنا يمكن الحديث عن &#8211; اقتصاد الريع الجيوسياسي-، حيث يتحول الولاء السياسي إلى مصدر لتدفقات مادية تشمل التمويل والسلاح والحماية والعقود وفرص التجارة والتهريب، ولا تعود قوة النخب الاقتصادية ناتجة عن موقعها داخل الاقتصاد الوطني وحده، بل عن قدرتها على تحويل علاقاتها الخارجية وموقعها الجيوسياسي إلى موارد قابلة للتوزيع داخل المجتمع.</p>
<p>وهكذا يصبح الوصول إلى الراعي الخارجي، في بعض الحالات، أكثر أهمية من الوصول إلى المجتمع، وتتحول الدولة إلى ساحة تتنافس فيها الشبكات على مصادر القوة خارج حدودها أكثر مما تتنافس على ثقة السكان داخلها، ومع اتساع هذا النمط، لا تعود الدولة الجهة الوحيدة القادرة على توفير الحماية والموارد، بل تتقاسم هذه الوظيفة مع فاعلين محليين وخارجيين، فتتجزأ السيادة من دون أن تتجزأ الدولة بالضرورة من الناحية القانونية؛ لكن الولاء الخارجي وحده لا يفسر هذه البنية، فالهويات القومية والمذهبية والطائفية والدينية قد تتحول، في بعض الحالات، من فضاءات للانتماء إلى أدوات لإنتاج شرعيات سياسية منافسة، والمشكلة هنا ليست في تعدد الهويات، إذ إن التعدد جزء طبيعي من المجتمعات الحديثة، وإنما تبدأ الأزمة عندما تتحول الهوية إلى مرجعية سياسية تتجاوز الدولة، أو عندما تعامل الدولة القائمة باعتبارها مجرد محطة عبور نحو مشروع قومي أو مذهبي أو ديني أوسع؛ عندها تفقد الدولة قدرتها على أن تكون غاية مشتركة، وتتحول إلى مساحة مؤقتة تتصارع داخلها مشاريع لا ترى في بقائها هدفا نهائيا.</p>
<p>ومع هذا التحول يظهر تعدد مراكز الشرعية؛ فلا يعود القانون والدستور المصدر الوحيد الذي تستند إليه السلطة، بل تنافسهما شرعيات قومية ومذهبية ودينية وطائفية وعشائرية؛ وعندما تتفوق هذه الشرعيات عمليا على شرعية الدولة، يصبح القانون واحدا من مصادر السلطة، لا مرجعيتها العليا، وهنا لا تعود الأزمة مجرد خلاف حول السياسات، بل تصبح خلافا حول السؤال الأعمق: من يملك حق تعريف الشرعية نفسها؟، في هذه اللحظة يتآكل معنى المواطنة، فالفرد لا يعود مرتبطا بالدولة مباشرة بوصفه مواطنا يتمتع بحقوق ويلتزم بواجبات، بل يصبح ارتباطه بها مشروطا بالشبكة التي ينتمي إليها؛ الحزب يوفر له فرصة، والطائفة تمنحه حماية، والعشيرة تؤمن له سندا، والجماعة المسلحة تحمي مصالحه، بينما تبقى الدولة بعيدة أو عاجزة أو مستخدمة من قبل هذه القوى نفسها؛ وهكذا تنتقل العلاقة من منطق المواطن والدولة إلى منطق التابع والشبكة.</p>
<p>وعندما تتحول الدولة إلى غطاء، يصبح هذا الغطاء نفسه موردا قابلا للاستثمار، فالمؤسسات العامة يمكن استخدامها لتوزيع المناصب والعقود والتراخيص والموارد والحماية بما يخدم شبكات النفوذ، عندها لا يعود الفساد مجرد انحراف عن النظام، بل يصبح جزءا من طريقة عمله، وتتداخل الممارسات القانونية وغير القانونية إلى درجة يصعب معها تحديد الحدود الفاصلة بين الدولة والشبكة، لأن كلا منهما يعمل من خلال الآخر، وهنا تظهر نتيجة أكثر خطورة: تتحول الدولة من فضاء للمواطنة إلى سوق للولاءات، تتنافس الشبكات على الموارد والاعتراف والحماية، بينما يصبح القانون إحدى الأدوات المستخدمة في هذا الصراع بدلا من أن يكون حكما عليه، ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، يعود الأفراد إلى دوائرهم الأولية بحثا عن الأمان، فتتقوى الشبكات أكثر، وتضعف الدولة أكثر، وتدخل البنية الاجتماعية في دائرة تعيد إنتاج نفسها.</p>
<p>ولا يقتصر أثر ذلك على المجال السياسي، بل يمتد إلى بنية المجتمع نفسه، فعندما تصبح الشبكات مصدرا رئيسيا للحماية والموارد، تتراجع الثقة العامة، ويتعمق الانقسام، ويصبح العنف أكثر قابلية لإعادة الإنتاج بوصفه أداة لإدارة الصراعات والمصالح، كما يصبح الإصلاح أكثر صعوبة، لأن أي محاولة لإعادة الاعتبار للمؤسسات العامة تهدد مصالح شبكات متعددة ارتبط بقاؤها بالتوازن القائم بين الدولة والهوية والموارد والنفوذ الخارجي، لهذا لا يكفي وصف هذه الحالة بـ(الدولة الفاشلة)، فالفشل يوحي بغياب النظام أو انهيار القدرة على العمل، بينما نحن قد نكون أمام نظام يعمل بالفعل، لكنه يعمل وفق منطق مختلف، له قواعده، ونخبه، واقتصاده، وتحالفاته الداخلية والخارجية، وآليات واضحة لإعادة إنتاج سلطته؛ المشكلة ليست في أن الدولة لا تعمل، بل في السؤال: لصالح من تعمل؟ .</p>
<p>إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدولة ليس أن تنهار مؤسساتها بالكامل، بل أن تبقى هذه المؤسسات قائمة بعد أن تصبح وظيفتها الأساسية خدمة الشبكات بدلا من تنظيم المجتمع؛ عندها تتحول الدولة إلى شعار: يرفع باسم القانون حين يكون القانون مفيدا، وباسم السيادة حين تكون السيادة مربحة، وباسم الوطنية حين تحتاج الشبكات إلى غطاء رمزي، بينما تظل السلطة الفعلية موزعة بين الولاءات والهويات والمصالح؛ ومن هنا فإن الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بإصلاح إداري معزول، لأن المشكلة ليست تقنية في المؤسسات وحدها، بل اجتماعية وسياسية في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، فاستعادة الدولة تعني إعادة بناء معنى المواطنة، وفصل الهوية عن احتكار الموارد، وتقليص تحويل الخارج إلى مصدر بديل للشرعية والحماية، وإعادة المؤسسات إلى وظيفتها العامة، فما دام المجتمع يبحث عن حمايته خارج الدولة أو عبر شبكات موازية لها، ستظل الدولة موجودة بوصفها اسما، وغائبة بوصفها حقيقة؛ فالدولة لا تفقد معناها فقط عندما تسقط، بل قد تفقده أيضا عندما تبقى واقفة، بينما تتحول إلى واجهة تحمل اسم الجميع وتعمل في خدمة شبكات لا تعترف بالجميع.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثورة الجياع: حين تسقط الأصنام من العقول قبل الشوارع- د.جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/08/19/%d8%ab%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d8%a7%d8%b9-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%aa%d8%b3%d9%82%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b5%d9%86%d8%a7%d9%85-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 19 Aug 2026 20:51:13 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107155</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان 16-8-2026 إذا كانت ثورة الجياع في التاريخ تعبيرا عن تمرد الجسد على الحرمان، فإن هناك ثورة جياع أخرى أبطأ وأعمق: تمرد الوعي على الرموز التي لم تعد &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong>اقليم كوردستان 16-8-2026</strong></p>
<p>إذا كانت ثورة الجياع في التاريخ تعبيرا عن تمرد الجسد على الحرمان، فإن هناك ثورة جياع أخرى أبطأ وأعمق: تمرد الوعي على الرموز التي لم تعد تطعم الجسد ولا الروح، هذه الثورة لا تقع في الشارع وحده، بل تبدأ في بنية التصورات والولاءات والممارسات اليومية التي تحكم حياة الناس.</p>
<p>الأصنام السياسية والاجتماعية ليست تماثيل حجرية، بل كل رمز يمنح قداسة تمنع المساءلة: زعيم، حزب، عشيرة، إعلام أو خطاب.. حين تخترق الدكتاتورية جدران البيت الواحد، يصبح الولاء طقسا عائليا، ويغدو الخلاف خيانة، والنقد كفرا سياسيا أو أخلاقيا.. لكن السقوط الحقيقي للأصنام يبدأ حين يفقد الناس استعدادهم للاحتفاء بها أو الدفاع عنها باسم الهوية والانتماء، وحين يغدو النقد جزءا من الممارسة اليومية.</p>
<p>سوسيولوجيا ثورة الجياع تقول إن الجوع ليس السبب المباشر دائما، بل الكاشف لأزمة أعمق في العلاقة بين المجتمع والدولة؛ هناك جوع رمزي أخطر من جوع الخبز: جوع إلى الكرامة، والصدق، ومستقبل ممكن؛ وتبدأ ثورة الجياع بالمعنى الأعمق حين يدرك الناس أن التضحيات لم تعد تقابلها فرصة عادلة، وأن الولاء لم يعد يحميهم من الإهانة.</p>
<p>الفساد المتعدد ليس مجرد قائمة من الأخبار، بل طبقات متداخلة من الصنمية. الفساد السياسي يحول الدولة إلى غنيمة، والقرار إلى سلعة، والمواطنة إلى ولاء مشروط؛ والفساد الإداري يغطي المحسوبية بالروتين، ويجعل الوظيفة امتيازا لا خدمة؛ أما الفساد الإعلامي فيحول الإعلام إلى آلة للتمجيد والتغييب وصناعة واقع بديل يكرس الأصنام، بينما يجعل الفساد الاقتصادي الثروة حكرا على شبكات الولاء؛ ومع تكرار هذه الممارسات، يتحول الكذب إلى آلية للتكيف والبقاء، وتصل العلاقة بين المواطن والرموز إلى حالة من العدمية، أي فقدان الإيمان بالرموز والوعود: لا يصدق وعودها، ولا يخاف تهديدها، ولا يعبأ بانتصاراتها الوهمية.</p>
<p>وتظهر ملامح الثورة غير المباشرة حين تتراجع هيبة الإنجازات الصنمية، فلا تعود خطابات الزعماء وصورهم وألقابهم تثير الإعجاب تلقائيا؛ يصبح إلقاء اللوم على الآخر أقل إقناعا، لأن صورة الفساد الداخلي صارت واضحة للعيان. ويبدأ الناس في قياس الرموز بمعايير النفع والأخلاق لا بمعايير الانتماء والخوف: ماذا قدم، بدل من هو؟.</p>
<p>ثورة الجياع، في أعمق مستوياتها، هي اللحظة التي يتوقف فيها الجائع عن تقديس من يملك الخبز، ويسأل: بأي حق؟ وبأي ثمن؟ وهي لا تحتاج بالضرورة إلى شعارات صاخبة، بل إلى ممارسة يومية من الشك والصدق ورفض التمجيد التلقائي.. فالدكتاتورية لا تسقط فقط حين تفقد قدرتها على القمع، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الإيمان بها.</p>
<p>متى تتحول ثورة الجياع من صرخة في الشارع إلى هدوء في الضمير؟ فالأصنام التي نحميها اليوم باسم الهوية قد تكون هي نفسها التي تجوعنا كل يوم.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>تحدي الأفسد للفاسد: عبث السلطة في كوردستان (حين لا يكون الهدف إنهاء الفساد، بل وراثة منظومته) &#8211; د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/07/15/%d8%aa%d8%ad%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%81%d8%b3%d8%af-%d9%84%d9%84%d9%81%d8%a7%d8%b3%d8%af-%d8%b9%d8%a8%d8%ab-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d8%b7%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 15 Jul 2026 14:50:41 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107124</guid>

					<description><![CDATA[  14-7-2026إقليم كوردستان ولا يقصد بمصطلحي &#8220;الفاسد&#8221; و&#8221;الأفسد&#8221; هنا إصدار حكم أخلاقي مجرد، وإنما توصيف لطبيعة الصراع داخل منظومة السلطة؛ فالفاسد هو الطرف الذي يمتلك منظومة الفساد القائمة ويديرها ويستفيد &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h3><strong> </strong></h3>
<p>14-7-2026إقليم كوردستان</p>
<p>ولا يقصد بمصطلحي &#8220;الفاسد&#8221; و&#8221;الأفسد&#8221; هنا إصدار حكم أخلاقي مجرد، وإنما توصيف لطبيعة الصراع داخل منظومة السلطة؛ فالفاسد هو الطرف الذي يمتلك منظومة الفساد القائمة ويديرها ويستفيد من استمرارها، بينما الأفسد هو الطرف الذي يتحداه، لا لأنه يرفض الفساد أو يسعى إلى بناء منظومة حكم أكثر نزاهة، بل لأنه يريد انتزاع السيطرة على هذه المنظومة وإعادة توظيفها لخدمة مصالحه، ومن هنا جاء تقديم الأفسد على الفاسد في عنوان المقال، لأن المبادرة في هذا الصراع تصدر من الطرف الساعي إلى وراثة منظومة الفساد، لا إلى القضاء عليها.</p>
<p>لقد تجاوز الفساد في اقليم كوردستان كونه سلوكا فرديا أو تجاوزا إداريا يمكن معالجته بإجراءات قانونية محدودة، ليتحول إلى منظومة متشابكة تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية؛ وفي ظل هذه المنظومة، لا يعود استمرار الفساد مرتبطا بالأشخاص وحدهم، بل بالآليات التي تضمن استدامته، فتحل الولاءات السياسية محل الكفاءة، وتتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لتعزيز النفوذ، ويغدو الاقتصاد امتدادا للصراع السياسي، بينما تتحول المؤسسات من أدوات لخدمة المجتمع إلى أدوات لحماية مراكز القوة.</p>
<p>إن أخطر ما يواجه المجتمع ليس وجود سلطة فاسدة فحسب، بل تحول المعارضة السياسية إلى معارضة على إدارة الفساد لا على إنهائه؛ ويعود ذلك إلى أن الوصول إلى السلطة في ظل منظومة ريعية لا يعني امتلاك القرار السياسي فقط، بل السيطرة على الموارد العامة، والتعيينات، والعقود، وشبكات المصالح؛ وعندئذ يصبح التنافس السياسي في جوهره تنافسا على أدوات النفوذ، لا على إصلاح قواعد الحكم.</p>
<p>وحين يتقدم الأفسد – الحاكم والمحكوم عليه-  لتحدي الفاسد، فإننا لا نكون أمام مشروع إصلاحي أو مراجعة حقيقية، بل أمام محاولة للاستحواذ على المنظومة القائمة؛ فالأفسد لا ينظر إلى الفساد بوصفه انحرافا ينبغي إنهاؤه، وإنما يعده موردا سياسيا – صراعا حزبيا &#8211;  واقتصاديا يسعى إلى احتكاره؛ وهنا يتحول السؤال من: كيف تبنى المؤسسات؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من يسيطر على أدوات النفوذ ويوزع منافعها؟ وعند هذه النقطة تصبح المنافسة صراعا على إدارة المنظومة، لا على تفكيكها.</p>
<p>وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها تدفع المجتمع تدريجيا إلى التكيف مع الفساد بدل مقاومته – كما قلنا في مقالات سابقة -؛ فعندما ترتبط فرص العمل بالولاءات، والخدمات بالنفوذ، والعقود بالمحسوبية، يصبح الفساد ممارسة يومية مألوفة، وتتحول النزاهة والكفاءة إلى استثناء؛ وعندئذ لا يعود تغيير الأشخاص كافيا، لأن القواعد الحاكمة نفسها تفرز الوجوه ذاتها، مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت مواقع السلطة.</p>
