<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>سهيل الزهاوي &#8211; صوت كوردستان</title>
	<atom:link href="https://sotkurdistan.net/category/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86/%D8%B3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%87%D8%A7%D9%88%D9%8A/feed/" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<description></description>
	<lastBuildDate>Thu, 01 Oct 2026 18:32:13 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=7.1.2</generator>

<image>
	<url>https://sotkurdistan.net/wp-content/uploads/2017/11/cropped-k-log-32x32.jpg</url>
	<title>سهيل الزهاوي &#8211; صوت كوردستان</title>
	<link>https://sotkurdistan.net</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>الفصل السابع: تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقارات &#8211; سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/10/01/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84-%d9%86%d9%85%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/10/01/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84-%d9%86%d9%85%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 01 Oct 2026 18:32:13 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[سياسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107852</guid>

					<description><![CDATA[تمهيد تناول الفصل السادس منجزات النموذج الصيني في الصناعة والبنية التحتية وتحسين مستويات المعيشة. وقد قام جانب مهم من هذه المنجزات على ارتفاع الاستثمار، وتوسع التصنيع والتحضر، وتوجيه الائتمان إلى &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تمهيد<br />
تناول الفصل السادس منجزات النموذج الصيني في الصناعة والبنية التحتية وتحسين مستويات المعيشة. وقد قام جانب مهم من هذه المنجزات على ارتفاع الاستثمار، وتوسع التصنيع والتحضر، وتوجيه الائتمان إلى بناء القدرات الإنتاجية. غير أن نجاح هذا المسار غيّر شروط استمراره: فلم يعد توسيع الاستثمار والبناء يكفي، بذاته، لرفع كفاءة الإنتاج أو تعزيز رفاه السكان.<br />
يبحث هذا الفصل التحول إلى التنمية عالية الجودة، ثم العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك، وأزمة العقارات بوصفها نقطة التقاء السكن والائتمان وإيرادات الأرض. وتمهد هذه القضايا لبحث المالية المحلية في الفصل الثامن.<br />
أولًا: الانتقال من النمو الكمي إلى التنمية عالية الجودة<br />
الضرورة التاريخية للنمو الكمي<br />
اعتمدت المرحلة الأولى من الإصلاح الاقتصادي الصيني على توسيع الاستثمار، وتسريع التصنيع، وتنمية الصادرات، واستيعاب قوة العمل المنتقلة من الريف إلى المدن. وكان هذا المسار متناسبًا مع حاجات بلد عانى نقصًا في رأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية الحديثة، واحتاج إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية الطلب الداخلي والمنافسة في السوق العالمية.<br />
ولا ينبغي استخدام تعبير «النمو الكمي» بوصفه حكمًا سلبيًا على هذه المرحلة؛ إذ كان توسيع حجم الإنتاج وتراكم وسائل الإنتاج وإنشاء شبكات النقل والطاقة والاتصالات شرطًا ضروريًا للانتقال من اقتصاد زراعي منخفض الإنتاجية إلى اقتصاد صناعي واسع. ولم يكن من الممكن للصين تطوير الصناعات المتقدمة والبحث العلمي قبل تكوين القاعدة المادية والبشرية التي يقوم عليها هذا التطور.<br />
لكن نجاح هذا المسار غيّر تدريجيًا الشروط التي نشأ ضمنها. فلم تعد الصين اقتصادًا يقوم أساسًا على وفرة قوة العمل منخفضة الأجر وإنتاج السلع البسيطة، بل أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى تنافس في قطاعات الآلات والاتصالات والطاقة المتجددة والقطارات السريعة والسيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي. وفي الوقت نفسه ارتفعت تكاليف العمل والإنتاج، وتباطأ نمو قوة العمل، وتشبع جانب من الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، وازدادت الضغوط التجارية والتكنولوجية الخارجية.<br />
ومن ثم لا يمثل الانتقال إلى التنمية عالية الجودة تخليًا عن المرحلة السابقة أو إنكارًا لإنجازاتها، بل استجابةً لتغير الشروط التي جعلت استمرار آلياتها بالمعدلات نفسها أقل كفاءة وأكثر قدرة على إنتاج الاختلالات. فما كان ضروريًا لبناء القاعدة الصناعية قد يتحول، إذا استمر من دون تعديل، إلى طاقات إنتاجية زائدة وديون واستثمارات ضعيفة العائد.<br />
معنى التنمية عالية الجودة<br />
انتقل الخطاب الرسمي الصيني تدريجيًا من إعطاء الأولوية المطلقة لسرعة نمو الناتج إلى تبني مفهوم «التنمية عالية الجودة». ولا يعني هذا المفهوم الاستغناء عن النمو الاقتصادي، بل إعادة تحديد مصادره وأهدافه، من خلال رفع الإنتاجية، وزيادة القيمة المضافة للصناعة، وتعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، وتوسيع الطلب المحلي، وتقليص الاختلالات الاجتماعية والإقليمية.<br />
وقد جعل تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني التنمية عالية الجودة مهمةً أساسية في بناء الدولة الاشتراكية الحديثة. وربطها بتعزيز الاقتصاد الحقيقي، ودعم التصنيع المتقدم، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتوسيع الطلب الداخلي، وتعميق الإصلاح الهيكلي، وتحسين توزيع الدخل، وتحقيق توازن أفضل بين التنمية والأمن. كما أكد قرار الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين عام 2024 أهمية إزالة العقبات المؤسسية التي تحد من تطور القوى المنتجة الجديدة وتعوق الانتقال إلى نمط تنموي أكثر كفاءة وتوازنًا. (207)<br />
لكن التنمية عالية الجودة لا تمثل وصفًا مكتملًا للواقع الصيني، بل برنامجًا استراتيجيًا لإعادة توجيه الاقتصاد. فوجود صناعات تكنولوجية متقدمة إلى جانب قطاعات تعاني ضعف الكفاءة، واستمرار الاعتماد على الاستثمار والصادرات والعقارات، يدل على أن الصين تجمع في المرحلة الراهنة عناصر من نمط النمو السابق وعناصر من النمط الجديد.<br />
وتظهر البيانات الرسمية أن الانتقال يمتلك أساسًا ماديًا حقيقيًا. ففي عام 2025 ارتفعت إنتاجية العمل الإجمالية بنسبة 6.1 في المائة، ونمت القيمة المضافة للصناعات التحويلية العالية التقنية بنسبة 9.4 في المائة، وأصبحت تمثل 17.1 في المائة من القيمة المضافة للمؤسسات الصناعية الكبرى. كما بلغ الإنفاق على البحث والتطوير نحو 3.93 تريليونات يوان، بما يعادل 2.80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. (208)<br />
وتكشف هذه المؤشرات تقدمًا في تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى قوة إنتاجية مباشرة. لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نوعية التنمية؛ إذ يمكن أن ترتفع إنتاجية العمل والإنفاق على التكنولوجيا من دون أن تنمو الأجور والخدمات العامة بالقدر نفسه، أو من دون أن تنخفض ساعات العمل وكثافته. كما قد يتركز التطور التقني في أقاليم وشركات محددة، بينما تتحمل قطاعات ومناطق أخرى كلفة إعادة الهيكلة.<br />
الإنتاجية بين التطور التقني والمضمون الاجتماعي<br />
عرّف ماركس ارتفاع إنتاجية العمل بأنه تغير في عملية العمل يسمح لكمية معينة من العمل بإنتاج كمية أكبر من القيم الاستعمالية خلال الزمن نفسه. لكنه أوضح أن الغاية الاجتماعية من زيادة الإنتاجية لا تتحدد بالتقنية ذاتها، بل بعلاقات الإنتاج التي تستخدم في إطارها. ففي ظل العلاقة الرأسمالية يتحول رفع الإنتاجية إلى وسيلة لإنتاج فائض القيمة النسبي، من خلال تقليص وقت العمل الضروري لإنتاج ما يعادل قيمة قوة العمل وزيادة القسم الذي يعود إلى رأس المال.<br />
كما بيّن ماركس، عند تحليله الآلة والصناعة الكبرى، أن التطور التقني يستطيع تخفيض كلفة السلع وتوفير العمل، لكنه قد يؤدي، عندما يخضع لمنطق التراكم، إلى زيادة كثافة العمل والاستغناء عن قسم من العاملين وتعزيز سيطرة الإدارة على عملية الإنتاج. ولذلك لا يجوز مساواة التقدم التقني بالتقدم الاجتماعي مساواةً تلقائية. (209)<br />
ويفيد هذا التمييز في تقويم التنمية عالية الجودة في الصين. فارتفاع الإنتاجية يمثل شرطًا ضروريًا لتحسين المعيشة وتقليص العمل الضروري وتوسيع الخدمات العامة، لكنه لا يضمن هذه النتائج بذاته. ويتوقف المضمون الاجتماعي لزيادة الإنتاجية على توزيع مكاسبها بين الأجور والأرباح والضرائب والاستثمار العام، وعلى مقدار ما يعود إلى العاملين في صورة دخل وأمن اجتماعي ووقت حر وقدرة على المشاركة في القرار.<br />
وفي الشركات الخاصة قد يستخدم الابتكار لزيادة القدرة التنافسية والأرباح وخفض تكاليف العمل. أما المؤسسات العامة فتملك، من حيث المبدأ، إمكان توجيه المكاسب إلى الاستثمار طويل الأجل والخدمات والحاجات الاستراتيجية. لكن هذا الإمكان لا يتحقق تلقائيًا؛ إذ قد تعمل المؤسسة العامة أيضًا وفق مؤشرات الربح والتوسع والمنافسة من دون مشاركة مؤثرة من العاملين في تحديد أولوياتها.<br />
ومن ثم لا تتحدد جودة التنمية بملكية المؤسسة القانونية وحدها، بل بالعلاقة بين الكفاءة الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية. فالمؤسسة التي تحقق إنتاجية مرتفعة، لكنها تعتمد ساعات عمل طويلة أو تنقل كلفة إعادة الهيكلة إلى العمال، لا تحقق المعنى الاجتماعي الكامل للتنمية عالية الجودة، سواء كانت خاصة أم عامة.<br />
لينين: الإنتاجية والمحاسبة والمشاركة<br />
منح لينين مسألة إنتاجية العمل موقعًا أساسيًا في بناء الاقتصاد الجديد، لكنه لم يفصلها عن تنظيم الإنتاج والمحاسبة والرقابة. ففي المهمات المباشرة أمام السلطة السوفييتية أوضح أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يتحقق بالاستيلاء القانوني على وسائل الإنتاج وحده، بل يحتاج إلى رفع إنتاجية العمل، وتنظيم المحاسبة والرقابة على الإنتاج والتوزيع، وتحويل الملكية العامة إلى إنتاج اجتماعي فعلي.<br />
وربط لينين هذه المهمات بمشاركة أغلبية العاملين في بناء العلاقات التنظيمية الجديدة، لا بإدارة جهاز الدولة للاقتصاد بالنيابة عنهم بصورة دائمة. كما رأى أن ارتفاع الإنتاجية ينبغي أن يتيح، في النهاية، تقليص يوم العمل وتوسيع قدرة المنتجين على المشاركة في إدارة المجتمع. (210)<br />
ولا تعني الاستفادة من هذا التحليل المطابقة بين روسيا السوفييتية عام 1918 والصين المعاصرة؛ فالصين تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وتعمل ضمن اقتصاد عالمي شديد الترابط، وتجمع بين الملكية العامة والخاصة وأشكال متعددة من السوق والتخطيط. لكن القيمة المنهجية لتحليل لينين تكمن في رفضه اختزال الاشتراكية في الملكية القانونية أو القرارات السياسية، وفي تأكيده أن الكفاءة الاقتصادية والرقابة والمشاركة الاجتماعية عناصر مترابطة.<br />
وبناءً على ذلك، لا يكفي أن تستثمر الدولة في الصناعات المتقدمة أو أن ترفع الشركات العامة إنتاجيتها، بل ينبغي معرفة من يحدد اتجاه الاستثمار، وكيف تقاس كفاءته، ومن يراقب الإدارة، وكيف توزع المكاسب والخسائر. فإذا اقتصرت المحاسبة على المؤشرات المالية والإنتاجية التي تضعها الأجهزة الإدارية، من دون رقابة العاملين والمجتمع، بقيت عملية تحويل الإنتاج إلى نشاط اجتماعي واعٍ غير مكتملة.<br />
التناقضات التي يثيرها الانتقال<br />
يواجه الانتقال إلى التنمية عالية الجودة تناقضًا بين رفع الكفاءة والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي. فقد يقتضي التخلص من الطاقات الزائدة تقليص بعض الاستثمارات أو إغلاق مؤسسات ضعيفة الإنتاجية، لكن ذلك قد يؤدي إلى فقدان وظائف وانخفاض إيرادات الحكومات المحلية وتراجع قيمة أصول المصارف والشركات. وقد يكون المشروع غير مجدٍ من الناحية المالية، لكنه يمثل مصدر العمل والدخل الأساسي لمدينة أو منطقة كاملة.<br />
ولهذا لا يمكن معالجة ضعف الكفاءة وفق منطق الإفلاس والمنافسة وحدهما. فإذا تحمّل العمال والأسر والمناطق القسم الأكبر من كلفة إعادة الهيكلة، تحولت زيادة الكفاءة إلى وسيلة لنقل الخسائر إلى المنتجين. أما إذا اقترنت بإعادة التدريب، وتأمين الدخل، وتوفير وظائف بديلة، وتنمية المناطق المتضررة، فإنها تستطيع تحرير الموارد من الاستخدامات غير المنتجة وإعادة توجيهها من دون إحداث تدهور اجتماعي واسع.<br />
وقد يخلق الانتقال التكنولوجي تفاوتًا جديدًا داخل الطبقة العاملة نفسها. فالصناعات المتقدمة تحتاج إلى مهارات علمية وتقنية مرتفعة، بينما قد تؤدي الأتمتة والرقمنة إلى الاستغناء عن بعض الأعمال التقليدية أو تحويلها إلى وظائف مؤقتة وغير مستقرة. ومن ثم لا ينبغي تقويم التحول بعدد الصناعات الجديدة فقط، بل بنوعية فرص العمل التي يوفرها، ومستوى أجورها واستقرارها، وقدرة العمال على الانتقال إليها.<br />
كما أن رفع القيمة المضافة الصناعية لا يضمن وحده توسيع السوق الداخلية. فإذا تركزت مكاسب الإنتاجية في أرباح الشركات والتراكم، وظلت حصة دخول الأسر والخدمات الاجتماعية محدودة، استمر ضعف الاستهلاك واحتاج الاقتصاد إلى تعويضه بالمزيد من الاستثمار والصادرات. ولذلك ترتبط التنمية عالية الجودة بإعادة توزيع الدخل والفائض، لا بالتحديث التقني وحده.<br />
ويمثل البعد البيئي جزءًا آخر من هذا الانتقال. فزيادة الإنتاج المادي لا تعد تقدمًا نوعيًا إذا اقترنت بهدر الطاقة والموارد وتلوث الهواء والمياه وارتفاع الانبعاثات. ولا يكفي إنشاء صناعات خضراء إذا ظلت بقية البنية الاقتصادية تعتمد على التوسع الكمي والاستهلاك المرتفع للطاقة. فالجودة هنا تعني إعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والحاجات الاجتماعية والطبيعة، لا مجرد استبدال سلعة تقنية بأخرى.<br />
ثانيًا: اختلال العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك<br />
أدّى ارتفاع الادخار والاستثمار دورًا حاسمًا في تحول الصين من اقتصاد زراعي محدود القدرة الإنتاجية إلى قاعدة صناعية واسعة. فقد أتاحت تعبئة المدخرات وتوجيه الائتمان عبر المصارف العامة والحكومات المحلية والمؤسسات المملوكة للدولة تمويل المصانع والطاقة والنقل والإسكان والبنية التحتية والقدرات التكنولوجية. ولذلك لا يمكن النظر إلى ارتفاع الاستثمار بوصفه اختلالًا في ذاته؛ إذ كان تراكم رأس المال الثابت شرطًا ضروريًا لرفع إنتاجية العمل وتوسيع السوق الداخلية وتغيير موقع الصين في الاقتصاد العالمي.<br />
لكن العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك تتغير مع تقدم التصنيع. فما يكون ضروريًا في مرحلة تعاني نقص المصانع والطرق والطاقة قد يصبح أقل فاعلية عندما تتشبع بعض القطاعات، وتنخفض العوائد الإضافية للمشروعات، وتتراكم طاقات إنتاجية أو عقارات لا يقابلها طلب كافٍ، ويعتمد استمرار الاستثمار على التوسع في الائتمان والديون. ومن هنا لا يتمثل التحدي الصيني في وقف الاستثمار، بل في الانتقال من الاعتماد الكثيف على زيادة الأصول المادية إلى علاقة أكثر توازنًا بين الاستثمار المنتج، واستهلاك الأسر، والاستهلاك الاجتماعي الذي توفره الدولة في صورة خدمات عامة.<br />
ما الذي تكشفه الأرقام؟<br />
تشير بيانات عام 2025 إلى حدوث تغير جزئي في مصادر النمو. فقد أسهم الإنفاق الاستهلاكي النهائي بنحو 2.6 نقطة مئوية من نمو الناتج البالغ 5 في المائة، مقابل 0.8 نقطة لتكوين رأس المال الإجمالي و1.6 نقطة لصافي الصادرات. وبذلك كان الاستهلاك النهائي أكبر مساهم منفرد في نمو ذلك العام. لكن هذه النتيجة السنوية لا تعني زوال الاختلال البنيوي؛ لأن الإنفاق الاستهلاكي النهائي يشمل استهلاك الحكومة إلى جانب استهلاك الأسر، ولأن مساهمة أحد المكونات في نمو سنة معينة تختلف عن حصته المستقرة من الناتج.<br />
ووفق بطاقة إعادة التوازن التي أعدها صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الاستهلاك الخاص نحو 40.1 في المائة من الناتج خلال عام 2025 حتى الربع الثالث، بينما بلغت حصة الاستثمار نحو 38.8 في المائة. ويمثل ذلك تحسنًا نسبيًا قياسًا إلى سنوات كان فيها الاستثمار يتجاوز الاستهلاك الخاص بوضوح، لكنه لا يلغي استمرار انخفاض حصة استهلاك الأسر وارتفاع الادخار واعتماد النمو على الصادرات والسياسات التحفيزية. كما أن انخفاض حصة الاستثمار في 2025 ارتبط جزئيًا بانكماش الاستثمار العقاري وتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة، وليس كله نتيجة انتقال منظم للفائض نحو دخول الأسر والخدمات الاجتماعية. (211)<br />
ولهذا لا ينبغي تعريف الاختلال بأنه تفوق الاستثمار حسابيًا على الاستهلاك في كل سنة، بل بوصفه بنيةً طويلة الأجل تُوجَّه فيها حصة كبيرة من الدخل والمدخرات والائتمان إلى تكوين رأس المال، بينما تبقى قدرة الأسر على الاستهلاك مقيدةً بتوزيع الدخل وعدم اليقين وكلفة السكن والتعليم والصحة والشيخوخة. وقد يستطيع الاقتصاد المحافظة على النمو مدةً طويلة ضمن هذه البنية، لكنه يصبح أكثر احتياجًا إلى التصدير أو الاقتراض أو تكرار المشروعات الاستثمارية لتعويض ضعف الطلب الأسري.<br />
ماركس: الاستثمار والاستهلاك في إعادة الإنتاج الاجتماعي<br />
يفيد تحليل ماركس لإعادة إنتاج رأس المال الاجتماعي في تجنب تفسير مبسط يجعل الاستهلاك الشخصي المصدر الوحيد للطلب. فقد قسّم ماركس الناتج الاجتماعي إلى قسمين كبيرين: قسم ينتج وسائل الإنتاج، مثل الآلات والمعدات والمواد الأولية والمنشآت، وقسم ينتج وسائل الاستهلاك التي تستخدمها الأسر والأفراد. كما ميّز بين الاستهلاك الشخصي للسلع والخدمات، والاستهلاك الإنتاجي الذي تُستخدم فيه الآلات والمواد والطاقة لإعادة تشغيل عملية الإنتاج وتوسيعها.<br />
وبذلك تستطيع صناعة وسائل الإنتاج أن تنمو من خلال طلب المؤسسات بعضها على منتجات بعض، حتى من دون ارتفاع مماثل وفوري في استهلاك الأسر. فمصنع الآلات يشتري الفولاذ والطاقة والمكونات، ومصنع الفولاذ يشتري المعدات ووسائل النقل، وتعيد المؤسسات استثمار قسم من الفائض في توسيع قدرتها الإنتاجية. ولذلك يمثل الاستثمار نفسه شكلًا من أشكال الطلب، ولا يجوز اختزال السوق الداخلية في مشتريات المستهلكين الأفراد.<br />
لكن ماركس بيّن كذلك أن إعادة الإنتاج الاجتماعي لا تتوقف على تحقيق الربح داخل كل مؤسسة منفردة، بل تتطلب تناسبًا ماديًا وقيميًا بين فروع الإنتاج. فوسائل الإنتاج يجب أن تجد استخدامًا منتجًا، والسلع الاستهلاكية يجب أن تتناسب مع دخول الفئات التي تحتاج إليها، كما ينبغي أن تتوافق القدرة الجديدة على الإنتاج مع إمكان تجديد وسائل الإنتاج وتوسيع الاستهلاك في المجتمع. وإذا اختل هذا الترابط، فقد تظهر طاقات معطلة ومخزونات غير مباعة ومشروعات لا تستطيع استعادة تكلفتها، حتى إذا بدا كل قرار استثماري منفرد معقولًا عند اتخاذه. (212)<br />
ولا يعني ذلك أن كل توسع في إنتاج وسائل الإنتاج يجب أن يقابله في اللحظة نفسها توسع مساوٍ في الاستهلاك الشخصي. فالاستثمار في شبكة كهرباء أو مصنع لأشباه الموصلات أو خط للسكك الحديدية قد يحتاج إلى سنوات قبل ظهور كامل أثره في الإنتاج والاستهلاك. إنما يعني أن استقلال الاستثمار عن الاستهلاك استقلال نسبي؛ إذ لا يمكن توسيع القدرة الإنتاجية إلى ما لا نهاية من دون أن ترتبط، في النهاية، بحاجات إنتاجية أو اجتماعية قابلة للتحقق.<br />
وتمنح ملكية الدولة للمصارف والأرض والمؤسسات الكبرى الصين قدرةً على إدارة هذا الترابط بصورة تختلف عن اقتصاد يترك تخصيص الائتمان لقرارات رأس المال الخاص وحده. فالدولة تستطيع تمويل مشروع طويل الأجل، أو إبقاء مؤسسة استراتيجية تعمل رغم انخفاض عائدها المالي المباشر، أو نقل الموارد بين المناطق والقطاعات. لكنها لا تستطيع إلغاء القيود المادية لإعادة الإنتاج؛ إذ يظل المشروع الذي لا يرفع القدرة الاجتماعية للإنتاج ولا يلبي حاجةً فعلية استنزافًا للعمل والمواد والطاقة، حتى إذا أمكن تأجيل ظهور خسارته بواسطة الائتمان العام.<br />
لينين ونقد تفسير الاختلال بنقص الاستهلاك وحده<br />
طوّر لينين هذا الجانب من تحليل ماركس عند بحث تكوّن السوق الداخلية. فقد أوضح أن الإنتاج الرأسمالي لا يتوسع بواسطة نمو السلع الاستهلاكية وحدها، بل ينمو بدرجة كبيرة من خلال إنتاج وسائل الإنتاج والاستهلاك الإنتاجي. ولذلك رفض الاستنتاج القائل إن محدودية استهلاك الجماهير تجعل التراكم أو تحقق الناتج مستحيلًا بصورة تلقائية.<br />
لكن لينين لم ينفِ التناقض بين التوسع في الإنتاج ومحدودية الاستهلاك. فقد أكد أن نمو وسائل الإنتاج مستقل عن الاستهلاك الشخصي إلى حد معين فقط، وأن هذا الاستهلاك يظل يرسم في النهاية حدودًا لتوسع رأس المال الثابت. كما ميّز بين القول إن محدودية الاستهلاك تمثل تناقضًا فعليًا في النظام، والقول غير الصحيح إنها التفسير الوحيد للأزمات أو إنها تجعل استمرار الإنتاج الموسع مستحيلًا. (213)<br />
ولا يتعارض هذا التمييز مع تحليل ماركس للأزمات؛ فقد أشار ماركس إلى التناقض بين فقر الجماهير ومحدودية استهلاكها من جهة، واندفاع الإنتاج الرأسمالي إلى تطوير القوى المنتجة من جهة أخرى. غير أن وجود هذا التناقض لا يعني إمكان تفسير كل أزمة بنقص الاستهلاك وحده، بمعزل عن اختلال التناسب بين فروع الإنتاج والائتمان والتراكم وحركة الربح. (214)<br />
ويساعد هذا التمييز على فهم التجربة الصينية. فقد كان تفوق نمو الاستثمار على الاستهلاك خلال مراحل التصنيع قادرًا على توسيع السوق الداخلية، لأنه أنشأ طلبًا على الآلات والإسمنت والفولاذ والطاقة والنقل والعمل، ورفع القدرة الإنتاجية المستقبلية. ولم يكن من الصحيح آنذاك الحكم على كل استثمار بأنه زائد لمجرد أن استهلاك الأسر لم يرتفع بالمعدل نفسه.<br />
غير أن هذا الحكم يتغير عندما تصبح زيادة الإنتاج مشروطةً باستمرار بناء طاقات جديدة في قطاعات تعاني أصلًا ضعف الاستخدام، أو عندما لا تستطيع الأسر شراء قسم كافٍ من السلع والخدمات التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها، أو عندما يعتمد تصريف الناتج بصورة متزايدة على الأسواق الخارجية. عندئذ لا تكون المشكلة «نقص الاستهلاك» بوصفه عاملًا مستقلًا، بل اختلال العلاقة بين فروع الإنتاج وتوزيع الدخل والائتمان والطلب الداخلي والخارجي<br />
لماذا تدخر الأسر الصينية نسبة مرتفعة من دخولها؟<br />
لا يمكن تفسير ارتفاع ادخار الأسر بعامل ثقافي ثابت أو بتفضيل فردي مجرد؛ فالادخار استجابة كذلك للبنية الاجتماعية ولمقدار الأمان الذي توفره المؤسسات. ووفق تقرير البنك الدولي الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025، بلغت المدخرات المحلية الإجمالية نحو 43 في المائة من الناتج في عام 2023، وأسهمت الأسر بنحو نصفها، بينما بلغ معدل ادخار الأسر قرابة 31.3 في المائة من دخلها المتاح.<br />
ويربط التقرير هذا الارتفاع بالشيخوخة السكانية، وعدم تكافؤ الحماية التي توفرها أنظمة التقاعد والصحة والبطالة، والفجوات التي يعانيها العمال المهاجرون والعاملون غير النظاميين، وتكاليف العلاج والتعليم وشراء السكن، وعدم المساواة في توزيع الدخل. فالأسر الأعلى دخلًا تدخر عادةً نسبة أكبر من دخولها، بينما تضطر الأسر الأقل دخلًا إلى تقييد استهلاكها لتكوين احتياط لمواجهة المرض أو البطالة أو الشيخوخة.<br />
وزادت التطورات الأخيرة هذه الدوافع. فقد أدى تباطؤ نمو الأجور وعدم اليقين بشأن العمل، إلى جانب انخفاض أسعار المساكن وتراجع الثقة بالقطاع العقاري، إلى إضعاف شعور الأسر بالأمان المالي. ونظرًا إلى أن السكن يمثل قسمًا كبيرًا من ثروة الأسرة الصينية، فإن انخفاض قيمته لا يخفض نشاط البناء وحده، بل يؤثر كذلك في استعداد الأسر للإنفاق. (212)<br />
ومن ثم فإن ضعف الاستهلاك لا يعكس بالضرورة غياب الرغبة في شراء السلع والخدمات، بل قد يعكس ضعف القدرة الآمنة على الإنفاق. فالأسرة التي تتوقع نفقات صحية أو تعليمية مرتفعة، أو لا تضمن معاشًا كافيًا، أو تخشى فقدان العمل، تتصرف بصورة عقلانية عندما تدخر جزءًا كبيرًا من دخلها. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي هذا السلوك العقلاني لكل أسرة إلى تقييد الطلب الكلي وإضعاف قدرة الاقتصاد على الاستفادة من طاقته الإنتاجية.<br />
من تنشيط المبيعات إلى رفع القدرة الاستهلاكية<br />
تعكس السياسات الصينية اعترافًا متزايدًا بهذه المشكلة. ففي آذار/مارس 2025 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة «خطة العمل الخاصة لتعزيز الاستهلاك»، واشتملت على ثلاثين مهمة موزعة على ثمانية مجالات، من بينها زيادة دخول سكان المدن والأرياف، ودعم القدرة الاستهلاكية، وتطوير استهلاك الخدمات، وتجديد السلع المعمرة، وتحسين بيئة الاستهلاك. كما أكدت الخطة زيادة دخول الفئات المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتحسين آليات نمو الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب دعم استبدال السيارات والأجهزة المنزلية القديمة وتوفير الائتمان لبعض أوجه الاستهلاك. (215)<br />
وفي عام 2026 اتجهت السياسة خطوةً إضافية نحو الربط بين الاستهلاك وتوزيع الدخل. فقد نص تقرير عمل الحكومة على تنفيذ خطة لزيادة دخول سكان المدن والأرياف، ورفع دخول الفئات المنخفضة، وتحسين أنظمة الأجور والضمان الاجتماعي. وفي الوقت نفسه خُصص 250 مليار يوان من السندات الحكومية الخاصة الطويلة الأجل لدعم استبدال السلع القديمة، وأُعلن إنشاء صندوق للتنسيق المالي بقيمة مائة مليار يوان لدعم الطلب المحلي.<br />
كما وضعت الخطة الخمسية الخامسة عشرة هدفًا يتمثل في تحقيق زيادة ملحوظة في حصة استهلاك الأسر من الناتج، ثم أقر مجلس الدولة في تموز/يوليو 2026 خطةً لتوسيع الاستهلاك خلال المدة 2026–2030، تضمنت رفع الدخول وتحسين الضمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك العام وتطوير خدمات رعاية الأطفال وكبار السن والصحة والثقافة والتعليم. (214)<br />
وتجمع هذه السياسات بين نوعين مختلفين من التدخل. يتمثل الأول في تحفيز المشتريات بصورة مباشرة، بواسطة الإعانات والخصومات وبرامج استبدال السيارات والأجهزة والقروض المدعومة. ويمكن لهذه الإجراءات تنشيط الإنتاج وتخفيض المخزونات ودعم الطلب خلال التباطؤ، لكنها قد تقدم موعد شراء كان سيحدث لاحقًا بدل أن تنشئ قدرة استهلاكية مستدامة. كما يستفيد منها بدرجة أكبر من يملك أصلًا دخلًا يسمح بشراء سيارة أو جهاز جديد.<br />
أما النوع الثاني فيتجه إلى تغيير الشروط التي تحدد سلوك الأسر، من خلال رفع الأجور والدخول، وتقليل النفقات التي تتحملها الأسرة مباشرةً، وتوسيع التقاعد والتأمين الصحي وإعانات البطالة والسكن والتعليم ورعاية الأطفال. وهذا النوع أبطأ أثرًا، لكنه أكثر قدرةً على خفض الادخار الاحترازي وإحداث تحول مستمر في بنية الطلب.<br />
شروط إعادة التوازن<br />
لا يتحقق الانتقال إلى نمو يعتمد بدرجة أكبر على الاستهلاك بمجرد مطالبة السكان بالإنفاق، بل يحتاج إلى إعادة توزيع قسم من الدخل والفائض لمصلحة الأسر والخدمات العامة. ويشمل ذلك خمسة تحولات مترابطة:<br />
رفع دخول العمل: ينبغي أن تواكب الأجور نمو الإنتاجية بصورة تسمح للعاملين بالحصول على حصة أكبر من ثمار التطور التقني، ولا سيما العاملين المهاجرين وفي القطاعات منخفضة الأجر وأشكال العمل المرن والمنصاتي.<br />
توسيع الأجر الاجتماعي: يؤدي توفير الصحة والتعليم والتقاعد والسكن ورعاية الأطفال بوصفها حقوقًا وخدمات عامة إلى رفع مستوى المعيشة، حتى من دون تحويل المبلغ نفسه إلى دخل نقدي فردي، كما يقلل حاجة الأسر إلى تكوين احتياط كبير لمواجهة المخاطر.<br />
تقليص الفوارق المؤسسية: يقتضي رفع الاستهلاك تعميم قابلية نقل التأمينات والحقوق الاجتماعية وإضعاف ارتباطها بمكان التسجيل الأسري، لأن العامل المهاجر الذي لا يضمن العلاج أو تعليم أطفاله في المدينة يكون أكثر اضطرارًا إلى الادخار.<br />
إعادة توزيع الدخل والضرائب: يحقق تحويل الموارد إلى الفئات المنخفضة والمتوسطة الدخل أثرًا استهلاكيًا أكبر من تركيزها لدى الفئات الأعلى دخلًا، لأن الأولى تنفق نسبة أكبر من أي زيادة تحصل عليها لتلبية حاجاتها غير المشبعة.<br />
إعادة توجيه الاستثمار: لا يتطلب رفع الاستهلاك خفض كل استثمار، بل تحويل جانب منه من العقارات والمشروعات المتكررة إلى الإسكان الاجتماعي والصحة والتعليم والرعاية والطاقة الخضراء وتجديد المدن والريف. فمثل هذا الاستثمار يرفع الطلب في المدى القصير، ويخفض كلفة معيشة الأسر ويوسع قدرتها الاستهلاكية في المدى الطويل.<br />
ويتضح من ذلك أن الاستثمار والاستهلاك ليسا متعارضين دائمًا. فالاستثمار في مصنع زائد القدرة قد يفاقم الاختلال، بينما يؤدي الاستثمار في مستشفى عام أو شبكة رعاية للأطفال أو سكن ميسر إلى توسيع الاستهلاك الاجتماعي وتحرير جزء من دخل الأسر. والسؤال الحاسم ليس مقدار الاستثمار وحده، بل نوع الأصول التي ينشئها، والفئات التي تستفيد منها، وما إذا كان يوسع القدرة الاجتماعية على إشباع الحاجات أم يضيف طاقةً لا تجد استخدامًا كافيًا.<br />
ثالثًا: أزمة العقارات بين الوظيفة السكنية ومنطق التراكم<br />
مثّل القطاع العقاري إحدى العقد التي التقت عندها عملية التحضر بالاستثمار والائتمان ومالية الحكومات المحلية وثروة الأسر. فقد وفّر بناء المساكن والمناطق الحضرية طلبًا واسعًا على الصلب والإسمنت والآلات والأثاث والخدمات، واستوعب أعدادًا كبيرة من العاملين، وأسهم في إعادة تشكيل المدن وربطها بالتوسع الصناعي. وفي الوقت نفسه أصبح المسكن أصلًا ادخاريًا، وأصبحت مبيعات حقوق استخدام الأرض مصدرًا ماليًا مهمًا للسلطات المحلية، واعتمد مطورو العقارات على الاقتراض والبيع المسبق لتمويل دورة بناء متزايدة الاتساع.<br />
ولهذا لا تمثل الأزمة العقارية تراجعًا في قطاع منفرد، بل تصحيحًا لنمط ربطَ استمرار البناء بارتفاع المبيعات والأسعار وقيمة الأرض وتدفق الائتمان. كما تكشف الأزمة التناقض بين وظيفتين مختلفتين للمسكن: فهو شرط أساسي للحياة وإعادة إنتاج قوة العمل، لكنه يؤدي كذلك وظيفة الأصل المالي الذي يُشترى توقعًا لارتفاع قيمته أو الحصول على الريع منه.<br />
من تلبية الحاجة السكنية إلى دورة تراكم عقارية<br />
لا يصح تفسير التوسع العقاري الصيني كله بوصفه مضاربةً أو إهدارًا. فقد رافق هذا التوسع انتقال مئات الملايين إلى المدن، وزيادة عدد الأسر الحضرية، وتحسن نوعية المساكن، وهدم مبانٍ قديمة، وإنشاء أحياء جديدة مرتبطة بالمصانع والجامعات وشبكات النقل. وكان لا بد لعملية التحضر السريعة من استثمار ضخم في السكن والمرافق والخدمات.<br />
لكن البناء تجاوز في مناطق وفترات معينة حدود الطلب السكني المباشر، وأصبح جزءًا من آلية أوسع للتراكم. فقد حصل المطورون على حقوق استخدام الأرض، واقترضوا لبدء المشروعات، وباعوا مساكن قبل اكتمالها، واستخدموا الدفعات المقدمة وتمويلات جديدة لتغطية البناء وشراء أراضٍ أخرى. واعتمد استمرار هذه الدورة على قدرة الشركات على زيادة المبيعات، وعلى ثقة المشترين بأن المساكن ستُنجز وأن قيمتها ستستمر في الارتفاع.<br />
كما استفادت الحكومات المحلية من إيرادات منح حقوق استخدام الأرض لتمويل الطرق والمترو والمناطق الصناعية والمرافق العامة. وأدى تحسين البنية التحتية بدوره إلى رفع قيمة الأراضي المحيطة بها، فصار من الممكن منح حقوق استخدامها بأسعار أعلى وتمويل دورة جديدة من الاستثمار. وفي ظل هذا الترابط لم تعد الأرض مجرد موقع للبناء، بل أصبحت أداةً لتعبئة الإيرادات وضمانًا للائتمان ومكوّنًا من مكونات المنافسة بين السلطات المحلية على النمو والاستثمار.<br />
أما الأسر فوجدت في ملكية المساكن وسيلةً للادخار والحماية من التضخم وتكوين الثروة ونقلها بين الأجيال، ولا سيما في ظل محدودية بعض البدائل الادخارية والاستثمارية. وأدى توقع ارتفاع الأسعار إلى زيادة الإقبال على الشراء، بينما أدى توسع الائتمان العقاري إلى تمكين الطلب الحالي من الاعتماد على الدخول المستقبلية.<br />
وهكذا تشكلت حلقة مترابطة: ارتفاع المبيعات يسمح للمطورين بالتوسع، والتوسع يرفع طلبهم على الأرض، وإيرادات الأرض تموّل الاستثمار المحلي، والاستثمار في البنية التحتية يرفع قيمة المواقع العقارية، وارتفاع القيمة يشجع الأسر والمصارف على مواصلة الشراء والإقراض. لكن هذه الحلقة تصبح معرضةً للاضطراب عندما تتباطأ الهجرة وتكوين الأسر، أو يتراكم مخزون المساكن، أو تنخفض توقعات الأسعار، أو تتشدد شروط التمويل.<br />
الملكية العامة للأرض وحدودها الاقتصادية<br />
تتميز الصين عن الاقتصادات الرأسمالية التقليدية بأن الأرض الحضرية مملوكة للدولة، بينما تعود ملكية معظم الأرض الريفية إلى الجماعات الريفية. ويجيز النظام القانوني نقل حقوق استخدام الأرض وفق شروط ومدد محددة، كما يتيح لحامل حق استخدام أرض البناء الانتفاع به ونقله ورهنه ضمن الحدود القانونية. (218)<br />