<p>أما المواطن الكوردستاني، فيجد نفسه محاصرا بين أطراف لا تمثل مصالحه الحقيقية؛ فالفاسد يسعى إلى الحفاظ على احتكاره للسلطة والنفوذ، بينما يعمل الأفسد على انتزاع هذا الاحتكار، لا لإنهائه، وإنما لإعادة توظيفه تحت قيادته، حتى لو اقتضى ذلك التحالف مع فاسد آخر؛ والنتيجة ليست مجرد خسائر مالية، بل أزمات متراكمة تطال الاقتصاد والخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل، فضلا عن تراجع الثقة بالمؤسسات العامة، واتساع الشعور بانسداد الأفق السياس؛ وغياب القضية.</p>
<p>ولا تتوقف آثار هذه المنظومة عند الجوانب الاقتصادية والإدارية، بل تمتد إلى المجال الإعلامي أيضا؛ إذ تسهم بعض وسائل الإعلام المرتبطة بمراكز النفوذ في تصوير هذا الصراع على أنه تنافس سياسي طبيعي، بينما يدور في الواقع داخل الإطار ذاته الذي أنتج الأزمة؛ وهكذا يصبح تغيير الوجوه بديلا عن تغيير القواعد، ويطلب من المواطن أن يختار بين أطراف تختلف في مواقعها داخل المنظومة، لكنها لا تختلف في طبيعة علاقتها بالفساد.</p>
<p>كما تنعكس هذه الحالة على البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع؛ فحين يفقد المواطن ثقته بإمكان الإصلاح، يترسخ الإحباط، وتتزايد الهجرة، ويضعف الانتماء إلى المجال العام، ويتراجع الإيمان بقيمة المشاركة السياسية؛  والأخطر من ذلك أن استمرار هذه البيئة يؤدي إلى تشويه منظومة القيم، بحيث تصبح المحسوبية والواسطة والنفوذ وسائل طبيعية لتحقيق النجاح، بينما تبدو النزاهة والكفاءة خيارات غير مجدية في نظر كثيرين.</p>
<p>ومن منظور تاريخي، لا تعد هذه الظاهرة استثناء في تجارب الدول والمجتمعات، فقد شهد التاريخ نماذج عديدة انتقلت فيها السلطة بين شبكات فساد متنافسة، فتغيرت الوجوه والشعارات، بينما بقيت القواعد التي تحكم إدارة السلطة والمصالح على حالها؛ ولهذا فإن الاقتصار على تغيير الأشخاص، من دون إصلاح المؤسسات والقوانين، لا يؤدي إلا إلى استمرار الأزمة في صورة جديدة.</p>
<p>إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الصراع بين الأفسد والفاسد، وإنما بين المجتمع ومنظومة الفساد التي تحاول احتكار المجالين السياسي والاقتصادي، فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتبديل الأشخاص داخل السلطة، وإنما بتغيير القواعد التي تسمح باستمرار الفساد، عبر بناء مؤسسات مستقلة، وترسيخ سيادة القانون، وضمان استقلال القضاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإخضاع الجميع لمبدأ المساواة أمام القانون وإقرار الدستور الخاص بالاقليم بعيدا عن الصراعات الحزبية المقيتة.</p>
<p>وفي هذا السياق، تتحمل النخب الفكرية والثقافية في كوردستان مسؤولية خاصة، لأن دورها لا يقتصر على توصيف الأزمة أو نقدها، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك الخطابات التي تشرعن استمرارها، وكشف الفارق بين معارضة تسعى إلى الإصلاح، وأخرى لا تهدف إلا إلى وراثة السلطة وآلياتها؛ كما يقع على عاتقها تقديم رؤى فكرية تساعد المجتمع على تجاوز منطق الاختيار بين الفاسد والأفسد والكف عن صناعة الدكتاتورية بتمجيد الشخصيات، لأن صمت المثقف أمام استمرار هذه المنظومة يمنحها شرعية ضمنية، بينما يسهم النقد الواعي القائم على التحليل في بناء وعي مجتمعي أكثر قدرة على مقاومة هذا الواقع.</p>
<p>ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يؤكد أن المجتمعات ليست محكومة بالبقاء داخل الأزمات إلى الأبد، فقد استطاعت شعوب عديدة كسر دوائر الفساد عندما أدركت أن المشكلة الحقيقية تكمن في بنية السلطة وآليات عملها، لا في الأشخاص وحدهم؛ ولذلك فإن مستقبل كوردستان يبقى مرهونا بقدرة المجتمع على رفض المعادلات المفروضة عليه، والإصرار على بناء اقليم ومؤسسات  تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والعدالة، وتكافؤ الفرص</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>مقاربة تاريخية–فقهية لمفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/30/%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%82%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/05/30/%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%82%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 30 May 2026 19:51:54 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[دينية و روحانية]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106952</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; تقرر القاعدة القرآنية في التفاضل الإنساني مبدأ يقوم على نفي الامتياز القائم على النسب والقبيلة، وربط الكرامة عند الله بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ وإن كان سياق &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>تقرر القاعدة القرآنية في التفاضل الإنساني مبدأ يقوم على نفي الامتياز القائم على النسب والقبيلة، وربط الكرامة عند الله بالتقوى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾؛ وإن كان سياق الكرامة أخرويا في الأصل، إلا أن توجيه الخطاب إلى &#8220;يا أيها الناس&#8221; وتقديمه قاعدة عامة يمنحه بعدا معياريا يتجاوز المجال الوعظي إلى تنظيم الاعتبار بين البشر في المجال الاجتماعي أيضا؛  فالقرآن لم يقدم القبيلة بوصفها معيار تفاضل، وإنما باعتبارها إطارا للتعارف الاجتماعي: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، بما يعني أن الانتماء القبلي ظل في التصور القرآني عنصر تعريف اجتماعي لا أساسا للسيادة أو الاستحقاق السياسي والديني.</p>
<p>ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة في التجربة العربية الإسلامية المبكرة: مستوى النص القرآني بوصفه حاملا لمبدأ معياري عام، ومستوى الاجتهاد الفقهي الذي حاول تفسير الواقع وتنظيمه ضمن شروطه التاريخية ، ومستوى التوظيف السياسي الذي ارتبط بصراعات السلطة وتوازنات الجماعة؛ فليس كل ما استقر في المدونة الفقهية- السلطوية -، يمثل بالضرورة الامتداد المباشر للمبدأ القرآني، كما أن كثيرا من التصورات السياسية التي اكتسبت لاحقا طابعا دينيا كانت في أصلها استجابات تاريخية لواقع اجتماعي وقبلي عروبي معين؛ ومن هنا فإن قراءة مسألة القرشية لا تتعلق بالطعن في النص المؤسس، بقدر ما تتعلق بتحليل الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ داخل البنية السياسية للدولة  العربية الإسلامية المبكرة.</p>
<p>غير أن التطور التاريخي للدولة العربية الإسلامية أظهر حضور الاعتبار القبلي داخل المجال السياسي والفقهي بصورة متزايدة؛ فقد ظهرت نصوص نبوية وآثار سياسية مبكرة استدل بها في تفضيل قريش في باب القيادة، من أشهرها حديث: &#8220;الأئمة من قريش&#8221;؛ وقد تعامل جمهور واسع من الفقهاء – السلطوية &#8211; مع هذا الحديث بوصفه سندا شرعيا لتقديم القرشية في الإمامة، غير أن دلالته ظلت محل نقاش بين العلماء والباحثين؛ إذ اتجهت بعض القراءات إلى فهمه باعتباره توصيفا لواقع التوازنات القبلية ومركزية قريش في المجتمع العربي آنذاك، أكثر من كونه تشريعا سياسيا مطلقا صالحا لكل زمان؛ كما أن توظيفه السياسي المبكر في سياق الصراع على السلطة أسهم في تحويله تدريجيا من نص مرتبط بظرف تاريخي معين إلى قاعدة فقهية أكثر عمومية واستمرارا.</p>
<p>ومع ترسخ هذا التصور، أصبح النسب القرشي عنصرا معتبرا في باب السلطة السياسية، إلى جانب اعتبارات الكفاءة والدين والمصلحة العامة؛ غير أن الإشكال لا يتوقف عند حدود التمييز بين المجال الأخلاقي والمجال السياسي؛ لأن القاعدة القرآنية لم تطرح بوصفها موعظة روحية معزولة، بل باعتبارها مبدأ عاما موجها إلى الناس كافة، بما يتضمن إعادة ترتيب معايير الاعتبار داخل المجتمع نفسه؛ فالقرآن حين نفى التفاضل القائم على النسب والقبيلة، لم يحصر ذلك في المجال الأخروي وحده، وإنما اتجه أيضا نحو تقليص فاعلية البنية القبلية بوصفها مصدرا للامتياز الاجتماعي والسياسي.</p>
<p>ولا يعني ذلك أن النص القرآني قدم نظرية سياسية تفصيلية أو صيغة دستورية جاهزة للحكم، غير أن المبادئ العامة التي طرحها – وفي مقدمتها نفي الامتياز القائم على النسب – لا تبدو منفصلة تماما عن المجال الاجتماعي والسياسي؛ فحين يتحول الانتماء القبلي إلى شرط يمنح أفضلية مسبقة في السلطة، فإن ذلك يضعف الأثر العملي – كسر &#8211; للقاعدة القرآنية في تنظيم العلاقات داخل المجتمع، حتى لو جرى تبرير هذا التحول باعتبارات تاريخية أو مصلحية؛ ومن هنا تنشأ المفارقة بين المبدأ القرآني المفتوح، وبين إعادة إنتاج الامتياز النسبي داخل المجال السياسي الإسلامي.</p>
<p>ومن هذا المنظور تبدو إعادة إدخال النسب القرشي شرطا في باب الإمامة أقرب إلى تكريس شكل من أشكال التفضيل القبلي داخل المجال السياسي، لا مجرد اشتراط تنظيمي محايد، حتى وإن جرى تقديمه في بعض الخطابات بوصفه عامل وحدة واستقرار؛ فالمسألة لا تتعلق بمجرد تنظيم إداري للسلطة، بل بتحويل الانتماء القبلي من عنصر تعارف اجتماعي إلى عنصر ترجيح سياسي ومعياري، الأمر الذي أعاد إنتاج جانب من البنية القبلية التي سعى الخطاب القرآني إلى إعادة ضبطها اجتماعيا ونزع بعدها الامتيازي.</p>
<p>وتظهر المفارقة هنا في التوتر بين المعيار القرآني العام القائم على التقوى، وبين اشتراط الانتماء القبلي في أحد أهم أبواب التنظيم السياسي؛ فحين يصبح النسب شرطا مقدما في باب الإمامة، فإن المجال السياسي ينتقل عمليا من معيار أخلاقي مفتوح إلى معيار نسبي أكثر انحصارا، حتى لو جرى تبرير ذلك ضمن اعتبارات تتعلق بوحدة الجماعة واستقرار الدولة الناشئة؛ كما أن كثيرا من الفقهاء الذين قالوا بشرط القرشية لم يقدموه دائما بوصفه امتيازا جوهريا في القيمة الإنسانية، بل باعتباره شرطا سياسيا ينسجم – في نظرهم – مع طبيعة المجتمع العربي في ذلك العصر؛ غير أن تحول هذا الشرط من معالجة ظرفية مرتبطة بسياق تاريخي معين إلى قاعدة فقهية شبه ثابتة عبر قرون طويلة، جعل الاعتبار القبلي يكتسب مع الزمن طابعا معياريا يتجاوز ظرفه السياسي الأول.</p>
<p>ومع وجود آراء فقهية وكلامية لا تشترط القرشية، فإن الذي جرى به العمل تاريخيا في الخلافة المركزية – من الراشدين حتى العباسيين – هو إقرار أولوية قريش أو اعتبارها مصدرا أعلى للشرعية السياسية؛ غير أن التطبيق التاريخي نفسه لم يكن دائما على درجة واحدة من الصرامة، إذ تراجعت فاعلية شرط القرشية عمليا في مراحل عديدة، خصوصا مع تحول الخلافة إلى ملك سياسي أو إلى صيغ سلطانية أكثر ارتباطا بموازين القوة الفعلية من الارتباط بالشروط النظرية التي قررتها المدونات الفقهية.</p>
<p>بل إن التاريخ الإسلامي عرف نماذج سياسية تراجعت فيها فاعلية الشرط القرشي بصورة واضحة، سواء في بعض الدول والإمارات الإسلامية غير العربية، أو في المراحل التي أصبحت فيها السلطة الفعلية قائمة على القوة العسكرية والإدارة السياسية أكثر من استنادها إلى النسب؛ وقد بلغ هذا التحول ذروته مع دول كبرى حكمت المجال الإسلامي دون انتماء قرشي صريح، الأمر الذي يكشف أن الواقع التاريخي نفسه كان يتجاوز أحيانا التنظير الفقهي التقليدي، حتى مع استمرار حضوره الرمزي داخل بعض المدونات السياسية.</p>
<p>ولم يقتصر حضور الاعتبار القبلي على مسألة الإمامة، بل امتد إلى بعض المجالات الاجتماعية، مثل الكفاءة في الزواج، حيث اعتبر عدد من الفقهاء النسب عنصرا من عناصر التكافؤ الاجتماعي، بما يعكس استمرار أثر البنية القبلية داخل بعض الاجتهادات الفقهية؛ كما ظهرت تمايزات اجتماعية بين العرب والموالي خلال مراحل من التاريخ الإسلامي، سواء في العطاء أو التمثيل السياسي أو المكانة الاجتماعية، وهي تمايزات ارتبطت بطبيعة الدولة الإمبراطورية الناشئة وبالعصبيات – النزعة العربية &#8211; الاجتماعية والسياسية أكثر من ارتباطها بالمبدأ القرآني المجرد؛ ولم يكن أثر هذه التراتبية محصورا في الجانب الإداري أو السياسي، بل ترك أثرا عميقا في وعي كثير من الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، ومنها الكورد وغيرهم من الموالي، حيث بدا التفاوت بين القاعدة القرآنية للمساواة وبين الواقع الاجتماعي للدولة الإسلامية أحد مصادر الشعور بالتهميش داخل التجربة التاريخية الإسلامية.</p>
<p>ومع ذلك، لم تكن التجربة التاريخية الإسلامية واحدة على امتداد العصور؛ إذ شهدت بعض المراحل صعود شخصيات ودوائر علمية وإدارية غير عربية، كما خف تأثير الاعتبار القبلي نسبيا في بعض البيئات الإسلامية خارج المركز العربي التقليدي، الأمر الذي يكشف أن حضور العصبية القبلية لم يكن ثابتا بالدرجة نفسها في جميع الأزمنة والسياقات.</p>
<p>ولا يمكن فهم هذا التحول بعيدا عن طبيعة المجتمع الذي تشكلت فيه الدولة العربية الإسلامية؛ فالدولة الناشئة لم تتكون في فراغ اجتماعي، بل داخل بنية قبلية كانت قريش تمثل مركز ثقلها السياسي والرمزي، كما اعتمدت في توسعها العسكري والإداري على القبائل العربية؛ وقد دفع ذلك كثيرا من الفقهاء والساسة إلى التعامل مع القرشية بوصفها عامل استقرار ووحدة سياسية في مرحلة تاريخية شديدة الحساسية؛ غير أن التجربة التاريخية نفسها تكشف أن الامتياز القرشي لم يكن دائما عنصر استقرار، بل كان في أحيان كثيرة أحد أسباب الانقسام والصراع السياسي المبكر، سواء في الخلافات التي ظهرت منذ السقيفة والخلافة الراشدة المبكرة، أو في الصراعات بين الأجنحة القرشية نفسها خلال العصرين الأموي والعباسي؛ ومن هنا فإن تفسير الظاهرة تاريخيا لا يعني منحها شرعية معيارية دائمة، خصوصا بعد تحول كثير من الاجتهادات المرتبطة بسياقاتها السياسية إلى تصورات فقهية أكثر ثباتا واستمرارا عبر القرون.</p>
<p>ومن ثم فإن الإشكالية لا تكمن في النص القرآني ذاته، بل في الكيفية التي أعيد من خلالها تشكيل بعض المبادئ القرآنية داخل شروط الواقع التاريخي والسياسي؛ فالقرآن أسس لقاعدة كونية تقوم على التقوى والمساواة الإنسانية ونفي الامتياز القائم على العصبية القبلية، بينما تشكلت بعض الاجتهادات السياسية والفقهية – السلطوية العروبية -،  تحت تأثير التوازنات القبلية والاجتماعية للدولة العربية الإسلامية المبكرة، ثم اكتسبت مع الزمن طابعا معياريا تجاوز سياقها التاريخي الأصلي؛ ومن هنا تبدو مفارقة المساواة القرآنية والتفضيل القبلي تعبيرا عن التوتر بين القاعدة القرآنية الكونية التي قدمها النص المؤسس، وبين البنية التاريخية التي أعادت إنتاج الامتياز القبلي داخل المجال السياسي والاجتماعي، بما يشبه إعادة تكييف الواقع القبلي داخل الإطار الديني بدل تجاوزه بصورة كاملة؛ ويظل السؤال مطروحا أمام العقل الإسلامي المعاصر: إلى أي مدى يمكن إعادة بناء الوعي السياسي والاجتماعي على القاعدة القرآنية الكونية، بعد قرون من تداخل المقدس بالقبلي والتاريخي؟.</p>
<p>اقليم كوردستان  30-5-2026</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/05/30/%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%82%d9%87%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d9%88/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>3</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الهوية أسبق من التسميات: قراءة تاريخية في استمرارية كوردستان الكبرى- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/25/%d8%a7%d9%84%d9%87%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%b3%d8%a8%d9%82-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae%d9%8a%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 25 May 2026 19:23:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106874</guid>

					<description><![CDATA[كثيرا ما يقع الخلط بين الاسم والهوية عند قراءة التاريخ؛ فالتسمية التي تظهر في مصدر معين لا تعني بالضرورة أن الجماعة أو المجتمع بدأ عند تلك اللحظة، كما أن تغير &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;">
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">كثيرا ما يقع الخلط بين الاسم والهوية عند قراءة التاريخ؛ فالتسمية التي تظهر في مصدر معين لا تعني بالضرورة أن الجماعة أو المجتمع بدأ عند تلك اللحظة، كما أن تغير الاسم لا يعني بالضرورة انقطاع الاستمرارية بين الماضي والحاضر، ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى تاريخ كوردستان الكبرى بوصفه تاريخا طويلا من التراكم والتحول، لا مجرد سلسلة من الأسماء السياسية أو الإثنية المتعاقبة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">إذا نظرنا إلى كوردستان الكبرى من زاوية تاريخية واسعة، نجد أنها لم تكن يوما أرضا خالية أو هامشا ساكنا، بل مجالا بشريا استقر فيه الإنسان منذ عصور بعيدة جدا، وتشير دراسات أثرية عديدة إلى أن مناطق واسعة من زاغروس وشمال بلاد الرافدين شهدت استيطانا بشريا متواصلا منذ عصور ما قبل التاريخ؛ فالتنقيبات الأثرية في مواقع مثل قلعة أربيل، التي يعود أقدم مستواها الاستيطاني إلى الألف السادس قبل الميلاد، وتل براك في غرب كوردستان، وتل باقرتا في اربيل، كلها تظهر طبقات سكنية متعاقبة دون انقطاع كامل؛ وقد تعاقبت على هذه الجغرافيا جماعات وقوى متعددة، لكن ما يلفت النظر هو أن السكان المحليين لم يختفوا في كل مرة تتبدل فيها السلطة أو تتغير التسمية؛ بل ظلت هناك نواة سكانية متصلة، تتفاعل مع الوافدين، وتعيد تشكيل نفسها، وتحافظ في الوقت نفسه على قدر من الاستمرار</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">وهكذا يصبح السؤال الأهم ليس: متى ظهر الاسم؟ بل: هل انقطعت الحياة السكانية والثقافية تماما أم استمرت عبر التحول؟ وفي حالة كوردستان، تميل كثير من الدراسات الأثرية والأنثروبولوجية الحديثة إلى دعم فكرة الاستمرارية المتحولة، أي بقاء نواة بشرية وثقافية عبر تغير الأزمنة واللغات والسلطات؛ فدراسات أنماط المسكن الجبلي، واستمرار أسماء قرى قديمة أو نسبيا قديمة في جبال زاغروس (مثل بعض القرى في نطاق جنوب وشرق كوردستان)، وتطابق الممارسات الزراعية والرعوية على المدرجات الجبلية عبر قرون طويلة، كلها تشير إلى وجود تراكم تاريخي لا إلى قطيعة كاملة، مع الإشارة إلى أن توثيق استمرار الأسماء القديمة نفسها – خصوصا القديمة من عصر الميدين أو الأكدية – في شكل مباشر يبقى محدودا وغير مكتمل</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">ومن الأخطاء الشائعة في دراسة التاريخ الاعتماد على الأسماء التي أطلقتها الإمبراطوريات أو الجوار السياسي باعتبارها الحقيقة الوحيدة؛ فغالبا ما يكون الاسم الوارد في النصوص القديمة تصنيفا خارجيا أكثر من كونه الاسم الذاتي الدقيق للجماعة نفسها؛ وقد عرفت مناطق وجماعات سكان زاغروس وشمال الرافدين عبر عصور مختلفة بأسماء متعددة؛ فالآشوريون تحدثوا عن الكوتيين واللولوبيين، والفرس القدماء أشاروا إلى الكادوسيين، وذكر زينوفون في كتاباته جماعات الكاردوخ، بينما استخدمت بعض المصادر السريانية تسميات أخرى لسكان المناطق الجبلية، ثم جاءت المصادر العربية الإسلامية لاحقا باستخدام مصطلح &#8220;الكورد&#8221; بوصفه توصيفا لسكان الجبال والمناطق المرتفعة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">ولا يعني هذا التنوع في الأسماء أن كل اسم يشير بالضرورة إلى شعب جديد منفصل تماما، بل قد يعكس اختلاف الزاوية التي ينظر منها المؤرخ أو الدولة إلى السكان؛ فالمركز السياسي كثيرا ما يطلق أسماء على الأطراف تبعا لوظيفتها أو موقعها أو علاقتها به، بينما تبقى هوية السكان الحقيقية أكثر تعقيدا من هذا التصنيف؛ ولهذا يرى عدد من الباحثين في تاريخ الشعوب الجبلية أن التسميات القديمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات السياسية واللغوية التي مرت بها المنطقة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">والهوية لا تفهم فقط من خلال الاسم، بل من خلال الاستمرار السكاني، واللغة، والعادات، وأنماط العيش، والذاكرة الجماعية. وفي كوردستان الكبرى، نرى أن الأقاليم الجبلية والسهول المحيطة بها شهدت تراكبا طويلا بين جماعات محلية قديمة، وقوى سياسية جاءت لاحقا، وأديان ولغات جديدة، دون أن يؤدي ذلك إلى محو كامل للسكان الأوائل؛ وخذ مثلا طقوس نوروز، ذلك الاحتفال الربيعي الذي يرى عدد من الباحثين أن جذوره تعود إلى عصور ما قبل الزرادشتية، وربما إلى مراحل أقدم ارتبطت بالدورات الزراعية والاحتفالات الموسمية في مجتمعات الجبال؛ هذا الطقس لا يزال حيا في كوردستان الكبرى حتى اليوم، رغم تعاقب الزرادشتية والمسيحية والإسلام على المنطقة، ورغم محاولات بعض السلطات منعه أو تهميشه في فترات مختلفة؛ واستمرار مثل هذه الطقوس عبر قرون طويلة، رغم تغير الأديان الرسمية واللغات السياسية، يمثل دليلا ثقافيا مهما على وجود نواة حضارية أعمق من التسميات العابرة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">وما يجعل الحديث عن استمرارية سكانية أمرا مقنعا في حالة كوردستان الكبرى هو الحجم السكاني والكثافة الاستيطانية التي يصعب اختزالها أو إنكارها؛ فكوردستان الكبرى لم تكن أبدا منطقة صحراوية أو جرداء يمر عليها الغزاة وكأنها طريق عبور خال؛ لقد كانت وما زالت موطنا لملايين البشر عبر التاريخ، يعيشون في الكثير من القرى والبلدات والمدن، ويمارسون الزراعة على المدرجات الجبلية، ويرعون قطعانهم في المرتفعات صيفا وينزلون بها إلى السهول شتاء؛ وهذا النمط المعيشي، المعروف بالترحال الرعوي العمودي، يعد من أقدم الأنماط الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الجبلية، وقد استمر بأشكال مختلفة حتى الزمن المعاصر في أجزاء واسعة من كوردستان؛ ومثل هذه الكتلة البشرية الكبيرة والمستقرة لا يمكن أن تختفي أو تتبدل جذريا بمجرد تغير الاسم الذي يطلقه عليها المؤرخون أو الدول – المسيطرة – المتعاقبة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">وعندما نقول إن الهوية أسبق من التسميات، فنحن لا نزعم أن الأسماء بلا أهمية، بل نقول إن الاسم هو مرحلة في مسار أطول، وليس بداية التاريخ كله؛ فالتسمية قد تتأخر في الظهور، أو تتبدل بتبدل اللغة المسيطرة، أو تختزل في كتابة المؤرخين، بينما تكون الجماعة نفسها قد عاشت قرونا طويلة قبل تثبيت الاسم بصيغته المعروفة</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">ومن هنا يمكن فهم أن مصطلحي &#8221; كوردوئين&#8221; و&#8221; كورد&#8221;، أو غيرهما من التسميات، ليست سوى محطات في تاريخ هوية أوسع تشكلت في بيئة جغرافية متقاربة، وتغذت من ذاكرة مكانية وسكانية ممتدة؛ فالاسم لا يصنع التاريخ وحده، بل يصفه في مرحلة معينة من مراحله، ولهذا فإن البحث عن &#8221; أول اسم&#8221; لكوردستان أو لسكانها هو بحث مشروع في سياقه، لكنه لا يكفي وحده لفهم التاريخ، لأنه قد يخفي أكثر مما يكشف</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">ومن المهم أيضا ألا نقع في الطرف المقابل، أي أن نتصور الهوية بوصفها شيئا ثابتا لا يتغير؛ فالتاريخ لا يعرف الجمود الكامل؛ لقد حدثت تحولات لغوية ودينية وثقافية وسياسية عميقة في كوردستان الكبرى عبر آلاف السنين، واختلط السكان بجماعات وافدة، وتأثروا بإمبراطوريات متعاقبة فرضت سلطتها على المنطقة، وتبدلت أشكال التنظيم الاجتماعي والقبلي؛ والسكان الذين نعرفهم اليوم لا يطابقون تماما سكان العصر الحجري أو العصر البرونزي، وهذا أمر طبيعي في كل شعوب العالم؛ لكن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة انقطاعا؛ فالأصح أن نقول إن الهوية هنا تشبه النهر القديم: يتجدد ماؤه، لكن مجراه العام يبقى ممتدا؛ وبهذا المعنى تكون كوردستان الكبرى قد شهدت تراكما تاريخيا طويلا حافظ على نواة سكانية وثقافية، حتى وإن تبدلت الأسماء واللغات والأنظمة السياسية</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">كما تكشف دراسات الأسماء الجغرافية في كوردستان أن العديد من القرى والجبال والأنهار تحمل أسماء لا تعود إلى العربية أو التركية أو الفارسية الحديثة، بل إلى طبقات لغوية أقدم، وهو ما يراه بعض الباحثين مؤشرا على عمق الاستمرارية السكانية والثقافية في المنطقة؛ فالاسم الجغرافي لم يكن دائما انعكاسا محايدا لهوية السكان، بل كان أحيانا جزءا من أدوات السلطة الرمزية؛ إذ عمدت قوى سياسية وإمبراطوريات متعاقبة إلى إعادة تشكيل المجال اللغوي للمكان عبر فرض تسميات جديدة أو تكييف الأسماء القديمة بما ينسجم مع بنيتها الثقافية والإدارية، بينما ظلت الذاكرة المحلية تحتفظ، بدرجات متفاوتة، بطبقات أقدم من الهوية المكانية</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">إن قراءة تاريخ كوردستان الكبرى قراءة عادلة تقتضي التحرر من أسر الاسم وحده، ومن وهم القطيعة المطلقة أيضا؛ فالمكان أقدم من التسميات، والسكان أسبق من التصنيفات، والهوية أعمق من اللفظ الذي يظهر في سجل أو نقش؛ لذلك يمكن القول إن الهوية أسبق من التسميات، وإن التسميات ليست سوى طبقات تاريخية لا تلغي الاستمرارية الثقافية والسكانية؛ كما يمكن القول بصياغة أكثر وضوحا: إن المنطقة لم تكن يوما حكرا على اسم واحد، بل كانت فضاء تاريخيا لهويات متداخلة ومتراكمة، وإن الاسم الطارئ أو المفروض لا يلغي الأصل الأعمق</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">وهذا ليس نقاشا أكاديميا فقط، بل له انعكاس مباشر على فهم كيفية تشكل الشعوب في التاريخ الطويل، بعيدا عن الاختزالات التي تجعل من النص الواحد أو التسمية الواحدة مفتاحا لكل شيء؛ وهذه القراءة لا تنفي التغير، لكنها ترفض اختزال التاريخ في لحظة اسمية واحدة، وهي بذلك تفتح الباب أمام فهم أكثر إنصافا، يرى في كوردستان الكبرى فضاء تاريخيا حيا تشكل عبر التراكم، لا عبر الانقطاع</span><span dir="LTR" lang="EN-US" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">.</span></p>
<h1 dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">إقليم كوردستان</span></h1>
<p dir="RTL" style="text-align: right; line-height: 115%; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 16.0pt; line-height: 115%; font-family: 'Sakkal Majalla';">25-5-2026</span></p>
<p dir="RTL">
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفن حين يتجلى في بهائه- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/21/%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%86-%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d8%aa%d8%ac%d9%84%d9%89-%d9%81%d9%8a-%d8%a8%d9%87%d8%a7%d8%a6%d9%87-%d8%af-%d8%ac%d9%88%d8%aa%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%aa%d9%85%d8%b1/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 21 May 2026 11:22:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106782</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان في العشرين من أيار 2026، لم يكن المهرجان الثالث لكلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك مجرد فعالية جامعية  اكاديمية عابرة، ولا مناسبة احتفالية من تلك التي تمر &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>اقليم كوردستان<br />