وتمنح هذه البنية الدولة قدرةً مهمة على تحديد استعمالات الأرض، وتخطيط توسع المدن، واسترداد قسم من الزيادة في قيمتها، وتوفير مواقع للمساكن المدعومة والمرافق العامة. ولذلك لا يمكن مساواة النظام الصيني بنظام تكون فيه الأرض الحضرية ملكيةً خاصة مطلقة موزعةً بين ملاك مستقلين.<br />
لكن الملكية العامة القانونية لا تمنع حقوق الاستخدام من اكتساب سعر سوقي، ولا تحول دون نشوء مصالح مؤسسية تعتمدعلى زيادة هذا السعر. فعندما تتنافس الحكومات المحلية على تعظيم إيرادات منح حقوق الاستخدام، ويحسب المطورون أرباحهم المتوقعة على أساس ارتفاع أسعار المساكن، وتستخدم المصارف الأرض والعقارات ضمانًا للقروض، تعمل الأرض داخل دورة التراكم بوصفها أصلًا ماليًا حتى إذا بقيت ملكيتها الأصلية للدولة.<br />
ويظهر هنا مجددًا الفرق بين الملكية القانونية والوظيفة الاجتماعية. فالملكية العامة توفر أداةً تسمح بتوجيه الأرض إلى الحاجات العامة، لكنها لا تضمن هذا الاتجاه تلقائيًا. وقد تتحول السلطة العامة على الأرض إلى وسيلة لتمويل الخدمات والتنمية المتوازنة، كما يمكن أن تولد حافزًا لزيادة أسعار المواقع والتوسع العمراني وانتزاع الريع من المشترين والمستأجرين.<br />
ماركس: ريع الأرض وسعر الأصل العقاري<br />
يوضح ماركس في تحليله للريع أن الأرض ليست ناتجًا للعمل، ومن ثم لا تحمل قيمةً بالمعنى نفسه الذي تحمله السلع المنتجة. لكن احتكار الانتفاع بموقع معين يسمح بالحصول على ريع، ويظهر هذا الريع في السوق كما لو كان عائدًا طبيعيًا تولده الأرض ذاتها.<br />
ويتكون ما يسمى «سعر الأرض» من رسملة الدخل المتوقع منها؛ أي إن المشتري يدفع مبلغًا حاليًا مقابل حقه في الحصول على ريع أو منفعة مستقبلية. ولهذا يتأثر سعر الأرض بمقدار العائد المتوقع، وبسعر الفائدة، وبالطلب على الموقع، وبالبنية التحتية والخدمات المحيطة به. ولا يعني ارتفاع السعر أن الأرض أصبحت أكثر إنتاجًا للقيمة من تلقاء نفسها، بل إن توقعات الحصول على دخل مستقبلي أصبحت أعلى. (219)<br />
ويساعد هذا التحليل على فهم ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات في المدن الصينية. فالاستثمار العام في المترو والطرق والمدارس والمراكز التجارية يزيد منفعة الموقع ويرفع قيمته السوقية، لكن هذه الزيادة قد تظهر في صورة ارتفاع في ثمن حقوق استخدام الأرض والمساكن. وبذلك يمكن أن تتحول منفعة أنشأها المجتمع والدولة إلى مكسب يحققه مطور أو مستثمر أو مالك مسكن يقع في موقع ارتفعت قيمته.<br />
ولا تنطبق نظرية الريع على الصين بصورة آلية؛ لأن الدولة تملك الأرض الحضرية وتستطيع نظريًا الاحتفاظ بجانب من الزيادة في قيمتها واستخدامه للمصلحة العامة. غير أن تداول حقوق الاستخدام وتسعيرها وربطها بالائتمان يسمحان بعمل آليات تشبه رسملة الريع داخل شكل قانوني مختلف.<br />
ومن هذا المنظور، لا تمثل الأزمة العقارية مجرد انخفاض في عدد المساكن المبيعة. إنها كذلك انخفاض في التقديرات السابقة للدخول والأسعار المستقبلية التي بُنيت عليها قيمة الأرض وديون المطورين وضمانات المصارف وثروة الأسر. وعندما تتراجع هذه التوقعات يصبح من الصعب تجديد القروض أو بيع المشروعات الجديدة بالأسعار اللازمة لتغطية الالتزامات القديمة.<br />
إنجلز: السكن بين الحاجة والملكية المرهونة<br />
بيّن إنجلز في مسألة السكن أن أزمة السكن لا تُفسر بعدد المباني وحده، بل بعلاقة المسكن بالأرض والدخل والملكية وموقع العمل. فقد توجد مساكن كثيرة من دون أن تكون متاحةً لمن يحتاجون إليها، لأن قدرتهم على الحصول عليها تتحدد بالأجر والإيجار والسعر ومكانها بالنسبة إلى فرص العمل والخدمات.<br />
كما انتقد إنجلز الاعتقاد بأن تحويل كل عامل إلى مالك فردي لمسكنه يحل المسألة الاجتماعية بذاته. فقد يصبح العامل مالكًا قانونيًا للمنزل، لكنه يظل مضطرًا إلى بيع قوة عمله، وقد تقيده الديون والموقع الجغرافي وتجعله أقل قدرة على تغيير مكان العمل. (220)<br />
ولا يجوز نقل هذا الحكم حرفيًا من المدن الأوروبية في القرن التاسع عشر إلى الصين المعاصرة. فقد أدى انتشار ملكية المساكن في الصين إلى تحسين حقيقي في أمن كثير من الأسر وتكوين أصول لها، كما تختلف البنية القانونية للأرض ونطاق تدخل الدولة. لكن المبدأ المنهجي يبقى صالحًا: ملكية الأسرة للمسكن لا تلغي علاقة العمل المأجور، ولا تجعل الدين العقاري محايدًا اجتماعيًا.<br />
فالأسرة التي تلتزم بقرض يمتد سنوات طويلة تخصص قسمًا من دخلها المستقبلي لخدمة الدين، وقد تضطر إلى زيادة الادخار وتقليص الاستهلاك خوفًا من البطالة أو المرض أو انخفاض قيمة المسكن. وإذا كانت قد اشترت منزلًا قبل اكتماله، فإنها قد تتحمل عبء القرض بينما يظل التسليم متوقفًا على قدرة المطور على مواصلة البناء.<br />
وهنا تنقل آلية البيع المسبق جزءًا من مخاطر التطوير من الشركة إلى الأسرة. فالمشتري لا يدفع مقابل مسكن مكتمل فقط، بل يموّل عملية البناء مقدمًا ويتحمل خطر التأخير أو التعثر. ولذلك لا يتعلق إصلاح القطاع بحماية المصارف والمطورين وحدهم، بل بحماية الحق السكني للمشترين الذين دفعوا مدخراتهم وربطوا دخولهم المستقبلية بمشروعات لم تُنجز بعد.<br />
مؤشرات التصحيح و استمرار الانكماش<br />
تكشف البيانات أن التصحيح العقاري لم ينتهِ مع الإجراءات المتخذة لدعم السوق. ففي عام 2025 انخفض الاستثمار في التطوير العقاري بنسبة 17.2 في المائة، وتراجعت المساحات التي بدأ بناؤها بنسبة 20.4 في المائة، والمساحات المكتملة بنسبة 18.1 في المائة. كما انخفضت مساحة المباني التجارية الجديدة المبيعة بنسبة 8.7 في المائة، وقيمة المبيعات بنسبة 12.6 في المائة، في حين ارتفعت المساحات الجاهزة المعروضة للبيع بنسبة 1.6 في المائة.<br />
واستمر الاتجاه خلال النصف الأول من عام 2026؛ إذ انخفض الاستثمار العقاري بنسبة 18 في المائة مقارنةً بالمدة نفسها من العام السابق، وتراجعت المساحات الجديدة التي بدأ بناؤها بنسبة 23.4 في المائة، والمساحات المكتملة بنسبة 23.7 في المائة، ومساحة المبيعات بنسبة 11.6 في المائة، وقيمتها بنسبة 13.6 في المائة. وانخفضت الأموال المتاحة لمؤسسات التطوير بنسبة 20.2 في المائة، بما في ذلك القروض المحلية والدفعات المقدمة والرهون العقارية الفردية. (221)<br />
ولا ينبغي تفسير انخفاض الاستثمار في ذاته بوصفه فشلًا؛ فقد يكون تقليص البناء الجديد ضروريًا في المدن التي تراكم فيها فائض من المساكن أو تباطأ نمو السكان. كما أن استمرار الاستثمار بالمعدلات السابقة كان سيزيد المخزون والديون ويؤجل التصحيح.<br />
لكن تزامن انخفاض الاستثمار مع تراجع المبيعات والتمويل والمساكن المكتملة يدل على أن الانتقال إلى توازن جديد لم يكتمل. فالمشكلة ليست في إنتاج وحدات أقل فحسب، بل في كيفية إنجاز المشروعات القائمة، وتسوية ديون المطورين، والتصرف في المخزون، ومنع تراجع الثقة من التحول إلى حلقة تخفض المبيعات والتمويل والبناء معًا.<br />
كما تختلف المشكلة بين المدن. فالمدن الكبرى التي تستمر في جذب السكان والعمل قد تواجه نقصًا في المساكن الميسورة رغم ارتفاع الأسعار، بينما تواجه مدن أخرى مخزونًا زائدًا وضعفًا في الطلب. ولذلك قد يؤدي تطبيق سياسة وطنية واحدة إلى توسيع العرض في أماكن لا تحتاج إليه، أو تقييده في أماكن ما زالت تعاني ارتفاع تكاليف السكن.<br />
تدخل الدولة وحماية تسليم المساكن<br />
اتجهت السياسة الصينية إلى خفض معدلات الفائدة وبعض متطلبات الدفعة الأولى، وتعديل القيود على الشراء بحسب أوضاع المدن، ودعم تجديد الأحياء القديمة، وتوسيع آلية «القائمة البيضاء» للمشروعات المؤهلة للحصول على التمويل. كما أعطيت الأولوية لاستكمال المساكن المبيعة مسبقًا وتسليمها إلى المشترين.<br />
وبحلول أيار/مايو 2025 كانت القروض المعتمدة للمشروعات المدرجة في القوائم البيضاء قد بلغت نحو 6.7 تريليونات يوان، وأسهمت الآلية، وفق البيانات الحكومية، في دفع بناء وتسليم أكثر من ستة عشر مليون مسكن. كما خُفضت فوائد قروض صندوق الادخار السكني لتخفيف كلفة التمويل على الأسر. (222)<br />
ويكشف هذا التدخل عن قدرة لا تتوافر بالدرجة نفسها في اقتصاد تهيمن عليه المصارف الخاصة والقرارات المنفصلة. فالدولة الصينية تستطيع تنسيق المصارف والسلطات المحلية وشركات البناء، وتوجيه التمويل إلى مشروع محدد، ومنع توقفه، وإعادة هيكلة مؤسسة متعثرة أو نقل المشروع إلى جهة أخرى.<br />
لكن وجود هذه القدرة لا يحسم المضمون الاجتماعي لاستخدامها. فإذا خُصص التمويل لاستكمال مسكن دُفعت قيمته وحماية الأسرة من فقدان مدخراتها، فإنه يؤدي وظيفةً اجتماعية مباشرة. أما إذا استخدمت الموارد العامة للمحافظة على قيمة أصول المساهمين أو تغطية مضاربات سابقة من دون تحميل أصحاب القرار والمستثمرين الخسائر، فإن التدخل يتحول إلى تعميم للخسائر بعد خصخصة الأرباح.<br />
ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من التدخل:<br />
تمويل استكمال المشروعات وحماية المشترين الذين دفعوا ثمن مساكنهم.<br />
دعم المؤسسات القابلة للاستمرار لمنع تعطل مشروعات سليمة بسبب أزمة سيولة مؤقتة.<br />
إنقاذ أصحاب الشركات والدائنين والمستثمرين من خسائر نتجت من توسع غير قابل للاستمرار.<br />
وقد تتداخل هذه الأنواع عمليًا، لكن الفصل بينها ضروري لتحديد من يتحمل تكلفة الأزمة. فحماية الحق السكني لا تستلزم بالضرورة حماية الملكية الرأسمالية للمطور المتعثر، كما أن الحفاظ على الاستقرار المالي لا ينبغي أن يمنع إعادة هيكلة الديون وخروج المؤسسات غير القابلة للاستمرار.<br />
من تثبيت السوق إلى تغيير نموذج الإسكان<br />
تشير السياسات المعلنة لعام 2026 إلى إدراك أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على إعادة دورة التوسع السابقة. فقد تبنت الحكومة مبدأ التحكم في المعروض الجديد، وخفض المخزون، وتحسين نوعية العرض وفق ظروف كل مدينة. كما شجعت على تنشيط المساكن التجارية القائمة، وشراء قسم منها لاستخدامه في الإسكان المدعوم، وتسريع إصلاح المساكن الخطرة والقديمة.<br />
واتجهت السياسة كذلك إلى تشجيع بيع المنازل الجديدة بعد اكتمالها، وتشديد الرقابة على الدفعات المقدمة في المشروعات المبيعة قبل الإنجاز. ويستهدف ذلك تقليص اعتماد المطورين على أموال المشترين وتمييز تمويل البناء عن تمويل المضاربة والتوسع. كما اتجه التنظيم إلى تطوير سوق إيجار أكثر استقرارًا، وبناء نظام سكني يدعم الإيجار والشراء معًا. (223)<br />
وتحمل هذه الإجراءات إمكانًا لإعادة تعريف وظيفة القطاع. فتحويل مساكن تجارية قائمة إلى مساكن مدعومة أو إيجارية يحقق غايتين في الوقت نفسه: تقليص المخزون غير المباع وتوسيع الحصول على السكن للفئات التي لا تستطيع شراءه بالسعر التجاري. كما أن الانتقال التدريجي إلى بيع المساكن المكتملة يقلل الخطر الذي تتحمله الأسر ويجبر المطور على إثبات قدرته التمويلية قبل نقل العبء إلى المشتري.<br />
لكن نجاح شراء المساكن القائمة يتوقف على السعر والموقع والنوعية والحاجة الفعلية. فإذا اشترت الجهات العامة وحدات مرتفعة الكلفة أو بعيدة عن فرص العمل لمجرد تحسين ميزانيات المطورين، فقد تنتقل الخسارة إلى القطاع العام من دون حل المسألة السكنية. أما إذا اختيرت المساكن وفق حاجات العمال والشباب والمهاجرين وكبار السن، وأديرت بإيجارات مناسبة وربطت بالنقل والخدمات، فإن المخزون العقاري يتحول من أصل معطل إلى وسيلة اجتماعية للاستهلاك.<br />
وتظل استعادة الثقة مرتبطةً كذلك بحسم مصير المطورين المتعثرين. فقد رأى صندوق النقد الدولي في تقييمه المنشور في شباط/فبراير 2026 أن توفير تمويل حكومي مركزي لمعالجة المساكن المبيعة مسبقًا وغير المكتملة يمكن أن يساعد على استعادة ثقة المستهلكين. ويصح هذا الاستنتاج بقدر ما يعطي الأولوية للمشترين وإنجاز المساكن، لكنه يحتاج إلى أن يقترن بإعادة هيكلة شفافة للشركات والديون حتى لا تتحول حماية الأسر إلى حماية غير مشروطة للدائنين والمساهمين. (224)<br />
التقدير الماركسي للفصل السابع<br />
يمثل تطوير القوى المنتجة شرطًا ماديًا لتحسين المعيشة، لكنه لا يحدد وحده كيف تُوزع مكاسب الإنتاجية. وقد أتاح الاستثمار الصيني بناء قاعدة صناعية وسكنية واسعة؛ إلا أن تكرار المشروعات ضعيفة العائد وارتفاع كلفة السكن يحدان من قدرة العاملين على الانتفاع بنتائج عملهم.<br />
ولا تعني إعادة التوازن استبدال الاستثمار بالاستهلاك الخاص بصورة آلية. فالأهم توجيه قسم أكبر من الفائض إلى أجور وخدمات عامة وسكن ميسر، وإلى استثمار اجتماعي وإنتاجي يلبّي حاجات فعلية. وتتيح الملكية العامة للأرض والمصارف أدوات لهذا التحول، لكن أثرها يتوقف على طريقة استخدامها وعلى مشاركة العاملين والسكان في تحديد الأولويات ومراقبة النتائج.<br />
وتكشف الأزمة العقارية التوتر بين المسكن بوصفه حاجة اجتماعية والمسكن بوصفه أصلًا ماليًا. لذلك لا يُقاس نجاح المعالجة باستقرار الأسعار والمبيعات وحده؛ بل بإنجاز المساكن، وخفض عبء السكن على الأسر، وإعادة توجيه التمويل بعيدًا عن دورة توسع تعتمد على ارتفاع قيمة الأرض.<br />
مصادر الفصل السابع<br />
(207) شي جين بينغ، رفع راية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية عاليًا والنضال المتضامن من أجل بناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل: التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولا سيما القسم المتعلق بإنشاء نمط تنموي جديد ودفع التنمية عالية الجودة، النص العربي الكامل؛ واللجنة المركزية العشرون للحزب الشيوعي الصيني، قرار بشأن مواصلة تعميق الإصلاح على نحو شامل ودفع التحديث الصيني، 18 تموز/يوليو 2024، وانظر بيان الدورة الكاملة الثالثة بالعربية.<br />
(208) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، 28 شباط/فبراير 2026، ولا سيما البيانات المتعلقة بإنتاجية العمل والصناعات التحويلية العالية التقنية والإنفاق على البحث والتطوير، النص الرسمي الإنجليزي.<br />
(209) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 402–412، 465–621، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(210) فلاديمير إيليتش لينين، «المهام المباشرة أمام السلطة السوفييتية»، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد الثامن، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1977، ص30، النسخة العربية. .<br />
(211) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، 28 شباط/فبراير 2026، ولا سيما بيانات مساهمة الإنفاق الاستهلاكي النهائي وتكوين رأس المال وصافي الصادرات في نمو الناتج، النص الرسمي؛ وصندوق النقد الدولي، جمهورية الصين الشعبية: مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، تقرير الدولة رقم 26/044، شباط/فبراير 2026، ولا سيما الفقرات 48–52 والجدول السادس المتعلق بإعادة التوازن، مع ملاحظة أن قيم عام 2025 في الجدول تمتد حتى الربع الثالث، التقرير الكامل.<br />
(212) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثاني، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص400–406 و443–590، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(213) فلاديمير إيليتش لينين، تطور الرأسمالية في روسيا: في عملية تكوّن سوق داخلية للصناعة الكبيرة، ترجمة فواز طرابلسي، ط1، بيروت: دار الطليعة، تموز/يوليو 1979، ص46، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(214) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص569، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(215) البنك الدولي، مستجدات الاقتصاد الصيني: دفع الإصلاحات وتحسين الآفاق، كانون الأول/ديسمبر 2025، ولا سيما القسم الخاص بادخار الأسر والوساطة المالية وأثر الشيخوخة والحماية الاجتماعية وتفاوت الدخل والعقارات في الاستهلاك، التقرير الكامل؛ وصندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، الفقرات 48–52.<br />
(216) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة، خطة العمل الخاصة لتعزيز الاستهلاك، 16 آذار/مارس 2025، المتضمنة ثلاثين مهمة في ثمانية مجالات، النص الصيني الرسمي؛ وانظر العرض العربي: «الصين تكشف عن خطة بشأن مبادرات خاصة لتعزيز الاستهلاك»، وكالة أنباء شينخوا، 17 آذار/مارس 2025، النص العربي.<br />
(217) «الصين تعتزم تعزيز الاستهلاك ودخل السكان»، وكالة أنباء شينخوا، 5 آذار/مارس 2026، بشأن خطة زيادة دخول سكان المدن والأرياف ومخصصات استبدال السلع وصندوق دعم الطلب المحلي، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، خطة توسيع الاستهلاك خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة 2026–2030، تموز/يوليو 2026، ولا سيما ما يتعلق برفع الدخول وتحسين الضمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك العام، العرض الرسمي الإنجليزي.<br />
(218) دستور جمهورية الصين الشعبية، المادة العاشرة، بشأن ملكية الدولة للأرض الحضرية وإمكان نقل حقوق استخدامها وفق القانون، النص الإنجليزي الرسمي؛ وقانون الملكية، المواد 135–149، بشأن إنشاء حقوق استخدام أرض البناء ونقلها ورهنها ومددها، النص الإنجليزي الرسمي.<br />
(219) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص760 و898–899، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(220) فريدريك إنجلز، «مسألة السكن»، ضمن: نصوص مختارة، ترجمة وضحى البني، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1972، ص432–436، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(221) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، الاستثمار في التطوير العقاري لعام 2025، 20 كانون الثاني/يناير 2026، البيانات الرسمية؛ والمكتب الوطني للإحصاء، الاستثمار في التطوير العقاري من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو 2026، 16 تموز/يوليو 2026، البيانات الرسمية.<br />
(222) «وزير: الصين تحافظ على استقرار سوق العقارات بشكل حازم»، وكالة أنباء شينخوا، 9 آذار/مارس 2025، بشأن توسيع القوائم البيضاء وضمان تسليم المساكن، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، «الصين تعلن حزمة سياسات جديدة لدعم التعافي الاقتصادي»، 7 أيار/مايو 2025، بشأن قيمة القروض المعتمدة للمشروعات وعدد المساكن التي دُفع بناؤها وتسليمها، النص الإنجليزي الرسمي.<br />
(223) «الصين تتعهد بتحقيق الاستقرار في سوق العقارات»، وكالة أنباء شينخوا، 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، بشأن ضبط المعروض الجديد وخفض المخزون وتشجيع بيع المنازل المكتملة والرقابة على الدفعات المقدمة، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، تقرير عمل الحكومة لعام 2026، بشأن تنشيط المساكن القائمة وشراء قسم منها للإسكان المدعوم وبناء نموذج جديد للتطوير العقاري، النص الإنجليزي الكامل.<br />
(224) صندوق النقد الدولي، اختتام المجلس التنفيذي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع الصين، 18 شباط/فبراير 2026، ولا سيما التوصية بتوفير تمويل مركزي لمعالجة المساكن المبيعة مسبقًا وغير المكتملة واستعادة ثقة الأسر، النص الكامل.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/10/01/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%a8%d8%b9-%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%91%d9%84-%d9%86%d9%85%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%85%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a-%d9%88%d8%a7/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفصل السادس: التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة الصينية- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/25/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/25/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 19:42:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[سياسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107731</guid>

					<description><![CDATA[تمهيد بحث الفصل السابق تكوّن الدولة الحديثة والقاعدة الصناعية والبنية التحتية والتحولات الزراعية والحضرية التي صنعت القدرة المادية للصين. لذلك لا يعيد هذا الفصل سرد ذلك المسار، بل ينتقل إلى &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>تمهيد<br />
بحث الفصل السابق تكوّن الدولة الحديثة والقاعدة الصناعية والبنية التحتية والتحولات الزراعية والحضرية التي صنعت القدرة المادية للصين. لذلك لا يعيد هذا الفصل سرد ذلك المسار، بل ينتقل إلى نتائجه النوعية: هل تحولت القدرة الإنتاجية إلى قدرة على إنتاج المعرفة والتقنية؟ وإلى أي حد انعكس الفائض المتولد في الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية؟ وما الذي يمكن أن تستفيد منه بلدان أخرى من التجربة من دون تحويلها إلى وصفة قابلة للنسخ؟<br />
وينطلق التحليل من أن التقدم العلمي والاجتماعي لا يكفي، بمفرده، لإثبات الطبيعة الاشتراكية للنظام. فالمعرفة قد تتحول إلى منفعة عامة، وقد تصبح ملكية احتكارية؛ وزيادة الإنتاجية قد تخفض زمن العمل، وقد تقترن بتكثيفه؛ واتساع الخدمات قد يؤسس حقوقًا متساوية، وقد يبقي تفاوتًا واسعًا في الجودة والقدرة على الوصول. ومن ثم يُقاس الإنجاز بمقدار ما يوسّع قدرات السكان وسيطرتهم على شروط حياتهم، لا بحجم الموارد والمؤسسات وحده.<br />
أولًا: من استيعاب التكنولوجيا إلى بناء قدرة ابتكارية محلية<br />
1. القدرة الاستيعابية قبل الابتكار<br />
لم يبدأ الصعود التقني بعد عام 1978 من فراغ. فقد ورثت مرحلة الإصلاح شبكةً من الجامعات والمعاهد والمؤسسات الصناعية وكوادر هندسية وفنية تكونت في العقود السابقة، وإن ظلت محدودةً ومتفاوتةً وتعرضت لاضطرابات سياسية. ولا تكمن أهمية هذه القاعدة في المعدات التي امتلكتها فقط، بل في قدرتها على فهم التكنولوجيا المستوردة وتشغيلها وصيانتها وتعديلها. فالمعرفة لا تصبح قوة إنتاجية لأنها موجودة في الكتب أو المختبرات، وإنما حين تتجسد في تنظيم العمل والمهارات والمؤسسات والتعاون الاجتماعي. (163)<br />
وهذا هو الفارق بين شراء التقنية واستيعابها. فاستيراد المصنع يرفع الطاقة الإنتاجية مباشرةً، أما الاستيعاب فينشئ القدرة على تصنيع المكونات وتغيير التصميم وتطوير جيل لاحق من المنتج. وقد شدد لينين، عند بحث مهمات السلطة السوفيتية، على أن تغيير الملكية لا يعوض نقص المعرفة والتنظيم والمحاسبة والخبرة الفنية؛ إذ لا بد من استيعاب منجزات العلم الحديث وإخضاع استخدامها للأهداف الاجتماعية. (164)<br />
استخدمت الصين، بعد الإصلاح، التجارة والاستثمار الأجنبي والمشروعات المشتركة والمناطق الاقتصادية الخاصة قنواتٍ لاكتساب المعدات والمعايير والخبرة الإدارية والوصول إلى الأسواق. لكن انتقال المعرفة لم يكن آليًا؛ فقد أبقت شركات أجنبية البحث والتصميم والمكونات الحاسمة خارج الصين، بينما نُقلت مراحل التجميع كثيفة العمل. ولذلك تفاوتت النتيجة بحسب شروط الاستثمار، وقوة الموردين المحليين، وقدرة الشركات والجامعات على التعلم، والسياسة التي ربطت الانفتاح ببناء قاعدة وطنية. (165)<br />
2. من التجميع إلى التصميم والبحث<br />
بدأت قطاعات كثيرة بالتجميع وفق تصميمات أجنبية، ثم ارتفعت نسبة المكونات المحلية، وتكونت شبكات الموردين، واكتسب المهندسون والعمال معرفةً تراكمية من الإنتاج نفسه. ومع ارتفاع الأجور، وتغير البنية السكانية، واشتداد المنافسة، لم يعد ممكنًا الحفاظ على الموقع الصناعي بالعمل الرخيص وحده. فالصناعة الحديثة، كما لاحظ ماركس وإنجلز، تجدد أدوات الإنتاج باستمرار وتعيد توزيع مواقع البلدان داخل السوق العالمية؛ ومن يتوقف عند تقنية مكتسبة يفقد ميزته سريعًا. (166)<br />
ولا ينبغي وضع التقليد والابتكار في تعارض جامد. فقد كان التعلم من التقنيات القائمة مرحلةً في بناء صناعات عديدة، لكن قيمته التاريخية تتوقف على تجاوزه إلى التصميم والبحث المحليين. كما أن الآلة ليست عاملًا مستقلًا عن المجتمع؛ فتطورها يرتبط بتقسيم العمل والتعاون والحاجة الإنتاجية والمؤسسات التي تجمع المعرفة وتعيد استخدامها. (167)<br />
ظهر هذا الانتقال في قطاعات مثل القطارات السريعة والاتصالات والطاقة المتجددة والبطاريات والمركبات الكهربائية والفضاء والتجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي. وهو لا يعني تحقق استقلال تقني كامل، لكنه ينقض اختزال الصين في موقع تجميع منتجات صُممت كلها في الخارج. وقد دعمته قاعدة تعليمية واسعة: ففي عام 2025 بلغ عدد طلاب الدراسات العليا نحو 4.3 ملايين، وطلاب التعليم الجامعي والمهني العالي النظامي نحو 39.54 مليونًا، وبلغ متوسط سنوات الدراسة للسكان بين السادسة عشرة والتاسعة والخمسين 11.3 سنة. (168)<br />
غير أن عدد الخريجين لا يقيس وحده نوعية المعرفة أو قدرتها على الانتقال إلى المجتمع. فالتقدم يحتاج إلى وصل التعليم النظري بالتدريب والإنتاج، وإلى تقليل الفروق بين الجامعات والمناطق، وإلى إتاحة التعلم المستمر للعاملين. وهذا ينسجم مع ربط لينين نجاح التعاون وملكية المجتمع بارتفاع المستوى الثقافي والتنظيمي للسكان؛ فالملكية القانونية لا تتحول إلى ممارسة اجتماعية إذا بقي المنتجون عاجزين عن فهم التقنية والإدارة والمشاركة فيهما. (169)<br />
3. البحث والتطوير و«العقل العام»<br />
بلغ إنفاق الصين على البحث والتطوير في عام 2025 نحو 3.926 تريليونات يوان، بما يعادل 2.80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، منها 277.8 مليار يوان للبحوث الأساسية. وتدل هذه الأرقام على انتقال قسم متزايد من الموارد من شراء التقنية إلى محاولة إنتاجها، مع بقاء حصة البحث الأساسي محدودةً نسبيًا قياسًا إلى الإنفاق التطبيقي والتجريبي. (170)<br />
وتساعد ملاحظات ماركس في الغروندريسه على تفسير الدلالة النوعية لهذا التحول. فمع تطور الصناعة الكبرى يصبح العامل، بصورة متزايدة، منظمًا ومراقبًا للعملية الآلية، وتتحول المعرفة الاجتماعية العامة المتجسدة في الآلات والتنظيم إلى قوة إنتاجية مباشرة. غير أن هذا لا يعني «زوال» نظرية القيمة آليًا؛ بل يكشف توترًا بين اتساع الأساس العلمي والاجتماعي للثروة وبين استمرار قياس القيمة بزمن العمل واستمرار اعتماد فائض القيمة على العمل الحي. (171)<br />
وفي عام 2024 نفذت الشركات 77.7 في المائة من الإنفاق الصيني على البحث والتطوير، في مقابل 11.6 في المائة للمؤسسات البحثية الحكومية و8.4 في المائة لمؤسسات التعليم العالي. وهذا يقرب البحث من الإنتاج، لكنه قد يرجح المشروعات ذات العائد التجاري القريب على البحث الأساسي والبيئي والاجتماعي. (172)<br />
ويجمع النظام الابتكاري بين التمويل والتوجيه الحكوميين وبين منافسة المؤسسات العامة والخاصة. ويسمح الائتمان العام والمشتريات الحكومية والمختبرات الوطنية بتجميع موارد كبيرة لمشروعات طويلة الأجل، لكن تجميع رأس المال اجتماعيًا لا يجعل نتائجه اجتماعيةً تلقائيًا. فقد أوضح ماركس، عند بحث الائتمان والشركات المساهمة، أن انفصال الإدارة عن الملكية الفردية يوسع الطابع الاجتماعي للإنتاج، من دون أن يلغي الاستحواذ الخاص ما دامت الغاية والسلطة خاضعتين للربح. (173)<br />
4. مؤشرات الإنجاز وحدوده الاجتماعية<br />
احتلت الصين المرتبة العاشرة في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025، وضمت أربعةً وعشرين تجمعًا من أكبر مائة تجمع ابتكاري عالمي.<br />
(174) وبنهاية العام بلغ عدد براءات الاختراع السارية نحو 6.318 ملايين، وبلغت المعاملات التكنولوجية 7.57 تريليونات يوان.<br />
(175) غير أن البراءات والمنشورات لا تكفي للحكم على القيمة العلمية؛ فقد تدفع الحوافز الإدارية إلى تضخيم العدد، وقد لا تتحول المعرفة إلى معدات أو خدمات نافعة. لذلك ينبغي الجمع بين المؤشرات الكمية والقدرة الفعلية على إنتاج التقنيات الأساسية وتعميم منافعها.<br />
ولا يعني الاعتماد على الذات الانغلاق. فقد أكد ماو ضرورة التعلم من منجزات البلدان الأخرى من دون النسخ أو الوقوع في التبعية.<br />
(176) ويظل هذا التوازن مهمًا في ظل اعتماد الصين على الخارج في أجزاء من معدات أشباه الموصلات والبرمجيات الصناعية والأجهزة الدقيقة والطيران. فالاستقلال المقصود هو امتلاك قدرة تمنع احتكارًا خارجيًا من تعطيل قطاعات حاسمة، مع استمرار العلم بوصفه نشاطًا عالميًا يقوم على تبادل المعرفة.<br />
والتكنولوجيا ليست محايدة اجتماعيًا في آثارها. فقد ترفع الأتمتة الإنتاجية وتقلل الأعمال الخطرة، لكنها تستطيع أيضًا إزاحة وظائف وتكثيف العمل وتوسيع الإدارة الخوارزمية والمراقبة. وقد بيّن ماركس أن الآلة، رغم تجسيدها للعلم والعمل الاجتماعيين، تظهر داخل العلاقة الرأسمالية قوةً لرأس المال في مواجهة العامل، لأن معيار إدخالها هو خفض الكلفة وزيادة فائض القيمة لا تخفيف العناء في ذاته.<br />
(177) لذلك ينبغي قياس التقدم بأثره في الأجور وزمن العمل والسلامة وحق التدريب والمشاركة في القرار التقني، لا بعدد الروبوتات وحده.<br />
كما لا يجوز فصل الابتكار عن أثره البيئي. فقد أسهم التصنيع السريع في التلوث وكثافة استخدام الطاقة، ثم أصبحت الصين منتجًا رئيسيًا للطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية. وتنبه ملاحظات إنجلز إلى أن «الانتصار» التقني على الطبيعة قد يولد نتائج بعيدة غير مقصودة، لأن الإنسان جزء من الطبيعة لا قوة خارجة عنها.<br />
(178) ومن ثم لا يكفي استبدال آلة ملوثة بأخرى أقل تلويثًا إذا ظل التوسع غير المحدود في الإنتاج واستخراج الموارد هو المعيار الحاكم.<br />
وبذلك يتمثل الإنجاز الحقيقي في الانتقال من استيراد المعرفة إلى المساهمة في إنتاجها. أما مضمونه الاجتماعي فيتوقف على ملكية المعرفة، وتوزيع القدرة التعليمية، والجهة التي تحدد أولويات البحث، وما إذا كانت زيادة الإنتاجية تتحول إلى وقت حر وخدمات وحقوق، أم إلى قدرة تنافسية وربح واحتكار فقط.<br />
ثانيًا: تحويل القدرة الإنتاجية إلى قدرات بشرية<br />
1. الصحة والتعليم بوصفهما حقوقًا وقدرات<br />
ارتفع متوسط العمر المتوقع في الصين من نحو 35 عامًا عند تأسيس الجمهورية إلى 79 عامًا في 2024، وانخفضت وفيات الأمهات إلى 14.3 لكل مائة ألف ولادة ووفيات الرضع إلى أربع لكل ألف مولود حي.<br />
(179) وهذه النتيجة ليست أثرًا للطب وحده؛ بل حصيلة تحسن الغذاء والمياه والسكن والتعليم والتطعيم والصرف الصحي وبناء مؤسسات الرعاية. وهي تؤكد ما بيّنه إنجلز من أن المرض والوفاة المبكرة يتشكلان اجتماعيًا عبر شروط السكن والعمل والتغذية والبيئة والوصول إلى العلاج. (180)<br />
مر النظام الصحي بتحولات متعارضة: فقد حققت الوقاية والرعاية الريفية المبكرة نتائج كبيرة عند مستويات دخل منخفضة، ثم أضعف الاعتماد على الرسوم بعض أشكال الرعاية التعاونية خلال الإصلاح، قبل أن تتوسع الدولة مجددًا في التأمين والرعاية الأولية بعد إصلاحات 2009.<br />
(181) وبنهاية 2025 بلغ عدد المؤسسات الطبية والصحية نحو 1.107 مليون، والعاملين الفنيين 13.4 مليونًا، والأسرة الطبية أكثر من عشرة ملايين. (182)<br />
لكن وجود المؤسسة والتغطية التأمينية لا يساوي القدرة الفعلية على تلقي علاج مناسب من دون مشقة مالية. فما زالت الموارد المتقدمة تتركز في المدن والمناطق الشرقية، وتختلف المنافع باختلاف العمل والإقامة والبرنامج التأميني. لذلك ينتقل معيار المرحلة التالية من توسيع العدد إلى تقارب الجودة وتقليل الدفعات المباشرة وتعزيز الرعاية الأولية.<br />
وفي التعليم، انتقلت الصين من أمية واسعة عام 1949 إلى معدل أمية بلغ نحو 2.7 في المائة في تعداد 2020، مع أكثر من 218 مليون شخص تلقوا تعليمًا جامعيًا. وفي 2025 بلغ معدل الاستمرار في التعليم الإلزامي لتسع سنوات 96.1 في المائة، ومعدل الالتحاق الإجمالي بالتعليم الثانوي الأعلى 92 في المائة.<br />
(183) ويعبر ذلك عن تحول في القدرة على المعرفة والمشاركة، لا عن تزويد الاقتصاد بعمال مهرة فقط.<br />
وقد ربط لينين بناء المجتمع الجديد باستيعاب المعرفة التي راكمتها الإنسانية وربط التعليم بالعمل الاجتماعي، لا بمحو الأمية الشكلي وحده.<br />
(184) ومع ذلك يؤدي التعليم في الاقتصاد المختلط وظيفة مزدوجة: فهو حق يوسع استقلال الإنسان، وهو أيضًا جزء من كلفة تكوين قوة العمل المتخصصة.<br />
(185) ويظهر التوتر في المنافسة الشديدة على الشهادات، والفروق بين مدارس المدن والريف، والعقبات التي تواجه أبناء المهاجرين والأطفال ذوي الإعاقة والفئات الأقل دخلًا. (186)<br />
2. الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع المخاطر<br />
لا يوزع المجتمع كامل ناتجه على الأفراد مباشرةً؛ إذ لا بد من تخصيص أقسام منه للمدارس والصحة وإعالة غير القادرين على العمل. وقد صاغ ماركس هذا المبدأ بوضوح في نقد برنامج غوتا: ما يُقتطع من استهلاك الفرد يعود إليه بصورة مباشرة أو غير مباشرة بوصفه عضوًا في المجتمع. ولأن هذا النص سبق توثيقه كاملًا في الفصل الرابع، ترد الإحالة هنا إلى المصدر السابق وصفحته من دون إعادة بياناته. (187)<br />