في العشرين من أيار 2026، لم يكن المهرجان الثالث لكلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك مجرد فعالية جامعية  اكاديمية عابرة، ولا مناسبة احتفالية من تلك التي تمر سريعا ثم تنسى، بل كان يوما استثنائيا استعاد فيه الفن هيبته، واستعاد فيه الحضور دهشته، واستعادت فيه الجامعة شيئا من روحها الجمالية حين تتفتح على الإبداع، وتمنح طاقات شبابها فرصة أن تقول كلمتها بصدق وجرأة ووعي.<br />
لقد بدا هذا المهرجان، في يومه الأول، كأنه مساحة واسعة تتجاور فيها الفنون من غير تنازع، وتتآلف فيها الأصوات والأنغام، والحركة والصورة، واللون والإيقاع، في مشهد يشي بأن الجمال لا يولد من عنصر واحد، بل من تآزر العناصر حين تدخل في حوار حي ومتكامل؛ وفي قاعة المؤتمرات بجامعة دهوك، حيث احتشدت الأنظار والقلوب، لم يكن ما جرى مجرد عروض متفرقة، بل كان بناء فنيا متماسكا، تتداخل فيه الكلمات الرسمية، بالموسيقى وبالاصوات الفلكورية والتراثية الكوردية العريقة، ويتكئ فيه المسرح والتشكيل على حس بصري يفتح أمام المتلقي أبواب التأمل والإعجاب.<br />
وكان العرض الموسيقي الأول، من دون مبالغة، أبرز لحظات المهرجان وأكثرها رسوخا في الذاكرة؛ فقد جاء منظما على نحو لافت، سواء من حيث الأزياء التي أضفت على المشهد أناقة مدروسة، أو من حيث الآلات التي بدت موزعة بوعي وتنسيق، أو من حيث العزف الجماعي المتقن الذي قدمه طلبة المرحلتين الأولى والثانية في قسم الموسيقى؛ وقد حمل هذا الأداء في طياته ما هو أبعد من مجرد الإتقان التقني؛ إذ بدا وكأنه إعلان صريح عن حضور موهبة شابة تعرف كيف تصغي إلى بعضها بعضا، وكيف تتحول من أفراد إلى فرقة، ومن أصوات متجاورة إلى وحدة موسيقية نابضة بالحياة.<br />
ورغم ما شاب هندسة الصوت من بعض الخلل التقني، فإن ذلك لم يكن كافيا ليحجب الوهج العام للعرض، ولا ليطفئ أثره في نفوس الحاضرين؛ فثمة عروض تتعثر تقنيا لكنها تظل قادرة على النفاذ إلى الوجدان، لأن قوتها الحقيقية لا تأتي من الكمال الظاهري، بل من الصدق الداخلي والانسجام الفني. وهكذا بدا الأداء الموسيقي أقوى من عثرته التقنية، وأقدر على تجاوزها بفضل جمال التشكيل الجماعي، وتماسك الإيقاع، والثقة التي حملها الطلبة وهم يقفون على الخشبة كأنهم يعلنون، بهدوء وثبات، أن الفن الحقيقي يستطيع أن يعلو على العوائق حين يكون موهوبا ومخلصا ومدروسا.<br />
أما العرض المسرحي الذي قدم في قاعة الكلية، فقد جاء بروح مختلفة، وبجرأة لا تخطئها العين، ولا تنكرها الذاكرة؛ لقد بدا المسرح هنا وكأنه يفتح صفحة جديدة، لا يكتفي بإعادة ما سبق، بل يغامر في مسالك أخرى، ويختبر إمكانات تعبيرية أكثر تحررا من القوالب الجاهزة؛ ومن خلال هذا العرض، بدا واضحا أن طلبة قسم المسرح لا يملكون الرغبة في الأداء فحسب، بل يملكون أيضا الشجاعة على مساءلة الشكل، وإعادة تشكيله، وفتح أفق مغاير لما عرفته المهرجانات السابقة؛ وكانت هذه الجرأة في حد ذاتها مكسبا مهما؛ لأنها أكدت أن المسرح في كلية الفنون الجميلة ليس تمرينا تعليميا فقط، بل تجربة حية تتطلع إلى التكوين، وإلى ابتكار لغة خاصة بها، وإلى تخطي حدود المألوف نحو أفق أوسع وأكثر خصوبة.<br />
وفي المعرض التشكيلي، بدت الطاقات الشابة كأنها تخرج من صمتها لتعلن حضورها الواثق. فقد حملت اللوحات والأعمال الغرافيكية أفكارا مبتكرة، وأضاءت على قدرات إبداعية حقيقية لا تزال في طور النمو، لكنها تنبئ منذ الآن بمستقبل فني واعد؛ كانت الأعمال المعروضة أكثر من مجرد ألوان وخطوط وتكوينات؛ كانت محاولات جادة لطرح أسئلة بصرية، وتقديم رؤى تحمل بصمة أصحابها، وتكشف عن استعدادهم لخلق الجديد بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج ما هو قائم؛ ومن هنا جاء المعرض التشكيلي بوصفه أحد أهم وجوه المهرجان، لأنه لم يكتف بإظهار المهارة، بل أظهر أيضا الخيال، والحس، والقدرة على تحويل الفكرة إلى أثر بصري حي.<br />
ولعل ما منح هذا المهرجان في يومه الاول قيمته الحقيقية أنه لم يكن مجرد مناسبة منظمة بإتقان، بل كان شاهدا على طاقات شابة تتشكل أمام أعيننا، وتتعلم كيف تحول المعرفة إلى جمال، والموهبة إلى إنجاز، والدرس الأكاديمي إلى لحظة إبداعية كاملة؛ لقد بدا واضحا أن كلية الفنون الجميلة في جامعة دهوك تمتلك، في طلبتها وأقسامها، إمكانات أصيلة قادرة على خلق الأثر، وصناعة التميز، وفتح نوافذ جديدة على الفن بوصفه فعلا إنسانيا راقيا، لا مجرد ممارسة تقنية أو أداء موسمي.<br />
إن المهرجان في يومه الأول قدم صورة مشرقة عن الجيل الفني الصاعد، وأكد أن الإعداد المحكم، والتنظيم المبهر، والانضباط في التفاصيل، ليست عناصر شكلية ثانوية، بل هي جزء من احترام الفن ذاته؛ ومن خلال هذا التآلف بين الموسيقى والمسرح والتشكيل، تشكلت لحظة جمالية نادرة، حملت معها وعدا بأن القادم سيكون أجمل، وأن هذه الطاقات الشابة قادرة على أن تواصل طريقها بثقة، وأن تضيف للمشهد الثقافي في دهوك، وفي الجامعة على وجه الخصوص، لونا جديدا من ألوان الحياة والإبداع.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>العراق بين انسداد &#8220;النخبة&#8221; وتآكل &#8220;الدولة&#8221;: قراءة في مشهد ما بعد نيسان 2026- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/16/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%86%d8%b3%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%ae%d8%a8%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%a2%d9%83%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 16 May 2026 17:09:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106675</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان 16-5-2026 لم يعد السؤال في العراق: من يشكل الحكومة؟ بل: هل ما تزال الدولة قادرة على إنتاج حكومة تمتلك قرارها الفعلي؟ فمنذ انتخابات تشرين الثاني 2025، لم &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>اقليم كوردستان 16-5-2026</p>
<p>لم يعد السؤال في العراق: من يشكل الحكومة؟ بل: هل ما تزال الدولة قادرة على إنتاج حكومة تمتلك قرارها الفعلي؟ فمنذ انتخابات تشرين الثاني 2025، لم يعد الانسداد السياسي مجرد تعثر إجرائي في توزيع الحقائب الوزارية، بل بات يعكس أزمة بنيوية عميقة في نموذج الحكم نفسه. لقد كشفت الأحداث أن &#8220;الديمقراطية التوافقية&#8221; التي طرحت بوصفها صيغة لإدارة التنوع، تحولت تدريجيا إلى آلية لإدارة الفراغ وتعطيل المؤسسات أكثر من كونها وسيلة لبناء الدولة.</p>
<p>إن وصول نزار ئاميدي إلى سدة الرئاسة، وتكليف علي الزيدي في نيسان 2026، لم يكن انتصارا لبرنامج سياسي متكامل بقدر ما كان &#8220;تسوية ضرورة&#8221; لتجنب انهيار أوسع للمنظومة أمام ضغوط داخلية وخارجية متزايدة؛ وفي ظل هذا المشهد، يبدو العراق، بكل مكوناته ومناطقه، عالقا داخل شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية والدولية التي تحد من قدرة أي حكومة على إنتاج قرار مستقل بالكامل.</p>
<p>ويأتي تكليف رجل الأعمال علي الزيدي بوصفه تحولا في شكل السلطة أكثر من كونه تحولا في بنيتها؛ إذ تحاول القوى التقليدية تقديم &#8220;وجه اقتصادي&#8221; قادر على امتصاص الغضب الشعبي والتعامل مع القيود الدولية المتزايدة على حركة الأموال؛ لكن الثغرة الجوهرية تبقى قائمة: هل تملك الحكومة الجديدة صلاحيات فعلية لفك ارتباط الاقتصاد بشبكات المصالح الحزبية؟؛ فاستمرار الاعتماد على الريع النفطي لتغذية الإنفاق التشغيلي، خصوصا الرواتب، يجعل أي مشروع إصلاحي مهددا بالاصطدام المباشر مع منظومات النفوذ المالي والسياسي التي تشكلت خلال السنوات الماضية؛ كما أن الاقتصاد الموازي، المرتبط بمراكز القوى والسلاح والنفوذ الإداري، بات يشكل عبئا إضافيا على فكرة الدولة نفسها. ولذلك، فإن الأزمة العراقية لم تعد مجرد أزمة حكومة، بل أزمة نموذج اقتصادي وسياسي أنتج طبقة واسعة من المستفيدين من بقاء الدولة في حالة هشاشة دائمة.</p>
<p>إن استقرار &#8220;نصاب الثلثين&#8221; الذي جاء بـ نزار ئاميدي رئيسا للجمهورية، يعكس تفاهمات سياسية هشة بين بغداد وأربيل – السليمانية -، خصوصا في ما يتعلق بملفات النفط والغاز والرواتب والصلاحيات الإدارية، غير أن هذه التفاهمات تبقى رهينة التوازن الإقليمي بين طهران وواشنطن، حيث تحاول كل جهة الحفاظ على نفوذها داخل بنية النظام العراقي، وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم مجرد خلاف إداري أو مالي، بل جزءا من أزمة الدولة العراقية بعد 2003، حيث ظل مفهوم الشراكة السياسية خاضعا لمنطق التسويات المؤقتة أكثر من خضوعه لرؤية دستورية مستقرة.</p>
<p>ومع ذلك، فإن استمرار ضعف الدولة  لا يهدد بغداد وحدها، بل يهدد مجمل الاستقرار السياسي والاجتماعي في العراق والاقليم، بما في ذلك العلاقة بين مكوناته المختلفة، في بلد ما يزال يبحث عن صيغة متوازنة لإدارة تنوعه التاريخي المعقد.</p>
<p>وتبقى المعضلة الأخطر أمام حكومة الزيدي هي تمدد &#8220;الدولة الموازية&#8221;؛ فالسلاح لم يعد مجرد قوة أمنية خارج مؤسسات الدولة، بل تحول تدريجيا إلى شبكة مصالح اقتصادية وإدارية وسياسية قادرة على التأثير في القرار العام، وهنا تكمن الأزمة الحقيقية؛ إذ إن أي محاولة لحصر السلاح ستصطدم بحقيقة أن كثيرا من القوى السياسية باتت تنظر إلى هذا السلاح بوصفه ضمانة للاستمرار والنفوذ داخل النظام نفسه؛ لذلك، تبدو المعادلة الحالية أقرب إلى &#8220;تأجيل الصدام&#8221; منها إلى حل جذري للمشكلة، الأمر الذي يبقي الدولة معلقة في منطقة رمادية بين سلطة القانون ومنطق الأمر الواقع.</p>
<p>كما أن المواطن العراقي، الذي يواجه أزمات الخدمات والبطالة وتراجع الثقة بالمؤسسات، لم يعد معنيا كثيرا بخطابات الانتصار السياسي، بقدر اهتمامه بوجود دولة قادرة على توفير الحد الأدنى من الاستقرار وفرص الحياة، فالعراقي الذي ينتظر ساعات طويلة للحصول على الكهرباء، أو يبحث عن وظيفة خارج شبكات الولاء الحزبي، لم يعد يرى في تبدل الوجوه السياسية ضمانة حقيقية للتغيير ما لم ينعكس ذلك على حياته اليومية بصورة ملموسة.</p>
<p>يقف العراق اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تشكيل الحكومات وتوزيع المناصب، فإما أن تنجح حكومة علي الزيدي في الانتقال التدريجي من منطق المحاصصة إلى منطق الإدارة والمؤسسات، عبر إصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية وايجاد حل جذري مع الاقليم، أو أن يستمر التآكل البطيء لهيبة الدولة وثقة المجتمع بها.</p>
<p>إن الاستمرار في سياسة &#8220;ترحيل الأزمات&#8221; لن ينتج سوى انسدادات أكثر تعقيدا في المستقبل، خصوصا في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع ثقة الشارع بالعملية السياسية، ومع ذلك، فإن إمكانية الخروج من هذا المأزق ما تزال قائمة، لكنها تتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة نحو إعادة تعريف فكرة الدولة بوصفها إطارا اتحاديا جامعا لجميع العراقيين، فالعراق اليوم لا يقف فقط عند حافة أزمة سياسية، بل عند حدود اختبار تاريخي بين دولة تتآكل ببطء، ومجتمع لم يفقد بعد رغبته في النجاة.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الحداد الأعور بين بنية الحكي وجرح الجسد: قراءة بنيوية‑نفسية في رواية الكاتب الكوردي كوڤان سندي.- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/11/%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d9%88%d8%b1-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%8a-%d9%88%d8%ac%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 10 May 2026 21:00:37 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106530</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان ٩-٥-٢٠٢٦ صدرت رواية (الحداد الأعور) للكاتب الكوردي كوڤان سندي عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب سنة 2025، وتقع في 252 صفحة من القطع المتوسط.؛ وقد صدرت بالعربية بترجمة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>اقليم كوردستان</p>
<p>٩-٥-٢٠٢٦</p>
<p>صدرت رواية (الحداد الأعور) للكاتب الكوردي كوڤان سندي عن دار نوس هاوس للنشر والترجمة والأدب سنة 2025، وتقع في 252 صفحة من القطع المتوسط.؛ وقد صدرت بالعربية بترجمة كنعان بليج، المترجمة عن الكوردية الكرمانجية إلى العربية، التي نجحت في نقل حساسية النص وأجوائه إلى المتلقی بلغة رصينة وحافظة لنبرة الأصل؛ لوحة الغلاف التي أنجزها الفنان جوان گران تشكل عتبة بصرية دالة، إذ تلتقط توتر الرواية بين جسد معطوب وعالم قاس، وتؤطر سرد الحداد الأعور في مناخ من العتمة والشرر؛ بهذه العناصر المادية والجمالية (دار نشر متخصصة، ترجمة متمكنة، وغلاف معبر) يتعزز حضور الرواية في سياق السرد الكوردي المترجم إلى العربية، وتقدم للمتلقي بوصفها نصا يشتغل بجدية على سؤال الجسد والهامش.<img fetchpriority="high" decoding="async" class="size-full wp-image-106531 alignright" src="https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2026/05/kawe.png" alt="" width="332" height="526" srcset="https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2026/05/kawe.png 332w, https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2026/05/kawe-189x300.png 189w" sizes="(max-width: 332px) 100vw, 332px" /></p>