وبنهاية 2025 شمل التأمين الأساسي للشيخوخة نحو 1.076 مليار شخص، والتأمين الطبي 1.331 مليارًا، وتأمين البطالة قرابة 249 مليونًا، وإصابات العمل 305 ملايين.<br />
(188) ويمثل نطاق التغطية إنجازًا مؤسسيًا كبيرًا، لكنه لا يلغي تفاوت المنافع بين العاملين الرسميين وسكان الريف والعاملين المهاجرين والمرنين، ولا صعوبة نقل الحقوق بين المناطق. كما أن بعض الأمراض الخطيرة والمزمنة ما زالت تفرض أعباء مباشرةً مرتفعة على الأسر. (189)<br />
ولا يقتصر التطور الإنساني على البقاء والصحة الأولية. فقد ربط ماركس تحرر الإنسان باتساع حاجاته وقدراته الحسية والفكرية والاجتماعية.<br />
(190) ومن هذه الزاوية وسعت الكهرباء والتعليم والاتصال والنقل والرعاية إمكان الوصول إلى الثقافة والمعرفة والحركة، لكن ارتفاع الاستهلاك لا يساوي تلقائيًا اتساع الحرية. فالعامل الذي يمتلك خدمات أكثر لكنه يعمل ساعات طويلة ولا يشارك في القرار لا يحقق كامل الإمكان الذي تتيحه الإنتاجية الأعلى.<br />
3. الشيخوخة والرعاية: اختبار المرحلة المقبلة<br />
بلغ عدد من هم في سن الستين فأكثر في نهاية 2025 نحو 323.38 مليون شخص، أي 23 في المائة من السكان، وبلغ من تجاوزوا الخامسة والستين 223.65 مليونًا.<br />
(191) وإطالة العمر إنجاز لا أزمة؛ أما التحدي فهو تنظيم الدخل والرعاية حين تتقلص الأسرة ويرتفع عدد المسنين. فإذا تُركت الرعاية للأسرة، تحملت النساء قسمًا غير متكافئ من العمل غير المأجور، وإذا تُركت للسوق ارتبطت الجودة بالثروة.<br />
وفي 2025 وُجد نحو 39 ألف مؤسسة لرعاية المسنين، تضم قرابة 7.68 ملايين سرير.<br />
(192) ولا يعني الفارق بين عدد المسنين والأسرة ضرورة الرعاية المؤسسية للجميع؛ بل يبرز الحاجة إلى الرعاية المنزلية والمجتمعية والتأمين طويل الأجل وحقوق مقدمي الرعاية وتقارب المعاشات. ويغدو توزيع الفائض هنا معيارًا مباشرًا: هل تُعامل الرعاية بوصفها حاجة اجتماعية مشتركة أم عبئًا خاصًا على الأسرة؟<br />
وعليه، فإن الإنجازات الصحية والتعليمية والاجتماعية حقيقية وعميقة، لكنها لا تثبت وحدها تجاوز العمل المأجور أو التفاوت. ويكمن الاتجاه التقدمي في تحويل التغطية الواسعة إلى حقوق متقاربة الجودة، وتقليل اعتمادها على السوق، وربط زيادة الإنتاجية بتقليص وقت العمل، وإشراك السكان والعاملين في إدارة المؤسسات والخدمات.<br />
ثالثًا: حدود تعميم التجربة والدروس القابلة للنقل<br />
1. لا مسار تاريخيًا واحدًا<br />
رفض ماركس تحويل تحليله للتراكم الأولي في أوروبا الغربية إلى فلسفة عامة للتاريخ تفرض على كل الشعوب الطريق نفسه، وأكد أن أحداثًا متشابهة قد تنتج نتائج مختلفة في بيئات تاريخية مختلفة.<br />
(193) كما شدد لينين على أن الانتقال الاجتماعي لا يتخذ أشكالًا ومعدلات متطابقة بين الأمم.<br />
(194) ويؤكد الخطاب الصيني المعاصر بدوره رفض «نسخ ولصق» طريق تحديث واحد. (195)<br />
لذلك لا يمكن استنساخ الثورة الصينية، أو حجم السوق والسكان، أو بنية الحزب والدولة، أو الظرف الدولي الذي أتاح الاندماج في العولمة الصناعية. فقد دخلت الصين إصلاحات 1978 بدولة موحدة ومصارف عامة وملكية دولة للأرض الحضرية وملكية جماعية ريفية وقطاع صناعي وتعليمي قائم. ويرى القرار التاريخي للحزب الصادر عام 2021 الإصلاح والانفتاح مرحلةً في مسار بدأ قبلها، لا تأسيسًا من نقطة الصفر. (196)<br />
كما استفادت الصين من سوق داخلية ضخمة، واحتياطي عمل ريفي، ومعدلات ادخار واستثمار مرتفعة، وإمكان نقل الموارد إلى قطاعات أعلى إنتاجية واستيعاب تقنية موجودة عالميًا.<br />
(197) واستفادت بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 من توسع سلاسل القيمة والأسواق الخارجية.<br />
(198) أما البلدان التي تبدأ التصنيع اليوم فتواجه حمايةً تجارية أكبر، وتركيزًا تقنيًا، وأتمتةً تقلل ميزة العمل الرخيص، وقيودًا بيئية أشد؛ ولذلك صار تكرار نموذج التصنيع التصديري التقليدي أقل قابلية. (199)<br />
2. ما يمكن نقله: الآليات لا المؤسسات بحذافيرها<br />
أول الدروس القابلة للاستفادة هو الجمع بين اتجاه استراتيجي طويل الأجل وتجريب محدود قابل للتقويم. فقد اقترنت سياسة «عبور النهر بتحسس الحجارة» بما تسميه الوثائق الصينية «التصميم من المستوى الأعلى».<br />
(200) وتكمن قيمة التجريب في الاعتراف بأن الدولة لا تملك معرفة كاملة مسبقًا، شرط إعلان معايير النجاح والفشل ونشر النتائج وإشراك المتأثرين وعدم تحويل التجربة إلى استثناء دائم من الحقوق.<br />
وثانيها أن التنمية الصناعية لا تنتج من آلية السوق وحدها، بل من تركيب مؤسسي يوزع الوظائف بين مبادرة المؤسسات وتوجيه الدولة الاستراتيجي. ويستعيد هذا التركيب، من حيث المنهج لا من حيث التطابق التاريخي، المسألة التي بحثها لينين في عن الضريبة العينية سنة 1921، حين رفض الحكم على النظام الانتقالي انطلاقًا من وجود السوق أو رأس المال الخاص وحدهما. فقد ميّز بين خمسة أنماط اقتصادية واجتماعية متداخلة في روسيا آنذاك: الاقتصاد الفلاحي البطريركي، والإنتاج السلعي الصغير، والرأسمالية الخاصة، ورأسمالية الدولة، والاشتراكية. ورأى أن السماح بالتجارة وبعض النشاط الرأسمالي لا يعني بذاته انهيار الاتجاه الاشتراكي، ما دامت السلطة السوفيتية قادرةً على إخضاع هذا النشاط للمحاسبة والرقابة وتوجيهه نحو رفع القوى المنتجة.<br />
ولم تكن المسألة عند لينين مفاضلةً مجردة بين «الدولة» و«السوق»، بل تحديد السلطة التي تضبط العلاقة بين الأنماط الاقتصادية المختلفة والغاية التي يُستخدم من أجلها الفائض والقدرة الإنتاجية. لذلك عدّ رأسمالية الدولة، في الشروط الروسية المتأخرة آنذاك، خطوةً ممكنة إلى الأمام قياسًا إلى تشتت الإنتاج الصغير وفوضى المضاربة، لا غايةً نهائية ولا مرادفًا للاشتراكية. كما ربط إمكان استخدامها ببقاء الأرض والصناعة الكبرى والسلطة السياسية في يد الدولة السوفيتية، وبقدرتها على تنظيم الإنتاج والتوزيع وتوجيه التطور الرأسمالي ضمن شروط محددة. (201)<br />
لكن سيطرة الدولة القانونية لا تكفي وحدها لضمان هذا الاتجاه؛ فقد أقر لينين نفسه بعودة بعض الممارسات البيروقراطية داخل النظام السوفيتي، ودعا إلى كشفها ومكافحتها. ومن ثم يفيد هذا التحليل في تقويم التجربة الصينية من دون مساواتها بالتجربة الروسية: فالعبرة ليست بوجود السوق أو المؤسسة الحكومية في ذاتهما، بل بمن يحدد اتجاه الاستثمار، وكيف يُوزع الفائض، وما إذا كانت الرقابة الإدارية تقترن برقابة اجتماعية ومشاركة فعلية للعاملين. ولا يعني ذلك أن كل اقتصاد يجمع الدولة والسوق يسلك طريقًا اشتراكيًا؛ فالملكية والائتمان والسياسة الصناعية أدوات تتحدد دلالتها بعلاقات السلطة والغايات التي توجه استخدامها.<br />
وثالثها أن الانفتاح ينبغي أن يبني قدرةً وطنية بدل تكريس التخصص التابع. ويتطلب ذلك شروطًا للاستثمار، وتطوير الموردين، وتكوين المهارات، وتمويل البحث، واستخدام المشتريات العامة. لكن قواعد التجارة والاستثمار والديون قد تضيق هذا الحيز أمام البلدان النامية، وهو ما يجعل التعاون الإقليمي والتمويل التنموي والسيادة على الموارد عناصر ضرورية. (202)<br />
ورابعها أن النجاح لا ينتج من السياسة الصناعية وحدها، بل من ترابطها مع الأرض والبنية التحتية والتعليم والصحة والحد من الفقر. ويبين التقييم المشترك لأربعة عقود من خفض الفقر في الصين أن التحول الاقتصادي والسياسات الموجهة والقدرة الإدارية عملت معًا، لا كل منها منفردًا.<br />
(203) كما تؤكد خبرة السياسة الصناعية المعاصرة أن اختيار القطاعات لا يكفي من دون تمويل وقدرة حكومية وآليات تقويم وتوافق اجتماعي. (204)<br />
3. القدرة الحكومية والرقابة الاجتماعية<br />
قدرة الدولة شرط للتخطيط، لكنها ليست ضمانًا لاستخدام الموارد لمصلحة المجتمع. فالمؤسسة العامة قد تقع تحت سيطرة بيروقراطية أو مصالح خاصة، وقد تخفي السلطات المحلية الخسائر طلبًا للترقية أو التمويل. ولهذا لا يكتمل الدرس الصيني بالدعوة إلى «دولة قوية»، بل يحتاج إلى شفافية المعلومات والمحاسبة وإمكان عزل المسؤولين ومشاركة العاملين والسكان في الرقابة. وقد جعل ماركس، في تحليله لكومونة باريس، انتخاب المسؤولين وقابليتهم للعزل وخفض امتيازاتهم عناصر تحد من تحول الوظيفة العامة إلى سلطة منفصلة عن المجتمع. (205)<br />
وتحتاج بلدان الجنوب إلى مؤسسات قادرة على جمع الضرائب وتوجيه الائتمان والتفاوض مع الشركات وحماية البيئة، لكن نقل سلطة واسعة إلى جهاز ضعيف الرقابة قد يعيد إنتاج الريع والفساد والتفاوت. لذلك تربط تقارير التنمية الحديثة بين الحيز المتاح للسياسة والقدرة المؤسسية والتنسيق والمساءلة، لا بين التنمية وكثرة الأوامر الحكومية فحسب. (206)<br />
وتقود المقارنة إلى معيار ختامي: تكون الاستفادة من التجربة تقدمية عندما تزيد قدرة المجتمع على السيطرة على موارده، وتوسع التعليم والصحة والحماية، وترفع المهارة والأجر، وتقلل التبعية، وتمنح المنتجين دورًا أكبر في القرار. أما نسخ المناطق الخاصة أو دعم التصدير أو إنشاء شركات دولة مع بقاء الأجور منخفضة والقرار مغلقًا والربح الخاص هو الغاية، فلا ينقل جوهر الإنجاز بل بعض أشكاله الخارجية.<br />
ومن ثم لا تقدم الصين نموذجًا عالميًا جاهزًا، بل تجربة تاريخية واسعة تكشف إمكان الجمع بين التخطيط والسوق والانفتاح وبناء القدرة الوطنية. كما تكشف أن نجاح هذه الأدوات لا يحسم وحده اتجاه المجتمع؛ فهذا الاتجاه يتوقف على من يملك القرار، ومن يتحمل الكلفة، وكيف يوزع الفائض، وما إذا كانت المعرفة والتقنية والخدمات توسع حرية المنتجين أم تعيد تنظيم خضوعهم في صورة أكثر تقدمًا. وتمهد هذه النتيجة للفصل التالي، الذي يبحث حدود النموذج الصيني والسيناريوهات الممكنة لتطوره.<br />
الهوامش<br />
(163) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر، 1968، ص 33 وما بعدها.<br />
(164) فلاديمير إيليتش لينين، المهمات المباشرة أمام السلطة السوفيتية، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، د.ت.، ص 43.<br />
(165) مجلس الدولة الصيني، التجارة الخارجية للصين، كتاب أبيض، كانون الأول/ديسمبر 2011، قسم «الإصلاح والانفتاح وتعزيز التجارة الخارجية»، النص الرسمي.<br />
(166) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، بيان الحزب الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، كولونيا–بغداد: منشورات الجمل، 2015، ص 63.<br />
(167) كارل ماركس، بؤس الفلسفة، ترجمة حنا عبود، دمشق: دار دمشق، ص 120.<br />
(168) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «التعليم والعلوم والتكنولوجيا»، النص الإنجليزي الرسمي.<br />
(169) فلاديمير إيليتش لينين، «حول التعاون»، ضمن: المختارات، المجلد العاشر، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 558–559.<br />
(170) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «التعليم والعلوم والتكنولوجيا»، مصدر سابق.<br />
(171) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy (Rough Draft), trans. Martin Nicolaus, Harmondsworth: Penguin Books in association with New Left Review, 1973, pp. 704–706.<br />
(172) National Bureau of Statistics of China, Statistical Communiqué of the People’s Republic of China on the 2024 National Economic and Social Development, section “Education, Science and Technology,” official text.<br />
(173) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص 512 وما بعدها.<br />
(174) World Intellectual Property Organization, Global Innovation Index 2025, “China” economy profile and cluster ranking, official publication.<br />
(175) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «التعليم والعلوم والتكنولوجيا»، مصدر سابق.<br />
(176) ماو تسي تونغ، حول العلاقات العشر الكبرى، 25 نيسان/أبريل 1956، ط1، بكين: دار النشر باللغات الأجنبية، 1978، ص 39–47.<br />
(177) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 465.<br />
(178) فريدريك إنجلز، ديالكتيك الطبيعة، ترجمة بديع عمر نظمي، بيروت: دار الفارابي، 1976، ص 171–173.<br />
(179) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «منجزات خمسة وسبعين عامًا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، 12 أيلول/سبتمبر 2024، القسم الخاص بالصحة ومتوسط العمر، النص الرسمي؛ ولجنة الصحة الوطنية الصينية، بيانات المؤشرات الصحية لعام 2024، 2025، النص الرسمي.<br />
(180) فريدريك إنجلز، حال الطبقة العاملة في إنجلترا: من المشاهدات الشخصية والمصادر الرسمية، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980، ص 98 و142.<br />
(181) World Bank, World Health Organization, Ministry of Finance of China, and National Health and Family Planning Commission, Healthy China: Deepening Health Reform in China, Washington, DC: World Bank, 2016، صفحة التقرير.<br />
(182) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «الصحة والثقافة والرياضة»، مصدر سابق.<br />
(183) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «التقدم الراسخ في إصلاح التعليم وتطوره خلال خمسة وسبعين عامًا»، 23 أيلول/سبتمبر 2024، النص الرسمي؛ والمكتب نفسه، بيانات التعداد السابع لعام 2020، النص الإنجليزي؛ والبيان الإحصائي لعام 2025، قسم التعليم، مصدر سابق.<br />
(184) فلاديمير إيليتش لينين، «مهمات منظمات الشباب»، ضمن: المختارات، المجلد العاشر، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 98 و112–113.<br />
(185) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، مصدر سابق، ص 218–229.<br />
(186) UNICEF, Country Programme Document: China, 2026–2030, New York: UNICEF, 2025، النص الكامل.<br />
(187) كارل ماركس، «نقد برنامج غوتا»، ضمن: كارل ماركس وفريدريك إنجلز، العمل المأجور ورأس المال ودراسات اقتصادية أخرى، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، 1994، ص 311.<br />
(188) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «الضمان الاجتماعي»، مصدر سابق؛ وInternational Labour Organization, Extending Social Insurance Coverage through Increasing Public Awareness and Improving Services in China, 2024, publication page.<br />
(189) World Health Organization, “Health Financing in China”، الصفحة الرسمية؛ World Bank, China Economic Update: December 2024, Washington, DC: World Bank, 2024، النص الكامل.<br />
(190) كارل ماركس، مخطوطات كارل ماركس لعام 1844، ترجمة محمد مستجير مصطفى، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1974، ص 93–124، النسخة العربية المصوّرة.<br />
(191) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025، قسم «السكان»، مصدر سابق.<br />
(192) المصدر نفسه، قسم «الضمان الاجتماعي»، بيانات مؤسسات رعاية المسنين والأسرة المتاحة.<br />
(193) Karl Marx, “Letter to the Editorial Board of Otechestvenniye Zapiski,” November 1877, electronic text. النص الإلكتروني غير مرقم الصفحات.<br />
(194) V. I. Lenin, “A Caricature of Marxism and Imperialist Economism,” in Collected Works, vol. 23, Moscow: Progress Publishers, 1964, pp. 28–76، النص الإلكتروني.<br />
(195) وزارة الخارجية الصينية، «موقف الصين من أجندة التنمية لما بعد 2015»، 2015، النص الرسمي؛ وشي جين بينغ، خطاب اجتماع الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني والأحزاب السياسية العالمية، 15 آذار/مارس 2023، النص الرسمي.<br />
(196) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام، 2021، قسم «فترة الإصلاح والانفتاح والبناء الاشتراكي الحديث»، النص الرسمي.<br />
(197) World Bank and Development Research Center of the State Council, China 2030: Building a Modern, Harmonious, and Creative High-Income Society, Washington, DC: World Bank, 2012، النص الكامل.<br />
(198) منظمة التجارة العالمية، «عشرون عامًا على عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية»، 10 كانون الأول/ديسمبر 2021، النص الرسمي.<br />
(199) UN Trade and Development, Trade and Development Report 2024: Rethinking Development in the Age of Discontent, Geneva: United Nations, 2024، صفحة التقرير.<br />
(200) State Council Information Office, “Top-Level Design and Crossing the River by Feeling the Stones,” official text؛ واللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، قرار الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة، 2013، النص الرسمي.<br />
(201) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية: دلالة السياسة الجديدة وشروطها، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973، ص 19–30، النسخة العربية الكاملة.<br />
(202) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تقرير التجارة والتنمية 2014: الحوكمة العالمية والحيز المتاح لسياسات التنمية، نيويورك وجنيف: الأمم المتحدة، 2014، ص 43–49 و77–107 و121–145، النص الكامل.<br />
(203) World Bank and Development Research Center of the State Council of the People’s Republic of China, Four Decades of Poverty Reduction in China: Drivers, Insights for the World, and the Way Ahead, Washington, DC: World Bank, 2022, pp. xiii–xv and 11–27، النص الكامل.<br />
(204) United Nations Industrial Development Organization (UNIDO), Industrial Development Report 2024: Turning Challenges into Sustainable Solutions—The New Era of Industrial Policy, Vienna: UNIDO, 2024, p. 77، النص الكامل.<br />
(205) فلاديمير إيليتش لينين، الدولة والثورة، ترجمة دار التقدم، موسكو: دار التقدم، 1970، ص 24–25.<br />
(206) UN Trade and Development, Trade and Development Report 2024: Rethinking Development in the Age of Discontent, Geneva: United Nations, 2024، مصدر سابق؛ وUNCTAD, The Least Developed Countries Report 2022: The Low-Carbon Transition and Its Daunting Implications for Structural Transformation, Geneva: United Nations, 2022.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/25/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%af%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%af%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d9%85%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفصل الخامس: بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين &#8211;  سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/22/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/22/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 22 Sep 2026 19:39:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[سياسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107678</guid>

					<description><![CDATA[تمهيد بحث الفصل السابق المضمون الاجتماعي للتنمية الصينية من خلال علاقات العمل وإنتاج الفائض وتوزيعه. وينتقل هذا الفصل إلى بحث الشروط التاريخية والمادية التي مكّنت الصين من التحول من مجتمع &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1></h1>
<h2><strong>تمهيد</strong></h2>
<p>بحث الفصل السابق المضمون الاجتماعي للتنمية الصينية من خلال علاقات العمل وإنتاج الفائض وتوزيعه. وينتقل هذا الفصل إلى بحث الشروط التاريخية والمادية التي مكّنت الصين من التحول من مجتمع زراعي فقير ومجزأ إلى دولة موحدة ذات قاعدة صناعية وبنية تحتية واسعة.<br />
ولا يمكن اختزال هذا التحول في معدلات نمو الناتج أو حجم الصادرات والاستثمار؛ لأن زيادة الإنتاج لا تكشف، بمفردها، كيفية توزيع نتائجه ولا طبيعة علاقات الملكية والعمل التي تحققت في إطارها. وفي المقابل، لا يصح إنكار القيمة التاريخية لبناء الدولة والقاعدة الصناعية وشبكات النقل والطاقة والمدن بحجة استمرار السوق ورأس المال الخاص والعمل المأجور. فالتقويم النقدي يقتضي الجمع بين الاعتراف بالإنجاز المادي وتحليل العلاقات والتكاليف والتناقضات التي رافقته.<br />
وقد نتج هذا التحول من تفاعل مرحلتين مترابطتين: مرحلة تأسيس الدولة وتغيير بنية ملكية الأرض وإنشاء القاعدة الصناعية والتعليمية والصحية الأولى، ثم مرحلة الإصلاح والانفتاح التي استخدمت السوق والاستثمار الأجنبي والمبادرة الخاصة داخل إطار احتفظت فيه الدولة بالسيطرة على المصارف والأرض والقطاعات الاستراتيجية وأدوات السياسة الصناعية. ولذلك لا يمكن تفسير النجاح الصيني بتحرير السوق وحده، مثلما لا يمكن نسبته كله إلى التخطيط المركزي أو الملكية العامة.<br />
ويناقش الفصل، انطلاقًا من ذلك، معيار تقويم الإنجاز التاريخي، ودور بناء الدولة والقاعدة المادية السابقة للإصلاح، والتحول من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية، ثم البنية التحتية والتحضر بوصفهما الإطار المكاني والاجتماعي لهذا التحول. أما التقدم العلمي والاجتماعي وحدود قابلية التجربة للتعميم، فتُبحث في الفصل السادس.</p>
<h2><strong>أولًا: معيار تقويم الإنجاز التاريخي</strong></h2>
<p>ينطلق تقويم الإنجاز التاريخي في هذا الفصل من أربعة أبعاد مترابطة: مقدار ما تحقق من توسع في القوى المنتجة والقدرة العلمية والتقنية؛ ومدى تحسن شروط حياة السكان والعمل؛ وكيفية توزيع مكاسب التنمية وتكاليفها بين الفئات والمناطق؛ والجهة التي تسيطر على وسائل الإنتاج والفائض والقرار الاقتصادي. وتسمح هذه الأبعاد بالتمييز بين بناء القدرة المادية للمجتمع وبين المضمون الاجتماعي للعلاقات التي تُستخدم في إطارها هذه القدرة.</p>
<h3><strong>تطوير القوى المنتجة في التصور الماركسي</strong></h3>
<p>يبدأ المعيار الماركسي من أهمية تطوير القوى المنتجة. فقد أوضح ماركس في مقدمة <em>مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي</em> أن قوى المجتمع الإنتاجية تدخل، عند درجة معينة من تطورها، في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة؛ فتتحول هذه العلاقات من أشكال ساعدت على تطور القوى المنتجة إلى قيود عليها، وتبدأ عندئذ حقبة من الثورة الاجتماعية. وأضاف أن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي تستطيع تحقيقها، لأن شروط حلها المادية تكون قائمةً أو آخذةً في التكوّن. <strong>(114)<br />
</strong>ومن هذا المنظور، يمثل توسيع القاعدة الصناعية والعلمية والتقنية إنجازًا تاريخيًا؛ لأنه يزيد قدرة المجتمع على إنتاج حاجاته، ويخفف خضوعه للقوى الخارجية، ويوفر الشروط المادية لتوسيع التعليم والصحة والخدمات وتقليص وقت العمل الضروري. ولا يمكن لمجتمع يعاني الفقر العام وضعف الإنتاجية أن يحقق توزيعًا اجتماعيًا متقدمًا ومستقرًا، لأن محدودية الناتج تعيد إنتاج الصراع على وسائل المعيشة وتقيّد إمكان المشاركة الواسعة في إدارة الشؤون العامة.<br />
لكن تطور القوى المنتجة لا يحمل مضمونًا اشتراكيًا بذاته. فقد بيّن ماركس وإنجلز في <em>البيان الشيوعي</em> أن الرأسمالية أحدثت تحولًا غير مسبوق في أدوات الإنتاج والنقل والسوق العالمية، وخلقت قوى إنتاجية تفوق ما أنجزته المجتمعات السابقة. ولم يمنعهما الاعتراف بهذا الدور التاريخي من تحليل التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج واستحواذ مالكي رأس المال على نتائجه.<br />
وطوّر ماركس هذه الفكرة في <em>رأس المال</em>، موضحًا أن استخدام الآلة والعلم والتعاون داخل المصنع يرفع الإنتاجية، لكنه يخضع، في ظل العلاقة الرأسمالية، لإنتاج فائض القيمة وتراكم رأس المال. ولذلك لا يكفي إثبات أن دولةً ما نجحت في بناء المصانع ورفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا للحكم بأن علاقات إنتاجها أصبحت اشتراكية. <strong>(115)</strong></p>
<h3><strong>إنجلز: من الإنتاج الاجتماعي إلى الاستحواذ الاجتماعي</strong></h3>
<p>وضح إنجلز في <em>ضد دوهرنغ</em> أن التناقض بين اجتماعية الإنتاج وخصوصية الاستحواذ نشأ مع انتقال الإنتاج من الحِرف والورش الصغيرة إلى الصناعة الحديثة. ففي الإنتاج الحرفي كان المنتج يعمل غالبًا بأدواته ويتصرف في ناتج عمله، أما المصنع الحديث فقد جمع أعدادًا كبيرة من العمال داخل عملية إنتاج واحدة، وأقام تقسيمًا واسعًا للعمل، وربط بين فروع الصناعة والنقل والتجارة والائتمان. وبذلك أصبح الإنتاج ذا طابع اجتماعي؛ لأن السلعة غدت ثمرة تعاون جماعي وشبكة مترابطة من الأنشطة، لا ثمرة عمل فرد مستقل. ومع ذلك، بقيت وسائل الإنتاج والمنتجات مملوكةً لأصحاب رأس المال، فحصل العمال على أجورهم، بينما استحوذ المالكون على الفائض المتولد من العمل الجماعي. ويُعاد إنتاج التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والتملك الرأسمالي، في صياغة إنجلز، بوصفه تضادًا بين تنظيم الإنتاج داخل كل مصنع على حدة وفوضى الإنتاج في المجتمع بأسره. ويظهر هذا التناقض كذلك في الصراع بين العمل ورأس المال وفي الأزمات الدورية التي تتجاور فيها وفرة السلع والقدرة الإنتاجية مع ضعف قدرة قطاعات واسعة من السكان على شرائها.<br />
كما حذّر إنجلز من اعتبار انتقال المشروعات الكبرى إلى ملكية الدولة تحولًا اشتراكيًا في ذاته. فقد أوضح، في سياق تحليله للدولة الرأسمالية، أن تحويل قوى الإنتاج إلى شركات مساهمة أو إلى ملكية الدولة لا يلغي بالضرورة طابعها الرأسمالي؛ إذ قد تظل علاقات العمل المأجور قائمة، ويبقى العمال منفصلين عن إدارة الإنتاج والتصرف في فائضه. غير أن هذا الانتقال يكشف، في الوقت نفسه، أن إدارة الإنتاج الاجتماعي لم تعد تتطلب وجود الرأسمالي الفردي، وينطوي بذلك على إمكان شكلي لإعادة تنظيم قوى الإنتاج على أساس اجتماعي مختلف. <strong>(116)<br />
</strong>وبناءً على ذلك، تمثل ملكية الدولة الصينية للمصارف والأرض والمؤسسات الاستراتيجية شرطًا يتيح توجيه الاستثمار على المدى الطويل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية. فالمعيار يشمل كذلك مقدار خضوع هذه المؤسسات للحاجات العامة، وكيفية توزيع عوائدها، ومدى مشاركة العاملين والمجتمع في إدارتها والرقابة عليها.</p>
<h3><strong>لينين: الإنتاجية والرقابة في الاقتصاد الانتقالي</strong></h3>
<p>واجه لينين مسألةً مشابهة في ظروف روسيا السوفيتية، حيث استولت الثورة على السلطة في بلد ضعيف التصنيع وتغلب عليه الزراعة والإنتاج الصغير. وقد رأى أن بقاء السلطة الجديدة لا يعتمد على تغيير الملكية السياسية والقانونية وحده، بل يتطلب رفع إنتاجية العمل، وإعادة تنظيم الاقتصاد، وتطوير الصناعة، وتوسيع التعليم والخبرة التقنية والحساب والرقابة.<br />
وفي <em>عن الضريبة العينية</em> أوضح لينين أن استخدام التجارة ورأس المال الخاص وبعض أشكال رأسمالية الدولة يمكن أن يمثل تقدمًا قياسًا إلى تشتت الإنتاج الصغير، إذا احتفظت السلطة الجديدة بالقدرة على تنظيم هذه الأشكال وتوجيهها. ولم يعتبر الشكل السوقي اشتراكيًا في ذاته، بل بحث موقعه داخل اقتصاد انتقالي، ومن يسيطر على القطاعات الأساسية والائتمان والتبادل، ولأي غاية تستخدم نتائج النشاط الاقتصادي. <strong>(117)<br />
</strong>ويفيد هذا المنهج في تقويم التجربة الصينية؛ فوجود السوق ورأس المال الخاص لا يكفي وحده لنفي الاتجاه الاشتراكي للنظام كله، كما أن قيادة الحزب وملكية الدولة لا تكفيان وحدهما لإثباته. ويتطلب الحكم معرفة ما إذا كانت أدوات السوق تُستخدم لتطوير القوى المنتجة مع إخضاع رأس المال للأهداف العامة، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى علاقات مستقرة تمنح أصحاب الملكية الخاصة سلطةً متزايدة على العمل والاستثمار والقرار السياسي.</p>
<h3><strong>المعايير الصينية المعلنة للتنمية</strong></h3>
<p>تقدم الوثائق الصينية الرسمية تصورًا أوسع للإنجاز من مجرد نمو الناتج. فقد ربط قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات التاريخية، الصادر سنة 2021، بين بناء الدولة الموحدة والتصنيع والإصلاح والانفتاح وتحسين مستوى المعيشة. كما اعتبر أن الصين أنجزت، خلال عقود، عملية تصنيع استغرقت في البلدان المتقدمة مدةً أطول بكثير، وحققت نموًا اقتصاديًا سريعًا واستقرارًا اجتماعيًا طويلًا. <strong>(118)<br />
</strong>غير أن هذه الوثيقة تمثل تقويم الحزب لتاريخه، ولذلك ينبغي استخدامها مصدرًا أساسيًا لفهم رؤية القيادة الصينية وأهدافها، من دون اعتبارها برهانًا مستقلًا وكافيًا على تحقق جميع النتائج التي تعلنها. فالتقويم العلمي يقتضي مقارنة الخطاب الرسمي بالبيانات المتعلقة بالدخل والعمل والخدمات والتفاوت والملكية والمشاركة الاجتماعية.<br />
أما تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، فقد جعل «التنمية العالية الجودة» مهمةً أساسية لبناء الدولة الاشتراكية الحديثة، وربطها بتطوير النظام الصناعي والابتكار العلمي والتكنولوجي، وزيادة دخول السكان بما يواكب النمو، وتحقيق التناسب بين ارتفاع مكافآت العمل ونمو إنتاجيته، وتقريب مستوى الخدمات العامة، ودفع الرخاء المشترك والتنمية الخضراء. <strong>(119)<br />
</strong>وتوفر هذه الأهداف معايير يمكن بواسطتها تقويم النموذج وفق شروطه المعلنة نفسها. فإذا ارتفعت الإنتاجية من دون أن تواكبها زيادة مكافآت العمل، أو توسع الاقتصاد من دون تضييق الفجوات بين المناطق والفئات، أو تطورت التكنولوجيا مع زيادة خضوع العاملين للرقابة وكثافة العمل، فإن النتائج تكون أدنى من الأهداف التي حددها المشروع الصيني لنفسه.</p>
<h3><strong>أربعة أسئلة لتقويم الإنجاز الصيني</strong></h3>
<p>يمكن، انطلاقًا من التصور الماركسي والأهداف الصينية المعلنة، تقويم الإنجاز التاريخي من خلال أربعة أسئلة مترابطة:</p>
<ol>
<li><strong>هل توسعت القدرة المادية والعلمية للمجتمع؟<br />
</strong>ويشمل ذلك تطور الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والمهارات، والقدرة على إنتاج وسائل الإنتاج والمحافظة على الاستقلال الاقتصادي ومواجهة الأزمات.</li>
<li><strong>هل تحسنت شروط حياة السكان والعمل؟<br />
</strong>ويتعلق ذلك بالدخل والسكن والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والأمن الوظيفي وساعات العمل، لا بمتوسط الدخل النقدي وحده.</li>
<li><strong>كيف توزعت مكاسب التنمية وتكاليفها؟<br />
</strong>ويشمل هذا توزيع الدخل والثروة بين العمل ورأس المال، وبين الريف والمدينة والمناطق المختلفة، وتوزيع الأعباء البيئية والاجتماعية التي رافقت التصنيع.</li>
<li><strong>هل زادت سيطرة المجتمع والمنتجين على الثروة والقرار؟<br />
</strong>فلا يكتمل المضمون الاشتراكي للتنمية بمجرد توسع ملكية الدولة أو الإنفاق العام، بل يتطلب اتساع الرقابة الاجتماعية ومشاركة العاملين في إدارة المؤسسات وتحديد أولويات الاستثمار واستخدام الفائض.</li>
</ol>
<p>تقدم التجربة الصينية إجابةً قوية عن السؤال الأول، فقد حققت تحولًا صناعيًا وعلميًا وتقنيًا واسعًا. كما تقدم نتائج مهمة، وإن كانت متفاوتة، في تحسين شروط المعيشة وتوسيع الخدمات وخفض الفقر. أما توزيع المكاسب بين الفئات والمناطق، ومدى انتقال السيطرة الفعلية على المؤسسات والفائض إلى المنتجين والمجتمع، فيظلان أكثر تعقيدًا.<br />
ولا يقلل هذا التمييز من قيمة الإنجازات الصينية، بل يمنع الخلط بين تطوير القوى المنتجة والتحول الاشتراكي الكامل. فقد أثبتت الصين أن دولةً نامية تستطيع استخدام التخطيط والملكية العامة والمصارف والسياسة الصناعية وآليات السوق لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة نسبيًا. لكنها لم تثبت أن هذا التطور يؤدي تلقائيًا إلى تجاوز العمل المأجور والتفاوت أو إلى سيطرة اجتماعية كاملة على الفائض.<br />
وعلى أساس هذا المعيار يمكن الانتقال إلى بحث الإنجاز التاريخي الأول الذي سبق إصلاحات سنة 1978 ومهّد لها: بناء الدولة الموحدة، وتغيير بنية ملكية الأرض، وإنشاء القاعدة الصناعية والمؤسسية والبشرية الأولى.</p>
<h2><strong>ثانيًا: بناء الدولة الموحدة والقاعدة المادية للتنمية</strong></h2>