<p>في زمن تتكاثر فيه الأصوات الروائية التي تكتب عن الخراب العام، تأتي رواية &#8221; الحداد الأعور&#8221; لكاتبها كوڤان سندي،  لتختار زاوية مغايرة؛ لا تبدأ من الكوارث الكبرى ولا من شعارات السياسة، بل من ورشة حدادة صغيرة وجسد رجل ناقص العين، لتعيد عبرهما طرح السؤال القديم‑الجديد: من الأعمى حقا؛ من فقد عينا في وجهه، أم المجتمع الذي فقد بصيرته بأكمله؟ الرواية، في بنيتها وأسلوبها، تنتمي إلى تيار السرد الحداثي الذي يفضل الاقتراب من العالم عبر الشخصيات الهامشية، لكنها تفعل ذلك بوعي فني واضح، يمزج بين واقعية قاتمة ولمسات مجازية تجعل من (العور) أكثر من عاهة جسدية، بل استعارة كبرى للرؤية الملتبسة في زمن مضطرب.</p>
<p>منذ الصفحات الأولى، يقدم النص شخصية الحداد الأعور بوصفها مركز الجاذبية السردية: رجل يشتغل بالنار والحديد، في مهنة تفترض القوة والدقة والصلابة، بينما يحمل في وجهه علامة نقص فادحة، وجسدا يعاني من تعب مزمن، ونفسا مثقلة بما راكمته السنوات من خيبات؛ هذه المفارقة بين قسوة المادة التي يصوغها وبين هشاشة الجسد الذي يحملها، تصبح تدريجيا المفتاح الأهم لفهم الرواية.</p>
<p>أولا: الحداد الأعور… جسد مكسور وكرامة تقاوم</p>
<p>لا تقدم الرواية حدادها الأعور كبطل استثنائي أو (منقذ) رمزي، بل كإنسان عادي إلى حد الألم، يعيش في الهامش الاجتماعي والجغرافي، ويكافح من أجل البقاء اليومي؛ العاهة هنا ليست مجرد تفصيل في الخلفية، بل تذكر المتلقي على الدوام بأننا أمام ذات تعيش فقدا دائما، لا يمكن ترميمه، وأن هذا الفقد ليس منفصلا عن شكل العالم الذي يتحرك فيه.</p>
<p>في الطريقة التي يروى بها الجسد، نلمس حساسية واضحة: لا تقع الرواية في فخ الشفقة، ولا تتورط في تمجيد بطولي مجاني؛ بل تترك الحداد يتكلم من موقعه بوصفه شخصا تعلم أن يتعايش مع نقصه، ويحوله أحيانا إلى سلاح بارد في مواجهة نظرات الآخرين وتعليقاتهم؛ يشتغل الكاتب على تفاصيل صغيرة: كيف يلتقط الضوء في العين السليمة، كيف يتجنب النظر المباشر في وجوه الناس، كيف يعيد ترتيب حركة جسده في الورشة تعويضا عن فقدانه زاوية من مجاله البصري.</p>
<p>من خلال هذه التفاصيل، يتحول الجسد المعطوب إلى مرآة لعطب أوسع: المجتمع نفسه مصاب بعمى من نوع آخر، يرفض أن يرى المهمشين، ويشيح بوجهه عن الآلام اليومية التي لا تدخل في عداد (الأحداث الكبرى؛ المفارقة أن الحداد، الذي يفترض أنه الأقل رؤية، يبدو في لحظات كثيرة أكثر وعيا من الآخرين بما يجري حوله: يلتقط إشارات الخوف في عيون الزبائن، يقرأ في وجوه أبناء الحي آثار الفقر والقهر، ويرى في وجوه رجال السلطة ما يتجاوز مظهرهم الرسمي من هشاشة أو استعلاء.</p>
<p>ثانيا: البناء السردي… زمن متكسر يعكس وعيا متشظيا</p>
<p>لا تقوم رواية (الحداد الأعور) على خط زمني مستقيم يروي حياة البطل من الطفولة إلى اللحظة الراهنة، بل تعتمد شكلا أقرب إلى التقطيع: مقاطع سردية تتقدم وتتأخر، استرجاعات تنفتح من مشهد حالي إلى حادثة قديمة، وثغرات زمنية تترك للمتلقي مهمة إعادة تركيب التسلسل التاريخي للمصائر؛ هذا الاختيار الفني لا يبدو اعتباطيا؛ فهو ينسجم مع طبيعة الوعي الذي تحاول الرواية تجسيده: وعي رجل يعيش الحاضر تحت ثقل الماضي، لا يرى خط الزمن إلا كسلسلة من الصدمات المتراكمة.</p>
<p>الراوي، في معظم المقاطع، يقترب كثيرا من وعي الحداد، سواء تحدث بصوته المباشر أو من خلال راو بضمير الغائب ملتصق بمشاعره وتفاصيل يومه، هذه التقنية تمنح السرد نوعا من الحميمة، وتجعل المتلقي يعيش إلى جوار الشخصية في الورشة والبيت والشارع، من دون مسافة كبيرة أو تعال تأملي. غير أن الراوي لا يكتفي بالتماهي؛ ثمة لحظات يبتعد فيها عن الحداد، ينظر إليه من الخارج، كمن يعاين حالة اجتماعية قبل أن يعاين فردا بعينه، وهو ما يتيح للرواية أن تجمع بين حرارة التجربة الفردية واتساع النظرة الاجتماعية.</p>
<p>كذلك، تبرز في البناء السردي مشاهد مفصلية يعيد النص الدوران حولها من زوايا مختلفة: حادثة مرتبطة بالعاهة أو بجرح سابق، مواجهة مهينة مع سلطة ما، موقف من الماضي العائلي يلقي بظله على الحاضر، هذه المشاهد لا تروى مرة واحدة ثم تنسى، بل تستعاد في لحظات مختلفة، كل مرة مع تفصيل جديد أو شعور مختلف، مما يخلق إحساسا بأن الزمن نفسه جرح مفتوح، لا ينغلق بسهولة.</p>
<p>ثالثا: المكان والهامش… ورشة الحديد كصورة للعالم</p>
<p>تمنح الرواية مكان الحداد – ورشة الحديد – دورا مركزيا، حتى تكاد تتحول إلى شخصية موازية له؛ الورشة ليست مجرد فضاء عمل، بل هي مسرح يومي يمر عبره العالم: زبائن من طبقات مختلفة، أصوات الشارع، أخبار المدينة، شائعات السياسة، وحكايات الناس الصغيرة؛ كل قطعة حديد تشكل هناك، كل شرارة نار تتطاير، تبدو كأنها جزء من إيقاع عالم كامل يعيش على الحافة.</p>
<p>يرسم الحي المحيط بورشة الحداد بوصفه هامشا اجتماعيا: بنايات متعبة، شوارع مكتظة، فقر واضح في التفاصيل اليومية، وأحيانا حضور لسلطات أمنية أو بلدية لا تدخل إلا بوصفها قوة قمع أو تهديد؛ لا نجد في هذا الحي ملامح المدينة الحديثة المترفة، بل ملامح مدينة مهملة، يطالب أهلها بأبسط مقومات الحياة، ويتعاملون مع العنف بوصفه جزءا من العادي اليومي.</p>
<p>من خلال هذا المكان، تطرح الرواية قراءة ضمنية لعلاقة المركز بالهامش: الحداد وأمثاله يدفعون ثمن خيارات سياسية واقتصادية لا يشاركون في صنعها؛ يعملون بأجور زهيدة، ويتعرضون للاستغلال، بينما يعيش أصحاب القرار في فضاءات أخرى، بعيدة جغرافيا ورمزيا، المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل تجسيد لهيمنة بنية اجتماعية لا تعترف بكرامة الأفراد إلا بمقدار ما يخدمون استمرارها.</p>
<p>رابعا: لغة الرواية… بين واقعية حادة وتكثيف مجازي</p>
<p>اللغة في (الحداد الأعور) تنوس بين مستويين: لغة وصفية واقعية دقيقة حين يتعلق الأمر بالتفاصيل اليومية (أصوات الطرق على الحديد، روائح الورشة، عرق الجسد تحت حرارة النار، ملامح الزبائن)، ولغة أكثر تكثيفا حين يغوص السرد في أعماق وعي الحداد، أو حين يتأمل في معنى ما يجري حوله.</p>
<p>الجمل غالبا ليست طويلة متعرجة، بل تميل إلى القِصر والتوتر، وكأنها مطارق صغيرة تضرب على معنى محدد ثم تنتقل إلى غيره؛ هذا الإيقاع يدعم الإحساس بشفافية السرد من جهة، وبتوتر العالم المروي من جهة أخرى؛ فكأن النص نفسه يعيش على حافة الانفجار، كما يعيش بطله على حافة الانهيار أو الانفجار النفسي.</p>
<p>على مستوى المعجم، تهيمن حقول دلالية واضحة: النار، الحديد، العين، العتمة، الوجع، القهر. هذه الكلمات تتكرر بصيغ مختلفة، في السرد والوصف والحوار، فتخلق شبكة من الترابطات تجعل من قراءة الرواية تجربة حسية بقدر ما هي فكرية؛ حين يصف الكاتب النار في الفرن، أو وهج الحديد وهو يطرق، يشعر المتلقي بحرارة المشهد، كما يشعر بثقله الرمزي: هذه النار ليست فقط أداة عمل، بل هي صورة عن عنف العالم، وعن محاولات الإنسان العبثية لتطويع الواقع القاسي.</p>
<p>أما الحوارات، فتأتي في معظم الأحيان طبيعية، منسجمة مع خلفيات الشخصيات ومستواها الثقافي والاجتماعي؛ لا تتحول الشخصيات الفقيرة فجأة إلى فلاسفة، ولا يتحدث رجال السلطة بلغة شاعرية؛ هناك عناية بأن يبقى لكل صوت نبرته الخاصة؛ ومع ذلك، لا يخلو النص من لحظات يلمع فيها صوت الكاتب نفسه عبر جملة مكثفة أو تعليق عابر، يفتح فجأة أفقا فلسفيا فوق المشهد الواقعي، من دون أن يخرجه تماما من سياقه.</p>
<p>خامسا: ثيمات الرواية… العاهة كاستعارة والعنف كبنية</p>
<p>يمكن تلخيص الثيمات الكبرى في الرواية في محورين متداخلين؛  الاول: العاهة كاستعارة للوجود المبتو،: لا تقدم عاهة العين بوصفها حالة فردية فريدة، بل بوصفها صورة مكثفة عن حالة مجتمع يعيش نقصا دائما: نقص العدالة، نقص الأمان، نقص الاعتراف. الحداد الأعور يرى العالم ناقصا، لكنه يدرك تدريجيا أن النقص ليس في عينه وحدها، بل في البنية التي تجعل أمثاله في موقع دائم من الهشاشة.، الثاني :العنف البنيوي في حياة الهامش، العنف في الرواية ليس مجرد ضرب أو إهانة عابرة؛ إنه سلوك يومي مطبع: طريقة تعامل الدولة مع مواطنيها، طريقة تعامل الأغنياء مع الفقراء، وحتى طريقة تعامل بعض المهمشين مع بعضهم بعضا تحت وطأة الضغط؛ يتجلى هذا العنف في اللغة الجافة، في الأوامر الصارمة، في الابتزاز، وفي نظرات الاحتقار، بقدر ما يتجلى في الضرب أو التهديد المباشر.</p>
<p>في تقاطع هاتين الثيمتين، تظهر رسالة الرواية الأعمق: إن الجسد المعطوب ليس حالة شاذة، بل هو نتيجة طبيعية لعالم مختل؛ وإذا كان الحداد الأعور يحمل في وجهه علامة واضحة على هذا العطب، فإن كثيرين من حوله يحملون عاهات أقل ظهورا، لكنها لا تقل قسوة: عاهات الخوف، الجبن، التواطؤ، واللامبالاة.</p>
<p>سادسا: بين التسجيل والاحتجاج… قيمة الرواية في المشهد الراهن</p>
<p>لا تسعى رواية (الحداد الأعور) إلى بناء ملحمة سياسية كبرى، ولا تتورط في سرد تاريخ شامل لحقبة بعينها؛ إنها تكتفي بالاقتراب من جزء صغير من هذا العالم، من ورشة حدادة وشخصية واحدة محورية، لكن هذا الاقتصار ليس تضييقا لأفق الرواية، بل هو على العكس ما يمنحها قوتها: فهي تذكر بأن التاريخ الحقيقي يصنع في التفاصيل الصغيرة، في حياة من لا تذكر أسماؤهم في نشرات الأخبار.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>قيمة الرواية، في المشهد الروائي الحداثي الراهن، أنها تعيد الاعتبار للإنسان العادي جدا، المقهور جدا، من دون أن تحوله إلى بطل خارق أو ضحية لا حول لها ولا قوة؛ الحداد الأعور ليس قديسا ولا وحشا؛ هو إنسان يحاول أن ينجو، يخطئ ويصيب، يستسلم أحيانا ويتمرد أحيانا أخرى، ويقف في منطقة رمادية تعكس تعقيد الواقع الذي يعيش فيه.</p>
<p>من الناحية الفنية، يبقى للرواية بعض مواطن يمكن أن تؤخذ عليها: هناك مقاطع ربما تطول أكثر مما ينبغي، أو ثانوية لا تضيف كثيرا إلى المسار العام، وشخصيات تمر مرورا عابرا كان يمكن تعميق حضورها قليلا لإغناء عالم الحداد وتوسيع شبكة العلاقات من حوله؛ مع ذلك، لا يطغى هذا على الانطباع العام بأننا أمام نص محسوب في لغته، واع في اختياراته البنيوية، ومخلص لرؤيته إلى حد كبير.</p>
<p>في النهاية، يبدو أن &#8221; الحداد الأعور&#8221;  ليست رواية عن إعاقة فرد، بقدر ما هي رواية عن عالم يعري أفراده يوميا، جسديا ومعنويا، ويتركهم يواجهون مصائرهم في ورش صغيرة، وبيوت ضيقة، وشوارع مزدحمة، من دون أن يتكفل حتى بإعطائهم وهم الرؤية الكاملة؛ في هذا العالم، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا هذا الرجل أعور؟ بل: كيف استطاع، رغم عاهته، أن يرى ما لم يرده الآخرون أن يرى؟.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>سيكولوجية الانكسار: لماذا يصب العقل السني غضبه على كوردستان؟ &#8211; د.جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/10/%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%83%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%b5%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/05/10/%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%83%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%b5%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 09 May 2026 21:48:20 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106485</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في المشهد العراقي المعقد، تبرز مفارقة تثير الذهول والأسى في آن واحد؛ شارع يغلي بالمرارة يوجه سهام عدائه نحو إقليم كوردستان وعلمه بحدة تفوق أحيانا عداءه للقوى التي &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في المشهد العراقي المعقد، تبرز مفارقة تثير الذهول والأسى في آن واحد؛ شارع يغلي بالمرارة يوجه سهام عدائه نحو إقليم كوردستان وعلمه بحدة تفوق أحيانا عداءه للقوى التي تهيمن على قراره الوطني؛ إنها ليست مجرد خصومة سياسية عابرة، بل ظاهرة سيكولوجية عميقة ناتجة عن تضارب الهويات وانكسار المشاريع الكبرى، حيث تحول &#8220;الإقليم&#8221; في المخيال السني من شريك في الوطن إلى &#8220;مرآة&#8221; تعكس عجز الذات وخساراتها المتلاحقة.</p>
<p>لقد تشكل هذا العداء عبر عقود من التربية السياسية التي لم تر في الكوردي شريكا، بل &#8220;مشكلة أمنية&#8221; تهدد وحدة الدولة المركزية التي كان السني يرى نفسه حارسها الأمين؛ ومع زلزال 2003، حدث الشرخ الوجودي؛ فحين وجد العرب السنة أنفسهم خارج أسوار السلطة وتحت ركام مدنهم، شاهدوا الصعود الكوردي المنظم كـ&#8221;استفزاز&#8221; واقعي؛ هنا ولدت &#8220;الغيرة السياسية&#8221; التي تحولت بمرور الوقت إلى عداء صريح؛ فنجاح الإقليم في بناء كيان أكثر استقرارا وازدهارا أصبح يقرأ سنيا كـسرقة للاستحقاق الوطني، أو كبناء أقيم على أنقاض دولتهم المفقودة.</p>
<p>أما المفارقة الصادمة في قبول النفوذ الإيراني أو الصمت أمام الفصائل مقابل الهجوم الشرس على الكورد، فتفسيرها الفلسفي يكمن في -إزاحة العداء-، فالمواجهة مع القوة الإيرانية وسطوتها تبدو كلفة انتحارية لجمهور مكسور الجناح، لذا يوجه الغضب نحو -الآخر القريب-(الكوردي)؛ إن الهجوم على أربيل أسهل نفسيا وأقل كلفة أمنيا من انتقاد طهران؛ إنه فعل تعويضي يحاول من خلاله العقل السني استعادة وهم السيطرة على عدو يدرك لغته ويجاور جغرافيا، هربا من مواجهة سيد يفرض إرادته بقوة السلاح.</p>
<p>وفي ما يخص الحساسية المفرطة تجاه العلم الكوردي، فهي تتجاوز كونه رمزا قوميا؛ إذ يمثل للسني فعل الانفصال عن عراق يقدسه في خياله كدولة مركزية قوية، رغم أنه واقعيا لم يعد يملك من هذا العراق إلا الذكريات؛ هذا الانفصام يولد كراهية انتقامية؛ فالفقر والتهميش في المحافظات السنية لا يعزى في خطابهم الشعبي إلى الفشل المركزي أو سطوة الميليشيات فحسب، بل تسلع -رفاهية الإقليم- كسبب لفقرهم، وكأن ازدهار دهوك أو السليمانية هو بالضرورة اقتطاع من حصة الرمادي أو الموصل.</p>
<p>إن ما نراه اليوم هو تجارة بالكراهية تديرها نخب سنية بارعة في فن الانفصام؛ فهي تهاجم الإقليم في الفضائيات لتعبئة الجماهير الغاضبة، بينما تلوذ بقصورها واستثماراتها في أربيل عند أول بادرة خطر؛ ويكتمل هذا المشهد بالسلوك الصبياني لبعض القيادات السنية الحالية، التي تخلت عن رزانة العمل السياسي الممنهج لصالح خطاب انفعالي يفتقر لأدنى معايير المنطق والدولة؛ خطاب لا يرى في القضايا الحساسة إلا وقودا لإثارة مشاعر الجماهير وتجييش عواطفهم، في محاولة بائسة لتعويض الإفلاس البرامجي بمكاسب انتخابية ضيقة، محولين السياسة من فن إدارة المصالح إلى منصة للمزايدات الصبيانية؛ لقد باتت القضية الكوردية السلعة الأكثر رواجا لتغطية الفشل في إنتاج مشروع سني حقيقي، وللهرب من استحقاق مواجهة القوى التي صادرت القرار السني فعليا.</p>
<p>إن هذا الاستقطاب الحاد يشير إلى أزمة معنى وطني؛ حيث أصبح الحقد على نجاح الجار وسيلة لنسيان فشل الدار؛ ولن يبرأ هذا الجرح إلا بمواجهة صادقة مع الذات، تدرك أن عداء الكورد ليس طريقا لاستعادة الحقوق المسلوبة، بل هو استنزاف لما تبقى من وحدة مجتمعية، يخدم في النهاية كل من يريد للعراق أن يبقى ساحة لصراع الهويات المأزومة.</p>
<p>اقليم كوردستان 9-5-2026</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/05/10/%d8%b3%d9%8a%d9%83%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d9%83%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d9%8a%d8%b5%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%84-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>المنطقوية في المجتمع الكوردي: جذور تاريخية وتحديات راهنة (قراءة نقدية متوازنة)- د. جوتيار تمر  إقليم كوردستان</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/06/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b7%d9%82%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d9%8a-%d8%ac%d8%b0%d9%88%d8%b1-%d8%aa%d8%a7%d8%b1/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 06 May 2026 11:17:16 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106419</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; في تاريخ الكورد، لم يكن تقسيم الأرض مجرد خطوط على الخريطة، بل نقطة تحول عميقة أسست لعقود من التجزئة الإداري والسياسي؛ منذ معركة جالديران عام 1514، قسمت كوردستان &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>في تاريخ الكورد، لم يكن تقسيم الأرض مجرد خطوط على الخريطة، بل نقطة تحول عميقة أسست لعقود من التجزئة الإداري والسياسي؛ منذ معركة جالديران عام 1514، قسمت كوردستان بين العثمانيين والصفويين، وهذه التجزئة لم تخلق حدودا سياسية فحسب، بل أعادت إنتاج أنماط قبلية وجهوية كانت موجودة سابقا، وغذت ظاهرة يمكن تسميتها &#8220;المنطقوية&#8221; أي تغليب الانتماء إلى العشيرة أو المنطقة أو الحزب على حساب الهوية القومية الجامعة، مع ملاحظة ان هذه الانماط لم تكن في اصلها سلبية بالضرورة بل كانت تؤدي وظائف اجتماعية تنظيمية في سياقها التاريخي قبل ان تتحول تدريجيا الى عائق امام تشكل الوعي القومي الحديث.</p>
<p>هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، ولا هي &#8220;خطيئة&#8221; أخلاقية يتحملها طرف دون آخر، بل هي نتاج تراكمي لعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية، نرى آثارها في توزيع الولاءات السياسية، وفي خطاب المثقفين الذين يعرفون أنفسهم أحيانا بمدنهم أو عشائرهم قبل أن يعرفوا أنفسهم بـ&#8221;كوردستانيين&#8221;، بل وحتى في الفلكلور، حيث تتحول بعض الأغاني الشعبية من جسور للوحدة إلى أدوات تمجيد محلي، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان هذا التمظهر لا يلغي وجود تيارات ثقافية قومية سعت تاريخيا الى بناء خطاب وحدوي جامع.</p>
<p>من الإنصاف القول إن الأحزاب الكوردية خاصة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني لعبت دورا أساسيا في الحفاظ على الهوية الكوردية وتأسيس مؤسسات دولة في إقليم كوردستان لم تكن موجودة من قبل، لكن في المقابل، برزت ممارسات أخرى ساهمت في تعميق &#8220;المنطقوية&#8221; بدلا من حلها، وهذا تناقض يجب مناقشته بصراحة؛ الصراع بين هذه الأحزاب لم يكن مجرد تنافس سياسي على البرامج، بل أعاد أحيانا إنتاج المنطقوية نفسها، حيث رسخ كل حزب نفوذه في منطقة محددة، وأقام مؤسسات تعليمية وإعلامية واقتصادية مرتبطة به، مما جعل الولاء الحزبي يتجاوز الولاء الوطني؛ مع دخول حزب العمال الكوردستاني على خط الصراع في التسعينيات، تحولت بعض المناطق إلى ساحات تنافس دموي؛ هذا التداخل بين العشيرة والحزب جعل المنطقوية أكثر رسوخا، بحيث صار الانتماء الحزبي امتدادا للانتماء العشائري أحيانا، دون اغفال تأثير العوامل الاقليمية والدولية التي غذت هذا الانقسام بشكل مباشر او غير مباشر عبر الدعم او الاحتواء او الصراع بالوكالة.</p>
<p>ويضاف إلى ذلك البعد الاقتصادي المحرك لهذه الظاهرة؛ فالتفاوت في توزيع الموارد، ومركزية المشاريع التنموية في مناطق دون غيرها، خلق نوعا من &#8220;المنطقوية الدفاعية&#8221;؛ فحين يشعر الفرد في منطقة معينة بالتهميش الاقتصادي أو غياب العدالة في توزيع الثروة، فإنه يرتد تلقائيا نحو هويته الفرعية (المنطقية أو العشائرية) كدرع للمطالبة بالحقوق، مما يحول الصراع من صراع وطني شامل إلى نزاع جهوي على المكتسبات المادية، وهو ما يمكن تفسيره ضمن مقاربات سوسيولوجية ترى ان الهوية الفرعية تنشط في ظروف الاختلال البنيوي وغياب العدالة التوزيعية.</p>
<p>هذه الانقسامات لا تقتصر على جنوب كوردستان &#8211; اقليم كوردستان العراق -، بل تمتد إلى شمال كوردستان – تركيا- ، وشرق كوردستان – إيران -، وغرب كوردستان -سوريا-، حيث تتوزع الولاءات بين الأحزاب والعشائر والمكونات، مع اختلاف السياقات السياسية والقانونية في كل جزء وما تفرضه من اشكال تنظيم وتعبير مختلفة؛ النتيجة أن كوردستان تبقى فسيفساء غنية، لكن ألوانها لا تنسجم دائما لتشكل لوحة واحدة، وحتى الفلكلور لم يسلم من هذا كليا، فبعض الأغاني تمجد مدينة على حساب أخرى، بينما تهمش أعمالا قومية جامعة مثل ملحمة &#8220;مم وزين&#8221; لأحمد خاني التي دعت صراحة إلى وحدة الكورد؛ قد ينشأ الطفل الكوردي في بيئة تعظم مدينته أو منطقته أو حزبه، وقد لا يلم الصورة الكاملة لكوردستان؛ هذه ليست &#8220;خطيئة&#8221; فردية، بل فجوة تعليمية وثقافية وتربوية تحتاج إلى معالجة، خاصة في ظل غياب سردية تعليمية موحدة على مستوى كوردستان ككل.</p>
<p>المنطقوية ليست قدرا محتوما، بل تحد يمكن تجاوزه بالوعي والإرادة والمؤسسات؛ معالجتها تحتاج إلى خطوات عملية، وليست مجرد شعارات عاطفية؛ فإصلاح التعليم عبر مناهج دراسية تبرز تاريخا قوميا موحدا، وتعرف الطفل الكوردي بكوردستان كلها، مع نقد موضوعي للعشائرية كعائق للوحدة دون شيطنة للعشيرة ككيان اجتماعي؛ و فصل الحزب عن المنطقة بالضغط على الأحزاب لتبني آليات تداول المناطق وعدم تحويل إقليم معين إلى مملكة صغيرة تابعة لحزب واحد لعقود، مع ضرورة ترسيخ مؤسسات دولة فوق حزبية تضمن حياد الادارة العامة؛ الحزب يجب أن يخدم القومية، لا أن يحل محلها؛ فضلا عن إحياء الفولكلور الجامع عبر مهرجانات قومية مشتركة في مواقع رمزية مثل قلعة أربيل أو مهاباد، أو بحيرة وان، أو قامشلو، تتجاوز حدود العشائر والأحزاب، مع إعادة الاعتبار للرموز الجامعة كرموز وطنية لا حزبية ضيقة؛ كما ان تشجيع لقب &#8220;الكوردستاني&#8221; وتحويل الهوية من &#8220;سوراني أو بهديناني أو كرمانجي أو زازائي&#8221; إلى &#8220;كوردستاني&#8221; في الاستخدام اليومي والحكومي والإعلامي، يعد ضرورة ملحة لغرس الانتمائي القومي الوطني بدل الانتماء المنطقوي، مع التأكيد على ان هذا التحول لا يعني الغاء الخصوصيات اللغوية والثقافية بل ادماجها ضمن اطار جامع، مع الاستفادة من تجارب الآخرين، مثل دراسة النموذج الألماني في توحيد الولايات المختلفة بعد الحرب العالمية الثانية، بل وحتى تجارب مصالحة قبلية في المجتمعات العربية، مع الحذر من النقل الحرفي للتجارب دون مراعاة الخصوصية الكوردستانية.</p>
<p>السؤال الذي يواجه كل كوردي اليوم ليس &#8220;من أي عشيرة أنت؟&#8221; ولا &#8220;من أي حزب أنت؟&#8221;، بل &#8220;هل أنت كوردستاني أم لا؟&#8221;. حين يتحول الانتماء من عشيرتي ومنطقتي وحزبي إلى &#8220;كوردستاني&#8221;، يصبح الكورد أمة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية معا، دون أن يفقد أحد خصوصيته المحلية أو فولكلوره المتنو؛  التنوع غنى، لكنه يتحول إلى ضعف حين لا يجمعنا شيء يعلوه، وهو ما يتطلب بناء وعي جمعي يتجاوز الانتماءات الدنيا دون ان ينفيها.</p>
<p>هذا المقال ليس هجوما على العشائر أو الأحزاب أو المدن؛ هو دعوة للمراجعة الذاتية داخل المجتمع الكوردي، بروح نقدية بناءة، وليس بهدف التدمير أو الإقصاء؛ الجرح التاريخي قد أغلق منذ زمن، لكن ندوب المنطقوية تحتاج إلى علاج مختلف، علاج يقوم على المعرفة والمؤسسات والعدالة قبل الشعارات.</p>
<p>( 6-5-2026)</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الصراع السني-السني في الحاضر: من تعدد المدارس إلى تنازع الشرعيات- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/02/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b6%d8%b1-%d9%85%d9%86-%d8%aa%d8%b9%d8%af%d8%af-%d8%a7%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 02 May 2026 18:07:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106345</guid>

					<description><![CDATA[&#160; إقليم كوردستان 2-5-2026 لا يمكن قراءة الصراع السني-السني المعاصر بوصفه مجرد خلافات فقهية أو كلامية داخلية، لأن صورته الحالية أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يتمحور اليوم حول من يملك &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>إقليم كوردستان 2-5-2026</p>
<p>لا يمكن قراءة الصراع السني-السني المعاصر بوصفه مجرد خلافات فقهية أو كلامية داخلية، لأن صورته الحالية أوسع من ذلك بكثير؛ فهو يتمحور اليوم حول من يملك حق تعريف السنة، ومن يحتكر التمثيل الديني، ومن يضبط المجال العام باسم الشرع، في سياق صار فيه المجال السني ساحة تنافس بين الدولة، والمؤسسات الدينية، والحركات الإسلامية، والاتجاهات السلفية، والشبكات الإعلامية الرقمية؛ وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن المجال السني لم يعد محكوما بسلطة علمية واحدة، بل خضع لتحولات عميقة جعلت الشرعية نفسها موضوعا للصراع لا مجرد خلفية له.</p>
<p>تقوم هذه الدراسة على سؤال مركزي بسيط في صياغته، عميق في دلالته: كيف تحول الخلاف السني من اختلاف في الفقه والعقيدة إلى صراع على الشرعية الدينية والسياسية؟ والجواب المختصر هو أن المجال السني الحديث مر بتحولات كبرى، أبرزها صعود الدولة القومية، وتأميم المجال الديني، وضعف المرجعية التقليدية الجامعة، ثم اتساع الإعلام الرقمي الذي فكك احتكار العلماء والمؤسسات القديمة للخطاب؛ وبذلك لم يعد الخلاف يدور فقط حول صحة الرأي أو بطلانه، بل حول من يملك حق الكلام باسم الجماعة، ومن يحدد ما يعد سنة وما يعد خروجا عنها.</p>
<p>ومن المهم، منذ البداية، التنبيه إلى أن &#8220;أهل السنة والجماعة&#8221; لم يكونوا تاريخيا كيانا أحاديا مغلقا، بل تشكلوا عبر مدارس متعددة في الفقه والكلام، أهمها الحنبلية والأشعرية والماتريدية، مع فروق معتبرة في التأويل وحدود العقل ومكانة النص؛ وقد ارتبط هذا التعدد في مراحل تاريخية مختلفة بصراع على النفوذ العلمي والسياسي، بحيث لم يكن الخلاف مجرد &#8220;اختلاف علمي مشروع&#8221; بالمعنى المدرسي البسيط، بل أحيانا تنازعا على من يملك تعريف الجماعة والبدعة والحق؛ ولهذا، فإن فكرة الوحدة السنية المطلقة تبدو أقرب إلى بناء معياري متأخر منها إلى وصف دقيق لتاريخ السنة بوصفه تاريخا حيا للتنوع والتنافس في آن واحد.</p>
<p>أبرز ما يميز الحاضر هو تدخل الدولة في المجال الديني بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فالدولة العربية الحديثة  مثلا سعت، بدرجات متفاوتة، إلى ضبط التعليم الديني والفتوى والوقف والمنابر، حتى يصبح الدين مجالا منظما يخدم الاستقرار السياسي ويحد من إمكانات المعارضة؛ وفي المقابل، ظهرت حركات دينية تسعى إلى استعادة الدين من الدولة، لكنها كثيرا ما نقلت الصراع من مستوى الفقه إلى مستوى الهيمنة، إذ أصبحت هي الأخرى تطمح إلى السيطرة على المجال العام باسم الشمولية الإسلامية، وهنا يبرز بعد إقليمي عابر للحدود، حيث لم يعد الصراع محليا بحتا، بل صار انعكاسا لتنافس مراكز دينية إقليمية كبرى تسعى كل منها لتصدير نموذجها الخاص عن &#8220;السنة &#8221; ورعاية شبكات من الفاعلين المحليين لتعزيز نفوذها الجيوسياسي تحت غطاء مذهبي.</p>