<p>لا يمكن تفسير التحول الاقتصادي الذي بدأته الصين في أواخر سبعينيات القرن العشرين كما لو أنه انطلق من فراغ. فقد عمل الإصلاح والانفتاح فوق قاعدة سياسية ومؤسسية ومادية تكوّنت خلال العقود الثلاثة الأولى من عمر جمهورية الصين الشعبية. وشملت هذه القاعدة توحيد الدولة والسوق الوطنية، وإعادة تنظيم ملكية الأرض، وإنشاء جهاز إداري قادر على تعبئة الموارد، وتأسيس الصناعات الثقيلة ومرافق الطاقة والنقل، وتوسيع التعليم والصحة العامة، وتكوين خبرات فنية وهندسية وإدارية استفادت منها مرحلة الإصلاح لاحقًا.<br />
ولا يعني الاعتراف بهذه الاستمرارية تبرير جميع سياسات مرحلة ما قبل عام 1978؛ فقد تضمنت تلك المرحلة إنجازات تأسيسية، لكنها شهدت كذلك اختلالات جسيمة في التخطيط وتوزيع الموارد، وأزمات ارتبطت بالقفزة الكبرى إلى الأمام والكومونات الشعبية والثورة الثقافية. ولذلك ينبغي التمييز بين الوظيفة التاريخية التي أدتها المرحلة في بناء الدولة والقاعدة المادية، وبين الأساليب والسياسات التي فرضت تكاليف مرتفعة على المجتمع، ولا سيما على الفلاحين.</p>
<h3><strong>الثورة وتوحيد المجال السياسي والاقتصادي</strong></h3>
<p>ورثت جمهورية الصين الشعبية عند تأسيسها عام 1949 بلدًا أنهكته الحروب الأهلية والغزو الياباني والتدخلات الأجنبية، وكانت بنيته الصناعية محدودة ومتمركزة في عدد من المدن والمناطق الساحلية. كما كانت السلطة السياسية والمالية مشتتة، وشبكات النقل والاتصال ضعيفة، ومستويات الأمية والمرض والفقر مرتفعة.<br />
تمثل الإنجاز الأول للثورة في إنشاء سلطة مركزية استطاعت توحيد معظم البر الصيني، واستعادة قدر من السيادة الوطنية، وتثبيت العملة والأسعار، وتوحيد الإدارة المالية والاقتصادية، وتنفيذ الإصلاح الزراعي. ويشير قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الصادر عام 2021 إلى أن هذه الإجراءات وفّرت «الشرط السياسي المسبق» و«الأرضية النظامية» لبدء التصنيع والبناء الاقتصادي الواسع. كما يقرر أن الخطط الخمسية الأولى أسهمت في إنشاء نظام صناعي واقتصادي وطني «مستقل ومتكامل نسبيًا»، إلى جانب تطور الزراعة والتعليم والعلوم والصحة والدفاع الوطني. <strong>(120)<br />
</strong>ولم تكن وحدة الدولة مسألة سياسية منفصلة عن التنمية؛ إذ أتاحت إنشاء سوق وطنية أوسع، وتعبئة الموارد على نطاق البلاد، وتنفيذ مشروعات تتجاوز قدرة المناطق أو رأس المال الخاص المحدود، مثل شبكات السكك الحديدية والطاقة والصناعات الأساسية. كما مكّنت الحكومة المركزية من نقل الموارد والخبرات بين الأقاليم، وتوجيه الاستثمار إلى أهداف طويلة الأجل لا تحقق أرباحًا تجارية سريعة.<br />
لكن هذه القدرة حملت تناقضًا داخليًا. فقد مكّنت المركزية الدولة من تركيز الموارد وتسريع البناء، لكنها جعلت نتائج القرارات الخاطئة واسعة النطاق أيضًا. وعندما ضعفت قنوات المعلومات والمراجعة والنقد، وأصبح تحقيق الأهداف المعلنة معيارًا للولاء السياسي، ازدادت احتمالات تضخيم الإنتاج وإخفاء المشكلات وتعميم سياسات غير واقعية. وبذلك كانت قوة الجهاز المركزي مصدرًا للإنجاز ومصدرًا للخطر في الوقت نفسه، تبعًا لطبيعة القرار ومدى خضوعه للمحاسبة والرقابة الشعبية والمهنية.</p>
<h3><strong>الإصلاح الزراعي وتغيير بنية الملكية</strong></h3>
<p>كان الإصلاح الزراعي من أهم التحولات الاجتماعية التي سبقت التصنيع. فقد فُككت ملكية كبار الملاكين التقليدية، وأُعيد توزيع الأرض على ملايين الأسر الفلاحية، ثم انتقلت الزراعة تدريجيًا من الملكية والاستغلال الأسريين إلى فرق التعاون والتعاونيات، وصولًا إلى الكومونات الشعبية في أواخر الخمسينيات.<br />
وتكتسب هذه العملية دلالة خاصة عند مقارنتها بتحليل ماركس للتراكم الرأسمالي الأولي. فقد أوضح ماركس في المجلد الأول من <em>رأس المال</em> أن المسار الكلاسيكي لنشوء الرأسمالية في إنجلترا قام على فصل المنتج الزراعي عن الأرض وتحويلها إلى ملكية خاصة رأسمالية، بحيث تحولت جماهير من الفلاحين إلى عمال لا يملكون سوى قوة عملهم. <strong>(121)<br />
</strong>أما الإصلاح الزراعي الصيني فقد بدأ في اتجاه مختلف؛ إذ نقل الأرض من كبار الملاكين إلى الفلاحين بدل تحويلها مباشرةً إلى ملكية رأسمالية واسعة، وأضعف الأساس الاقتصادي للطبقة المالكة للأرض. ولم يؤدِّ التطور اللاحق إلى خصخصة الأرض، بل إلى إدخالها في أشكال ملكية جماعية، الأمر الذي حال دون تشكل سوق حرة كاملة للأرض الزراعية ودون عودة الملكية العقارية الخاصة الواسعة بصورتها التقليدية.<br />
غير أن الانتقال من توزيع الأرض على الأسر إلى التعاونيات والكومونات جرى بسرعة متزايدة، ولم تتوافر دائمًا مشاركة فلاحية حقيقية في تحديد شكل التنظيم الزراعي وإدارته. وهنا يوفر إنجلز معيارًا نقديًا مهمًا. ففي <em>مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا</em> رفض انتزاع ملكية صغار الفلاحين بالقسر، ورأى أن الانتقال إلى الإنتاج التعاوني ينبغي أن يقوم على الاقتناع والمثال العملي وتقديم المساعدة الاجتماعية، لا على الإكراه الإداري. <strong>(122)<br />
</strong>ولا يعني ذلك إمكان تطبيق وصفة إنجلز حرفيًا على الصين، حيث اختلفت بنية الريف وحجم السكان ومستوى الإنتاج والحرب الثورية. لكنه يوضح أن إلغاء ملكية كبار الملاكين لا يكفي لجعل العلاقات الزراعية اشتراكية في مضمونها؛ إذ ينبغي كذلك بحث مقدار سيطرة الفلاحين على عملية الإنتاج، ومشاركتهم في إدارة التعاونيات، وحريتهم في تنظيم العمل وتوزيع الناتج.<br />
وقد حافظت الصين، حتى بعد تفكيك الكومونات وإقرار نظام المسؤولية الأسرية، على مبدأ الملكية العامة للأرض. فوفق المادة العاشرة من الدستور، تعود ملكية الأرض في المدن إلى الدولة، بينما تعود الأرض الريفية، في الأصل، إلى الجماعات القروية، مع إمكان تداول حقوق الاستخدام ضمن القانون. <strong>(123)<br />
</strong>وأدى هذا التنظيم إلى منع الخصخصة الكاملة للأرض الزراعية، وإلى توفير قدر من الحماية للأسر الريفية من فقدان الأرض نهائيًا. لكنه لم يُنهِ التناقضات المرتبطة بالتصرف في حقوق الاستخدام وتحويل الأراضي والتعويضات وسلطة الحكومات المحلية. وتقر القوانين الصينية لأعضاء الجماعات الريفية حقوقًا في المشاركة في إدارة الأراضي والأصول الجماعية، من خلال اجتماعات القرويين أو ممثليهم وجمعيات أعضاء المنظمات الاقتصادية الجماعية، بما في ذلك مناقشة خطط استخدام بعض العائدات والتعويضات وتوزيعها. غير أن وجود هذه الآليات قانونًا لا يضمن وحده فاعلية المشاركة أو عدالة النتائج؛ إذ يتوقف ذلك عمليًا على شفافية المعلومات، وتمثيل مختلف فئات السكان، وقدرتهم على مراقبة الهيئات المديرة ومراجعة قراراتها، وعلى القواعد التي تحكم توزيع العائد المتحقق من الأرض. ولذلك تمثل الملكية الجماعية للأرض شرطًا مؤسسيًا يمكن أن يحمل مضمونًا اجتماعيًا، لكن مدى تحقق هذا المضمون يتحدد بفاعلية مشاركة أعضاء الجماعة وعدالة توزيع المنافع والتعويضات بينهم.</p>
<h3><strong>تكوين القاعدة الصناعية الأولى</strong></h3>
<p>أعطت الدولة الصينية منذ الخطة الخمسية الأولى أولويةً لبناء الصناعات الثقيلة والطاقة والتعدين والصلب والآلات والنقل والدفاع. واستفادت المرحلة الأولى من المساعدات السوفيتية ونقل التكنولوجيا والخبرات، ثم اتجهت الصين، بعد تدهور العلاقات الصينية ــ السوفيتية، إلى توسيع قدرتها الصناعية والعلمية بالاعتماد المتزايد على مواردها الذاتية.<br />
وقد أظهر خطاب ماو تسي تونغ <em>حول العلاقات العشر الكبرى</em>، الذي ألقاه عام 1956، إدراكًا مبكرًا لبعض اختلالات نمط التصنيع شديد المركزية. فقد بحث ماو العلاقة بين الصناعة الثقيلة من جهة والزراعة والصناعة الخفيفة من جهة أخرى، وبين المناطق الساحلية والداخلية، وبين البناء الاقتصادي والدفاع، وبين الدولة ووحدات الإنتاج والمنتجين، وبين الحكومة المركزية والسلطات المحلية. وكان الهدف المعلن هو تجنب بعض مشكلات التجربة السوفيتية وبناء مسار يتناسب مع الظروف الصينية. <strong>(124)<br />
</strong>ولم تُطبق هذه الموازنة باستمرار؛ إذ ظلت الصناعة الثقيلة تحظى بأولوية واضحة، وخُصصت لها موارد كبيرة على حساب الاستهلاك والاستثمار الزراعي في بعض المراحل. ومع ذلك، أنتج هذا التراكم مصانع ومناجم ومحطات كهرباء وشبكات نقل ومؤسسات بحثية وجامعات تقنية، وكون طبقات من العمال الصناعيين والمهندسين والفنيين والإداريين. وقد أصبحت هذه القاعدة أحد الشروط التي سمحت بعد عام 1978 باستيعاب التكنولوجيا الأجنبية وتوسيع الصناعات التصديرية بدل البدء من اقتصاد زراعي بلا خبرة صناعية أو مؤسسات وطنية. <strong>(125)</strong></p>
<h3><strong>كلفة التراكم الصناعي وحدوده</strong></h3>
<p>لم تكن القاعدة الصناعية نتاجًا مجانيًا. فقد اعتمد تمويل التصنيع بدرجة كبيرة على تعبئة الفائض الزراعي بواسطة احتكار الدولة شراء عدد من المنتجات، ونظام الأسعار الذي رجّح السلع الصناعية، وتقييد انتقال السكان بين الريف والمدينة. وأتاح نظام التسجيل الأسري ضبط الهجرة وتوفير الغذاء والعمالة للمدن، لكنه أسهم في تكوين تفاوت طويل الأمد بين الحقوق والخدمات المتاحة للسكان الحضريين والريفيين.<br />
ومن منظور التحليل الماركسي، مثّلت هذه السياسات نقلًا إداريًا لقسم من الفائض الذي ينتجه الفلاحون إلى التراكم الصناعي. ولم يتحول هذا الفائض أساسًا إلى ملكية خاصة لأصحاب رأس المال، بل استخدم في بناء قطاع عام وقاعدة صناعية وطنية. وهذه نقطة تميّز مهمة عن التراكم الرأسمالي الخاص. لكنها لا تلغي السؤال عن الثمن الذي تحمله المنتجون الزراعيون، ولا عن مقدار مشاركتهم في تقرير حجم الاقتطاع وأوجه استخدامه.<br />
وقد وصلت اختلالات التعبئة المركزية إلى ذروتها خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» وحركة تعميم الكومونات الشعبية، حين استُبدلت في جوانب متعددة الأهداف السياسية والإنتاجية غير الواقعية بالحساب الاقتصادي الدقيق والخبرة الفنية. وأدت السياسات الخاطئة، إلى جانب عوامل أخرى، إلى أزمة اقتصادية واجتماعية شديدة. كما عطلت الثورة الثقافية لاحقًا مؤسسات التعليم والإدارة والبحث العلمي، وأخضعت قطاعات واسعة من الحياة الاجتماعية لصراعات سياسية حادة.<br />
ولا يستند هذا النقد إلى مصادر خارجية وحدها؛ فالقرار التاريخي للحزب الشيوعي الصيني الصادر عام 2021 يصف القفزة الكبرى والكومونات الشعبية بأنها أخطاء، ويقرر أن الثورة الثقافية قامت على تقدير خاطئ للوضع، وأنها عرّضت الحزب والدولة والشعب لأخطر النكسات والخسائر منذ تأسيس الجمهورية. <strong>(126)<br />
</strong>وتكشف هذه التجربة أن الملكية العامة والتخطيط المركزي لا يضمنان، بذاتهما، الاستخدام العقلاني للفائض. فإذا غابت المعلومات الدقيقة والمراجعة المهنية والرقابة الشعبية، أمكن أن يتحول التخطيط إلى أوامر إدارية منفصلة عن قدرات المنتجين والموارد الفعلية. كما أن تعبئة الجماهير لا تكون بديلًا عن المعرفة التقنية والتنظيم والمحاسبة، ولا تصبح مشاركةً اشتراكية حقيقية إذا اقتصرت على تنفيذ أهداف تقررها الأجهزة العليا.</p>
<h3><strong>التعليم والصحة وبناء القدرة البشرية</strong></h3>
<p>لم تقتصر القاعدة المادية على المصانع والآلات. فقد شهدت مرحلة ما قبل الإصلاح حملات واسعة لمحو الأمية، وتوسيع التعليم الأساسي، وإعداد الفنيين والمهندسين، ونشر خدمات الصحة العامة والوقاية والتطعيم والرعاية الريفية. وأسهمت هذه السياسات في تحسين القدرة الصحية والتعليمية للسكان، وفي تكوين قوة عمل استطاعت التعامل لاحقًا مع التصنيع الحديث والتكنولوجيا المستوردة.<br />
وتنسجم أهمية هذا الجانب مع معالجة لينين لشروط الانتقال الاشتراكي. ففي <em>المهمات المباشرة للسلطة السوفيتية</em> أكد أن الاستيلاء السياسي على السلطة لا ينجز الاشتراكية تلقائيًا، وأن المرحلة التالية تتطلب تنظيم المحاسبة والرقابة، ورفع إنتاجية العمل، والاستفادة من العلم والخبرة الفنية، وإنشاء شبكة من مؤسسات التعليم والإدارة الحديثة. كما ربط في <em>عن التعاون</em> بين نجاح التنظيم التعاوني وارتفاع المستوى الثقافي للفلاحين وتوافر «قاعدة مادية» متطورة، ورأى في <em>ثورتنا</em> أن السلطة الثورية تستطيع البدء ببناء بعض الشروط الحضارية التي لم تنجزها الرأسمالية السابقة، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن إنجازها. <strong>(127)<br />
</strong>وتفيد هذه النصوص في فهم التجربة الصينية من جانبين. فمن جهة، لم يكن تأخر الصين المادي والثقافي دليلًا على ضرورة انتظار اكتمال الرأسمالية قبل القيام بالثورة؛ فقد استطاعت الدولة الجديدة أن تنشئ مؤسسات وقوى إنتاج لم تكن الطبقات المالكة القديمة قادرة على بنائها. ومن جهة أخرى، لم يكن الانتصار السياسي بديلًا عن تطوير الإنتاج والتعليم والعلم والإدارة. وعندما جرى التقليل من شأن الخبرة الفنية أو إخضاع المؤسسات التعليمية والعلمية للصراع السياسي، ظهرت حدود الإرادوية الثورية بوضوح.</p>
<h3><strong>الإصلاح والانفتاح بوصفه إعادة تنظيم لقاعدة قائمة</strong></h3>
<p>يمثل عام 1978 تحولًا تاريخيًا في اتجاه التنمية الصينية، لكنه لا يشكل بداية الدولة الحديثة أو التصنيع الصيني. فقد انتقلت القيادة بعده من تعبئة الموارد أساسًا بواسطة الأوامر الإدارية إلى استخدام أوسع للحوافز السوقية، والاستقلال النسبي للمؤسسات، والاستثمار الأجنبي، والتجارة الدولية، والمبادرات المحلية والخاصة.<br />
غير أن السوق لم تُنشأ في فراغ؛ فقد عملت داخل دولة موحدة تمتلك الأرض الحضرية، وتحتفظ بالملكية الجماعية للأرض الريفية، وتسيطر على المصارف الأساسية وقطاعات الطاقة والنقل والصناعات الاستراتيجية. كما دخل رأس المال الأجنبي إلى مناطق اختارتها الدولة، واستفاد من الموانئ والطرق وشبكات الكهرباء والمؤسسات التعليمية وقوة العمل التي تكوّنت خلال المرحلة السابقة.<br />
وبذلك لم يكن الإصلاح مجرد استبدال التخطيط بالسوق، بل إعادة تنظيم لاستخدام قاعدة مادية ومؤسسية موجودة. فقد أسهمت الحوافز السوقية والانفتاح في رفع الكفاءة وجذب التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج، بينما وفرت الدولة والقطاع العام البنية الأساسية والتمويل والقدرة على توجيه الاستثمار. وأسهمت القاعدة السابقة في تمكين الاقتصاد من استيعاب الاستثمار والتكنولوجيا وتطوير سلاسل إنتاج محلية.</p>
<h2><strong>ثالثًا: التحول من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية عالمية</strong></h2>
<p>يمثل التحول من اقتصاد يغلب عليه الإنتاج الزراعي والعمل الريفي إلى واحدة من أكبر القواعد الصناعية في العالم أبرز النتائج التاريخية للتجربة الصينية. فلم يكن الأمر مجرد ارتفاع في حجم الناتج أو زيادة في عدد المصانع، بل إعادة تشكيل واسعة لتقسيم العمل الاجتماعي، وتوزيع السكان بين الريف والمدينة، وتركيب قوة العمل، والعلاقة بين الزراعة والصناعة، وموقع الصين داخل السوق العالمية.<br />
ورثت مرحلة الإصلاح قاعدةً صناعية وتعليمية ومؤسسية تشكّلت خلال العقود الثلاثة الأولى بعد الثورة، لكنها ورثت كذلك اقتصادًا منخفض الإنتاجية، يعاني اختلالات في تخصيص الموارد، وضعف الحوافز، ونقص السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا المتقدمة. ومنذ عام 1978 أُعيد تنظيم هذه القاعدة من خلال تفاعل التخطيط الحكومي وآليات السوق، وملكية الدولة والملكية الجماعية والملكية الخاصة، والاستثمار المحلي والأجنبي، والتصنيع الريفي والحضري، والاندماج في التجارة العالمية.<br />
ولذلك لا يمكن تفسير الصعود الصناعي الصيني بإرجاعه إلى السوق وحدها، كما لا يمكن تفسيره باستمرار التخطيط المركزي بصورته القديمة. لقد نشأ من تركيب تاريخي جمع بين تراكم سابق موّلته الدولة، وإصلاح العلاقات الزراعية والصناعية، وتوسيع دور المبادرة المحلية والخاصة، وجذب رأس المال والتكنولوجيا من الخارج، مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على الائتمان والأرض والبنية التحتية وعدد من القطاعات الاستراتيجية.</p>
<h3><strong>تحول تقسيم العمل الاجتماعي</strong></h3>
<p>ربط ماركس وإنجلز في <em>الأيديولوجيا الألمانية</em> تطور أشكال الملكية والبنية الاجتماعية بتقدم تقسيم العمل والقوى المنتجة. فانتقال المجتمع من الإنتاج الزراعي المحلي المحدود إلى الصناعة الواسعة لا يضيف قطاعًا اقتصاديًا جديدًا فحسب، بل يغيّر العلاقات بين الريف والمدينة، ويفصل فروعًا جديدة من النشاط، ويوسع التبادل، ويخلق فئات وطبقات ومصالح اجتماعية جديدة. <strong>(128)<br />
</strong>وقد طوّر لينين هذا المنهج في <em>تطور الرأسمالية في روسيا</em>، موضحًا أن تشكل السوق الداخلية يرتبط بتمايز المنتجين الزراعيين، وانتقال قسم من السكان من الزراعة إلى الصناعة، وتحول قوة العمل نفسها إلى سلعة. ومن هذا المنظور لا يُقاس التصنيع بحجم الإنتاج الصناعي وحده، بل بمقدار ما يحدثه من تغيير في بنية العمل والعلاقة بين الزراعة والصناعة والسوق الوطنية. <strong>(129)<br />
</strong>انطبق جانب من هذه العملية على الصين، وإن جرى داخل شروط سياسية وملكية مختلفة عن التطور الرأسمالي التقليدي. ففي عام 1952 كان نحو 83.5 في المائة من المشتغلين يعملون في القطاع الأولي، مقابل 7.4 في المائة في القطاع الثانوي و9.1 في المائة في الخدمات. وبحلول عام 1978 انخفضت حصة القطاع الأولي إلى 70.5 في المائة، ثم تراجعت في عام 2023 إلى 22.8 في المائة، بينما ارتفعت حصة الصناعة والبناء إلى 29.1 في المائة والخدمات إلى 48.1 في المائة. <strong>(130)<br />
</strong>وتبين هذه الأرقام أن التحول الصيني لم يكن مجرد توسع للإنتاج الصناعي بجوار قطاع زراعي ثابت، بل انتقالًا تاريخيًا لمئات الملايين من العمال من الزراعة إلى الصناعة والبناء والنقل والتجارة والخدمات. وأدى ذلك إلى توسيع العمل المأجور، وتعميق الترابط بين الريف والمدينة، وربط معيشة الأسر الريفية بالأجور والتحويلات النقدية والأسواق الوطنية.<br />
غير أن هذا الانتقال لم يلغِ الريف أو الزراعة. فقد ظلت الأرض الجماعية وحقوق الانتفاع الزراعي تؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا، واحتفظت أسر كثيرة بعلاقات متزامنة مع القرية وسوق العمل الحضري. ولذلك نشأت بنية مزدوجة تجمع بين العمل المأجور الصناعي واستمرار الصلة بالأرض والأسرة الريفية، وهو ما ميّز مسار التحول الصيني من مسارات تاريخية قامت على الاقتلاع الكامل والسريع للفلاحين من الأرض.</p>
<h3><strong>الإصلاح الريفي والتصنيع من أسفل</strong></h3>
<p>بدأت إعادة تنظيم الاقتصاد بعد عام 1978 من الريف. فقد حل نظام المسؤولية الأسرية تدريجيًا محل الإدارة الجماعية المباشرة للعمل الزراعي، مع بقاء ملكية الأرض جماعيةً ومنح الأسر حق التعاقد على استخدامها والإنتاج فيها. وأسهم ارتفاع الإنتاجية الزراعية وتحسن الحوافز في زيادة المعروض من الغذاء وتحرير قسم من قوة العمل الريفية للانتقال إلى أنشطة غير زراعية.<br />
لكن فائض العمل الريفي لم ينتقل كله مباشرةً إلى المدن الكبرى. فقد توسعت مؤسسات البلدات والقرى، التي عملت في الصناعة الخفيفة والمواد الإنشائية والأغذية والآلات والخدمات. وأتاحت هذه المؤسسات تصنيعًا ريفيًا استوعب أعدادًا كبيرة من العاملين، ورفع دخول الأسر والسلطات المحلية، وربط القرى بشبكات الإنتاج والتجارة من دون اشتراط هجرة جميع العمال منذ البداية إلى المراكز الساحلية.<br />
ولم تكن مؤسسات البلدات والقرى قطاعًا متجانسًا من حيث الملكية. فبعضها ارتبط بالملكية الجماعية المحلية، وبعضها خضع فعليًا لإدارة خاصة تحت تسميات جماعية، ثم اتجه عدد كبير منها إلى الخصخصة أو إعادة الهيكلة. ومع ذلك أدت، خلال المراحل الأولى من الإصلاح، وظيفةً انتقاليةً مهمة بين الزراعة التقليدية والصناعة الحضرية، وبين الملكية الجماعية والسوق.<br />
وأشارت القرارات التاريخية للحزب الشيوعي الصيني إلى أن التحول بعد عام 1978 شمل نقل مركز العمل إلى البناء الاقتصادي، وتطبيق نظام المسؤولية الأسرية، وتطوير اقتصاد متعدد الأشكال مع تأكيد الدور الرئيسي للملكية العامة، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة والانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق الاشتراكي. <strong>(131)<br />
</strong>ويبين باري نوتون أن هذه الإصلاحات لم تنطلق من مخطط مكتمل طُبق دفعةً واحدة، بل من تجارب محلية توسعت عندما أثبتت قدرتها على زيادة الإنتاج والدخل. وقد سمح هذا النهج بنمو أنشطة جديدة خارج الخطة، من دون تفكيك فوري للمؤسسات القائمة أو حرمان الدولة فجأةً من الموارد التي تعتمد عليها. <strong>(132)</strong></p>
<h3><strong><u>إعادة تنظيم العلاقة بين الخطة والسوق</u></strong></h3>
<p>أوضح ماركس في مقدمة <em>مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي</em> أن علاقات الإنتاج تشكل الإطار الاجتماعي الذي تتحرك داخله القوى المنتجة، وأن التناقض قد يتصاعد عندما تتحول العلاقات القائمة من أشكال لتطور هذه القوى إلى قيود عليها. ولا تعني هذه الفكرة أن كل توسع في السوق أو تغيير في الملكية يمثل تقدمًا تاريخيًا بذاته؛ بل تعني أن تقويم الإصلاح يتطلب بحث ما إذا كان قد حرر القدرات الإنتاجية، وما العلاقات الاجتماعية الجديدة التي نشأت عنه، ولمن عادت نتائجه. <strong>(133)<br />
</strong>وفي الصين لم يجر الانتقال من تحديد إداري شامل للأسعار والكميات إلى السوق بصورة فورية. فقد ظهر لفترة نظام المسارين، الذي استمرت المؤسسة بموجبه في تسليم الحصة المقررة للدولة وفق أسعار الخطة، بينما سُمح لها ببيع الإنتاج الزائد في السوق. وأتاح ذلك إدخال الحوافز السعرية وتوسيع الإنتاج مع المحافظة على إمدادات الدولة والقطاعات الأساسية.<br />
ومع اتساع الإصلاح، حصلت المؤسسات العامة على استقلال أكبر في التشغيل والاستثمار، ونمت المؤسسات الخاصة والمشروعات المشتركة، وتطورت المنافسة بين الحكومات المحلية على جذب الاستثمار. كما انتقل جانب متزايد من تخصيص السلع والعمل ورأس المال إلى السوق، في حين احتفظت الدولة بأدوات مؤثرة من خلال المصارف العامة والاستثمار والبنية التحتية والتخطيط الصناعي وملكية المؤسسات الكبرى.<br />
ويذكّر هذا التركيب، من حيث تعدد الأشكال لا من حيث التطابق التاريخي، بتحليل لينين في <em>عن الضريبة العينية</em> للاقتصاد الانتقالي الذي يمكن أن تتعايش داخله عناصر الإنتاج الصغير والرأسمال الخاص ورأسمالية الدولة والقطاع الاشتراكي. وكان معيار لينين هو معرفة الجهة التي تملك السلطة، والقطاعات التي تسيطر عليها، والعنصر الاقتصادي الذي يتوسع، وكيف يجري تنظيم رأس المال واستخدام موارده. <strong>(134)<br />
</strong>ولا يجوز استخدام هذه المقارنة لمساواة الصين المعاصرة بروسيا في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة؛ فالفروق بينهما كبيرة في مستوى الصناعة ومدة الإصلاح والاندماج العالمي وحجم رأس المال الخاص. لكنها تساعد على إدراك أن وجود السوق لا يحسم وحده طبيعة النظام، مثلما لا تحسمها ملكية الدولة القانونية وحدها. فالاتجاه الاجتماعي يتحدد بالعلاقة المتحركة بين السلطة والملكية والتراكم والتوزيع.<br />
وقد حقق الإصلاح التدريجي قدرةً عالية على التكيف، لكنه أوجد كذلك تكاليف وتناقضات. فقد سمح ازدواج الأسعار في بعض المراحل بتحقيق أرباح من الفارق بين السعرين، وفتح مجالًا للفساد والمحسوبية. كما أدت إعادة هيكلة المؤسسات العامة في التسعينيات إلى رفع الكفاءة في قطاعات متعددة، لكنها اقترنت بتسريح عمال وفقدان أجزاء من الضمانات التي كانت توفرها وحدة العمل الحكومية. ولذلك لم يكن تحرير القوى المنتجة عملية تقنية محايدة، بل تحولًا في علاقات العمل والدخل والأمن الاجتماعي أيضًا.</p>
<h3><strong>السوق العالمية بوصفها مجالًا للتصنيع</strong></h3>
<p>أكد ماركس وإنجلز في <em>البيان الشيوعي</em> أن الصناعة الحديثة لا تنمو داخل الحدود الوطنية بمعزل عن غيرها، بل توسع السوق العالمية وتعيد توزيع العمل والإنتاج بين البلدان. وأوضح إنجلز في <em>مبادئ الشيوعية</em> أن الثورة الصناعية والمنافسة والتجارة الدولية تجعل اقتصادات الدول مترابطة، وتنقل آثار التوسع والأزمات من سوق إلى أخرى. <strong>(135)<br />
</strong>استفادت الصين من هذه الإمكانات عندما أنشأت المناطق الاقتصادية الخاصة، ولا سيما في المدن الساحلية، وفتحت مجالات للاستثمار الأجنبي والتصدير. وقدمت العمالة الواسعة والبنية التحتية المتنامية والسوق المحلية عوامل جذب مهمة، بينما وفر الاستثمار الأجنبي رأس المال والمعدات وأساليب الإدارة والوصول إلى شبكات التجارة الدولية.<br />
غير أن اندماج الصين في السوق العالمية لم يكن مجرد فتح غير مشروط للاقتصاد. فقد جرى بالتدرج، وبدأ من مناطق محددة قبل تعميمه، وارتبط بسياسات محلية ووطنية لتطوير الموانئ والطاقة والنقل والمناطق الصناعية. كما سعت الدولة إلى ربط دخول الشركات الأجنبية بالتشغيل المحلي والتصدير وتكوين سلاسل توريد داخلية، وإن تفاوتت قدرتها على الحصول على التكنولوجيا والمعرفة بحسب القطاع والمرحلة.<br />
وجاء انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 ليعمق هذا الاندماج، ويوسع وصول المنتجات الصينية إلى الأسواق الخارجية، ويزيد المنافسة داخل السوق المحلية. وشكل الانضمام نقطةً فاصلةً في نمو التجارة والاستثمار والتصنيع التصديري، لكنه جعل الصناعة الصينية كذلك أكثر تعرضًا لتقلب الطلب العالمي والمنافسة والقيود التجارية والتكنولوجية. <strong>(136)<br />
</strong>ومن ثم حملت السوق العالمية للصين وظيفةً مزدوجة. فقد أتاحت استيعاب قوة عمل ضخمة، والحصول على العملات الأجنبية والتكنولوجيا، وتوسيع الإنتاج إلى مستويات يصعب أن يوفرها الطلب الداخلي وحده. لكنها دفعت كذلك قطاعات واسعة إلى المنافسة على أساس خفض التكاليف وزيادة كثافة العمل، وربطت مواقع تشغيل كثيرة بقرارات الشركات الأجنبية وحركة الأسواق الخارجية.</p>
<h3><strong>التعاون الصناعي والآلة وإنتاجية العمل</strong></h3>
<p>حلل ماركس في المجلد الأول من <em>رأس المال</em> تطور الإنتاج من التعاون البسيط إلى تقسيم العمل داخل المانيفاكتورة، ثم إلى الصناعة القائمة على الآلات. ويبين هذا التحليل أن المصنع لا يجمع عمالًا منفردين فحسب، بل يخلق قوة إنتاجية اجتماعية تنشأ من تعاونهم وتنظيمهم داخل عملية مترابطة. ومع ذلك تظهر هذه القوة، في العلاقة الرأسمالية، كأنها قوة يمتلكها رأس المال، لأن صاحب رأس المال يسيطر على شروط التعاون وعلى ناتجه. <strong>(137)<br />
</strong>وتساعد هذه الفكرة على تفسير ميزة التصنيع الصيني. فلم تعتمد القدرة الصناعية على انخفاض أجر العامل منفردًا فقط، بل على تنظيم ملايين العمال داخل تجمعات صناعية مترابطة، وعلى وجود شبكة واسعة من الموردين والموانئ والطرق والكهرباء والتمويل والخدمات الهندسية. وأصبح قرب المنتجين من موردي القطع والمكونات ومراكز الخدمات عاملًا يخفض زمن الإنتاج والتكلفة، ويسمح بتعديل الكميات والمنتجات بسرعة.<br />
وقد شاركت في بناء هذه القدرة مؤسسات ذات علاقات ملكية مختلفة. فالمؤسسات العامة تولت أدوارًا رئيسية في الطاقة والصلب والنقل والاتصالات والتمويل والصناعات الثقيلة. وأسهمت الشركات الخاصة في الصناعات الخفيفة والإلكترونيات والمنصات والخدمات والابتكار التجاري. أما الشركات الأجنبية والمشروعات المشتركة فكان لها دور بارز في التصنيع التصديري وإدخال المعدات والمعايير وشبكات التسويق العالمية.<br />
ولم تعمل هذه القطاعات منعزلةً بعضها عن بعض؛ فالشركة الخاصة استفادت من الائتمان والبنية التحتية والطاقة التي يوفرها القطاع العام، بينما استفادت المؤسسات العامة من الموردين الخاصين والمنافسة والسوق. كما ارتبطت الشركات الأجنبية بشبكات متزايدة من المنتجين المحليين. ولذلك تكونت القاعدة الصناعية من ترابط ملكية الدولة الملكية الجماعية ورأس المال الخاص والأجنبي، وإن ظلت بينها فروق حقيقية في أهداف الاستثمار وتوزيع الأرباح وعلاقات العمل.<br />
وكان ماركس قد بيّن في <em>العمل المأجور ورأس المال</em> أن نمو القوى المنتجة والتراكم يمكن أن يقترن بارتفاع أجر العامل، من دون أن يزول التفاوت في السيطرة بين رأس المال والعمل. فارتفاع الأجور وتحسن الاستهلاك لا يلغيان علاقة العمل المأجور إذا ظل العامل منفصلًا عن وسائل الإنتاج وعن قرار استخدام الناتج. <strong>(138)<br />
</strong>وينطبق هذا التمييز على التصنيع الصيني. فقد رفع التوسع الصناعي دخول شرائح واسعة، وأوجد فرصًا لم تكن متاحةً في الاقتصاد الزراعي منخفض الإنتاجية، لكنه وسّع في الوقت نفسه الطبقة العاملة المأجورة. ومن ثم لا يجوز اختزال التجربة في صورة «استغلال العمالة الرخيصة»، لأن الإنتاجية والبنية التحتية والمهارات والتنظيم كانت عوامل حاسمة، كما لا يجوز الاستدلال من ارتفاع الدخول على تجاوز العلاقة بين العمل المأجور ورأس المال.</p>
<h3><strong>الحجم الصناعي والتحول إلى التكنولوجيا</strong></h3>
<p>تعكس حصة الصين من الصناعة العالمية عمق التحول الذي شهده اقتصادها خلال العقود الأخيرة. فوفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة للصناعة التحويلية العالمية من نحو 6 في المائة عام 2000 إلى ما يُقدَّر بنحو 32 في المائة عام 2024. <strong>(139)<br />
</strong>وبحلول عام 2024، حافظ قطاع الصناعات التحويلية الصيني على المرتبة الأولى عالميًا من حيث الحجم الكلي للسنة الخامسة عشرة على التوالي. كما أصبح النظام الصناعي الصيني يضم جميع الفئات الصناعية المدرجة في التصنيف الصناعي للأمم المتحدة، بما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية من المواد الأولية والصناعات الثقيلة إلى الآلات والإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية. <strong>(140)<br />
</strong>غير أن الحجم الصناعي وحده لا يحسم موقع الاقتصاد في التقسيم الدولي للعمل أو مستوى استقلاله التقني. فقد بدأت مراحل واسعة من التصنيع الصيني في أنشطة التجميع والإنتاج كثيف العمل، واعتمدت قطاعات متعددة على المعدات والمكونات والتصميمات الأجنبية. ولذلك اتجهت السياسة الصناعية تدريجيًا من توسيع حجم الإنتاج والصادرات إلى رفع المحتوى التكنولوجي المحلي، وتطوير صناعة الآلات والطاقة المتجددة والقطارات السريعة والاتصالات والمركبات الكهربائية والتقنيات الرقمية.<br />
وتكتسب ملاحظات ماركس في <em>الغروندريسه</em> أهميةً خاصة في تفسير هذا الانتقال. فقد رأى أن تطور الصناعة الكبرى يجعل إنتاج الثروة الفعلية أقل اعتمادًا، بصورة نسبية، على مقدار العمل المباشر ووقت العمل المبذول، وأكثر ارتباطًا بتطبيق العلم والتكنولوجيا وبالتنظيم الاجتماعي والتعاون والخبرة المتراكمة. ومع تطور منظومة الآلات، يتراجع موقع العامل بوصفه فاعلًا مباشرًا داخل عملية الإنتاج، ويغدو بصورة متزايدة مراقبًا لها ومنظّمًا لعملها. ويعبّر نمو رأس المال الثابت عندئذ عن تحول المعرفة الاجتماعية العامة، أو ما سماه ماركس «العقل العام»، إلى قوة إنتاجية مباشرة مجسدة في الآلات وفي مجمل تنظيم العملية الإنتاجية. <strong>(141)<br />
</strong>ويكشف هذا التطور تناقضًا داخل نمط الإنتاج الرأسمالي؛ فرأس المال يعمل على تقليص وقت العمل المباشر الضروري للإنتاج من خلال الآلات والعلم، لكنه يواصل في الوقت نفسه اتخاذ وقت العمل أساسًا للقيمة ومقياسًا للثروة في شكلها الرأسمالي. كما يستخدم الآلات لتقليص العمل الضروري وتوسيع العمل الفائض الذي يستحوذ عليه، مع أن الثروة المادية الفعلية تصبح أكثر اعتمادًا على العلم والتكنولوجيا والتعاون الاجتماعي المتراكم. ومن ثم تتسع المسافة بين الأساس الفعلي لإنتاج الثروة، الذي يغدو أكثر اجتماعية ومعرفية، وبين الشكل القيمي الذي تخضع له هذه الثروة وتُوزع من خلاله.<br />
ولا يعني ذلك أن تطور الآلات يُبطل قانون القيمة تلقائيًا؛ فما دامت السلع تُنتج من أجل التبادل والربح، وما دام العمل المأجور قائمًا، تظل علاقات القيمة فاعلة. لكن التطور التقني يكشف الحدود التاريخية لهذه العلاقات؛ إذ تستطيع القوى المنتجة الحديثة تقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الوقت الحر، بينما قد يؤدي استخدامها في ظل المنافسة السوقية إلى إزاحة بعض العمال، وتكثيف عمل الباقين، وزيادة البطالة أو عدم الاستقرار بدل تحويل مكاسب الإنتاجية إلى تحسن عام في شروط الحياة.<br />
وقد أصبح الانتقال نحو إنتاج أكثر اعتمادًا على المعرفة واضحًا في الصناعة الصينية؛ فلم تعد قدرتها التنافسية قائمة على وفرة العمل منخفض الأجر وحدها. فقد توسع التعليم الهندسي والبحث والتطوير، وازدادت الأتمتة، وتكونت شركات قادرة على التصميم والإنتاج والابتكار في قطاعات متعددة. وفي عام 2025 نما الناتج الصناعي للصناعات التحويلية بنسبة 6.4 في المائة، بينما نما تصنيع المعدات بنسبة 9.2 في المائة والصناعات عالية التقنية بنسبة 9.4 في المائة. وبلغت حصة تصنيع المعدات والصناعات عالية التقنية، على التوالي، 36.8 و17.1 في المائة من القيمة المضافة للمؤسسات الصناعية الكبرى. <strong>(142)<br />
</strong>وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز مقدار التقدم التقني إلى كيفية استخدام نتائجه: هل تتحول مكاسب الأتمتة والإنتاجية إلى تقليص وقت العمل، وتحسين الأجور والخدمات، وتخفيف الأعمال الخطرة والمرهقة، أم تُستخدم أساسًا لتوسيع الإنتاج وخفض كلفة العمل وتعزيز القدرة التنافسية؟ فالتكنولوجيا لا تحمل مضمونًا اجتماعيًا محددًا بذاتها؛ وإنما يتحدد أثرها بحسب ملكية وسائل الإنتاج، والجهة التي تسيطر على المعرفة والفائض، وموقع العاملين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والتشغيل.<br />
ومع ذلك، لا يعني التقدم الصناعي الصيني تحقق استقلال تكنولوجي كامل. فما تزال بعض الصناعات تعتمد على مكونات وبرمجيات ومعدات متقدمة من الخارج، ولا سيما في أجزاء من سلسلة إنتاج أشباه الموصلات. كما تكشف القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا وتصاعد المنافسة الجيوسياسية أن الموقع داخل الاقتصاد العالمي لا تحدده الكفاءة الإنتاجية وحدها، بل تحدده كذلك علاقات القوة والاحتكار والسيطرة على المعرفة والبراءات والمكونات والمعايير التقنية.</p>
<h3><strong>توسيع وسائل الإنتاج ومسألة التوازن</strong></h3>
<p>بحث ماركس في المجلد الثاني من <em>رأس المال</em> شروط إعادة إنتاج الاقتصاد الاجتماعي، وميّز بين القسم الذي ينتج وسائل الإنتاج والقسم الذي ينتج وسائل الاستهلاك. وتوضح مخططات إعادة الإنتاج أن توسيع المصانع والآلات لا يمكن أن يستمر بلا حدود منفصلًا عن دخول السكان والطلب على وسائل الاستهلاك؛ إذ يتطلب استمرار التراكم تناسبًا بين فروع الإنتاج وتداول الناتج وتحقيق قيمته. <strong>(143)<br />
</strong>وقد منح النموذج الصيني أولويةً مرتفعةً للاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والقدرة التصديرية. وأسهم ذلك في تسريع التراكم وبناء قاعدة إنتاجية لا تستطيع المدخرات والاستهلاك الفردي وحدهما إنشاؤها في مدة قصيرة. لكنه أدى أيضًا إلى ارتفاع الاعتماد على الاستثمار والتصدير، وإلى ظهور طاقات زائدة في بعض القطاعات، وضغوط تستدعي توسيع الاستهلاك المحلي ورفع حصة دخل الأسر وتحسين الخدمات الاجتماعية.<br />
ولا يعني وجود الطاقة الزائدة أن الاستثمار الصناعي كان عديم الفائدة؛ فقد أسس شبكات نقل وطاقة ومعرفة وقدرة إنتاجية طويلة الأجل. إلا أن التقدير الماركسي لا يكتفي بالنظر إلى حجم وسائل الإنتاج، بل يبحث قدرتها على تلبية الحاجات الاجتماعية، والتناسب بين التراكم والاستهلاك، وما إذا كانت زيادة الإنتاج تتحول إلى تحسين مستدام في حياة المنتجين.</p>
<h3><strong>الكلفة الاجتماعية للتحول الصناعي</strong></h3>
<p>كشف إنجلز في <em>حالة الطبقة العاملة في إنجلترا</em> أن التقدم الصناعي يمكن أن يقترن بكلفة اجتماعية يتحملها العمال: السكن المكتظ، والأمراض، وطول يوم العمل، وعدم الاستقرار. ولم ينكر بذلك نمو القوى المنتجة، بل أظهر أن أثر هذا النمو في حياة الناس يتوقف على علاقات الملكية وكيفية توزيع ثماره. <strong>(144)<br />
</strong>وفي الصين، رافق التصنيع السريع ظهور مشكلات اجتماعية وبيئية، منها طول ساعات العمل في بعض القطاعات، وضعف الحماية في مواقع العمل، والتفاوت في الحقوق بين العمال المهاجرين والسكان الحضريين، وتلوث الهواء والمياه والتربة. كما تحمّل العمال المسرّحون من بعض المؤسسات العامة والمناطق الصناعية القديمة جزءًا من كلفة إعادة الهيكلة. وهذه أوجه تشابه جزئية في <strong>الكلفة الاجتماعية للتحول</strong>، ولا تعني تطابق التجربتين في ظروفهما التاريخية أو في دور الدولة.<br />
فقد أتاحت قدرة الدولة الصينية على الاستثمار والتنظيم مجالًا لبناء البنية التحتية، وسنّ قوانين العمل، وتوسيع التأمينات والخدمات العامة، والاستثمار في التعليم والصحة، ومعالجة بعض آثار التلوث. غير أن وجود هذه السياسات لا يكفي وحده للحكم على نتائجها؛ إذ يتعين النظر إلى مدى تنفيذها، وتفاوت أثرها بين المناطق والقطاعات، ونصيب العاملين الفعلي من ثمار النمو.<br />
ويفيد هنا التمييز الذي وضعه إنجلز في <em>ضد دوهرنغ</em> بين <strong>الشكل القانوني للملكية</strong> وطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الإنتاج. فقد حذّر من اعتبار نقل قوى الإنتاج إلى ملكية الدولة حلًّا تلقائيًا للتناقضات الرأسمالية، وكتب:</p>
<p>«ولكن لا النقل إلى شكل الشركات المساهمة، ولا التحويل إلى ملكية الدولة، يلغي الصفة الرأسمالية لقوى الإنتاج&#8230; والدولة الحديثة، مهما يكن شكلها، هي آلة رأسمالية جوهرية، دولة الرأسماليين، والشخص الاعتباري المثالي لرأس المال الوطني الكلي. وكلما ازدادت قوى الإنتاج التي تنقلها إلى ملكيتها، أصبحت رأسماليًا كليًا فعليًا، وازدادت أعداد المواطنين الذين تستغلهم. فالعمال يظلون عمالًا أجراء، بروليتاريين. وعلاقة الرأسمالية لا تُلغى، بل على العكس، تبلغ هنا ذروتها. ولكنها عند الذروة تتحول إلى نقطة انقلاب. فملكية الدولة لقوى الإنتاج ليست حلًّا للنزاع، ولكنها تنطوي في طياتها على الوسيلة الشكلية، على إمكانية الحل». <strong>(145)</strong></p>
<p>ولا يجوز نقل حكم إنجلز على الدولة الرأسمالية في عصره إلى الصين المعاصرة نقلًا مباشرًا. لكن حجته تضع معيارًا نقديًا مهمًا: ملكية الدولة للصناعات الاستراتيجية تمنح إمكانًا لتوجيه الاستثمار والفائض نحو أهداف اجتماعية، أما تحقق هذا الإمكان فيُقاس بكيفية إدارة المؤسسات، وظروف العمل فيها، ومشاركة العاملين في القرار والرقابة، وما يعود عليهم وعلى المجتمع من نتائج الإنتاج. ومن هذا المنظور، يصبح تخفيف الكلفة الاجتماعية للتصنيع جزءًا من تقويم مضمون الملكية العامة، لا مسألة منفصلة عنها.</p>
<h2><strong>رابعًا: البنية التحتية والتحضر وإعادة تشكيل المجال الاقتصادي</strong></h2>
<p>لم يكن تحول الصين إلى قوة صناعية ممكنًا من خلال إنشاء المصانع وزيادة إنتاج السلع وحدهما؛ فقد احتاج إلى شبكة واسعة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والمياه والاتصالات والمدن ومناطق الإنتاج. ولذلك تمثل البنية التحتية الوجه المكاني والمادي لعملية التصنيع، لأنها تربط مواقع العمل بمصادر المواد الأولية والأسواق، وتخفض زمن انتقال السلع والأشخاص والمعلومات، وتسمح بتكوين تقسيم عمل يمتد عبر أقاليم واسعة.<br />
واقترن بناء هذه الشبكات بعملية تحضر غيرت توزيع السكان والعمل بين الريف والمدينة. فقد انتقلت الصين من مجتمع يعيش معظم سكانه في الريف إلى مجتمع تقيم أغلبيته في المدن، وظهرت تجمعات حضرية كبرى تضم الصناعة والخدمات والبحث العلمي والموانئ ومراكز التمويل. لكن التحضر لم يكن مجرد انتقال سكاني؛ إذ أعاد تشكيل الحقوق الاجتماعية، وأسعار الأرض والسكن، والمالية المحلية، والفوارق بين المناطق، والعلاقة بين السكان المهاجرين والمؤسسات الحضرية.</p>
<h3><strong>البنية التحتية بوصفها شرطًا عامًا للإنتاج</strong></h3>
<p>ناقش ماركس في <em>الغروندريسه</em> الطرق والقنوات ووسائل النقل بوصفها من «الشروط العامة للإنتاج»، لأنها لا تخدم مؤسسةً واحدةً فقط، بل تتيح حركة رأس المال والعمل والسلع على نطاق المجتمع. وقد لا يكون إنشاء هذه الشروط مربحًا لرأس مال منفرد بسبب ضخامة تكلفتها وطول مدة استردادها، الأمر الذي يجعل الدولة أو المجتمع يتوليان توفيرها في مراحل متعددة من التطور. <strong>(146)<br />
</strong>وطوّر ماركس في المجلد الثاني من <em>رأس المال</em> تحليل وظيفة النقل والاتصال في دورة رأس المال. فوسائل النقل لا تخلق السلعة من جديد، لكنها تنقلها إلى المكان الذي تُستهلك أو تُستخدم فيه، وتدخل تكلفتها وزمنها في شروط تحقق القيمة. وكلما انخفض زمن انتقال المواد والسلع والمعلومات، تسارعت دورة الإنتاج والتداول وأصبح تنظيم تقسيم العمل على نطاق أوسع ممكنًا. <strong>(147)<br />
</strong>وتكشف التجربة الصينية أهمية هذه الفكرة. فالمصنع الساحلي لا يعتمد على الآلات والعاملين داخله فقط، بل على الكهرباء التي تصل إليه، والطرق والسكك التي تنقل مكوناته، والميناء الذي يصدر منتجاته، وشبكة الاتصالات التي تربطه بالموردين والأسواق، والمدن التي توفر السكن والتعليم والخدمات والعمالة المتخصصة. ومن ثم نشأت القدرة الصناعية من تكامل وحدات إنتاج متعددة داخل بنية مادية واجتماعية موحدة.<br />
وتتميز البنية التحتية بأنها ترفع إنتاجية قطاعات لا تملكها الجهة التي أنشأتها بالضرورة. فالطريق العام الذي تموله الدولة قد تستخدمه مؤسسة عامة أو خاصة أو أجنبية، كما تستفيد منه الأسرة الريفية والمدرسة والمستشفى. ولذلك لا يتحدد مضمون الاستثمار في البنية التحتية بملكيته القانونية وحدها، بل بكيفية تمويله، والفئات والمناطق التي يخدمها، وشروط الوصول إليه، والأنشطة التي يساعد على توسيعها.</p>
<h3><strong>من شبكات محدودة إلى منظومة قارية</strong></h3>
<p>امتلكت الصين قبل الإصلاح بعض المشروعات الصناعية وشبكات النقل والطاقة التي أُنشئت ضمن التخطيط المركزي، لكنها ظلت محدودة قياسًا إلى مساحة البلاد وحجم السكان. وكانت مناطق داخلية وريفية واسعة تعاني ضعف الاتصال بالأسواق والمراكز الصناعية، بينما تركز جانب من المنشآت في المدن الكبرى والمناطق التي اختيرت لأسباب اقتصادية أو دفاعية.<br />
وفي عام 1978 بلغ طول خطوط السكك الحديدية العاملة نحو 48.6 ألف كيلومتر، وكانت نسبة الخطوط المكهربة محدودة. وبحلول نهاية عام 2024 ارتفع إجمالي طول الشبكة إلى نحو 162 ألف كيلومتر، منها 48 ألف كيلومتر للقطارات عالية السرعة. كما ارتفع طول الطرق من نحو 890 ألف كيلومتر عام 1978 إلى أكثر من 5.49 ملايين كيلومتر عام 2024، منها نحو 190.7 ألف كيلومتر من الطرق السريعة. <strong>(148)<br />
</strong>ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في طول الشبكات وحده. فقد ربطت السكك والطرق مناطق الإنتاج الداخلية بالموانئ والأسواق الساحلية، وخفضت تكاليف انتقال العمال والمواد الأولية، وسمحت للشركات بتنظيم سلاسل توريد موزعة بين مدن وأقاليم مختلفة. كما ساعدت القطارات عالية السرعة على تقليص المسافة الزمنية بين المدن، وتوسيع مجالات العمل والتعليم والسياحة والخدمات.<br />
وبنهاية عام 2024 تجاوز طول شبكات النقل الحضري بالسكك الحديدية 10.9 آلاف كيلومتر، منها أكثر من 9.6 آلاف كيلومتر من خطوط المترو. وأسهم ذلك في إعادة تنظيم حركة السكان داخل المدن الكبرى، وإن ظل ازدحام المراكز الحضرية وطول زمن التنقل وارتفاع تكاليف السكن مشكلات قائمة. <strong>(149)<br />
</strong>ويكشف هذا التوسع قدرة الدولة الصينية على تجميع الموارد وتوجيهها إلى مشروعات طويلة الأجل قد لا يندفع رأس المال الخاص إلى تنفيذها بسبب ضخامتها أو انخفاض ربحيتها المباشرة. فقد تولت المؤسسات العامة والمصارف الحكومية والسلطات المركزية والمحلية تمويل جانب أساسي من شبكات السكك والطاقة والطرق والمياه والاتصالات، بينما أسهمت الشركات الخاصة في الإنشاء والتوريد والتشغيل والخدمات المرتبطة بها.<br />
ولا يعني ذلك أن كل مشروع بنية تحتية كان ضروريًا أو متناسبًا مع الطلب. فقد أدى التنافس بين الحكومات المحلية والسعي إلى رفع الاستثمار إلى إنشاء مشروعات ضعيفة الاستخدام في بعض المناطق، وتحمل ديون كبيرة، وتحويل أراضٍ زراعية إلى استعمالات حضرية. ولذلك ينبغي التمييز بين البنية التحتية التي توسع القدرة الاجتماعية للإنتاج وتحسن حياة السكان، وبين الاستثمار الذي يصبح هدفه المحافظة على معدل النمو أو زيادة قيمة الأرض بصرف النظر عن الحاجة الفعلية.</p>
<h3><strong>الطاقة والكهرباء وإعادة تشكيل الإنتاج</strong></h3>
<p>منح لينين للكهرباء موقعًا مركزيًا في عملية الانتقال الاقتصادي، لأنها تتيح إعادة تنظيم الصناعة والزراعة والنقل على أساس تقني جديد. ولم يكن المقصود توفير الإنارة المنزلية وحدها، بل إنشاء شبكة طاقة وطنية تسمح باستخدام الآلات ورفع إنتاجية العمل وتقليص العزلة بين المدن والقرى. ولهذا ربط في مناقشته خطة كهربة روسيا بين السلطة السياسية الجديدة والتقنية الحديثة والتنظيم الاقتصادي طويل الأجل. <strong>(150)<br />
</strong>وتظهر أهمية هذا الربط في الصين، حيث أصبح توسيع شبكات الكهرباء شرطًا لنمو الصناعة الثقيلة والمصانع التصديرية والمدن، ثم للاقتصاد الرقمي والمركبات الكهربائية والأتمتة. وقد أدت المؤسسات العامة دورًا أساسيًا في إنشاء محطات التوليد وشبكات النقل بعيدة المدى، وربط المناطق الداخلية الغنية بالطاقة بالمراكز الصناعية والسكانية الشرقية.<br />
وفي الوقت نفسه وُسعت الشبكات الريفية تدريجيًا حتى أُعلن في نهاية عام 2015 تحقيق وصول الكهرباء إلى جميع السكان. كما استُخدمت شبكات الطاقة في تشغيل الري والإنتاج الريفي والمشروعات المحلية والمدارس والمرافق الصحية، فلم تعد الكهرباء مجرد مدخل صناعي، بل شرطًا لتعميم خدمات الحياة الحديثة. <strong>(151)<br />
</strong>لكن بناء هذه القدرة اعتمد مدةً طويلة على الفحم، وأسهم في تلوث الهواء وارتفاع انبعاثات الكربون. ولذلك يحمل نظام الطاقة تناقضًا بين تأمين الكهرباء اللازمة للتصنيع وتحسين المعيشة من جهة، وبين الكلفة الصحية والبيئية من جهة أخرى. وقد اتجهت الصين إلى توسيع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والنووية، لكن الانتقال الكامل يظل مقيدًا بضخامة الطلب والحاجة إلى استقرار الشبكة وأمن الإمدادات.<br />
ويؤكد ذلك أن القوى المنتجة لا تُقوَّم بحجمها وحده؛ فمصدر الطاقة، وكفاءتها، وآثارها في صحة السكان والبيئة، والغاية التي تستخدم من أجلها، كلها تدخل في تحديد المضمون الاجتماعي للتطور التقني.</p>
<h3><strong>التحضر وإعادة توزيع السكان والعمل</strong></h3>
<p>ربط ماركس وإنجلز في <em>الأيديولوجيا الألمانية</em> اتساع تقسيم العمل بانفصال المدينة عن الريف وتركيز السكان ورأس المال وأدوات الإنتاج في المدن. فالمدينة تجمع العمل الصناعي والتجارة والإدارة والمعرفة، بينما قد يبقى الريف أكثر تشتتًا وضعفًا في الوصول إلى الخدمات. ومن هنا لا يمثل التعارض بين المدينة والريف اختلافًا جغرافيًا فحسب، بل علاقة اجتماعية تتصل بتوزيع العمل والثروة والسلطة. <strong>(152)<br />
</strong>وقد شهدت الصين تغيرًا واسعًا في هذا المجال. ففي عام 1978 لم تتجاوز نسبة السكان المقيمين في المدن 17.92 في المائة، بينما وصلت في نهاية عام 2025 إلى 67.89 في المائة، أي إن أكثر من ثلثي السكان أصبحوا يقيمون في المناطق الحضرية. <strong>(153)<br />
</strong>ونشأ هذا التحول من تفاعل التصنيع والهجرة وتوسع المدن وإعادة تصنيف بعض المناطق الريفية. فقد جذبت المدن الساحلية ملايين العمال إلى المصانع والبناء والخدمات، ثم تطورت مدن ومراكز صناعية داخلية مرتبطة بشبكات النقل والأسواق الوطنية. كما ظهرت تجمعات حضرية واسعة، مثل دلتا نهر اليانغتسي ومنطقة بكين–تيانجين–خبي ومنطقة الخليج الكبرى، تقوم داخلها علاقات تقسيم عمل بين مراكز البحث والتمويل والموانئ والمدن الصناعية.<br />
وأدى التركيز الحضري إلى مكاسب إنتاجية واضحة؛ إذ سهل اجتماع المؤسسات والعمال والجامعات والموردين والخدمات تبادل المعرفة وخفض تكاليف الإنتاج. لكنه أدى كذلك إلى ارتفاع أسعار الأراضي والسكن، والازدحام، والضغط على المدارس والمستشفيات والنقل، واتساع الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق التي فقدت جزءًا من سكانها واستثماراتها.<br />
وهنا تظل ملاحظة إنجلز في <em>مسألة السكن</em> ذات أهمية منهجية. فقد رفض تفسير أزمة السكن بنقص الأبنية وحده، وربطها بملكية الأرض وتوزيع الدخل وتمركز السكان وطريقة تنظيم المدينة. فزيادة عدد المساكن لا تضمن حصول جميع السكان على سكن مناسب إذا تحولت الأرض والعقارات إلى أدوات للمضاربة والاستثمار، وظلت القدرة على السكن مرتبطة بالدخل والموقع الاجتماعي. <strong>(154)<br />
</strong>وتنطبق هذه الملاحظة جزئيًا على المدن الصينية. فقد أدى البناء الواسع إلى تحسين نوعية السكن وتوسيع المساحات الحضرية، لكنه جعل العقارات كذلك قناةً رئيسية للادخار والاستثمار ومصدرًا لإيرادات الحكومات المحلية. وأسهم ارتفاع قيمة الأرض في تمويل الطرق والمترو والمرافق، لكنه شجع بعض السلطات على التوسع العمراني وبيع حقوق استخدام الأرض، وربط مواردها باستمرار البناء وارتفاع الأسعار.<br />
وبذلك أصبح السكن يؤدي وظيفتين متعارضتين: فهو حاجة اجتماعية أساسية، وفي الوقت نفسه أصل مالي ومصدر للإيراد والتراكم. وعندما تتغلب الوظيفة الثانية، قد يتسع البناء من دون أن تتطابق المساكن المتاحة مع دخول الأسر ومواقع فرص العمل.</p>
<h3><strong>التحضر الناقص ونظام التسجيل الأسري</strong></h3>
<p>لا تكفي الإقامة الفعلية في المدينة لاكتساب جميع حقوق سكانها بصورة تلقائية. فقد ظل نظام التسجيل الأسري، أو «الهوكو»، يربط جانبًا من التعليم والرعاية الصحية والتأمين والسكن والخدمات بمكان التسجيل. وأدى ذلك إلى ظهور ملايين العاملين الذين يعيشون ويعملون في المدن، لكنهم لا يتمتعون دائمًا بحقوق مساوية لحقوق السكان المسجلين فيها.<br />
وفي عام 2025 بلغ عدد العمال المهاجرين من الريف نحو 301.15 مليون عامل، وكان قرابة 130.92 مليونًا منهم يقيمون في المدن في نهاية العام. <strong>(155)<br />
</strong>وقد أسهم هؤلاء العمال في إنشاء المصانع والطرق والمساكن وتشغيل الخدمات الحضرية، بينما ظلت أسر عديدة موزعةً بين المدينة والقرية. ولهذا يمكن التمييز بين <strong>التحضر السكاني</strong>، أي ارتفاع عدد المقيمين في المدن، و<strong>التحضر الاجتماعي</strong>، أي حصول المقيمين على الحقوق والخدمات والأمن الاجتماعي نفسه.<br />
ولا يعني استمرار هذا التفاوت أن النظام ظل ثابتًا؛ فقد خُففت قيود التسجيل في مدن كثيرة، واتسع حصول المهاجرين على التأمين والتعليم والخدمات. كما نصت خطة التحضر الجديدة المتمحورة حول الإنسان، الصادرة عام 2024، على توسيع التسجيل الحضري، وربط الخدمات الأساسية بمكان الإقامة الفعلية، وتحسين حصول المهاجرين وأسرهم على التعليم والسكن والضمان الاجتماعي. <strong>(156)<br />
</strong>لكن استمرار الفجوة بين نسبة السكان الحضريين الدائمين ونسبة السكان المسجلين حضريًا يدل على أن الانتقال لم يكتمل. ويتوقف المضمون الاجتماعي للتحضر على تحويل العامل المهاجر من قوة عمل مؤقتة تستخدمها المدينة إلى مواطن حضري كامل الحقوق، من دون إجباره في المقابل على التخلي عن حقوقه المشروعة في الأرض والسكن والممتلكات الجماعية في قريته.</p>
<h3><strong>البنية التحتية والحد من عزلة الريف</strong></h3>
<p>لم يقتصر بناء البنية التحتية على خدمة المدن والمناطق التصديرية. فقد اتجهت الدولة كذلك إلى مد الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات إلى القرى والمناطق الداخلية، ولا سيما خلال برامج مكافحة الفقر والنهوض الريفي.<br />
وبنهاية عام 2024 بلغ طول الطرق الريفية نحو 4.64 ملايين كيلومتر، ووصلت الطرق المعبدة إلى أكثر من ثلاثين ألف بلدة وما يزيد على نصف مليون قرية إدارية. كما اقتربت تغطية الإنترنت الثابت من الشمول في المناطق الريفية، ووصلت شبكات الجيل الخامس إلى أكثر من 92 في المائة من القرى. <strong>(157)<br />
</strong>وقد غيّرت هذه الشبكات شروط الحياة والإنتاج في الريف. فالطريق لا يسمح بنقل المحاصيل فقط، بل يسهل وصول المدرسين والأطباء والطلاب والسلع. والكهرباء لا تخدم الاستهلاك المنزلي وحده، بل تتيح الري والتبريد والتصنيع الزراعي. أما الإنترنت فيفتح مجالات للتجارة الإلكترونية والتعليم عن بعد والخدمات الإدارية والطبية.<br />
وتحوّل هذه الاستثمارات قسمًا من الفائض الاجتماعي إلى شروط جماعية لإعادة إنتاج الحياة والعمل. فالأسرة التي تحصل على الطريق والماء والكهرباء والاتصال لا تتلقى دخلًا نقديًا بالضرورة، لكنها تحصل على منفعة اجتماعية تخفض تكاليف معيشتها وتوسع قدرتها على الإنتاج والوصول إلى الخدمات.<br />
ومع ذلك يمكن أن يؤدي تحسين اتصال الريف بالأسواق إلى نتائج متباينة. فقد يرفع دخل المنتجين ويتيح ظهور صناعات محلية، لكنه قد يعجل كذلك بخروج الشباب والمهارات إلى المدن، ويزيد منافسة السلع الصناعية للإنتاج المحلي. ولذلك لا يتحقق التكامل المتوازن بين المدينة والريف بالبنية التحتية وحدها، بل يحتاج إلى فرص عمل وخدمات عامة وتنمية إنتاجية مستقرة داخل المناطق الريفية.<br />
وقد ناقش إنجلز في <em>ضد دوهرنغ</em> إمكان تجاوز التعارض بين المدينة والريف من خلال توزيع أكثر توازنًا للصناعة والسكان واستخدام التخطيط الاجتماعي للتوفيق بين الزراعة والصناعة. ولم يقصد إلغاء المدن أو تشتيت الصناعة بصورة ميكانيكية، بل تجاوز العلاقة التي تركز الثروة والخدمات في طرف وتترك الطرف الآخر تابعًا ومحرومًا. <strong>(158)<br />
</strong>وتمنح شبكات النقل والطاقة والاتصالات الصينية أساسًا ماديًا لمثل هذا التكامل؛ إذ تسمح بإقامة الإنتاج والخدمات في مدن صغيرة ومناطق داخلية بدل حصرها في عدد محدود من المراكز الساحلية. لكن تحقيق هذا الإمكان يعتمد على اتجاه الاستثمار والسياسات الاجتماعية، لا على وجود الشبكات بذاته.</p>
<h3><strong>البنية الرقمية بوصفها مرفقًا إنتاجيًا جديدًا</strong></h3>
<p>أضاف تطور الاتصالات والإنترنت بعدًا جديدًا إلى البنية التحتية. فقد أصبحت الألياف البصرية وشبكات الهاتف المحمول والحوسبة ومراكز البيانات شروطًا لإدارة المصانع والنقل والطاقة والتجارة والخدمات العامة. ولم يعد تداول المعلومات منفصلًا عن الإنتاج المادي؛ إذ تدخل البيانات والبرمجيات في تنظيم سلاسل التوريد والآلات والموانئ والمدن.<br />
واتسع الوصول إلى الإنترنت وشبكات الجيل الخامس في المدن والريف، وإن بقيت فجوة في الانتشار وجودة الخدمات الرقمية بينهما. <strong>(159)<br />
</strong>وتُجسّد هذه البنية دور المعرفة والعلم في الإنتاج الذي ناقشه ماركس سابقًا. لكن ملكية الشبكات والبيانات والمنصات تحدد الجهة التي تستفيد من هذه القوة. فقد تسهم الرقمنة في تعميم التعليم والخدمات وتقليص العزلة، كما يمكن أن تزيد تركيز البيانات والقدرة الاقتصادية والإدارية، وتوسع المراقبة والتحكم في العمل والسلوك الاجتماعي.<br />
ولهذا ينبغي التمييز بين إتاحة الاتصال بوصفه خدمة عامة، وبين إخضاع الحياة الاجتماعية لمنصات تهدف إلى الربح أو لأجهزة إدارية لا تخضع لرقابة كافية. فالمضمون الاشتراكي للبنية الرقمية لا يتحدد بعدد المستخدمين وسرعة الشبكة وحدهما، بل بحماية الخصوصية، وحقوق العاملين، وإمكان الوصول المتكافئ، والرقابة الاجتماعية على البيانات والخوارزميات.</p>
<h3><strong>التمويل العام والأرض والديون المحلية</strong></h3>
<p>لم يكن بناء البنية التحتية ممكنًا من دون قدرة مؤسساتية على تعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات طويلة الأجل. وقد أدت المصارف العامة والمؤسسات المملوكة للدولة والحكومات المحلية دورًا حاسمًا في تمويل السكك والطاقة والطرق والمناطق الصناعية والإسكان الحضري.<br />
وتكشف هذه الآلية فارقًا مهمًا عن نموذج يترك الاستثمار للبنوك الخاصة وحساب الربح القصير الأجل. فالدولة تستطيع توجيه الائتمان إلى مشروع لا يحقق عائدًا ماليًا سريعًا، لكنه يرفع الإنتاجية العامة أو يربط منطقةً فقيرة بالاقتصاد الوطني. كما تستطيع توزيع تكلفة المشروع على مدة طويلة وعلى عدد واسع من المستفيدين.<br />
لكن القدرة على التوجيه لا تمنع سوء تخصيص الموارد. فقد اعتمدت حكومات محلية على بيع حقوق استخدام الأرض وعلى منصات تمويل تقترض لإنشاء البنية التحتية. وأدى ذلك إلى تداخل الاستثمار العام مع ارتفاع أسعار العقارات وتراكم الديون. وقد أشار التقرير المشترك للبنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة إلى ضرورة إصلاح إدارة الأرض ونظام التسجيل الأسري والمالية المحلية، وتقليل الاعتماد على الإيرادات العقارية والاقتراض غير المنضبط. <strong>(160)<br />
</strong>ولا يجعل وجود الدين المشروع عديم الجدوى؛ فقد تُموَّل بالاقتراض أصول تستفيد منها أجيال متعددة. إنما يتعلق السؤال بقدرة المشروع على تحقيق منفعة اجتماعية وإنتاجية، وبشفافية القرار، وتوزيع كلفته، وما إذا كانت الإيرادات المتوقعة واقعية أم قائمة على استمرار ارتفاع أسعار الأرض.</p>
<h2><strong>التقدير الماركسي للإنجاز وحدوده</strong></h2>
<p>يُعد بناء دولة موحدة وقاعدة صناعية وتعليمية قبل عام 1978، ثم توسيع الإنتاج والبنية التحتية بعد الإصلاح، إنجازًا تاريخيًا للصين. وقد تفاعل التخطيط والاستثمار العام والمصارف والمؤسسات المملوكة للدولة مع المبادرة المحلية والملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي في تحويل اقتصاد يغلب عليه العمل الزراعي إلى قاعدة صناعية واسعة. وأسهمت شبكات النقل والطاقة والاتصالات في ربط الأقاليم وتوفير شروط عامة للإنتاج والخدمات. ويؤكد هذا المسار أهمية تطوير الإنتاجية والعلم والتنظيم التي شدد عليها لينين في بحثه شروط التحول الاجتماعي. <strong>(161)</strong></p>
<p>لكن اتساع القوى المنتجة لا يحدد، وحده، مضمون العلاقات الاجتماعية. فقد رافق التصنيع توسع العمل المأجور ورأس المال الخاص، وتفاوت بين الريف والمدينة والمناطق المختلفة، وأعباء تحملها الفلاحون والعمال المهاجرون والمسرّحون. كما أتاح امتلاك الدولة للأرض والمصارف والقطاعات الاستراتيجية توجيه الاستثمار، من دون أن يجعل كل مشروع عام تعبيرًا مباشرًا عن سيطرة المنتجين أو عن الحاجة الاجتماعية. وتُظهر ديون بعض الحكومات المحلية والمضاربة العقارية والضغط البيئي أن الحكم على الاستثمار يحتاج إلى تقويم منفعة المشروعات وتوزيع كلفتها والرقابة على قرارها.</p>
<p>ولا يتعارض تخصيص قسم من الفائض لتوسيع الصناعة وتجديد وسائل الإنتاج وتمويل التعليم والصحة والضمان مع الاتجاه الاشتراكي؛ فقد ميّز ماركس في <em>نقد برنامج غوتا</em> بين الاقتطاعات الاجتماعية الضرورية من الناتج والتوزيع الفردي المباشر. <strong>(162)</strong> والسؤال في التجربة الصينية هو من يقرر حجم هذا الفائض وأوجه استخدامه، وكيف تتوزع ثمار زيادة الإنتاجية: في الأجور وتقليص زمن العمل وتوسيع الخدمات وتخفيف الأضرار البيئية، أم في تراكم الأرباح وقيم العقارات والديون.</p>
<p>وعليه، يحمل التحول الصيني إمكانات اجتماعية مهمة وفرتها القاعدة الصناعية والملكية العامة وأدوات التوجيه، إلى جانب تناقضات نشأت من السوق والعمل المأجور ومركزية القرار. ويتحدد مدى تطور مضمونه الاشتراكي بتحسين شروط العمل ومساواة المقيمين في الحقوق والخدمات، وتوجيه الاستثمارات إلى الحاجات العامة، وتوسيع مشاركة العاملين والسكان في إدارة المؤسسات واستخدام الأرض والموارد والبيانات. وتتيح هذه القاعدة الانتقال في الفصل التالي إلى بحث التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة.</p>
<h2><strong>مصادر الفصل الخامس</strong></h2>
<p><strong>(114)</strong> كارل ماركس، <em>مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي</em>، ترجمة راشد البراوي، القاهرة: دار النهضة العربية، ط1، 1969، ص3؛ <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A.pdf">النص</a> <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A.pdf">العربي</a> <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A.pdf">بصيغة</a> <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(115)</strong> كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>البيان الشيوعي</em>، ترجمة العفيف الأخضر، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، ص63؛ وكارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص401 وما بعدها.<br />
<strong>(116)</strong> فريدريك إنجلز، <em>ضد دوهرنغ</em>، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»،ص 324–325 ، ؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1877/anti-doring.pdf">النسخة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1877/anti-doring.pdf">العربية</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1877/anti-doring.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1877/anti-doring.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(117)</strong> فلاديمير إيليتش لينين، <em>عن الضريبة العينية: دلالة السياسة الجديدة وشروطها</em>، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973، ص20؛ وفلاديمير إيليتش لينين، «التقرير السياسي أمام المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الروسي»، ضمن <em>المختارات في عشرة مجلدات</em>، المجلد العاشر، موسكو: دار التقدم، 1978، ص448–504؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/pdf/lenin-cw-vol-10.pdf">النص</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/pdf/lenin-cw-vol-10.pdf">العربي</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/pdf/lenin-cw-vol-10.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/pdf/lenin-cw-vol-10.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(118)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021؛ <a href="https://arabic.china.org.cn/txt/2021-11/17/content_77876882.htm">النص</a> <a href="https://arabic.china.org.cn/txt/2021-11/17/content_77876882.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.china.org.cn/txt/2021-11/17/content_77876882.htm">الكامل</a>.<br />
<strong>(119)</strong> شي جين بينغ، <em>التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني</em>، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2022، الأقسام الرابع والخامس والتاسع؛ <a href="https://www.mfa.gov.cn/ara/zxxx/202210/t20221026_10792077.html">النص</a> <a href="https://www.mfa.gov.cn/ara/zxxx/202210/t20221026_10792077.html">العربي</a>.<br />
<strong>(120)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثاني.<br />
<strong>(121)</strong> كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، الفصل الرابع والعشرون: «ما يسمى بالتراكم الأولي»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص880؛ <a href="https://archive.org/details/raas-mal-karl-marx/01/page/879/mode/2up">النسخة</a> <a href="https://archive.org/details/raas-mal-karl-marx/01/page/879/mode/2up">العربية</a>.<br />
<strong>(122)</strong> فريدريك إنجلز، «الاشتراكية والفلاحون» [«مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا»]، 1894، ضمن <em>نصوص مختارة</em>، ص405؛ <a href="https://archive.org/details/engles-selected-texts-ar/page/n405/mode/2up">النص</a> <a href="https://archive.org/details/engles-selected-texts-ar/page/n405/mode/2up">العربي</a>.<br />
<strong>(123)</strong> <em>دستور جمهورية الصين الشعبية</em>، المادة العاشرة؛ <a href="https://english.www.gov.cn/archive/lawregulations/201911/20/content_WS5ed8856ec6d0b3f0e9499913.html">النص</a> <a href="https://english.www.gov.cn/archive/lawregulations/201911/20/content_WS5ed8856ec6d0b3f0e9499913.html">الرسمي</a> <a href="https://english.www.gov.cn/archive/lawregulations/201911/20/content_WS5ed8856ec6d0b3f0e9499913.html">الإنجليزي</a>.<br />
<strong>(124)</strong> ماو تسي تونغ، <em>حول العلاقات العشر الكبرى</em>، خطاب أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، 25 نيسان/أبريل 1956، بكين: دار اللغات الأجنبية، 1977، العلاقات الأولى والثانية والرابعة والخامسة؛ <a href="https://www.marxists.org/history/erol/periodicals/call/call-6-3-supp.pdf">النص</a> <a href="https://www.marxists.org/history/erol/periodicals/call/call-6-3-supp.pdf">الإنجليزي</a> <a href="https://www.marxists.org/history/erol/periodicals/call/call-6-3-supp.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.marxists.org/history/erol/periodicals/call/call-6-3-supp.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(125)</strong> Barry Naughton, <em>The Chinese Economy: Transitions and Growth</em>, Cambridge, MA: MIT Press, 2007، الفصلان الثالث والرابع؛ وCarl Riskin, <em>China’s Political Economy: The Quest for Development since 1949</em>, Oxford: Oxford University Press, 1987، الفصول 4–6.<br />
<strong>(126)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثاني.<br />