<p>وفي هذا السياق يمكن تحديد أهم معالم الصراع السني-السني اليوم في عدد من الظواهر المتداخلة؛ أولها تعدد المرجعيات، إذ لا توجد اليوم سلطة سنية جامعة واحدة، بل مؤسسات رسمية ومرجعيات دعوية وفاعلون إعلاميون وحركات سياسية، وكلها تتنازع حق التمثيل؛ وثانيها صراع التأويل، حيث يستمر الخلاف بين الاتجاهات التي تميل إلى الحرفية النصية وتلك التي تفتح مجالا أوسع للتأويل، سواء في العقيدة أو الفقه أو السياسة؛ وثالثها صراع المنبر والفتوى، إذ لم يعد العالم التقليدي وحده من يحدد ما هو صحيح، لأن المنصات الرقمية والإعلام الجديد صارت تنتج سلطة بديلة أو موازية، ويرتبط هذا الصراع ارتباطا وثيقا بـ &#8220;أزمة التمويل&#8221; والمال السياسي الديني؛ فحيثما وجد التمويل وجدت المنصة، مما جعل القدرة على حشد الموارد المادية عاملا حاسما في ترجيح كفة خطاب ديني على آخر، وتحويل الولاءات العلمية إلى ولائات نفعية أحيانا،  ورابعها صراع الهوية السنية ذاتها، إذ تحتكر بعض الخطابات معنى &#8220;السنة الصحيحة&#8221;، وتقصي المخالف داخل المجال السني نفسه؛  وخامسها صراع التمثيل السياسي، الذي يظهر بوضوح في بعض البيئات، ولا سيما  في دول كالعراق، حيث تحول التنافس السني إلى صراع على كتلة برلمانية موحدة أو قيادة سياسية جامعة.</p>
<p>وتكشف الحالة العراقية هذا التحول بصورة واضحة، لأن الخلاف السني هناك لا يظهر فقط بوصفه نقاشا عقديا أو فقهيا، بل بوصفه تنافسا مباشرا على التمثيل والموارد والزعامة والعلاقة مع الدولة؛ فالأخبار الحديثة تتحدث عن تشكيل ائتلاف سني جديد يهدف إلى توحيد التمثيل البرلماني السني بعد الانقسامات المتكررة، وهو ما يدل على أن الصراع لم يعد محصورا في المجال الرمزي، بل دخل في قلب الحسابات السياسية، كما أن الساسة الذين يتصدرون مشهد التمثيل السني باتوا يمثلون &#8220;نخبة لادينية&#8221; تعيد تأثيث وجودها من خلال تغذية النزعات الصدامية مع الخصوم، واحتكار الحقد السياسي كأداة وحيدة لتعريف هويتها في مواجهة المنافسين، وأمام هذا الصراع النخبوي، يقف &#8220;الجمهور السني البسيط&#8221; في حالة من الحيرة أو الاغتراب؛ فالتنازع المستمر بين المرجعيات قد يؤدي برجل الشارع إما إلى التدين الفردي المنعزل، أو في حالات أخطر، إلى نوع من &#8220;العلمانية النفسية&#8221; نتيجة فقدان الثقة في المؤسسة الدينية والسياسية المتصارعة.</p>
<p>ومن أبرز التحولات الحاسمة في الحاضر أن الشرعية لم تعد تمنح فقط عبر الإجازة العلمية أو المنصب الديني، بل عبر الانتشار الرقمي، والقدرة على صناعة الجمهور، واحتلال المجال الإعلامي، وقد جعل هذا التحول بعض الأصوات الأكثر إثارة أو حدة أكثر حضورا من العلماء المؤسسين، وخلق نوعا من المنافسة بين العالم التقليدي والداعية المؤثر،  ومن منظور سوسيولوجي يمكن القول إن الصراع السني-السني المعاصر انتقل من اختلاف المدارس إلى تنازع البنى؛ فالخلاف القديم كان في الغالب حول مسائل العقيدة أو الاستنباط، أما الحاضر فصار يدور حول من يملك المؤسسة، ومن يملك التمويل، ومن يملك المنصة، ومن يملك الشرعية أمام الدولة والجمهور.</p>
<p>وبغض النظر عن  هذا التحليل، يبقى من الضروري استشراف الاتجاهات المقبلة؛ فالمرجح أن الصراع سيتجه إما إلى استمرار تفتت المرجعيات، أو تعاظم دور الشبكات الرقمية، أو إعادة تمركز القوى حول الدولة؛ وفي كل هذه المسارات سيبقى السؤال الحاسم هو: هل يتجه المجال السني إلى مزيد من الانقسام، أم إلى إعادة بناء مرجعية مرنة قادرة على استيعاب التعدد دون أن تتحول إلى صراع إقصائي؟.</p>
<p>الصراع السني-السني اليوم هو صراع على تعريف السنة، وتمثيلها، وإدارتها داخل الدولة والمجتمع والإعلام؛ وهو مؤشر على الكيفية التي تعاد بها صياغة المرجعيات الدينية في زمن تتغير فيه أدوات التأثير أسرع من تغير المؤسسات نفسها.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الكورد في الوجدان الشيعي: بين متاريس الرواية وفضاءات الفتوى- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/04/29/%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d8%af%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%b9%d9%8a-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%b3-%d8%a7%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 29 Apr 2026 09:23:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106264</guid>

					<description><![CDATA[&#160; تتجلى العلاقة بين الكورد والوجدان الشيعي في أفق معقد، كأنها صفحة من التاريخ كتبت على عجل في لحظة توتر، ثم أعيدت قراءتها في أزمنة لاحقة بعيون مختلفة، فهي لم &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>تتجلى العلاقة بين الكورد والوجدان الشيعي في أفق معقد، كأنها صفحة من التاريخ كتبت على عجل في لحظة توتر، ثم أعيدت قراءتها في أزمنة لاحقة بعيون مختلفة، فهي لم تكن يوما علاقة مستقرة على معنى واحد، ولا خاضعة لحكم نهائي، بقدر ما تشكلت عند تقاطع الرواية والفقه والسياسة، حيث تتنازعها نصوص قديمة، وتعيد تشكيلها مواقف مرجعية، وتدفعها الوقائع نحو مسارات لم تكن دائما منسجمة مع أصولها الأولى.</p>
<p>في بعض المدونات الحديثية القديمة، ترد نصوص منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق، تتناول الكورد بلغة تثير التساؤل أكثر مما تقدم جوابا، وتميل إلى توصيفات لا يستقيم معها الاطمئنان إلى ثبوتها أو تعميمها، غير أن العقل الشيعي، في بنيته الأصولية، لا يقف عند ظاهر النقل، بل يعيد مساءلته وفق معايير النقد السندي والدلالي، وهو ما دفع عددا من المحققين إلى اعتبار هذه الأخبار من قبيل الآحاد التي لا تنهض لبناء حكم عام، بل إن بعضها يبدو أقرب إلى انعكاس لظروف تاريخية مخصوصة، جرى اقتطاعها من سياقها، حتى بدت في قراءة لاحقة وكأنها حكم مطلق، ومن هنا، فإن استدعاءها خارج ميزان المقاصد الشرعية لا يفضي إلا إلى تشويه الفهم، خاصة (يفترض) في ضوء مبدأ إسلامي راسخ يجعل التقوى، لا الانتماء القومي، معيار التفاضل.</p>
<p>في مقابل هذه الروايات، يبرز موقف مرجعي حديث أعاد توجيه البوصلة نحو معناها الأصيل، تمثل في فتوى المرجع محسن الحكيم عام 1965، التي حرم فيها قتال الكورد، وأكد انتماءهم إلى الجماعة الإسلامية، وصيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لم تكن هذه الفتوى مجرد استجابة لظرف سياسي، بل كانت إعلانا صريحا عن أولوية المبدأ على الصراع، وانتصارا لفقه المقاصد على ضيق القراءة الحرفية، وفي تلك اللحظة، لم تعد الفتوى نصا فحسب، بل تحولت إلى موقف أخلاقي يعيد الاعتبار للإنسان قبل الهوية، وللعدل قبل الاصطفاف.</p>
<p>ولا ينفصل هذا الموقف عن واقع اجتماعي شهد، في مسارات متعددة، أشكالا من التداخل بين الكورد والشيعة، فالكورد الفيلية يمثلون نموذجا حيا لهذا التداخل، حيث التقت الهوية القومية بالانتماء المذهبي في سياق واحد، وأسهموا في الحياة الدينية والعلمية داخل بيئات الحوزات، كما أن محبة أهل البيت لم تغب عن قطاعات من الكورد السنة، خاصة في البيئات المتأثرة بالتصوف، بما يعكس وجود بعد وجداني مشترك يتجاوز الحدود الفقهية، وهكذا، تبدو الحياة الاجتماعية أوسع من أن تختزلها رواية، وأكثر تعقيدا من أن تحسمها فتوى منفردة.</p>
<p>أما في إيران، فإن المشهد يزداد تركيبا، لتداخل الديني بالسياسي في بنية الدولة، فالعلاقة مع الكورد هناك لا تفهم بوصفها صراعا مذهبيا خالصا، بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة المركزية وحساسيتها تجاه النزعات القومية في أطرافها، وبينما لا تنطلق المؤسسة الدينية، من حيث الأصل، من موقف إقصائي تجاه الكورد، فإن الدولة، بمنطقها السيادي، تتعامل مع أي نزوع نحو الاستقلال بوصفه تحديا لوحدة المركز، ومن هنا، جاءت التوترات في سياق سياسي-قومي بالدرجة الأولى، وإن لم تخل من توظيفات مذهبية في بعض المراحل، ومع ذلك، ظل التعايش اليومي بين الكورد والشيعة قائما في كثير من البيئات، بعيدا عن منطق القطيعة الشاملة.</p>
<p>وفي العراق بعد 2003، وجدت هذه العلاقة نفسها أمام اختبار قاس، مع تصاعد النزاعات في مناطق مثل كركوك وسنجار وطوز خورماتو، غير أن هذه التوترات، على شدتها، لا تعكس بالضرورة امتدادا لخصومة دينية مذهبية راسخة، بقدر ما تعبر عن صراع على السلطة والموارد في إطار دولة لم تستقر بعد على عقد جامع، وتكمن الخطورة حين يستدعى التراث لتبرير الحاضر، أو تلبس الأزمات السياسية لبوسا مذهبيا يمنحها شرعية مفتعلة، فيتحول النص من موضوع للنقد إلى أداة في الصراع.</p>
<p>إن فهم هذه العلاقة يظل رهينا بالتمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: المروي، بوصفه نصا تاريخيا يخضع للنقد؛ والمفتى به، بوصفه تعبيرا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان؛ والممارس سياسيا، حيث تتحرك الدول والجماعات وفق منطق المصلحة والقوة، ومن دون هذا التمييز، يغدو الحكم أسير قراءة مجتزأة، تختزل التاريخ في رواية، والواقع في أزمة.</p>
<p>وعليه، فإن القراءة المتوازنة لا تقف عند ما سطر في بطون الكتب، بقدر ما تنظر إلى ما استقر في الضمير الفقهي حين واجه الواقع، وإلى ما أنتجه التفاعل الاجتماعي من صيغ للتعايش.،فالكوردي، في هذا السياق، ليس موضوع رواية عابرة، ولا طرفا في خصومة دائمة، بل هو جزء من نسيج إنساني أوسع، تشكله قيم العدل بقدر ما تصوغه وقائع التاريخ.</p>
<p>اقليم كوردستان 29-4-2026</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الشرق الأوسط لا يحارب من أجل الحدود، بل من أجل قواعد اللعبة الجديدة- د. جوتيار تمر </title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/04/26/%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%88%d8%b3%d8%b7-%d9%84%d8%a7-%d9%8a%d8%ad%d8%a7%d8%b1%d8%a8-%d9%85%d9%86-%d8%a3%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%af%d9%88%d8%af%d8%8c-%d8%a8%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 26 Apr 2026 15:01:18 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106195</guid>

					<description><![CDATA[&#160; &#160; عندما ننظر إلى الحرب الجارية في الشرق الأوسط، فإننا لا نتابع مجرد تبادل تقليدي للنيران بين خصوم معروفين، بل نعاين لحظة أعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة في &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>عندما ننظر إلى الحرب الجارية في الشرق الأوسط، فإننا لا نتابع مجرد تبادل تقليدي للنيران بين خصوم معروفين، بل نعاين لحظة أعمق تتعلق بإعادة تعريف مفهوم القوة في الإقليم. لم تعد المسألة تختزل في حجم الترسانة العسكرية أو قدرة الردع المباشر، بل باتت ترتبط بقدرة الفاعلين على تحويل الفوضى إلى أداة سياسية، وعلى إدارة الزمن النفسي للصراع بقدر إدارة الميدان نفسه، الخطأ الشائع في كثير من التغطيات يكمن في التعامل مع الحرب بوصفها حدثا منفصلا، في حين أنها تمثل حلقة ضمن مسار أطول لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، هنا، تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، والردع مع الاقتصاد، والتحالفات مع العقوبات، والميدان العسكري مع الفضاء السيبراني؛ ومن ثم، فإن السؤال الأعمق لم يعد: من بدأ ومن رد؟ بل: من يمتلك القدرة على التأثير في شكل النظام الذي سيتشكل بعد هذه الحرب؟.</p>
<p>لم تعد الحرب، في صورتها الراهنة، تقليدية بالمعنى الكلاسيكي. فهي لا تدار فقط بالدبابات والطائرات، بل أيضا بالطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، وأدوات الاستنزاف الاقتصادي والنفسي، وإلى جانب ذلك، يبرز عنصر غالبا ما يهمل في التحليل، هو المياه بوصفها أداة ضغط غير مباشرة، فالتوترات المرتبطة بتدفقات نهري دجلة والفرات، والسياسات المائية الإقليمية، تكشف أن التحكم بالموارد قد يوازي في تأثيره بعض أدوات القوة الصلب،اليوم، قطرة ماء قد تساوي قنبلة، وفي سياق مواز، اتجهت بعض الدول إلى الاستثمار في الأمن الغذائي خارج حدودها، في مؤشر على إدراك مبكر لطبيعة التحديات القادمة، نحن، إذا، أمام نمط من الصراع يميل إلى الإطالة لا الحسم، حيث يصبح تقليل الخسائر الداخلية هدفا لا يقل أهمية عن إلحاق الضرر بالخصم، وتتحرك القوى ضمن مساحة رمادية بين الحرب الشاملة والسلم المستقر.</p>
<p>لا تحسم المعارك اليوم في الجغرافيا وحدها، بل في وعي الفاعلين وإدراكهم، القدرة على خلق قدر من الغموض المقصود – سواء عبر تأخير تبني العمليات أو نفيها – أصبحت أداة لإدارة التصعيد، بعض أنماط السلوك العسكري تعكس ما يمكن وصفه بـ&#8221;الانتظار المسلح&#8221;، حيث لا يكون الرد فوريا، بل مؤجلا لتحقيق أثر نفسي مضاعف، في هذا السياق، لم يعد الضغط مقتصرا على الجيوش، بل يمتد إلى المجتمعات، حيث تتحول إدارة القلق والتعب العام إلى عنصر في الحسابات الاستراتيجية، وهذا ما يفسر جزئيا استمرار حروب لا تنتهي بانتصارات حاسمة.</p>
<p>بالنسبة لدول الخليج، لا تقرأ هذه الحرب من زاوية عسكرية فحسب، بل من منظور اقتصادي وسيادي معا، فالتصعيد الواسع يهدد استقرار أسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وأنماط الحماية الدولية، لكنه قد يفتح في الوقت ذاته نوافذ لإعادة تموضع إقليمي، لذلك يظهر سلوك مزدوج: خطاب تهدئة في العلن، يقابله استعداد محسوب لمواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار، هذه المقاربة لا تعكس تناقضا بقدر ما تعبر عن انتقال في نمط التفكير، من ردود الفعل السياسية إلى إدارة المخاطر بمنطق أقرب إلى إدارة المحافظ الاقتصاد، الخليج اليوم لا يراهن على الفائز، بل على من لا يخسر.</p>