<strong>(127)</strong> فلاديمير إيليتش لينين، <em>المهمات المباشرة للسلطة السوفيتية</em>، ضمن <em>المؤلفات الكاملة</em>، مج 27، ص 235–277؛ و«عن التعاون» و«ثورتنا»، ضمن <em>المؤلفات الكاملة</em>، مج 33، ص 467–480. تُراجع صفحات الطبعة العربية المستخدمة قبل الإرسال.<br />
<strong>(128)</strong> كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>الأيديولوجيا الألمانية</em>، ترجمة فؤاد أيوب، ص27–43، 54–55؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1845/the-german-ideology.pdf">النسخة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1845/the-german-ideology.pdf">العربية</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1845/the-german-ideology.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1845/the-german-ideology.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(129)</strong> فلاديمير إيليتش لينين، <em>تطور الرأسمالية في روسيا: عملية تكوين السوق الداخلية للصناعة الكبرى</em>، ص28؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/1899/Development-Capitalism-Russia/development-capitalism-russia.pdf">النسخة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/1899/Development-Capitalism-Russia/development-capitalism-russia.pdf">العربية</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/1899/Development-Capitalism-Russia/development-capitalism-russia.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/lenin/1899/Development-Capitalism-Russia/development-capitalism-russia.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(130)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «التغير في هيكل التشغيل بحسب القطاعات الاقتصادية، 1952–2023»، 20 أيلول/سبتمبر 2024؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202409/t20240920_1956589.html">البيانات</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202409/t20240920_1956589.html">الرسمية</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202409/t20240920_1956589.html">الصينية</a>، و<a href="https://www.stats.gov.cn/english/Statisticaldata/yearlydata/YB1999e/e02e.htm">الجداول</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/english/Statisticaldata/yearlydata/YB1999e/e02e.htm">التاريخية</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/english/Statisticaldata/yearlydata/YB1999e/e02e.htm">باللغة</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/english/Statisticaldata/yearlydata/YB1999e/e02e.htm">الإنجليزية</a>.<br />
<strong>(131)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثالث؛ والمكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، <em>رحلة الصين التاريخية من الفقر إلى الرخاء</em>، مصدر سابق، قسم «الإصلاح والانفتاح».<br />
<strong>(132)</strong> Barry Naughton, <em>Growing Out of the Plan: Chinese Economic Reform, 1978–1993</em>, Cambridge: Cambridge University Press, 1995، الفصول 4–6؛ وBarry Naughton, <em>The Chinese Economy</em>، مصدر سابق، الفصول 4–5.<br />
<strong>(133)</strong> كارل ماركس، <em>مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي</em>، مصدر سابق، ص2–3.<br />
<strong>(134)</strong> فلاديمير إيليتش لينين، <em>عن الضريبة العينية</em>، مصدر سابق، ص20.<br />
<strong>(135)</strong> كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>البيان الشيوعي</em>، مصدر سابق، ص63؛ وفريدريك إنجلز، <em>مبادئ الشيوعية</em>، 1847، الأسئلة 4–12؛ <a href="https://marxengels.public-archives.com/ar/ME0164ar.html">النص</a> <a href="https://marxengels.public-archives.com/ar/ME0164ar.html">العربي</a> <a href="https://marxengels.public-archives.com/ar/ME0164ar.html">الإلكتروني</a>.<br />
<strong>(136)</strong> المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، <em>الصين ومنظمة التجارة العالمية</em>، 2018، القسم الأول؛ <a href="https://english.scio.gov.cn/2018-06/28/content_53822671.htm">النص</a> <a href="https://english.scio.gov.cn/2018-06/28/content_53822671.htm">الإنجليزي</a>.<br />
<strong>(137)</strong> كارل ماركس، <em>رأس المال</em>، المجلد الأول، مصدر سابق، ص401 وما بعدها، الفصول 11–13.<br />
<strong>(138)</strong> كارل ماركس، <em>العمل المأجور ورأس المال</em>، 1849، القسم السادس؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1849-wl/06.htm">النص</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1849-wl/06.htm">العربي</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1849-wl/06.htm">الإلكتروني</a>.<br />
<strong>(139)</strong> United Nations Industrial Development Organization (UNIDO), <em>Statistical Indicators of Inclusive and Sustainable Industrialization: SDG 9 Progress Report 2025</em>, Vienna: UNIDO, 2025, p. 10, Figure 2.5 and the accompanying text; <a href="https://www.unido.org/sites/default/files/unido-publications/2025-09/sdg9-report-2025-%20publication-pdf.pdf">التقرير</a> <a href="https://www.unido.org/sites/default/files/unido-publications/2025-09/sdg9-report-2025-%20publication-pdf.pdf">الكامل</a> <a href="https://www.unido.org/sites/default/files/unido-publications/2025-09/sdg9-report-2025-%20publication-pdf.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.unido.org/sites/default/files/unido-publications/2025-09/sdg9-report-2025-%20publication-pdf.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(140)</strong> وكالة أنباء شينخوا، «(وسائط متعددة) للعام الــ15 على التوالي.. القطاع التحويلي الصيني الأول عالميًا من حيث الحجم الكلي خلال عام 2024»، 22 كانون الثاني/يناير 2025؛ <a href="https://arabic.news.cn/20250122/bcad7eb5bfaa4207b3f6ee05f468b1e5/c.html">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/20250122/bcad7eb5bfaa4207b3f6ee05f468b1e5/c.html">العربي</a>؛ ووكالة أنباء شينخوا، «جودة سلع قطاع الصناعات التحويلية الصينية تتحسن بشكل مطرد في عام 2024»، 28 شباط/فبراير 2025؛ <a href="https://arabic.news.cn/20250228/f1ed0b44f5584c34a1cd26f2dff22899/c.html">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/20250228/f1ed0b44f5584c34a1cd26f2dff22899/c.html">العربي</a>.<br />
<strong>(141)</strong> Karl Marx, <em>Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy (Rough Draft)</em>, trans. Martin Nicolaus, Harmondsworth: Penguin Books in association with <em>New Left Review</em>, 1973, pp. 690–712, especially pp. 704–706؛ وانظر أيضًا <a href="https://www.marxists.org/archive/marx/works/1857/grundrisse/ch14.htm">النص</a> <a href="https://www.marxists.org/archive/marx/works/1857/grundrisse/ch14.htm">الإنجليزي</a> <a href="https://www.marxists.org/archive/marx/works/1857/grundrisse/ch14.htm">الإلكتروني</a>.<br />
<strong>(142)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، <em>البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025</em>، 28 شباط/فبراير 2026، القسم الثاني؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/202602/t20260228_1962661.html">النص</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/202602/t20260228_1962661.html">الإنجليزي</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/english/PressRelease/202602/t20260228_1962661.html">الكامل</a>.<br />
<strong>(143)</strong> كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الثاني: <em>عملية تداول رأس المال</em>، تحرير فريدريك إنجلز، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2013، القسم الثالث، الفصلان العشرون والحادي والعشرون، ص 443–588؛ <a href="https://foulabook.com/ar/read/%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-pdf">النسخة</a> <a href="https://foulabook.com/ar/read/%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-pdf">العربية</a> <a href="https://foulabook.com/ar/read/%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-pdf">المصو</a><a href="https://foulabook.com/ar/read/%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-pdf">ّ</a><a href="https://foulabook.com/ar/read/%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%84-%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%84-pdf">رة</a>.<br />
<strong>(144)</strong> فريدريك إنجلز، <em>حالة الطبقة العاملة في إنجلترا</em>، ترجمة فخري لبيب، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980، الفصول 3–8.<br />
<strong>(145)</strong> فريدريك إنجلز، <em>ضد دوهرنغ</em>، مصدر سابق، ص 327–331. تُقابل صياغة الاقتباس حرفيًا مع الطبعة المعتمدة قبل النشر.<br />
<strong>(146)</strong> Karl Marx, <em>Grundrisse</em>, cited above, pp. 524–529, especially pp. 524–526, section “Circulation Costs—Means of Communication and Transport—General as Distinct from Particular Conditions of Production”; see also<a href="https://www.marxists.org/archive/marx/works/1857/grundrisse/ch10.htm"> the corresponding English electronic text</a>.<br />
<strong>(147)</strong> كارل ماركس، <em>رأس المال</em>، المجلد الثاني، مصدر سابق، الفصلان الخامس والسادس، ص 140–172، والفصول الثاني عشر إلى الرابع عشر، ص 264–295.<br />
<strong>(148)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «البيانات التاريخية لشبكة السكك الحديدية عام 1978»؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/ndsj/2001c/o1516c.htm">الجدول</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/ndsj/2001c/o1516c.htm">الرسمي</a>؛ ووزارة النقل الصينية، <em>البيان الإحصائي لتطور قطاع النقل لعام 2024</em>، 10 حزيران/يونيو 2025؛ <a href="https://xxgk.mot.gov.cn/jigou/zhghs/202506/t20250610_4170228.html">النص</a> <a href="https://xxgk.mot.gov.cn/jigou/zhghs/202506/t20250610_4170228.html">الرسمي</a>؛ والمكتب الوطني للإحصاء في الصين، <em>البيان الإحصائي الوطني لعام 1978</em>؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/tjgb/ndtjgb/qgndtjgb/202302/t20230206_1901921.html">النص</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/tjgb/ndtjgb/qgndtjgb/202302/t20230206_1901921.html">الرسمي</a>.<br />
<strong>(149)</strong> وزارة النقل الصينية، <em>البيان الإحصائي لتطور قطاع النقل لعام 2024</em>، مصدر سابق، قسما السكك الحديدية والنقل الحضري.<br />
<strong>(150)</strong> فلاديمير إيليتش لينين، «تقرير عن عمل مجلس مفوضي الشعب»، 22 كانون الأول/ديسمبر 1920، ضمن <em>المؤلفات الكاملة</em>، المجلد 42، ص128–161؛ وفلاديمير إيليتش لينين، «مهمات منظمات الشباب»، مصدر سابق.<br />
<strong>(151)</strong> المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، <em>الطاقة في عصر الصين الجديد</em>، 2020، القسم الرابع؛ <a href="https://english.scio.gov.cn/whitepapers/2020-12/21/content_77035604_6.htm">النص</a> <a href="https://english.scio.gov.cn/whitepapers/2020-12/21/content_77035604_6.htm">الإنجليزي</a>؛ ووزارة الخارجية الصينية، <em>تقرير تقدم الصين في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030</em>، 2023؛ <a href="https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/zy/jj/2030kcxfzyc/202310/P020231018367257234614.pdf">التقرير</a> <a href="https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/zy/jj/2030kcxfzyc/202310/P020231018367257234614.pdf">الكامل</a> <a href="https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/zy/jj/2030kcxfzyc/202310/P020231018367257234614.pdf">بصيغة</a> <a href="https://www.fmprc.gov.cn/mfa_eng/zy/jj/2030kcxfzyc/202310/P020231018367257234614.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(152)</strong> كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>الأيديولوجيا الألمانية</em>، مصدر سابق، ص27–43، 54–55.<br />
<strong>(153)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «تقرير إنجازات خمسة وسبعين عامًا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، 9 أيلول/سبتمبر 2024؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202409/t20240909_1956313.html">النص</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202409/t20240909_1956313.html">الرسمي</a>؛ والمكتب الوطني للإحصاء في الصين، <em>البيان الإحصائي لعام 2025</em>، مصدر سابق، القسم الثاني عشر.<br />
<strong>(154)</strong> فريدريك إنجلز، <em>مسألة السكن</em>، 1872–1873، القسمان الأول والثاني؛ <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1872-housing/index.htm">النص</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1872-housing/index.htm">العربي</a> <a href="https://www.marxists.org/arabic/archive/marx/1872-housing/index.htm">الإلكتروني</a>.<br />
<strong>(155)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، <em>تقرير المسح الوطني للعمال المهاجرين لعام 2025</em>، 30 نيسان/أبريل 2026، القسم الأول؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/zxfb/202604/t20260430_1963472.html">النص</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/zxfb/202604/t20260430_1963472.html">الرسمي</a>.<br />
<strong>(156)</strong> مجلس الدولة الصيني، <em>خطة العمل الخمسية للتنفيذ المعمق لاستراتيجية التحضر الجديدة المتمحورة حول الإنسان</em>، 28 تموز/يوليو 2024؛ <a href="https://app.www.gov.cn/govdata/gov/202407/31/517833/article.html">النص</a> <a href="https://app.www.gov.cn/govdata/gov/202407/31/517833/article.html">الرسمي</a>، و<a href="https://english.www.gov.cn/policies/latestreleases/202407/31/content_WS66aa26c8c6d0868f4e8e99f2.html">العرض</a> <a href="https://english.www.gov.cn/policies/latestreleases/202407/31/content_WS66aa26c8c6d0868f4e8e99f2.html">الإنجليزي</a>.<br />
<strong>(157)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «التقدم في بناء قوة زراعية والنهوض الريفي خلال الخطة الخمسية الرابعة عشرة»، 4 حزيران/يونيو 2026، القسم الرابع؛ <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202606/t20260604_1963889.html">النص</a> <a href="https://www.stats.gov.cn/sj/sjjd/202606/t20260604_1963889.html">الرسمي</a>.<br />
<strong>(158)</strong> فريدريك إنجلز، <em>ضد دوهرنغ</em>، مصدر سابق، ص331 وما بعدها.<br />
<strong>(159)</strong> المكتب الوطني للإحصاء في الصين، <em>البيان الإحصائي لعام 2025</em>، مصدر سابق، القسم الثاني عشر.<br />
<strong>(160)</strong> البنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني، <em>الصين الحضرية: نحو تحضر كفء وشامل ومستدام</em>، واشنطن: البنك الدولي، 2014، الفصول 2–5؛ <a href="https://www.worldbank.org/en/country/china/publication/urban-china-toward-efficient-inclusive-sustainable-urbanization">صفحة</a> <a href="https://www.worldbank.org/en/country/china/publication/urban-china-toward-efficient-inclusive-sustainable-urbanization">التقرير</a>، و<a href="https://documents1.worldbank.org/curated/en/274891468018263655/pdf/Urban-China-toward-efficient-inclusive-and-sustainable-urbanization.pdf">التقرير</a> <a href="https://documents1.worldbank.org/curated/en/274891468018263655/pdf/Urban-China-toward-efficient-inclusive-and-sustainable-urbanization.pdf">الكامل</a> <a href="https://documents1.worldbank.org/curated/en/274891468018263655/pdf/Urban-China-toward-efficient-inclusive-and-sustainable-urbanization.pdf">بصيغة</a> <a href="https://documents1.worldbank.org/curated/en/274891468018263655/pdf/Urban-China-toward-efficient-inclusive-and-sustainable-urbanization.pdf">PDF</a>.<br />
<strong>(161)</strong> V. I. Lenin, “The Immediate Tasks of the Soviet Government,” in <em>Collected Works</em>, 4th English ed., vol. 27, Moscow: Progress Publishers, 1965, pp. 235–277, especially pp. 257–269; “Report on the Work of the Council of People’s Commissars,” in <em>Collected Works</em>, vol. 42, Moscow: Progress Publishers, 1971, pp. 128–161, especially pp. 158–161; and “On Cooperation,” in <em>Collected Works</em>, vol. 33, Moscow: Progress Publishers, 1966, pp. 467–475, especially pp. 474–475.<br />
<strong>(162)</strong> كارل ماركس، <em>نقد برنامج غوتا</em>، ضمن <em>دراسات اقتصادية مختارة (2)</em>، ترجمة فؤاد أيوب، ص14؛ <a href="https://www.ktobati.com/book/reading/2caf3221-1604-4b6f-9396-df370fe98695">النسخة</a> <a href="https://www.ktobati.com/book/reading/2caf3221-1604-4b6f-9396-df370fe98695">العربية</a> <a href="https://www.ktobati.com/book/reading/2caf3221-1604-4b6f-9396-df370fe98695">المرق</a><a href="https://www.ktobati.com/book/reading/2caf3221-1604-4b6f-9396-df370fe98695">ّ</a><a href="https://www.ktobati.com/book/reading/2caf3221-1604-4b6f-9396-df370fe98695">مة</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/22/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%85%d8%b3-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b9%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الفصل الثاني: من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاريخي للنموذج الصيني- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/13/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ae%d8%b7%d8%b7-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%82/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/13/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ae%d8%b7%d8%b7-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%82/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 13 Sep 2026 06:51:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[البيانات و النشاطات]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107449</guid>

					<description><![CDATA[لم ينشأ مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» في الصين بوصفه نظرية مكتملة طُبّقت دفعة واحدة، بل تبلور عبر مسار تاريخي بدأ بتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، ومر بمرحلة الإصلاح الزراعي &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1></h1>
<p>لم ينشأ مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» في الصين بوصفه نظرية مكتملة طُبّقت دفعة واحدة، بل تبلور عبر مسار تاريخي بدأ بتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، ومر بمرحلة الإصلاح الزراعي والتخطيط المركزي والتجميع الزراعي والتصنيع الموجَّه من الدولة، ثم دخل طورًا جديدًا مع الإصلاحات التي انطلقت سنة 1978. ولذلك لا يمكن تفسير التحول الصيني باعتباره انتقالًا بسيطًا من التخطيط إلى السوق، أو تخليًا مفاجئًا عن الاشتراكية؛ فقد كان إعادة تنظيم تدريجية للعلاقة بين الدولة والسوق والملكية والعمل.<br />
وينبغي تجنب قراءتين متقابلتين تختزلان التجربة. ترى الأولى أن مرحلة ما قبل سنة 1978 لم تكن سوى سلسلة من الإخفاقات، وأن النمو الصيني بدأ فعليًا مع إدخال السوق ورأس المال الخاص. أما الثانية فتنظر إلى الإصلاحات بوصفها استمرارًا سلسًا للنظام السابق، من دون الاعتراف بما أحدثته من تحولات عميقة في بنية الملكية والتوزيع وتنظيم المؤسسات. ولا تقدم أي من القراءتين تفسيرًا كافيًا؛ لأن الإصلاحات استفادت من قاعدة مادية ومؤسسية واجتماعية أنشأتها المرحلة السابقة، لكنها غيرت، في الوقت نفسه، الآليات التي حكمت تخصيص الموارد وتنظيم العمل وتوزيع الدخل.<br />
ولا يهدف هذا الفصل إلى تقديم سرد زمني للأحداث وحدها، بل يسعى إلى تحليل العوامل التي دفعت القيادة الصينية إلى إعادة النظر في آليات إدارة الاقتصاد، وطبيعة التحول الذي جرى في العلاقة بين التخطيط والسوق والملكية العامة والخاصة. كما يبحث مدى احتفاظ الدولة بقدرتها على توجيه التنمية في ظل توسع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي والاندماج في الاقتصاد العالمي.</p>
<h2><strong>أولًا: مرحلة ما قبل الإصلاح وبناء القاعدة المادية للدولة الجديدة</strong></h2>
<h3><strong>1. الإصلاح الزراعي والتحول إلى التخطيط المركزي</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p>كان الإصلاح الزراعي من أولى الخطوات التي اتخذتها الدولة الصينية الجديدة لمعالجة البنية الاجتماعية والاقتصادية الموروثة في الريف. ففي 28 حزيران/يونيو 1950، أُقرّ «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية»، ثم أصدرته الحكومة الشعبية المركزية وأدخلته حيز التنفيذ في 30 حزيران/يونيو من العام نفسه. ونصت مادته الأولى على إلغاء نظام ملكية الأرض القائم على الاستغلال الإقطاعي من جانب طبقة ملاك الأراضي، وإقامة نظام ملكية الفلاحين للأرض، بهدف تحرير القوى المنتجة في الريف، وتطوير الإنتاج الزراعي، والتمهيد لتصنيع الصين الجديدة. وعلى أساس هذا القانون، صودرت أراضي ملاك الأراضي وغيرها من الممتلكات الزراعية التي حددها، وأُعيد توزيعها على الفلاحين المعدمين وقليلي الأرض، في عملية امتدت عبر المناطق المحررة حديثًا خلال الأعوام 1950–1952. <strong>(25)</strong> ولم يكن هذا الإصلاح إجراءً اقتصاديًا فحسب؛ إذ أسهم كذلك في تفكيك جانب مهم من علاقات الملكية والسلطة التقليدية في الريف، وفي تغيير الموقع الاجتماعي والسياسي للفلاحين داخل الدولة الجديدة.<br />
غير أن مرحلة الملكية الفلاحية الفردية لم تستمر طويلًا. فقد انتقلت القيادة الصينية تدريجيًا من فرق المساعدة المتبادلة إلى التعاونيات الزراعية، ثم إلى أشكال أوسع من التنظيم الجماعي. وكان الهدف المعلن تجاوز تفتت الملكيات الصغيرة، وتعبئة الفائض الزراعي لتمويل الصناعة، وإدخال التقنيات الحديثة إلى الإنتاج الريفي. وبذلك انتقلت الزراعة، خلال سنوات قليلة، من إعادة توزيع الأرض على الفلاحين إلى دمجها في وحدات جماعية خضعت بدرجات متفاوتة للتوجيه الإداري.<br />
وتزامن هذا التحول مع تطبيق الخطة الخمسية الأولى بين سنتي 1953 و1957، التي أعطت الأولوية للصناعة الثقيلة وإقامة المنشآت الأساسية، مستفيدةً من المساعدات الفنية والتقنية السوفيتية. وتوسعت ملكية الدولة للمؤسسات الصناعية والمصارف والتجارة الخارجية، وأصبحت الخطة الأداة الأساسية لتخصيص الاستثمار والمواد الأولية وتحديد مستويات الإنتاج والأسعار.<br />
مكّن هذا النظام الدولة من حشد الموارد في مجتمع يفتقر إلى سوق رأسمالية متطورة وإلى طبقة رأسمالية محلية قادرة على تمويل التصنيع الواسع. وأتاح إنشاء الصناعات الأساسية والبنية التحتية وتكوين الكوادر الفنية والإدارية خلال مدة تاريخية قصيرة نسبيًا.<br />
لكن إعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة فرض ضغوطًا كبيرة على الزراعة والاستهلاك الشعبي. فقد اعتمد تمويل التصنيع، جزئيًا، على التحكم في أسعار المنتجات الزراعية وتوريد الحبوب إلى الدولة، وهو ما جعل العلاقة بين المدينة والريف إحدى المسائل المركزية في البناء الاقتصادي الصيني. كما أدى إخضاع المؤسسات لأهداف الخطة الكمية إلى تفضيل زيادة حجم الإنتاج على الجودة والكفاءة، وأضعف استقلال الوحدات الإنتاجية وقدرتها على الاستجابة للظروف المحلية.<br />
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق تقويم هذه المرحلة استنادًا إلى معيار الكفاءة السوقية وحده. فقد اضطلعت الدولة بمهمات لم يكن من الممكن إنجازها بالسرعة نفسها من خلال السوق في الظروف الصينية آنذاك، ومنها إقامة الصناعات الأساسية، وتوحيد السوق الوطنية، وتوسيع شبكات النقل والري، وتكوين الكوادر التقنية والإدارية. وقد أقامت هذه المرحلة قاعدة مادية ومؤسسية أصبحت لاحقًا أحد الشروط التي ساعدت الإصلاحات الاقتصادية على تحقيق نتائجها.</p>
<h3><strong>2. خطاب «حول العلاقات العشر الكبرى» ومحاولة معالجة الاختلالات</strong></h3>
<p>بدأت القيادة الصينية، في وقت مبكر، ملاحظة بعض الاختلالات الناتجة من الاقتباس الواسع للنموذج السوفيتي. وظهر ذلك بوضوح في خطاب ماو تسي تونغ «حول العلاقات العشر الكبرى»، الذي ألقاه في 25 نيسان/أبريل 1956 أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني.<strong>(26)<br />
</strong>تناول الخطاب مجموعة من العلاقات المرتبطة ببناء الاقتصاد والمجتمع، من أهمها العلاقة بين الصناعة الثقيلة من جهة والزراعة والصناعة الخفيفة من جهة أخرى، وبين المناطق الساحلية والداخلية، وبين البناء الاقتصادي والدفاع، وبين السلطة المركزية والسلطات المحلية، وبين الدولة والوحدات الإنتاجية والمنتجين.<br />
لم يكن الخطاب رفضًا للتخطيط المركزي أو لأولوية التصنيع، وإنما كان محاولةً لتصحيح الاختلالات التي قد يسببها التركيز الأحادي على الصناعة الثقيلة. فقد أكد ماو أن إعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة لا يعني إهمال الزراعة والصناعة الخفيفة؛ لأن زيادة الإنتاج الزراعي والسلع الاستهلاكية تساعد على تحسين معيشة السكان، وتكوين تراكم أكبر يمكن توجيهه بدوره إلى الصناعة الثقيلة. وبذلك ربط بين تسريع التصنيع والمحافظة على قدر من التوازن بين القطاعات، بدل النظر إليهما بوصفهما هدفين متعارضين.<br />
وتظهر أهمية الخطاب كذلك في دعوته إلى عدم نسخ التجربة السوفيتية بصورة آلية. فقد رأى ماو أن على الصين الاستفادة من تجارب الدول الأخرى بعد إخضاعها للتحليل وربطها بالظروف الوطنية. كما دعا إلى منح السلطات المحلية والوحدات الإنتاجية قدرًا أكبر من المبادرة، على أساس الجمع بين وحدة التوجيه المركزي والمرونة المحلية.<br />
ويمكن النظر إلى هذه الأفكار بوصفها مؤشرًا مبكرًا إلى إدراك أن المركزية المفرطة قد تضعف تدفق المعلومات والمبادرة الاقتصادية. لكن هذا الإدراك لم يتحول إلى نظام مؤسسي مستقر لتصحيح القرارات؛ إذ ظلت معالجة الاختلالات مرتبطةً بالحملات السياسية وتغير الاتجاهات داخل القيادة، أكثر من ارتباطها بآليات قانونية وإدارية دائمة تسمح بتداول المعلومات ومراجعة الخطط ومساءلة المسؤولين.<br />
ومن هنا برز تناقض بين الدعوة إلى المبادرة المحلية من جهة، واستمرار تركّز سلطة اتخاذ القرار من جهة أخرى. وقد ظهر أثر هذا التناقض بصورة أشد خلال تجربة «القفزة الكبرى إلى الأمام».</p>
<h3><strong>3. المنجزات الاجتماعية والاقتصادية وحدودها</strong></h3>
<p>حققت مرحلة ما قبل الإصلاح عددًا من التحولات الأساسية. فقد توسعت القاعدة الصناعية، وأُنشئت صناعات استراتيجية في مجالات الحديد والصلب والطاقة والآلات، وتحسنت شبكات النقل والري، واتسع نطاق التعليم والخدمات الصحية الأساسية. كما أسهمت حملات محو الأمية والرعاية الصحية الريفية في تحسين عدد من المؤشرات الاجتماعية، ووفرت الدولة مستوىً من الأمن الوظيفي والاجتماعي في المدن من خلال نظام وحدات العمل.<br />
وأدت ملكية الدولة للمصارف والصناعات الأساسية والتجارة الخارجية إلى تمكين الحكومة من توجيه جانب كبير من الفائض الاقتصادي نحو الاستثمار طويل الأجل. ولم تختفِ هذه القدرة المؤسسية بعد بدء الإصلاحات، بل أصبحت لاحقًا إحدى السمات الأساسية للنموذج الصيني، حيث استمر القطاع العام في أداء دور محوري في الائتمان والطاقة والبنية التحتية والصناعات الاستراتيجية.<br />
في المقابل، ظهرت قيود واضحة داخل النظام. فقد أدى تحديد الأسعار إداريًا وضعف استقلال المؤسسات إلى إضعاف الحوافز المتعلقة بالجودة والابتكار، في حين شجع التركيز على تحقيق الأهداف الكمية بعض الوحدات على المبالغة في التقارير أو إخفاء المشكلات.<br />
كما ساعد نظام تسجيل الأسر، المعروف باسم «هوكو»، على تنظيم انتقال السكان من الريف إلى المدن وتوزيع بعض الموارد والخدمات، لكنه أسهم كذلك في ترسيخ تفاوت مؤسسي بين السكان الريفيين والحضريين في فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.<br />
وبذلك لم تكن مشكلات الاقتصاد المخطط ناتجةً عن غياب الملكية الخاصة فحسب، بل عن العلاقة بين مركزية القرار، ومحدودية المعلومات المتاحة للمخطط، وضعف آليات المساءلة، وتغليب الأهداف السياسية العاجلة أحيانًا على الحسابات الاقتصادية. وقد ظهرت هذه التناقضات بوضوح خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» والاضطرابات التي رافقت «الثورة الثقافية».</p>
<h3><strong>4. «القفزة الكبرى» و «الثورة الثقافية»: حدود التعبئة السياسية للاقتصاد</strong></h3>
<p>أُطلقت «القفزة الكبرى إلى الأمام» سنة 1958 بهدف تسريع التحول الصناعي والزراعي والوصول، خلال مدة قصيرة، إلى مستويات إنتاجية مرتفعة. واعتمدت على إنشاء الكومونات الشعبية، وتعبئة العمل الريفي في مشروعات واسعة، وتشجيع إنتاج الحديد والصلب بوسائل محلية.<br />
غير أن المبالغة في تحديد الأهداف وفي تقارير الإنتاج، وتحويل جزء من قوة العمل من الزراعة، وسياسات توريد الحبوب التي استندت إلى بيانات غير واقعية، أسهمت في انهيار الإنتاج الزراعي ووقوع أزمة غذائية ومجاعة واسعة. ولم يكن ذلك مجرد خلل تقني في تنفيذ الخطة، بل كشف عن مخاطر النظام الذي تصبح فيه المعلومات الاقتصادية مرتبطةً بإثبات الولاء السياسي، ويصعب فيه الاعتراض على الأهداف الموضوعة من أعلى أو نقل الوقائع المخالفة لتوقعات القيادة.<strong>(27)<br />
</strong>وتكشف هذه التجربة أن امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج لا يضمن، في ذاته، الاستخدام العقلاني للموارد؛ إذ تحتاج الخطة إلى معلومات دقيقة، ومؤسسات قادرة على الاعتراض والمراجعة، وقنوات تسمح بنقل المشكلات من المستويات المحلية إلى المركز. وعندما تضعف هذه الشروط، قد تتحول القدرة على تعبئة الموارد بسرعة إلى قدرة على تعميم الخطأ وتوسيع نتائجه.<br />
أما «الثورة الثقافية» بين سنتي 1966 و1976، فقد أدت إلى اضطراب المؤسسات التعليمية والإدارية والبحثية، وإلى تعرض أعداد كبيرة من الكوادر والمثقفين للاضطهاد. وقد رفض قرار الحزب الشيوعي الصيني الصادر سنة 1981 هذه التجربة، وعدّها خطأً تاريخيًا ألحق أضرارًا جسيمة بالحزب والدولة والمجتمع.<strong>(28)<br />
</strong>ولا يعني هذا التقويم أن العقود السابقة للإصلاح كانت خالية من التراكم، أو أن الاقتصاد الصيني بدأ من الصفر سنة 1978. فقد بقيت المنشآت الصناعية وشبكات الري والتعليم الأساسي ومؤسسات الدولة والقدرة على تعبئة الموارد جزءًا من الأساس الذي استندت إليه الإصلاحات اللاحقة.<br />
لكن تجارب تلك المرحلة أظهرت، في الوقت نفسه، أن الإرادة السياسية والتعبئة الجماهيرية لا تستطيعان التعويض بصورة دائمة عن المعرفة التقنية، وتدفق المعلومات، والحوافز الاقتصادية، والمؤسسات القادرة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه. ومن هنا جاء التحول الذي بدأ سنة 1978 نتيجةً لتفاعل عنصرين: الاستفادة من القاعدة المادية التي أنشأتها المرحلة المخططة، ومحاولة تجاوز الاختلالات التي كشفت عنها المركزية المفرطة والحملات السياسية.<br />
ولذلك لم يبدأ الإصلاح الصيني بإلغاء القطاع العام أو خصخصة الاقتصاد دفعة واحدة، بل بدأ من الزراعة، ومن تعديل العلاقة بين الدولة والوحدات المنتجة، وإتاحة مجال تدريجي للمبادرة الفردية والتبادل السوقي. وتمهد هذه النتيجة لدراسة.<br />
<strong>ثانيًا: مرحلة الإصلاح والانفتاح والانتقال التدريجي نحو «اقتصاد السوق الاشتراكي»</strong></p>
<h3><strong>1. انعطاف سنة 1978 وإعادة تحديد الأولويات</strong></h3>
<p>شكّل انعقاد الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني في كانون الأول/ديسمبر 1978 نقطة تحول أساسية في تطور النموذج الاقتصادي الصيني. فقد انتقلت بؤرة عمل الحزب والدولة من جعل الصراع الطبقي محورًا رئيسيًا إلى التركيز على البناء الاقتصادي والتحديث، وبدأت بذلك مرحلة الإصلاح والانفتاح. ولم يُقدَّم هذا التحول بوصفه تخلّيًا عن الاشتراكية، بل بوصفه مراجعة للوسائل والمؤسسات التي يُفترض أن تخدم بناءها وتطوير قواها المنتجة.<strong>(29)<br />
</strong>انطلق الإصلاح من الاعتراف بأن إقامة قاعدة صناعية عامة لا تكفي، في ذاتها، لضمان الاستخدام الكفء للموارد أو تحسين مستوى المعيشة. فقد أظهرت المرحلة السابقة أن شدة المركزية وتقييد المبادرات المحلية وإخضاع الإنتاج لأهداف كمية جامدة يمكن أن تحدّ من نمو الإنتاجية، حتى عندما تكون وسائل الإنتاج الأساسية مملوكة للدولة أو للجماعات الريفية.<br />
ولذلك اتخذ الإصلاح الصيني طابعًا تدريجيًا وتجريبيًا. فلم تعتمد القيادة خطة شاملة لتفكيك الاقتصاد المخطط دفعة واحدة، وإنما سمحت بتجريب ترتيبات مختلفة في مناطق وقطاعات محددة، ثم وسّعت التجارب التي أثبتت قدرتها على زيادة الإنتاج وتحسين الدخل. وقد منح هذا الأسلوب السلطات المحلية والوحدات الإنتاجية مجالًا أوسع للمبادرة، مع احتفاظ القيادة المركزية بحق تحديد الاتجاه العام وتعديل الإصلاح أو تقييده.<br />
وبذلك اختلف المسار الصيني عن برامج «العلاج بالصدمة» التي طُبقت لاحقًا في عدد من بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق. فقد حافظت الصين على استمرارية مؤسسات الدولة والقطاع العام والنظام المصرفي، وفي الوقت نفسه أدخلت آليات السوق تدريجيًا في الزراعة والصناعة والتجارة والأسعار. ولم يكن الانتقال من التخطيط إلى السوق عملية خطية أو خالية من التراجع، بل مسارًا اتسم بالتجريب والصراع بين اتجاهات مختلفة داخل الحزب والدولة.</p>
<h3><strong>2. الإصلاح الريفي ونظام المسؤولية الأسرية</strong></h3>
<p>بدأ الإصلاح من الريف، حيث كانت غالبية السكان تعمل في الزراعة وكانت مشكلات الإنتاج والدخل أكثر إلحاحًا. وتمثلت الخطوة الأساسية في تطبيق ما عُرف رسميًا باسم «نظام مسؤولية المقاولة القائمة على العائلات الفلاحية إزاء الإنتاج»، أو «نظام المسؤولية الأسرية». وبموجبه بقيت الأرض خاضعة للملكية الجماعية، بينما حصلت الأسر الفلاحية على حق التعاقد لاستغلالها وتنظيم إنتاجها، مقابل الوفاء بالتزامات محددة تجاه الدولة أو الجماعة، مع إمكان التصرف في الجزء المتبقي من الإنتاج ضمن القنوات التي سمحت بها السياسات الجديدة.<strong>(30)<br />
</strong>كان هذا الترتيب مهمًا لأنه فصل نسبيًا بين الملكية القانونية للأرض وبين إدارة عملية الإنتاج. فلم تتحول الأرض الزراعية إلى ملكية خاصة كاملة قابلة للتداول الحر، لكن الأسرة أصبحت تمتلك مساحة أوسع لاتخاذ القرار المتعلق بالمحاصيل وتنظيم العمل والاستفادة من زيادة الإنتاج. وأدى ذلك إلى تعزيز الصلة بين جهد الأسرة والعائد الذي تحصل عليه، من دون إلغاء الملكية الجماعية رسميًا.<br />
وتزامن هذا التحول مع رفع أسعار شراء بعض المنتجات الزراعية، وتوسيع إمكان بيع الإنتاج الذي يتجاوز الالتزامات المقررة، وإحياء الأسواق الريفية. وأسهم الجمع بين الحوافز الجديدة وبين البنية الأساسية التي أُقيمت في المرحلة السابقة، ولا سيما شبكات الري وانتشار الأسمدة والبذور المحسّنة، في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين دخول قطاعات واسعة من سكان الريف.<br />
كما أتاح الإصلاح ظهور المؤسسات الريفية ومؤسسات البلدات والقرى، التي عملت في الصناعة والخدمات والنقل ومعالجة المنتجات الزراعية. وكانت ملكية هذه المؤسسات وإدارتها متعددة الأشكال؛ فبعضها ارتبط بالسلطات المحلية أو بالملكية الجماعية، في حين اقترب بعضها الآخر تدريجيًا من النشاط الخاص. وقد ساعدت على امتصاص جانب من العمالة الزراعية الفائضة، وربط الريف بالتصنيع، وتكوين مصادر دخل لا تعتمد على الزراعة وحدها.<br />
ولذلك لا يصح اختزال الإصلاح الريفي في «خصخصة الزراعة». فقد حافظت الدولة على الإطار القانوني للملكية الجماعية، لكنها غيّرت طريقة تنظيم العمل وتوزيع العائد. ومع ذلك، أدى توسيع استقلال الأسرة والإنتاج السلعي إلى نمو الفروق في الدخل والقدرة على الوصول إلى الأسواق والموارد، وهي تحولات ستزداد وضوحًا مع اتساع الإصلاح.</p>
<h3><strong>3. انتقال الإصلاح إلى المدن وازدواجية الخطة والسوق</strong></h3>
<p>بعد النتائج التي حققتها الإصلاحات الريفية، انتقل إصلاح النظام الاقتصادي تدريجيًا إلى المدن، ولا سيما منذ سنة 1984. وحصلت المؤسسات المملوكة للدولة على قدر أكبر من الاستقلال في تنظيم الإنتاج، والاحتفاظ بجزء من الأرباح، واتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالأجور والاستثمار والتسويق، بدل تحويل جميع إيراداتها إلى الموازنة العامة وانتظار تخصيص الموارد بصورة إدارية كاملة.<br />
ولم تُلغَ الخطة بمجرد توسيع هذه الصلاحيات. فقد استمر عدد من المؤسسات في إنتاج كميات محددة وتسليمها بالأسعار التي تقررها الدولة، في حين سُمح لها ببيع الإنتاج الذي يتجاوز الخطة بأسعار أقرب إلى أسعار السوق. وأدى ذلك إلى ظهور ما عُرف بـ«نظام المسار المزدوج»، حيث تعايشت الأسعار والكميات المحددة إداريًا مع الأسعار التي تتكون من خلال العرض والطلب.<strong>(31)<br />
</strong>ساعد هذا النظام على إدخال آليات السوق من دون قطع الإمدادات الأساسية أو تعريض المؤسسات العامة لانهيار مفاجئ. كما أتاح للدولة الاحتفاظ بالسيطرة على السلع والقطاعات الاستراتيجية، في الوقت الذي بدأت فيه الأسعار تؤدي دورًا متزايدًا في نقل المعلومات وتوجيه بعض القرارات الإنتاجية.<br />
غير أن ازدواجية الأسعار أوجدت تناقضات جديدة. فقد أصبح من الممكن شراء بعض المواد بالسعر الإداري المنخفض ثم إعادة بيعها بالسعر السوقي المرتفع، وهو ما فتح مجالًا للمضاربة والاستفادة من النفوذ الإداري. كما أدى منح المؤسسات استقلالًا أكبر إلى تغيير العلاقة بينها وبين الدولة والعمال؛ إذ أصبحت الربحية تدخل تدريجيًا في تقويم أدائها، إلى جانب أهداف الخطة والإنتاج.<br />
ويكشف ذلك أن الإصلاح لم يقتصر على تحسين التقنيات الإدارية، بل بدأ يغيّر معايير عمل المؤسسات. فمع توسع الإنتاج من أجل السوق، أصبح القرار الاقتصادي يتأثر بصورة متزايدة بالأسعار والتكاليف والطلب والربح، مع استمرار تدخل الدولة في الائتمان والاستثمار وتعيين الإدارات وتحديد الاتجاهات الاستراتيجية.</p>
<h3><strong>4. الانفتاح والمناطق الاقتصادية الخاص</strong><strong>ة</strong></h3>
<p>شكّل الانفتاح على الخارج الجانب الآخر من عملية الإصلاح. ففي 26 آب/أغسطس 1980 تقرر إنشاء أربع مناطق اقتصادية خاصة هي: شنتشن وتشوهاي وشانتو في مقاطعة قوانغدونغ، وشيامن في مقاطعة فوجيان، ثم أصبحت هاينان سنة 1988 منطقة اقتصادية خاصة واسعة النطاق.<strong>(32)<br />
</strong>وفّرت هذه المناطق شروطًا أكثر مرونة لجذب الاستثمار الأجنبي، وإقامة المشروعات المشتركة، واستيراد التكنولوجيا، وإنتاج السلع الموجّهة إلى التصدير. ولم يكن اختيارها في المناطق الساحلية والمجاورة لهونغ كونغ وماكاو وتايوان أمرًا عارضًا؛ فقد سمح بالاستفادة من رؤوس الأموال والخبرات وشبكات التجارة الموجودة خارج البر الصيني.<br />
وأدت المناطق الاقتصادية الخاصة وظيفة المختبرات المؤسسية. فقد جُرّبت فيها قوانين وإجراءات وأساليب إدارة لم تكن مطبقة في بقية البلاد، ثم نُقلت بعض التجارب إلى مدن ومناطق أخرى. وبهذا لم يكن الانفتاح تحريرًا شاملًا وفوريًا للتجارة وحركة رأس المال، وإنما عملية تديرها الدولة من خلال بوابات جغرافية وقانونية محددة.<br />
أسهمت هذه السياسة في إدماج الاقتصاد الصيني تدريجيًا في تقسيم العمل العالمي، وزيادة الصادرات، ونقل بعض التقنيات والخبرات الإدارية. لكنها عززت، في الوقت نفسه، التفاوت بين المناطق الساحلية التي جذبت الاستثمار والمناطق الداخلية التي كانت أقل ارتباطًا بالأسواق الخارجية. كما أدى اتساع الصناعات التصديرية إلى نمو العمل المأجور وانتقال أعداد كبيرة من العمال الريفيين إلى المدن الساحلية، من دون حصولهم دائمًا على الحقوق الاجتماعية نفسها التي يتمتع بها السكان الحضريون المسجلون.</p>
<h3><strong>5. إقرار مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي»</strong></h3>
<p>أثار توسع آليات السوق نقاشًا داخل الحزب حول العلاقة بين التخطيط والاشتراكية من جهة، والسوق والرأسمالية من جهة أخرى. ففي المراحل الأولى وُصفت السوق بأنها أداة مساعدة للخطة، ثم طُرحت صيغ تجمع بين «الاقتصاد السلعي المخطط» وتنظيم السوق. لكن التحول الحاسم وقع سنة 1992، عندما قرر المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب أن هدف إصلاح النظام الاقتصادي هو إقامة «نظام اقتصاد السوق الاشتراكي». وفي سنة 1993 أقرت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الرابعة عشرة قرارًا يتعلق بإقامة هذا النظام.<strong>(33)<br />
</strong>استند هذا التحول النظري إلى التمييز بين النظام الاجتماعي وبين آلية تخصيص الموارد. فالسوق، وفق هذا التصور، ليست حكرًا على الرأسمالية، كما أن التخطيط ليس السمة الوحيدة التي تحدد الاشتراكية؛ إذ يمكن استخدام آليات السوق في إطار نظام يحافظ على قيادة الحزب والدور الرئيس للملكية العامة وتوجيه الدولة للاقتصاد.<br />
لكن إقرار «اقتصاد السوق الاشتراكي» لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات. فقد منح توسع العلاقات السلعية والربحية والمنافسة والملكية غير العامة شرعية مؤسسية أوسع. وفي المقابل، لم تتخلَّ الدولة عن المصارف والأرض والصناعات الأساسية والتجارة الخارجية دفعة واحدة، بل احتفظت بأدوات تمكّنها من توجيه الاستثمار والائتمان وتحديد الأولويات التنموية.<br />
وهكذا تشكّل نموذج مركب لا تقوم فيه الخطة مقام السوق ولا تحل السوق فيه محل الدولة بالكامل. فقد أصبحت السوق تؤدي دورًا متزايدًا في تخصيص الموارد وتحديد الأسعار، بينما استمرت الدولة في توجيه الاقتصاد الكلي والسيطرة على القطاعات الاستراتيجية. ومنذ إقرار هذا المفهوم سنة 1992، دخل الإصلاح مرحلة جديدة اتسمت بإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، واتساع القطاع الخاص، وتعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي.</p>
<h2><strong>ثالثًا: ترسيخ اقتصاد السوق الاشتراكي وإعادة هيكلة القطاع العام (1992–2001)</strong></h2>
<h3><strong>1. الانتقال من التجريب الاقتصادي إلى البناء المؤسسي</strong></h3>
<p>مثّل الإقرار الرسمي لمفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» عام 1992 نقطة تحوّل في مسار الإصلاح الصيني. فمنذ ذلك التاريخ لم يعد استخدام آليات السوق يُقدَّم بوصفه إجراءً مؤقتًا أو استثناءً محدودًا داخل الاقتصاد المخطط، بل أصبح جزءًا من الإطار المؤسسي للنظام الاقتصادي. وبذلك انتقل مركز الثقل من توسيع هامش السوق داخل الخطة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين التخطيط والسوق.<br />
وشملت هذه العملية منح المنشآت الاقتصادية قدرًا أكبر من الاستقلال الإداري والمحاسبي، والفصل النسبي بين ملكية الدولة وإدارة الشركات، وإخضاع المؤسسات لمعايير الكفاءة والربحية والمنافسة. ولم يعنِ ذلك إلغاء دور الدولة، بل إعادة صياغته؛ إذ تراجعت الإدارة المباشرة للتفاصيل الإنتاجية، في مقابل تعزيز التوجيه الاقتصادي الكلي والرقابة على القطاعات الأساسية. <strong>(34)<br />
</strong>ومن ثم، لم يكن الانتقال الصيني من التخطيط إلى السوق انتقالًا بين نظامين منفصلين بصورة حادة، بل عملية تدريجية أعيد خلالها تركيب وظائف الدولة والسوق. فقد توسعت المنافسة وآليات الأسعار، بينما ظلت الدولة تحتفظ بقدرتها على تحديد الأولويات العامة وتوجيه الاستثمار والتحكم في القطاعات الاستراتيجية.</p>
<h3><strong>2. إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة</strong></h3>
<p>مع اتساع الاقتصاد السوقي، برزت مشكلة الشركات الحكومية التي كان عدد منها يعاني الخسائر وتراكم الديون وانخفاض الإنتاجية. كما كانت هذه الشركات تؤدي وظائف اجتماعية وتشغيلية، الأمر الذي جعل إصلاحها أكثر تعقيدًا من مجرد تقويم أرباحها وخسائرها.<br />
اتجهت الحكومة في البداية إلى منح الشركات قدرًا أكبر من الاستقلال في الإدارة والتسويق واستخدام الأرباح. غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمعالجة مشكلات المؤسسات الأقل كفاءة؛ لذلك دخل إصلاح القطاع العام مرحلة أكثر عمقًا خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين.<br />
وفي عام 1997 تبنّت القيادة الصينية سياسة عُرفت باسم «الحفاظ على الكبير وترك الصغير». وقامت هذه السياسة على الاحتفاظ بملكية الدولة الكاملة أو بحصص مسيطرة في الشركات الكبرى العاملة في القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والاتصالات والنفط والنقل والصناعات الدفاعية، مع تخفيف سيطرة الدولة على عدد من الشركات الصغيرة والمتوسطة، والسماح بتغيير هياكل ملكيتها أو دمجها أو تحويلها إلى شركات مساهمة. <strong>(35)<br />
</strong>ولا يصحّ، لذلك، تفسير هذه المرحلة باعتبارها انسحابًا شاملًا للدولة من النشاط الاقتصادي. فقد انخفض عدد الشركات المملوكة بالكامل للدولة، لكن الملكية العامة أصبحت أكثر تركّزًا في المنشآت الكبرى والقطاعات التي عُدّت ضرورية للأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. وهكذا اقترنت إعادة الهيكلة بتقليص الوجود المباشر للدولة في بعض الأنشطة التنافسية، مع تعزيز سيطرتها في المواقع المؤثرة في مجمل الاقتصاد.</p>
<h3><strong>3. الآثار الاجتماعية لإعادة الهيكلة</strong></h3>
<p>ترتبت على إعادة هيكلة الشركات الحكومية نتائج اجتماعية واسعة. فقد أدّى إخضاع المؤسسات لمعايير الربحية والمنافسة إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين، ولا سيما في الشركات الخاسرة أو التي خضعت للدمج والإغلاق وتغيير الملكية. وتشير بعض التقديرات إلى تسريح نحو 3.5 ملايين عامل خلال عام 1998 وحده، مع استمرار فقدان الوظائف في عدد من المؤسسات الحكومية خلال السنوات التالية. <strong>(36)<br />
</strong>ومع أن توسع القطاع الخاص والمؤسسات الجماعية والمشروعات الجديدة أسهم في استيعاب قسم من العمالة الفائضة، فإن الانتقال لم يكن خاليًا من التكاليف الاجتماعية. فقد تراجعت ضمانة العمل الدائم المرتبطة بالمؤسسة الحكومية، واتسع العمل القائم على العقود، وأصبح العامل أكثر ارتباطًا بتقلبات سوق العمل.<br />
وبذلك كشفت إعادة الهيكلة عن أحد التناقضات الأساسية في مسار الإصلاح: فمن جهة، أسهمت في رفع الكفاءة الاقتصادية والتخلص من جانب من الأعباء المالية التي تحملتها الدولة؛ ومن جهة أخرى، أضعفت بعض أشكال الأمان الوظيفي والاجتماعي التي ميّزت المرحلة السابقة. ولهذا لا يمكن تقويم الإصلاح بالاستناد إلى مؤشرات الإنتاج والنمو وحدها، بل ينبغي النظر أيضًا في آثاره على علاقات العمل وتوزيع الدخل ومستوى الحماية الاجتماعية.</p>
<h3><strong>4. تثبيت المكانة القانونية للاقتصاد الخاص</strong></h3>
<p>رافق إعادة هيكلة القطاع العام توسعٌ متسارع في النشاط الخاص، ولا سيما في الصناعة الخفيفة والتجارة والخدمات والإنتاج الموجّه نحو التصدير. وقد انتقل الاقتصاد الخاص تدريجيًا من موقع النشاط المسموح به ضمن حدود ضيقة إلى موقع معترف به قانونيًا داخل اقتصاد السوق الاشتراكي.<br />
وجاء تعديل الدستور الصيني عام 1999 ضمن سلسلة تعديلات أُجريت بين عامي 1988 و1999، وشملت تعزيز الوضع القانوني للاقتصاد الخاص، وإحلال مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» محل التعبيرات السابقة المرتبطة بالاقتصاد المخطط. <strong>(37)<br />
</strong>غير أن الاعتراف المتزايد بالقطاع الخاص لم يؤدِّ إلى مساواته الكاملة بالقطاع العام من حيث الموقع السياسي والاستراتيجي. فقد ظل القطاع العام يُقدَّم أساسًا اقتصاديًا للنظام الاشتراكي، بينما عُدّ القطاع الخاص مكوّنًا مشاركًا في التنمية والنمو والتشغيل. ونتج من ذلك تكوين بنية ملكية متعددة الأشكال، تضم ملكية الدولة والملكية الجماعية والملكية الخاصة ورأس المال الأجنبي، وتعمل جميعها داخل إطار سياسي تحدده الدولة ويقوده الحزب الشيوعي الصيني.</p>
<h3><strong>5. الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية</strong></h3>
<p>شكّل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية الحلقة الأخيرة في هذه المرحلة. فقد وقّعت الصين بروتوكول الانضمام في الدوحة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، ودخل البروتوكول حيز التنفيذ في 11 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه. <strong>(38)<br />
</strong>فرضت العضوية على الصين توسيع انفتاحها التجاري، وخفض جانب من القيود الجمركية، وزيادة قدرة الشركات الأجنبية على دخول السوق المحلية، ومواءمة عدد من القوانين الاقتصادية مع قواعد التجارة الدولية. وفي المقابل، وفّرت للصناعات الصينية وصولًا أوسع إلى الأسواق الخارجية، وشجعت تدفق الاستثمار والتكنولوجيا ورؤوس الأموال.<br />
ولم يكن الاندماج في الاقتصاد العالمي منفصلًا عن إعادة هيكلة القطاع العام؛ إذ سعت القيادة الصينية إلى تقوية الشركات الكبرى وإعدادها للمنافسة الدولية قبل تعريضها بصورة أوسع لضغوط السوق العالمية. وبذلك دخل النموذج الصيني، ابتداءً من عام 2001، مرحلة جديدة اتسمت بتسارع التصنيع والصادرات، وتعاظم الاندماج في الاقتصاد العالمي، مع استمرار الدولة في توجيه القطاعات الاستراتيجية.</p>
<h2><strong>رابعًا: الاندماج في الاقتصاد العالمي والتحول نحو تنمية أكثر توازنًا (2001–2012)</strong></h2>
<h3><strong>1. الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتسارع التصنيع التصديري</strong></h3>
<p>فتح انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001 مرحلة جديدة في تطور النموذج الاقتصادي. فقد حصلت المنتجات الصينية على وصول أكثر استقرارًا إلى الأسواق الدولية، وفي المقابل التزمت الصين بخفض عدد من الحواجز الجمركية، وتوسيع الوصول إلى سوقها، وتعديل القوانين المنظمة للتجارة والاستثمار.<br />
غير أن الانضمام إلى المنظمة لم يكن نقطة البداية في التصنيع الصيني، بل جاء بعد أكثر من عقدين من بناء المناطق الاقتصادية الخاصة والبنية التحتية وتطوير الشركات المحلية واستقطاب الاستثمار الأجنبي. ولذلك تمكّنت الصين من الاستفادة من الانفتاح بدرجة أكبر من الاقتصادات التي حررت تجارتها قبل تكوين قاعدة إنتاجية وطنية.<br />
وخلال هذه المرحلة اتسعت الصناعات الموجهة نحو التصدير، وتدفقت الاستثمارات الأجنبية إلى المناطق الساحلية، وازدادت مشاركة الصين في سلاسل الإنتاج العالمية. وأسهمت العمالة القادمة من الريف، وشبكات النقل والموانئ والطاقة التي أنشأتها الدولة، وتراكم خبرة الشركات المحلية، في تحويل البلاد إلى مركز رئيسي للإنتاج والتجارة الدوليين. <strong>(39)<br />
</strong>ولم يقتصر أثر الانفتاح على زيادة حجم الصادرات؛ إذ أدى كذلك إلى نقل تقنيات وأساليب جديدة في الإدارة والإنتاج، وإلى تكوين شبكات من الموردين المحليين المرتبطين بالشركات الأجنبية. لكن درجة الاستفادة لم تكن متساوية بين القطاعات؛ فقد بقيت بعض الصناعات معتمدة على المكونات والتكنولوجيا الخارجية، بينما استطاعت صناعات أخرى زيادة المحتوى المحلي وتطوير قدراتها الإنتاجية والتقنية.</p>
<h3><strong>2. استمرار دور الدولة في ظل الانفتاح</strong></h3>
<p>لم يؤدِّ الاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي إلى اختفاء دور الدولة. فقد احتفظت الحكومة بسيطرتها على المصارف الكبرى والأرض والطاقة والاتصالات والنقل والشركات الاستراتيجية، واستخدمت هذه الأدوات لتوجيه الاستثمار وتوسيع البنية التحتية ودعم القطاعات الصناعية المستهدفة.<br />
وفي الوقت نفسه، اتسع نشاط الشركات الخاصة والأجنبية في الصناعات التحويلية والتجارة والخدمات. ونتج من ذلك تقسيم مؤسسي للعمل: تركزت الشركات العامة بدرجة أكبر في القطاعات الأساسية وكثيفة رأس المال، بينما توسعت الشركات الخاصة والأجنبية في القطاعات التنافسية والموجهة إلى السوق والتصدير.<br />
ومن ثم لم تكن الصين مجرد سوق مفتوحة أمام رأس المال الدولي؛ فقد جمعت بين الاستفادة من الاستثمار الأجنبي والأسواق الخارجية وبين المحافظة على مؤسسات مالية وإنتاجية عامة أتاحت للدولة التأثير في اتجاه التنمية. إلا أن هذا الجمع لم يُلغِ ضغوط المنافسة والربحية، بل أدخلها بصورة أعمق في عمل الشركات العامة والخاصة على السواء.</p>
<h3><strong>3. مفهوم التنمية العلمية ومحاولة تصحيح الاختلالات</strong></h3>
<p>أدى النمو السريع إلى ظهور مشكلات تتعلق باتساع الفوارق بين الأقاليم، وبين الريف والمدن، وتزايد الضغوط البيئية، وعدم تساوي الفئات الاجتماعية في الاستفادة من ثمار التنمية. وفي مواجهة هذه الاختلالات، طرحت القيادة الصينية، بعد المؤتمر الوطني السادس عشر للحزب سنة 2002، «مفهوم التنمية العلمية».<br />
ركز هذا المفهوم على وضع الإنسان في مركز التنمية، وتحقيق التناسق بين الاقتصاد والمجتمع، وبين الريف والمدن، وبين المناطق الساحلية والداخلية، إلى جانب المحافظة على الموارد والبيئة. وكان ذلك تعبيرًا عن إدراك رسمي بأن استمرار النمو الكمي وحده لا يكفي لضمان استدامة التنمية أو عدالة توزيع نتائجها. <strong>(40)<br />
</strong>وترجمت الدولة هذا التوجه إلى عدد من السياسات الاجتماعية، من بينها إلغاء الضرائب الزراعية، وتوسيع التعليم الإلزامي والرعاية الصحية الريفية والتأمينات الاجتماعية، وزيادة الاهتمام بتنمية المناطق الوسطى والغربية. <strong>(41)<br />
</strong>ومع ذلك، لم تُنهِ هذه السياسات الفوارق التي نشأت خلال مرحلة التصنيع السريع. فقد بقيت المناطق الساحلية أكثر تقدمًا، واستمر نظام تسجيل الأسر «هوكو» في التأثير في قدرة العمال المهاجرين على الحصول على الخدمات العامة في المدن، كما ظلت حصة الأسر من الدخل والاستهلاك أقل من الوزن الكبير الذي احتله الاستثمار في بنية النمو.</p>
<h3><strong>4. الأزمة المالية العالمية وحزمة التحفيز</strong></h3>
<p>كشفت الأزمة المالية العالمية سنة 2008 مقدار ارتباط النمو الصيني بالطلب الخارجي. فقد أدى انكماش الأسواق في الدول الصناعية إلى تراجع الصادرات وإغلاق بعض المصانع، ولا سيما في المناطق الساحلية، وهدد بفقدان أعداد كبيرة من العمال وظائفهم.<br />
استجابت الحكومة بإطلاق حزمة تحفيز بلغت قيمتها أربعة تريليونات يوان، ووجهت قسمًا كبيرًا منها إلى مشروعات البنية التحتية والإسكان والنقل وإعادة الإعمار. كما توسع الإقراض المصرفي، وأدت الشركات الحكومية والحكومات المحلية دورًا رئيسيًا في تنفيذ المشروعات. وساعدت هذه الإجراءات على منع هبوط اقتصادي حاد والمحافظة على التشغيل والنشاط الصناعي.<br />
لكن الاستجابة عززت، في الوقت نفسه، اعتماد النمو على الاستثمار والائتمان. فقد توسع اقتراض الحكومات المحلية والشركات، وزاد تدفق الأموال إلى العقارات والبنية التحتية، وظهرت مخاوف من تكوّن فقاعات ائتمانية وعقارية. <strong>(42)<br />
</strong>وتكشف تجربة الأزمة عن الطبيعة المزدوجة لقوة الدولة الاقتصادية. فقد مكّنتها السيطرة على المصارف والشركات العامة من تعبئة الموارد بسرعة ومواجهة الصدمة الخارجية، لكنها أتاحت أيضًا توسيع الائتمان والاستثمار بدرجة أوجدت التزامات ومخاطر طويلة الأمد. ولذلك لا يكفي تقويم حزمة التحفيز بقدرتها على استعادة النمو الفوري، بل ينبغي النظر كذلك في نوعية المشروعات التي موّلتها والديون والاختلالات التي ترتبت عليها.</p>
<h3><strong>5. الانتقال إلى مرحلة جديدة</strong></h3>
<p>بحلول سنة 2012 كانت الصين قد أصبحت قوة صناعية وتجارية كبرى، لكن نموذج النمو القائم على الاستثمار المرتفع والصادرات ووفرة قوة العمل بدأ يواجه حدودًا جديدة. فقد ارتفعت الأجور، واتسع الاقتصاد الخاص، وتراكمت الديون، وبرزت مشكلات العقارات والبيئة والتفاوت وضعف الاستهلاك الأسري.<br />
وهكذا انتقل النموذج الصيني بعد سنة 2012 من التركيز الأساسي على سرعة النمو والتوسع الكمي إلى البحث عن «تنمية عالية الجودة» تقوم على الابتكار والتكنولوجيا والسوق الداخلية وتحسين البيئة والمعيشة. غير أن هذا التحول لم يعنِ التخلي عن النموذج السابق دفعة واحدة، بل محاولة إعادة تنظيمه ومعالجة التناقضات التي تراكمت خلال مرحلة التصنيع والانفتاح السريعين.</p>
<h2><strong>خامسًا: إعادة توجيه النموذج نحو التنمية العالية الجودة (منذ 2012)</strong></h2>
<h3><strong>1. تعميق الإصلاح وإعادة تنظيم العلاقة بين السوق والدولة</strong></h3>
<p>مع انتقال القيادة إلى شي جين بينغ سنة 2012، دخل تطور النموذج الاقتصادي الصيني مرحلة جديدة. ولم تقم هذه المرحلة على إلغاء السياسات السوقية التي اتُّبعت منذ عام 1978، بل على إعادة تنظيمها في ضوء الاختلالات التي تراكمت خلال العقود السابقة، ومنها الاعتماد المرتفع على الاستثمار والصادرات، واتساع التفاوت الاجتماعي والإقليمي، وتنامي الديون، وظهور مشكلات العقارات والبيئة.</p>
<p>وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وضعت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني برنامجًا لتعميق الإصلاح على نحو شامل. وتضمنت الصيغة الجديدة منح السوق «دورًا حاسمًا» في تخصيص الموارد، بدل وصف دوره بأنه «أساسي»، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة إظهار دور الحكومة بصورة أفضل. <strong>(43)</strong></p>
<p>ولا يعني منح السوق دورًا حاسمًا انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي أو تحوّل الصين إلى اقتصاد سوق حر بالمعنى الليبرالي. فقد استمرت الدولة في توجيه المسار العام للتنمية من خلال التخطيط الاقتصادي، والسياسات المالية والنقدية، والسيطرة على المصارف الكبرى والأرض والشركات العاملة في القطاعات الاستراتيجية. وفي المقابل، اتُّسع نطاق المنافسة والاستثمار الخاص وآليات الأسعار في عدد كبير من القطاعات الإنتاجية والخدمية.</p>
<p>وعبّرت هذه الصيغة عن محاولة الجمع بين آليتين مختلفتين: استخدام السوق لرفع الكفاءة وتحفيز المنافسة والابتكار، واستخدام الدولة لضبط الاتجاه العام للاستثمار وحماية القطاعات الاستراتيجية ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك لم تعد المسألة تتعلق بالمفاضلة المجردة بين التخطيط والسوق، بل بكيفية تحديد المجال الذي تعمل فيه كل آلية والسلطة التي تضع الأهداف النهائية للتنمية.</p>
<p>غير أن هذا الجمع ظل يحمل تناقضًا بنيويًا. فتوسّع السوق يتيح تراكم رأس المال الخاص ويزيد تأثير اعتبارات الربح والمنافسة، في حين تسعى الدولة والحزب إلى إبقاء هذا التراكم خاضعًا للأهداف السياسية والتنموية العامة. ومن ثم يمكن النظر إلى مرحلة ما بعد عام 2012 بوصفها إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة والسوق ورأس المال، لا عودةً كاملة إلى الاقتصاد المخطط ولا استمرارًا خطيًا في التحرير الاقتصادي.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>2. الانتقال من النمو السريع إلى التنمية العالية الجودة</strong></h3>
<p>جاءت الدعوة إلى «التنمية العالية الجودة» استجابةً للتحولات التي شهدها الاقتصاد الصيني بعد عقود من النمو المتسارع. فقد أصبح استمرار التوسع بالاعتماد على الاستثمار الكثيف، والصادرات، والعمالة منخفضة التكلفة، واستهلاك الطاقة والموارد، أكثر صعوبة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية. كما ظهرت الحاجة إلى معالجة ضعف الاستهلاك الأسري، وتفاوت التنمية بين الأقاليم، والضغوط البيئية، وتراجع العائد المتحقق من بعض الاستثمارات.</p>
<p>وفي تقرير المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني سنة 2017، أُعلن أن الاقتصاد الصيني انتقل من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة التنمية العالية الجودة. ودعا التقرير إلى وضع الجودة في المقام الأول، ومنح الأولوية للكفاءة، وتحويل نمط التنمية، وتحسين الهيكل الاقتصادي، وتغيير القوى المحركة للنمو، مع اتخاذ الإصلاح الهيكلي لجانب العرض خطًا رئيسيًا للسياسة الاقتصادية. <strong>(44)</strong></p>
<p>ولا يعني هذا الانتقال التخلي عن النمو الاقتصادي، بل تغيير المعايير المستخدمة في تقويمه. فبدل التركيز على معدل زيادة الناتج والاستثمار وحدهما، أصبحت الأولوية المعلنة تشمل نوعية الإنتاج، ورفع الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين البيئة، وزيادة قدرة الاقتصاد على تلبية الحاجات الاجتماعية. وبذلك أصبح السؤال لا يتعلق بحجم النمو فقط، وإنما بمصادره وآثاره وطريقة توزيع ثماره.</p>
<p>ويكشف هذا التحول عن إدراك رسمي بأن النمو الكمي يمكن أن يولّد تناقضات تحدّ من استمراره إذا لم يقترن بتغيير بنية الاقتصاد. غير أن الانتقال إلى التنمية العالية الجودة يواجه صعوبة أساسية تتمثل في استمرار اعتماد الحكومات المحلية والشركات على الاستثمار والائتمان والعقارات بوصفها مصادر سريعة للنمو والإيرادات. ولذلك نشأ توتر بين هدف إعادة هيكلة النمو وبين المصالح والمؤسسات التي تكوّنت خلال المرحلة السابقة واستفادت من استمرار التوسع الاستثماري.</p>
<h3><strong>3. الإصلاح الهيكلي لجانب العرض</strong></h3>
<p>مثّل «الإصلاح الهيكلي لجانب العرض» إحدى الأدوات الأساسية للانتقال إلى التنمية العالية الجودة. ولم يُطرح هذا الإصلاح في الصين بوصفه دعوةً إلى تقليص الدولة وتحرير الأسواق على النحو المرتبط ببعض السياسات الليبرالية، بل بوصفه عملية لإعادة تنظيم بنية الإنتاج ومعالجة الاختلالات الناجمة عن التوسع الاستثماري والائتماني السريع.</p>
<p>تركزت السياسة على تقليص الطاقات الإنتاجية الفائضة، وخفض المخزون العقاري غير المباع، والحد من المديونية والمخاطر المالية، وتقليل تكاليف الشركات، ومعالجة نقاط الضعف في الاقتصاد. وفي سنة 2017 أعلنت الحكومة خططًا لخفض القدرة الإنتاجية في قطاع الصلب بنحو خمسين مليون طن، وفي قطاع الفحم بأكثر من مئة وخمسين مليون طن، إلى جانب تقليص مخزون المساكن غير المباعة، ومكافحة المضاربة العقارية، ودعم الاقتصاد الحقيقي والصناعات الناشئة والتحديث التقني للصناعات التقليدية. <strong>(45)</strong></p>
<p>وترجع مشكلة فائض الطاقة الإنتاجية إلى أن الحكومات المحلية والشركات العامة والخاصة وسّعت استثماراتها خلال مرحلة النمو السريع، مستفيدةً من سهولة الائتمان وارتفاع الطلب المحلي والخارجي. وعندما تباطأ الطلب، ظهرت طاقات إنتاجية لا تستطيع السوق استيعابها، ولا سيما في قطاعات الصلب والفحم والإسمنت والبناء والعقارات.</p>
<p>ولذلك لم يكن تقليص هذه الطاقات قرارًا تقنيًا محايدًا؛ إذ ارتبط بإغلاق بعض المنشآت أو دمجها، وإعادة هيكلة الشركات، ونقل العمال أو الاستغناء عن قسم منهم. وقد يرفع ذلك كفاءة استخدام الموارد ويحدّ من الخسائر والديون، لكنه يفرض في الوقت نفسه تكاليف اجتماعية على العمال والمدن والمناطق التي تعتمد على الصناعات التقليدية. ومن هنا تتوقف النتائج الاجتماعية للإصلاح على قدرة الدولة على توفير فرص عمل بديلة، وإعادة تدريب العاملين، وحماية دخول الأسر المتضررة.</p>
<p>ويكشف الإصلاح الهيكلي لجانب العرض عن استمرار الدور المباشر للدولة في تشكيل السوق. فالدولة لم تكتفِ بانتظار خروج الشركات الأقل كفاءة بفعل المنافسة، بل تدخلت لتحديد القطاعات التي ينبغي تقليصها، والقطاعات الجديدة التي تستحق الدعم، والاتجاه التكنولوجي المطلوب للصناعة. وبذلك اقترن استخدام آليات السوق بتوجيه إداري واستثماري يهدف إلى إعادة توزيع الموارد بين القطاعات، لا إلى ترك حركتها لقوى السوق وحدها.</p>
<p>ومع ذلك، ظل نجاح هذه السياسة مرتبطًا بمعالجة الأسباب المؤسسية التي أعادت إنتاج الاختلالات، ومنها اعتماد الحكومات المحلية على العقارات وبيع حقوق استخدام الأرض، واعتماد الشركات على الائتمان المصرفي، وارتباط تقويم المسؤولين المحليين بمعدلات الاستثمار والنمو. فإذا استمرت هذه الحوافز، فقد يؤدي تقليص الطاقات الفائضة في قطاع إلى انتقال الاستثمار المفرط والديون إلى قطاع آخر.</p>
<h3><strong>4. الابتكار والتحديث الصناعي والتكنولوجي</strong></h3>
<p>ارتبط الانتقال إلى التنمية العالية الجودة بمحاولة تغيير القوة المحركة للنمو. فبعد أن اعتمدت الصين خلال المراحل السابقة على وفرة العمالة والاستثمار في البنية التحتية والتوسع في الصناعات الموجهة نحو التصدير، أصبح رفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة المحلية عناصر أساسية في استمرار النمو.</p>