<p>أما على مستوى الفاعلين الإقليميين، فتختلف زوايا النظر دون أن تنفصل عن منطق الاستنزاف، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على معادلة ردع تمنع تهديد بيئتها الأمنية، مع محاولة إعادة رسم حدود هذا الردع كلما سنحت الفرصة، في المقابل، تميل إيران إلى تبني مقاربة تقوم على توزيع الضغط عبر مساحات متعددة، بما يحد من قدرة الخصوم على تحقيق إنجاز سياسي واضح وسريع،  وبين هذين المنظورين، تتحرك تركيا ضمن معادلة معقدة تمزج بين اعتبارات الأمن الحدودي، والملف الكوردي، والضغوط الاقتصادية الداخلية، ما يدفعها إلى تجنب الانفجار الشامل مع السعي إلى إعادة التموضع كلما تغيرت موازين القوى.</p>
<p>يعود أحد أسباب تحول الحروب في المنطقة إلى صراعات طويلة إلى إدراك متزايد لدى بعض الفاعلين بأن الحسم الكامل قد يفتح الباب أمام فراغات يصعب التحكم بها، سواء عبر صعود جماعات مسلحة أو تدخلات خارجية مباشرة، من هنا، يظهر نمط من &#8220;إدارة التوازن الهش&#8221;، حيث لا يكون الهدف تحقيق نصر نهائي بقدر ما هو منع الخصم من تحقيق نصر مماثل، هذه المقاربة لا تعني غياب الصراع، بل إعادة تعريفه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها نسبيا.</p>
<p>غير أن الخطأ في النقاش العام يكمن في افتراض أن نهاية العمليات العسكرية تعني نهاية الحرب، في الواقع، غالبا ما تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدا بعد وقف إطلاق النار: إعادة الإعمار، وضبط الترتيبات الأمنية، وإعادة توزيع النفوذ، وإعادة إنتاج الشرعية السياسية، وهذه كلها عناصر تكشف أن القيمة الحقيقية للحرب لا تتحدد فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بما تتيحه من فرص لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.</p>
<p>إن ما نشهده اليوم يمكن قراءته بوصفه إحدى أبرز تجليات التحول في أنماط الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأدوات الصلبة والناعمة، وتتراجع فكرة الحسم لصالح إدارة الصراع، لم تعد الحدود وحدها هي محور النزاع، بل أصبحت الموارد، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والوعي المجتمعي عناصر أساسية في معادلة القوة، لذلك، فإن فهم هذه الحرب لا يكتمل عبر تتبع خطوط النار فقط، بل عبر قراءة ما يجري تحتها: إعادة توزيع بطيئة، لكنها عميقة، لمصادر القوة، . وفي هذا المستوى تحديدا، يتحدد من سيملك القدرة على الإسهام في صياغة النظام الإقليمي القادم،  في الشرق الأوسط، لا تحسم الحروب بمن يطلق النار أولا، بل بمن ينجح في كتابة قواعد ما بعد النار.</p>
<p>اقليم كوردستان  26-4-2026</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>كركوك )العراق واقليم كوردستان(: من فقدان الهيبة الى ازمة الهوية- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/04/17/%d9%83%d8%b1%d9%83%d9%88%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d9%88%d8%a7%d9%82%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%83%d9%88%d8%b1%d8%af%d8%b3%d8%aa%d8%a7%d9%86-%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%82%d8%af%d8%a7%d9%86/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 17 Apr 2026 20:36:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105971</guid>

					<description><![CDATA[&#160; اقليم كوردستان / 17-4-2026 لم تعد كركوك مجرد مدينة تتنازعها الخرائط، بل صارت مرآة تكشف اختلالات العراق وعجز بنيته السياسية وارتباك وعيه العام، فالازمة لم تعد صراعا على النفوذ &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>اقليم كوردستان / 17-4-2026<br />
لم تعد كركوك مجرد مدينة تتنازعها الخرائط، بل صارت مرآة تكشف اختلالات العراق وعجز بنيته السياسية وارتباك وعيه العام، فالازمة لم تعد صراعا على النفوذ او الموارد، بل انكشافا شاملا: انكشاف الدولة حين تتراجع، وانكشاف القانون حين يستبدل بالمجاملة، وانكشاف الخطاب حين يعلو الصخب على الفعل. وتذهب بعض القراءات الى ان كركوك تعيد تشكيل المشهد السياسي العراقي عبر صراع الهوية وتوتر العلاقة بين المركز والاطراف.<br />
في العراق اليوم، لا يدار الصراع بمنطق الدولة بقدر ما يدار بمنطق القوى المتنافرة التي تتقاطع فوق ارضه، وتتنازع على جسده، وتترك روحه معلقة بين الشك والخذلان، تتجاور الميليشيا والسياسة، ويتداخل السلاح مع الخطاب، وتتحول السيادة الى كلمة تقال اكثر مما تمارس، وحين تفقد الدولة هيبتها، تفقد قدرتها على ان تكون مرجعا، ويحل محلها البديل الاكثر قسوة: الفوضى المقنعة بلغة الشرعية.<br />
في قلب هذه المعادلة، تبدو اربيل اكثر من مجرد عاصمة اقليمية؛ انها عنوان للكرامة السياسية ورمز لتجربة كوردية طويلة في الدفاع عن الحق والهوية، لذلك فإن استهدافها المتكرر، سواء بالضغط السياسي او بالقصف او بحملات التشويه، ليس حدثا عابرا بل محاولة لاضعاف المعنى قبل المكان، فحين تستهدف اربيل، فإن الرسالة تتجه الى فكرة اوسع؛ ان الكرامة يمكن ان تستنزف، وان الثبات يمكن ان يحاصر، وان الصمود قد يصبح موضع سخرية في زمن يعلو فيه الضجيج الرقمي على الحقيقة.</p>
<p>ولم يعد تعيين محافظ كركوك مجرد تفصيل إداري، بل صار مؤشرا على اختلال أعمق في توازن الهوية داخل المدينة، فحين تتقدم الولاءات العابرة على الانتماء المحلي، تصبح كركوك عرضة لمزيد من التشظي، ويتحول الصراع فيها من تنافس سياسي إلى نزاع على معنى الهوية نفسها.<br />
لكن الخطر الاكبر لا يأتي من الخارج وحده، بل من التصدعات الداخلية التي تجعل الجسد الكوردي نفسه عرضة للنزف. حين تتحول الحسابات الضيقة الى مواقف سياسية، وحين تصبح الخلافات اصطفافات ضد المصلحة العليا، وحين يعامل الملف الوطني كأنه ورقة تفاوض لا قضية وجود، تكون النتيجة افدح من خسارة معركة: انها خسارة المعنى. ولعل المأساة الاكثر قسوة لا تكمن في ضغط الخصوم وحده، بل في اهتزاز البيت الكوردي من داخله الى درجة بات فيها بعضهم يتصرف وكأن كركوك عبء يمكن التنازل عنه مقابل وهم اسقاط اربيل او اضعافها؛ هنا تتجلى الفجوة بين الحسابات الضيقة والوعي التاريخي، وبين من يرى في كركوك قضية وجود لا ورقة مساومة، وبين من يظن ان خصومة الداخل قد تفتح له باب النفوذ، غير ان التخلي عن كركوك لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يكشف تصدعا في البنية الذاتية، ويعري خللا في فهم المعركة، لأن من يفرط برمز من رموز الهوية لا يستطيع أن يبني هيبة، ومن يضحي بجزء من الذاكرة طمعا في إضعاف المركز – أربيل -، إنما يساهم في تفكيك الكل لا في إنقاذه. وكركوك في هذا السياق ليست مدينة فقط، بل ذاكرة مشحونة بالتاريخ وامتحان متجدد للهوية وسؤال يلاحق الجميع: من يملك الحق في الارض اذا تخلى اهلها عن معنى الدفاع عنها؟.<br />
اما السخرية التي تضج بها المنصات، فهي لا تكشف قوة خصوم اربيل بل خواءهم الاخلاقي والسياسي، فالامم لا تقاس بعدد الشتائم التي تتلقاها، بل بقدرتها على الثبات امامها، الهوية الكوردية، بما لها من امتداد تاريخي وثقافي ونضالي، ليست عرضة للمحو بمنشور ولا تنهار بتعليق ولا تختزل في خصومة عابرة، ومن يراهن على التشويش يفعل ذلك لأنه عاجز عن المواجهة، ومن يسخر يفعل لأنه بلا مشروع، ومن يستبدل الحقيقة بالتهكم يفعل لأنه يخشى وضوحها، وكما قيل قديما: القافلة تسير ولا تلتفت الى نباح الكلاب، والمعنى الاهم ان من يعرف طريقه لا يحتاج الى تبرير مساره عند كل منعطف.<br />
المأساة في العراق اليوم ليست فقط في كثرة الصراعات، بل في انحراف منطقها، حين يصبح المنطق السياسي عاجزا عن ضبط الفعل، وحين يتحول الفعل الى طاقة عبثية لا تنتج الا مزيدا من الانقسام، نكون امام دولة تستنزف من الداخل اكثر مما تهدد من الخارج، وكركوك، في النهاية، ليست مجرد اسم في الاخبار؛ انها نقطة التقاء بين الذاكرة والهوية والكوردية والسيادة، واي عبث بها هو عبث بمستقبل العراق كله، ومن لا يفهم هذا سيظل يظن ان المعركة على مدينة، بينما هي في حقيقتها معركة على معنى الوطن ذاته.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الانتصار بوصفه بناءً خطابيا: قراءة في تحول الهزيمة الى نصر في السياق الشرقي (العربي – الايراني).- د. جوتيار تمر</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/04/10/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%b1-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%81%d9%87-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1%d9%8b-%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8%d9%8a%d8%a7-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%aa/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 10 Apr 2026 14:14:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[د. جوتيار تمر]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105778</guid>

					<description><![CDATA[كوردستان – 10/4/2026 في الشرق، لا تقاس الحروب دائما بما تبقيه من مدن، بل بما تخلفه من روايات؛ فثمة شعوب، او نخب تتحدث باسمها، لا تخرج من الحرب منتصرة لانها &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>كوردستان – 10/4/2026</p>
<p>في الشرق، لا تقاس الحروب دائما بما تبقيه من مدن، بل بما تخلفه من روايات؛ فثمة شعوب، او نخب تتحدث باسمها، لا تخرج من الحرب منتصرة لانها غلبت خصمها، بل لانها اتقنت تحويل الخراب الى خطاب، والخذلان الى مشهد تعبوي، والهزيمة الى مناسبة للاحتفال، وفي هذا المعنى، تبدو الساحة الشرقية اليوم وكأنها مسرح واسع، لا تتنافس فيه الاطراف على تحقيق النصر بقدر ما تتنافس على امتلاك تعريفه وفرض سرديته.</p>
<p>تقاس نتائج الحروب، في كثير من السياقات التاريخية، بمخرجاتها المادية المباشرة، غير ان بعض البيئات السياسية تميل الى اعادة تعريف هذه النتائج عبر انتاج منظومات خطابية بديلة، تعيد تأويل الخسارة وتمنحها وظيفة رمزية مختلفة، وفي هذه الحالات، لا يكون النصر معطى واقعيا بقدر ما يكون بناء خطابيا قابلا للتشكيل، يخضع لقدرة الفاعلين على اعادة تنظيم المعنى وتوجيه الادراك الجمعي.</p>
<p>تظهر الحالة العربية، في عدد من تجلياتها المعاصرة، مستوى لافتا من القدرة على اعادة انتاج الهزيمة ضمن سرديات نصر بديلة، فالحروب الممتدة، وما رافقها من تفكك في بنية الدولة وتآكل في مؤسساتها، لم تقدم دائما بوصفها اخفاقات تستدعي المراجعة، بل جرى، في كثير من الاحيان، تأطيرها خطابيا ضمن مفاهيم مثل الصمود والانتصار المعنوي، ولا يبدو هذا التحول مجرد انحراف لغوي عابر، بل يعكس نمطا متكررا من ادارة الخسارة عبر اللغة، حيث يعاد توصيف التراجع بوصفه شكلا من اشكال الثبات، وتستثمر الهزيمة ذاتها في انتاج مشهد تعبوي يعيد تثبيت شرعية الخطاب القائم.</p>
<p>وفي هذا السياق، يمكن القول ان بعض النخب السياسية والاعلامية العربية قد طورت، عبر تراكمات من الاخفاقات غير المعترف بها، خبرة خطابية خاصة في تحويل الوقائع السلبية الى روايات ايجابية، بحيث لا يعود النصر مرتبطا بتحققه الفعلي، بل بمدى القدرة على اقناع الجمهور بحدوثه؛ وهنا تتجلى احدى ابرز مفارقات المشهد: واقع يتآكل تدريجيا، يقابله خطاب يتضخم باستمرار.</p>
<p>اما في الحالة الايرانية، فتبدو العملية اكثر تركيبا وتعقيدا، اذ تتعرض الدولة، في بعض المراحل كما الان، لضغوط – هزائم &#8211; عسكرية واقتصادية وسياسية، الا ان الخطاب الرسمي لا يتجه نحو الاعتراف بهذه الضغوط بوصفها مؤشرات ضعف، بل يعيد دمجها في سردية اوسع تقوم على مفاهيم المقاومة والصمود التاريخي؛ وبهذا المعنى، تتحول الضربة الى عنصر ضمن بنية رمزية تهدف الى اعادة انتاج الشرعية، لا الى تقويضها، ان ما يجري هنا ليس انكارا مباشرا للواقع، بل اعادة تنظيم دلالاته بما يخدم استمرارية النظام السياسي.</p>
<p>ولا يقتصر هذا النمط من انتاج المعنى على الاطار الوطني، بل يمتد عبر شبكات سياسية واعلامية عابرة للحدود، حيث تتبنى بعض القوى في دول اخرى هذه السرديات وتعيد انتاجها ضمن سياقاتها المحلية، وفي هذه الحالة، لا يكون الخطاب مجرد انعكاس للواقع، بل يصبح اداة لاعادة تشكيله ادراكيا، بحيث يعاد تعريف مفاهيم مثل السيادة والانتصار والانتماء وفق منطق يتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.</p>
<p>تكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على اعادة صياغة الوعي الجمعي، فعندما تتحول الخسارة الى نصر رمزي، يصبح من الصعب انتاج نقد ذاتي حقيقي، لان اللغة ذاتها يعاد هيكلتها لتمنع توصيف الواقع كما هو، وهنا تتقدم وظيفة الخطاب بوصفه اداة للضبط الرمزي، لا مجرد وسيلة للتعبير، حيث يعاد توزيع المعاني بطريقة تجعل من الهزيمة حدثا قابلا للاحتفاء، لا للمراجعة.</p>
<p>ومن منظور سوسيولوجي، يمكن فهم هذا التحول بوصفه استجابة لازمة ممتدة، اذ تميل المجتمعات التي تتعرض لهزائم متكررة الى البحث عن اطر تفسيرية تمنح المعاناة معنى، حتى وان كان هذا المعنى مصطنعا، وفي هذا السياق، تنجح السلطة السياسية او الفاعلون غير الرسميين في انتاج خطاب يعيد ترميز الالم بوصفه دليلا على الصمود، لا على الاخفاق.</p>
<p>بناء على ذلك، لا تكمن الاشكالية الاساسية في وقوع الهزيمة، بوصفها جزءا طبيعيا من حركة التاريخ، بل في تعطيل القدرة على ادراكها، فحين يفرغ مفهوم النصر من مضمونه الواقعي، ويتحول الى مجرد اداة خطابية، يفقد المجتمع احد اهم شروط التعلم التاريخي، وهو الاعتراف بالخسارة بوصفها مدخلا لاعادة البناء.</p>
<p>وعليه، فان تحليل الصراعات في السياق الشرقي يتطلب تجاوز القراءة العسكرية المباشرة، والالتفات الى البعد الخطابي الذي يعيد انتاج النتائج ضمن منظومة رمزية معقدة، ففي كثير من الاحيان، لا يكون السؤال: من انتصر فعليا؟ بل: من نجح في فرض تعريفه للانتصار؟ .</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