<p>وفي هذا السياق، توسع دور الدولة في تمويل البحث العلمي، وبناء البنية التحتية الرقمية، ودعم الصناعات الاستراتيجية، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالمؤسسات الإنتاجية. كما أُعطيت الأولوية لتطوير التصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي، ولرفع قدرة الشركات الصينية على إنتاج التقنيات والمكونات الأساسية بدل الاعتماد المستمر على استيرادها.</p>
<p>وأكد المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني سنة 2022 ضرورة تحسين منظومة الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتسريع تنفيذ استراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار، وتعزيز الاعتماد على النفس وتقوية الذات في مجال العلوم والتكنولوجيا، إلى جانب بناء دولة قوية في مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا والكفاءات. <strong>(46)</strong></p>
<p>ولا تقوم استراتيجية الابتكار الصينية على الدولة أو السوق بصورة منفردة، بل على توزيع للأدوار بينهما. فالدولة تحدد القطاعات ذات الأولوية، وتوفر التمويل طويل الأمد والبنية التحتية والطلب الحكومي، بينما تتنافس الشركات العامة والخاصة على تطوير المنتجات وتوسيع الأسواق. وقد سمح هذا الجمع بتوجيه الموارد نحو مشروعات قد لا يموّلها رأس المال الخاص منفردًا بسبب ارتفاع تكلفتها وطول مدة استردادها.</p>
<p>وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد المنافسة التكنولوجية الدولية إلى زيادة أهمية السيطرة الوطنية على التقنيات الأساسية وسلاسل التوريد. ولذلك لم يعد الابتكار يُعامل بوصفه وسيلةً لرفع الإنتاجية فقط، بل أصبح مرتبطًا بالأمن الاقتصادي والقدرة على تقليل الاعتماد على الخارج في المجالات التي تعدّها الدولة استراتيجية.</p>
<p>غير أن التوجيه الحكومي للابتكار لا يضمن وحده الاستخدام الكفء للموارد؛ فقد يؤدي تعدد البرامج المحلية والتنافس على الدعم إلى تكرار الاستثمارات أو توجيه الائتمان إلى مشروعات لا تستند إلى طلب فعلي. كما أن التقدم التكنولوجي قد يرفع الإنتاجية، لكنه لا يحدد تلقائيًا طريقة توزيع مكاسبه بين الدولة والشركات والعاملين. ومن ثم يتوقف الأثر الاجتماعي للابتكار على علاقات الملكية والعمل، وعلى مدى تحويل ارتفاع الإنتاجية إلى زيادة في الأجور وتحسين الخدمات وتقليص وقت العمل، لا إلى توسيع الأرباح والتراكم وحدهما.</p>
<h3><strong>5. استراتيجية «التداول المزدوج» وتعزيز السوق الداخلية</strong></h3>
<p>ظهرت استراتيجية «التداول المزدوج» بصورة واضحة سنة 2020، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتصاعد النزاعات التجارية والتكنولوجية، واضطراب سلاسل التوريد خلال جائحة كوفيد-19. وكشفت هذه التطورات عن المخاطر التي يمكن أن تواجه اقتصادًا يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية واستيراد بعض التقنيات والمكونات الأساسية.</p>
<p>وتقوم الاستراتيجية على جعل الدورة الاقتصادية المحلية الدعامة الأساسية للنمو، مع استمرار الدورة الدولية وتفاعل السوقين المحلية والخارجية بصورة متبادلة. ولا تعني هذه الصيغة الانغلاق الاقتصادي أو الاستغناء عن التجارة والاستثمار الدوليين، بل تهدف إلى تقوية قدرة الاقتصاد الصيني على الاعتماد على سوقه الداخلية، مع المحافظة على اندماجه في الاقتصاد العالمي. وقد ارتبط تنفيذها ببناء سوق وطنية موحدة، وإزالة الحواجز والحمائية المحلية، وتسهيل انتقال السلع والعمالة والموارد بين الأقاليم. <strong>(47)</strong></p>
<p>ويستند تعزيز الدورة المحلية إلى الحجم الكبير للسوق الصينية وإلى اتساع الطبقات والفئات ذات الدخول المتوسطة. غير أن وجود عدد كبير من السكان لا يحوّل السوق تلقائيًا إلى قوة كافية لدفع النمو؛ إذ يتوقف حجم الطلب الفعلي على مستوى دخول الأسر، واستقرار العمل، وتكلفة السكن والتعليم والصحة، ومدى شمول نظام الحماية الاجتماعية.</p>
<p>ومن ثم، فإن نجاح استراتيجية التداول المزدوج يتطلب زيادة قدرة الأسر على الاستهلاك، لا مجرد زيادة السلع المعروضة في السوق. فحين تضطر الأسر إلى تخصيص نسبة مرتفعة من دخولها للسكن أو الادخار لمواجهة تكاليف المرض والتعليم والتقاعد، تبقى قدرتها الاستهلاكية محدودة، حتى لو ازداد حجم الإنتاج. ولهذا ترتبط تقوية السوق الداخلية بسياسات الأجور وتوزيع الدخل والخدمات العامة والضمان الاجتماعي.</p>
<p>كما يتطلب بناء دورة اقتصادية محلية أكثر كفاءة إزالة تجزئة السوق بين المقاطعات والمدن. فقد تسعى بعض الحكومات المحلية إلى حماية شركاتها أو وضع عوائق أمام السلع والشركات القادمة من أقاليم أخرى، مما يحدّ من حرية انتقال الموارد ويؤدي إلى تكرار المشروعات والطاقات الإنتاجية. ولذلك عُدّ بناء سوق وطنية موحدة وسيلةً لتحسين توزيع الموارد وتوسيع المنافسة والاستفادة من الحجم الكبير للاقتصاد الصيني.</p>
<p>أما الدورة الدولية، فتظل ضرورية للحصول على بعض الموارد والتقنيات، والوصول إلى الأسواق الخارجية، وجذب الاستثمار، والمشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية. إلا أن الاستراتيجية تسعى إلى تقليل قابلية الاقتصاد للتأثر بالصدمات الخارجية، ورفع موقع الشركات الصينية داخل سلاسل القيمة، بحيث تنتقل من التجميع والإنتاج منخفض القيمة المضافة إلى تطوير التكنولوجيا والتصميم والعلامات التجارية والمكونات الأساسية.</p>
<p>وتكشف استراتيجية التداول المزدوج عن تناقض بين هدفين مترابطين: تعزيز الاستقلال الاقتصادي من جهة، والاستمرار في الاستفادة من السوق العالمية من جهة أخرى. ولا يمكن حل هذا التناقض بالانغلاق، كما لا يمكن تجاهل المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على الخارج. لذلك تحاول الاستراتيجية إقامة توازن يجعل السوق الداخلية قاعدةً أكثر قوة، ويجعل الانفتاح الخارجي عنصرًا مكمّلًا للتنمية، لا مصدرًا وحيدًا لاستمرارها.</p>
<h3><strong>6. سياسة الرخاء المشترك وضبط توسع رأس المال</strong></h3>
<p>أدى النمو الاقتصادي السريع إلى تحسين مستويات المعيشة وانتشال أعداد كبيرة من السكان من الفقر، لكنه اقترن أيضًا باتساع الفوارق في الدخل والثروة، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية، وظهور مجموعات اقتصادية خاصة تمتلك موارد مالية وتكنولوجية كبيرة. وفي مواجهة هذه النتائج، أعادت القيادة الصينية إبراز مفهوم «الرخاء المشترك» بوصفه هدفًا للمرحلة الجديدة من التنمية.</p>
<p>وفي اجتماع اللجنة المركزية للشؤون المالية والاقتصادية في آب/أغسطس 2021، وُصف الرخاء المشترك بأنه مطلب أساسي للاشتراكية وسمة من سمات التحديث الصيني. وأكد الاجتماع أن المقصود ليس تمتع فئة محدودة بالثراء، بل توسيع استفادة السكان من التنمية بصورة تدريجية، من خلال زيادة دخول الفئات منخفضة الدخل، وتوسيع الفئات متوسطة الدخل، وتعديل الدخول المفرطة، ومنع الدخول غير المشروعة، وتحسين المساواة في الحصول على الخدمات العامة الأساسية. <strong>(48)</strong></p>
<p>ولا يعني الرخاء المشترك، وفق هذه الصيغة، فرض مساواة حسابية بين الدخول أو إلغاء الحوافز الاقتصادية، بل محاولة إعادة التوازن بين الكفاءة والعدالة. فالنمو يظل شرطًا لتوسيع الثروة الاجتماعية، لكن طريقة توزيع نتائج هذا النمو تصبح جزءًا من تقويمه. ومن ثم يرتبط تحقيق الرخاء المشترك بنظام الأجور والضرائب والتحويلات الاجتماعية، وبالإنفاق على التعليم والصحة والإسكان والتقاعد، لا بالتبرعات الخيرية وحدها.</p>
<p>وتكتسب مسألة التوزيع الأولي أهمية خاصة؛ لأن معالجة التفاوت بعد تحققه بواسطة الضرائب والمساعدات لا تعوّض دائمًا ضعف حصة العاملين من الدخل المتولد في عملية الإنتاج. فإذا لم تواكب الأجور ارتفاع الإنتاجية، وبقيت علاقات العمل غير متوازنة، فإن الاقتصاد يعيد إنتاج الفوارق حتى مع توسع برامج الحماية الاجتماعية. ولهذا يتطلب الرخاء المشترك النظر في توزيع الدخل بين العمل ورأس المال، وليس في توزيع الضرائب والإنفاق العام فقط.</p>
<p>واقترنت سياسة الرخاء المشترك بتشديد الرقابة على بعض صور تراكم رأس المال، ولا سيما الاحتكارات والمنافسة غير العادلة وإساءة استخدام الهيمنة السوقية واحتكار المنصات. وقد أكدت القيادة الصينية أن رأس المال يظل عاملًا مهمًا من عوامل الإنتاج في اقتصاد السوق الاشتراكي، وأن المطلوب ليس إلغاء دوره، بل تنظيمه وتوجيهه قانونيًا، مع تحسين قواعد دخول السوق ومكافحة الاحتكار ومنع توسعه غير المنضبط. <strong>(49)</strong></p>
<p>وتكشف هذه السياسة عن الموقف المزدوج للدولة تجاه رأس المال الخاص. فمن جهة، تحتاج إليه لتمويل الاستثمار والابتكار وتوفير فرص العمل وتنشيط المنافسة؛ ومن جهة أخرى، تخشى أن يؤدي تركزه إلى الاحتكار والتأثير في توزيع الموارد والبيانات والائتمان، أو إلى تكوين مراكز قوة اقتصادية يصعب إخضاعها للأهداف العامة للدولة.</p>
<p>ولهذا لا يمثّل ضبط رأس المال تخليًا عن اقتصاد السوق أو عودةً إلى إلغاء الملكية الخاصة، بل محاولةً لوضع حدود سياسية وقانونية لحركته. غير أن نجاح هذه المحاولة يتوقف على طبيعة التنظيم نفسه: هل يقتصر على منع التجاوزات والاحتكارات مع استمرار التركّز الاقتصادي، أم يؤدي إلى توسيع حقوق العاملين، وزيادة نصيبهم من الدخل، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الرقابة الاجتماعية على القرارات الاقتصادية؟</p>
<p>ومن منظور نقدي، لا يكفي إعلان الرخاء المشترك أو ضبط بعض الشركات الكبرى للحكم على حدوث تحول في علاقات التوزيع. فالمعيار الأهم يتمثل في التغير الفعلي في حصة الأجور من الدخل، ومستوى التفاوت في الثروة، وقوة الحماية الاجتماعية، وقدرة العمال على الدفاع عن مصالحهم، ومدى خضوع رأس المال الخاص والعام للمحاسبة الاجتماعية. وبذلك تمثّل سياسة الرخاء المشترك محاولةً لمعالجة النتائج الاجتماعية لتوسع السوق، لكنها تظل محكومة بالتناقض بين استمرار تراكم رأس المال والسعي إلى توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية.</p>
<h3><strong>7. دور الدولة والحزب في توجيه النموذج خلال المرحلة الجديدة</strong></h3>
<p>يكشف تطور النموذج الصيني بعد سنة 2012 أن توسيع استخدام آليات السوق لم يؤدِّ إلى تراجع القيادة السياسية للحزب أو إلى انسحاب الدولة من توجيه الاقتصاد. فقد ظل الحزب الشيوعي الصيني يحدد الاتجاهات الاستراتيجية العامة، بينما تتولى أجهزة الدولة تحويلها إلى خطط وسياسات مالية ونقدية وصناعية واجتماعية وأطر قانونية وتنظيمية.</p>
<p>ومن الضروري التمييز بين دور الحزب ودور الدولة، على الرغم من الترابط الوثيق بينهما. فالدولة تمتلك أدوات الإدارة والتنفيذ والرقابة، وتشرف على المصارف العامة والأصول والشركات المملوكة للدولة والسياسات الاقتصادية الكلية. أما الحزب فيحدد الأولويات السياسية والاستراتيجية، ويشرف على اختيار القيادات، ويتابع تنفيذ التوجهات العامة من خلال مؤسساته المركزية والمحلية ومنظماته الموجودة داخل المؤسسات الاقتصادية.</p>
<p>وينص دستور الحزب الشيوعي الصيني على أن تؤدي اللجان الحزبية في المؤسسات المملوكة للدولة دورًا قياديًا، وأن تستوعب الاتجاه العام وتضمن تنفيذ قرارات الحزب وتناقش القضايا المهمة في المؤسسة. كما ينص على أن تعمل منظمات الحزب في المؤسسات ذات الملكية غير العامة على تنفيذ سياساته، ومراقبة التزام المؤسسات بقوانين الدولة ولوائحها، ودفع تطورها المنظم. <strong>(50)</strong></p>
<p>ويعني ذلك أن إدارة الشركات المملوكة للدولة لا تخضع لمعايير السوق والربحية وحدها، بل ترتبط كذلك بالأهداف الصناعية والاجتماعية والأمنية التي تحددها القيادة السياسية. فقد تُكلَّف هذه الشركات بتنفيذ مشروعات طويلة الأجل، أو الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، أو المحافظة على الإمدادات والتشغيل خلال الأزمات، حتى حين لا تحقق هذه الأنشطة أعلى عائد تجاري في المدى القصير.</p>
<p>وفي المقابل، لا يعمل القطاع الخاص خارج هذا الإطار السياسي. فهو يتمتع بهامش واسع في الاستثمار والإنتاج والمنافسة، لكنه يخضع للقوانين والسياسات الصناعية والمالية، وللقواعد المتعلقة بالمنافسة والبيانات والعمل والأمن الوطني. وهكذا يجمع النموذج بين استقلال نسبي للشركات في اتخاذ القرارات الاقتصادية وبين استمرار قدرة الحزب والدولة على التدخل عندما ترى القيادة أن حركة السوق تتعارض مع الأولويات العامة.</p>
<p>وقد أتاح هذا التنظيم للدولة تعبئة الموارد بسرعة، وتوجيه الاستثمار إلى البنية التحتية والصناعات الاستراتيجية، ومواجهة الأزمات الاقتصادية، وتنفيذ سياسات تمتد نتائجها إلى مدى زمني طويل. لكنه يثير، في الوقت نفسه، مسألة التوازن بين التوجيه السياسي والكفاءة الاقتصادية؛ لأن توسع التدخل الإداري قد يضعف استقلال إدارة الشركات، أو يشجع توجيه الموارد وفق اعتبارات مؤسسية ومحلية لا تتفق دائمًا مع الحاجات الاجتماعية أو الكفاءة الإنتاجية.</p>
<p>كما أن قوة الدولة لا تساوي، في ذاتها، الملكية الاجتماعية أو الرقابة الشعبية على وسائل الإنتاج. فقد تكون الدولة قادرة على ضبط رأس المال وتوجيه الاستثمار، من دون أن يعني ذلك مشاركة العمال والمواطنين بصورة مباشرة في اتخاذ القرارات الاقتصادية. ولذلك ينبغي تقويم الطابع الاشتراكي للنموذج من خلال طبيعة الأهداف التي تستخدم من أجلها ملكية الدولة، وكيفية توزيع الفائض، ومستوى حقوق العاملين، وفاعلية الرقابة العامة والمحاسبة، لا بمجرد اتساع القطاع الحكومي أو قوة الجهاز الإداري.</p>
<p>وتتمثل إحدى الخصائص الأساسية للنموذج الصيني في أن السوق تعمل داخل إطار سياسي لا تديره بصورة مستقلة. غير أن هذا الإطار لا يلغي منطق المنافسة والربحية وتراكم رأس المال، بل يسعى إلى توجيهه وضبط نتائجه. ومن هنا ينشأ التناقض بين استخدام السوق لتطوير القوى المنتجة والمحافظة على قدرة الحزب والدولة على إخضاع حركتها للأهداف السياسية والاجتماعية المعلنة.</p>
<p>وبعد تتبع التطور التاريخي للنموذج الصيني من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، ينتقل الفصل التالي من سؤال نشأة هذا النموذج وتحولاته إلى تحليل بنيته المؤسسية المعاصرة، ولا سيما العلاقة بين الحزب والدولة والسوق، وتعدد أشكال الملكية، وموقع الشركات العامة والخاصة والمصارف في توجيه النشاط الاقتصادي.</p>
<p>________________</p>
<p><strong>(25)</strong> أحمد فاروق عباس، «التجربة التنموية في الصين: الواقع والتحديات»، <em>المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة</em>، جامعة عين شمس، كلية التجارة، العدد الثالث، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص550، DOI: <a href="https://doi.org/10.21608/jsec.2019.94567">10.21608/jsec.2019.94567</a>؛ وانظر كذلك: جمهورية الصين الشعبية، «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية»، أُقرّ في 28 حزيران/يونيو 1950، وأصدرته الحكومة الشعبية المركزية ودخل حيز التنفيذ في 30 حزيران/يونيو 1950، ولا سيما المادتين الأولى والثانية، <a href="https://www.sqlzw.gov.cn/sitesources/zmdjw/page_pc/ztzl/dsxxjyzl/dswx/articlef521a67ddc494a04bbd18b8556d2b960.html">النص</a> <a href="https://www.sqlzw.gov.cn/sitesources/zmdjw/page_pc/ztzl/dsxxjyzl/dswx/articlef521a67ddc494a04bbd18b8556d2b960.html">الصيني</a> <a href="https://www.sqlzw.gov.cn/sitesources/zmdjw/page_pc/ztzl/dsxxjyzl/dswx/articlef521a67ddc494a04bbd18b8556d2b960.html">الكامل</a>، و<a href="https://www.bannedthought.net/China/MaoEra/Rural/AgrarianReformLawOfPRC-1950.pdf">الترجمة</a> <a href="https://www.bannedthought.net/China/MaoEra/Rural/AgrarianReformLawOfPRC-1950.pdf">الإنجليزية</a> <a href="https://www.bannedthought.net/China/MaoEra/Rural/AgrarianReformLawOfPRC-1950.pdf">للقانون</a>؛ وللاطلاع على نسخة عربية إلكترونية معاد نشرها من دراسة أحمد فاروق عباس، انظر: <em>مجلة الشرارة</em>، العدد 167، حزيران/يونيو 2023، ابتداءً من ص10، <a href="https://iraqicp.com/images/alsherare/167.pdf">النسخة</a> <a href="https://iraqicp.com/images/alsherare/167.pdf">الإلكترونية</a>.<br />
<strong>(26)</strong> ماو تسي تونغ، <em>حول العلاقات العشر الرئيسية</em>، خطاب أُلقي أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في 25 نيسان/أبريل 1956، <a href="https://archive.org/details/mao-tse-tung_about-the-chief-ten-relations_ar/mode/2up">النسخة</a> <a href="https://archive.org/details/mao-tse-tung_about-the-chief-ten-relations_ar/mode/2up">العربية</a> <a href="https://archive.org/details/mao-tse-tung_about-the-chief-ten-relations_ar/mode/2up">الإلكترونية</a>.<br />
<strong>(27)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بالثورة الاشتراكية والبناء الاشتراكي، ولا سيما تقييم أخطاء «القفزة الكبرى إلى الأمام» وحركة الكومونات الشعبية، <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">شينخوا</a>.<br />
<strong>(28)</strong> المصدر نفسه، القسم المتعلق بـ«الثورة الثقافية»، حيث وصف القرار هذه المرحلة بأنها تسببت في اضطرابات داخلية استمرت عشر سنوات، وألحقت بالحزب والدولة والشعب أشد الخسائر والانتكاسات منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية.</p>
<p><strong>(29)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، الجزء الثالث المتعلق بالإصلاح والانفتاح وبناء التحديث الاشتراكي، <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">شينخوا</a>.<br />
<strong>(30)</strong> تشن ون شنغ، <em>تاريخ الإصلاح الزراعي في الصين: من توزيع الأراضي إلى استراتيجية تنموية صديقة للبيئة</em>، ترجمة هند المحلي سلطان، مراجعة وإشراف حسانين فهمي حسين، ط1، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2021، الفصول المتعلقة بالإصلاح الريفي ونظام المسؤولية الأسرية، <a href="https://archive.org/details/20220303_20220303_2052">النسخة</a> <a href="https://archive.org/details/20220303_20220303_2052">العربية</a> <a href="https://archive.org/details/20220303_20220303_2052">الإلكترونية</a>.<br />
<strong>(31)</strong> وي وي زانج، <em>الإصلاح الاقتصادي في الصين ودلالاته السياسية</em>، ط1، سلسلة «دراسات عالمية»، العدد 11، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1997، القسمان المتعلقان بمسار الإصلاح التدريجي.<br />
<strong>(32)</strong> حسن وانغ ماو هو، «40 عامًا من الإصلاح والانفتاح: الإنجازات والتحديات»، <em>الأهرام</em>، 6 كانون الأول/ديسمبر 2018، القسم المتعلق بإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة سنة 1980، <a href="https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsPrint/684457.aspx">النص</a> <a href="https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsPrint/684457.aspx">الكامل</a>.<br />
<strong>(33)</strong> ضياء محمود الدردساوي، «أثر برنامج التحديثات الأربعة على تطور مكانة الصين في النظام الدولي (1978–2020)»، <em>المجلة الدولية للبحوث العلمية</em>، المجلد 3، العدد 4، نيسان/أبريل 2024، ص 104، حيث يتناول إقرار المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب سنة 1992 هدف إقامة نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، وقرار سنة 1993 المتعلق بإقامة هذا النظام، <a href="https://vsrp.co.uk/wp-content/uploads/5-IJSR-Vol.-3-No.-4-Apr-2024-Paper4-Dr.-Diya.pdf">الدراسة</a> <a href="https://vsrp.co.uk/wp-content/uploads/5-IJSR-Vol.-3-No.-4-Apr-2024-Paper4-Dr.-Diya.pdf">بصيغة</a> <a href="https://vsrp.co.uk/wp-content/uploads/5-IJSR-Vol.-3-No.-4-Apr-2024-Paper4-Dr.-Diya.pdf">PDF</a>.</p>
<p><strong>(34)</strong> تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية»، عرض لكتاب طاهر حمدي كنعان وحازم تيسير رحاحلة، <em>عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية</em>، مج 6، العدد 21، صيف 2017، ص 213–217.<br />
<a href="https://omran.dohainstitute.org/ar/issue0021/Pages/tayssiralrdawi.pdf">الدراسة</a> <a href="https://omran.dohainstitute.org/ar/issue0021/Pages/tayssiralrdawi.pdf">بصيغة</a> <a href="https://omran.dohainstitute.org/ar/issue0021/Pages/tayssiralrdawi.pdf">PDF</a><a href="https://omran.dohainstitute.org/ar/issue0021/Pages/tayssiralrdawi.pdf"><br />
</a><strong>(35)</strong> أميرة الطاهر إسماعيل أحمد وسمير محمد عبد الوهاب، «إعادة الهيكلة كمدخل لإصلاح قطاع الأعمال العام في الخبرات الدولية»، <em>المجلة العربية للإدارة</em>، مج 45، العدد 4، أغسطس/آب 2025، ص 141–142.<br />
<a href="https://ajajournal.org/index.php/aja/article/view/780">صفحة</a> <a href="https://ajajournal.org/index.php/aja/article/view/780">الدراسة</a><a href="https://ajajournal.org/index.php/aja/article/view/780"><br />
</a><strong>(36)</strong> تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق»، مصدر سابق، ص 215–217. ويُعتمد رابط المصدر رقم <strong>(34)</strong> نفسه، ولا حاجة إلى تكراره.<br />
<strong>(37)</strong> «مقالة خاصة: المجلس التشريعي الصيني يتبنى تعديلات دستورية تاريخية»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 12 آذار/مارس 2018.<br />
<a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm">العربي</a><a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm">شينخوا</a><a href="https://arabic.news.cn/2018-03/12/c_137032379.htm"><br />
</a><strong>(38)</strong> «انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية يعود بزخم تنموي وفرص مواتية على العالم أجمع»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.<br />
<a href="https://arabic.news.cn/2021-11/10/c_1310301905.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/10/c_1310301905.htm">العربي</a></p>
<p><strong>(39)</strong> «تقرير إخباري: الصين شهدت طفرات اقتصادية كبرى خلال الـ70 عامًا الماضية وتحولت لنموذج تنموي يتعلمه العالم»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ولا سيما الجزء المتعلق بمرحلة 2001–2012 والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والانفتاح الشامل، <a href="https://arabic.news.cn/2019-10/31/c_138518603.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2019-10/31/c_138518603.htm">العربي</a>.</p>
<p><strong>(40)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، مصدر سابق، الجزء المتعلق بتبلور «مفهوم التنمية العلمية» والتنمية الشاملة والمتناسقة والمستدامة ووضع الإنسان في المقام الأول، <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(41)</strong> المصدر نفسه، الجزء المتعلق بدفع تنمية غرب الصين ومساعدة المناطق الوسطى، وإلغاء ضرائب الزراعة، وتوسيع التعليم والرعاية الطبية والعناية بالشيخوخة، <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(42)</strong> محمد فاوي، «تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني والرؤية الجديدة للنهوض»، <em>مركز الجزيرة للدراسات</em>، 22 تموز/يوليو 2013، ولا سيما الجزء المتعلق بحزمة التحفيز البالغة أربعة تريليونات يوان وآثارها الائتمانية والعقارية، <a href="https://studies.aljazeera.net/en/node/3574">النص</a> <a href="https://studies.aljazeera.net/en/node/3574">العربي</a>.</p>
<p><strong>(43)</strong> اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بتعميق الإصلاح والانفتاح على نحو شامل وقرارات الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة، <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">أنباء</a> <a href="https://arabic.news.cn/2021-11/16/c_1310314891.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(44)</strong> «شي يدعو إلى وضع الجودة في المقام الأول في التنمية الاقتصادية»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2017، ويتضمن عرضًا للجزء الاقتصادي من تقرير المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، ولا سيما الانتقال من النمو السريع إلى التنمية العالية الجودة واتخاذ الإصلاح الهيكلي لجانب العرض خطًا رئيسيًا، <a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm">العربي</a><a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm">أنباء</a> <a href="https://arabic.news.cn/2017-10/18/c_136688719.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(46)</strong> «النص الكامل لقرار المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني حول تقرير لجنة الحزب المركزية التاسعة عشرة»، أُجيز في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولا سيما الجزء المتعلق بالتنمية العالية الجودة، وتحسين منظومة الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتنفيذ استراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار، وتعزيز الاعتماد على النفس في العلوم والتكنولوجيا، <a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2022/1023/c31664-10162269.html">النص</a> <a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2022/1023/c31664-10162269.html">العربي</a><a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2022/1023/c31664-10162269.html"> – </a><a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2022/1023/c31664-10162269.html">الشعب</a> <a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2022/1023/c31664-10162269.html">أونلاين</a>.</p>
<p><strong>(47)</strong> «توحيد السوق في الصين يوفّر دفعة حيوية للتداول الاقتصادي»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 18 أيار/مايو 2022، ولا سيما الجزء المتعلق بطرح سياسة «التداول المزدوج» سنة 2020، واتخاذ السوق المحلية دعامةً أساسية، وتعزيز التفاعل بين السوقين المحلية والدولية، وبناء سوق وطنية موحدة، <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm">العربي</a><a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm">أنباء</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/18/c_1310597019.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(48)</strong> «شي يشدد على تعزيز الرخاء المشترك ودرء المخاطر المالية الكبرى»، <em>الشعب أونلاين</em>، 18 آب/أغسطس 2021، نقلًا عن وكالة أنباء شينخوا، ولا سيما ما يتعلق باعتبار الرخاء المشترك مطلبًا أساسيًا للاشتراكية، وزيادة دخول الفئات منخفضة الدخل، وتوسيع الفئات متوسطة الدخل، وتعديل الدخول المفرطة وتحسين الخدمات العامة، <a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2021/0818/c31664-9885263.html">النص</a> <a href="https://arabic.people.com.cn/n3/2021/0818/c31664-9885263.html">العربي</a>.</p>
<p><strong>(49)</strong> «شي يشدد على التنمية الصحية لرأس المال في الصين»، <em>وكالة أنباء شينخوا</em>، 1 أيار/مايو 2022، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم رأس المال وتوجيهه، ومكافحة الاحتكار والمنافسة غير العادلة، والتحقيق في التوسع غير المنضبط لرأس المال واحتكار المنصات، <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm">العربي</a><a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm">أنباء</a> <a href="https://arabic.news.cn/2022-05/01/c_1310581086.htm">شينخوا</a>.</p>
<p><strong>(50)</strong> الحزب الشيوعي الصيني، <em>دستور الحزب الشيوعي الصيني</em>، الصيغة التي أقرّها المؤتمر الوطني التاسع عشر سنة 2017، الباب الخامس: «منظمات الحزب القاعدية»، ولا سيما المادة الثالثة والثلاثون المتعلقة بدور اللجان الحزبية في المؤسسات المملوكة للدولة والمنظمات الحزبية في المؤسسات ذات الملكية غير العامة، <a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm">النص</a> <a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm">العربي</a> <a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm">الكامل</a><a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm"> – </a><a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm">وكالة</a> <a href="https://arabic.news.cn/big/2017-11/03/c_136726559_6.htm">أنباء</a></p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/13/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b5%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%aa%d8%b5%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ae%d8%b7%d8%b7-%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%82/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البنيوية: دراسة نقدية في تطور النموذج وآفاقه- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/09/07/%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/09/07/%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84/#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Sep 2026 17:19:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[البيانات و النشاطات]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107388</guid>

					<description><![CDATA[&#160; مقدمة أصبحت التجربة الصينية، منذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978، واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والسياسية إثارةً للجدل في الفكر المعاصر. فقد انتقلت الصين، خلال عقود قليلة، من &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>مقدمة</p>
<p>أصبحت التجربة الصينية، منذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح سنة 1978، واحدة من أكثر التجارب الاقتصادية والسياسية إثارةً للجدل في الفكر المعاصر. فقد انتقلت الصين، خلال عقود قليلة، من اقتصاد يغلب عليه الطابع الزراعي وانخفاض الإنتاجية إلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى، وأقامت بنية تحتية واسعة، وطورت قدراتها العلمية والإنتاجية، ورفعت مستويات الدخل والتعليم والصحة، وحققت تقدمًا واسعًا في الحد من الفقر. وقد جعلت هذه التحولات من التجربة الصينية موضوعًا لنقاش يتجاوز حدود الصين نفسها، لأنها أعادت طرح أسئلة العلاقة بين الدولة والسوق، والتخطيط والمنافسة، والملكية العامة ورأس المال الخاص، وتطوير القوى المنتجة وتغيير علاقات الإنتاج.</p>
<p>حافظ الحزب الشيوعي الصيني، في خضم هذه التحولات، على قيادته السياسية، واحتفظت الدولة بالسيطرة على المصارف الكبرى والأرض الحضرية وعدد من القطاعات الاستراتيجية، إلى جانب استمرار الملكية الجماعية للأرض الريفية. كما واصلت استخدام التخطيط والسياسة الصناعية والائتمان الموجَّه لتحديد أولويات التنمية. غير أن هذا التطور لم يتحقق من خلال الملكية العامة والتخطيط وحدهما؛ إذ اقترن بتوسيع دور السوق، وتشجيع الاستثمار الخاص، وجذب رأس المال الأجنبي، والاندماج العميق في الاقتصاد العالمي، وانتشار العمل المأجور والمنافسة والسعي إلى الربح.</p>
<p>ونشأت من هذا المسار بنية اقتصادية واجتماعية مركبة تجمع بين مؤسسات موروثة من مرحلة البناء الاشتراكي وآليات تعمل وفق منطق السوق والتراكم الرأسمالي. ويعبّر مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» عن محاولة القيادة الصينية الجمع بين استخدام السوق في تخصيص الموارد وبين استمرار قيادة الحزب وسيطرة الدولة على المفاصل الأساسية للاقتصاد. إلا أن التعريف الرسمي للنظام لا يكفي، في ذاته، لتحديد طبيعته الاجتماعية؛ لأن الحكم على أي نموذج اقتصادي لا يستند إلى تسميته الدستورية أو السياسية وحدها، بل إلى العلاقات الفعلية التي تنظّم الإنتاج والعمل والملكية وتوزيع الفائض والسلطة الاقتصادية.</p>
<p>فوجود السوق لا يعني، بصورة آلية، أن النظام رأسمالي خالص؛ إذ يمكن أن تؤدي السوق وظائف مختلفة باختلاف نمط الإنتاج والمرحلة التاريخية والإطار السياسي الذي تعمل داخله. وفي المقابل، لا تكفي ملكية الدولة ووجود التخطيط وقيادة حزب شيوعي لإثبات أن علاقات الإنتاج أصبحت اشتراكية؛ لأن ملكية الدولة قد تتخذ مضمونًا اجتماعيًا عندما يخضع استخدامها للمصلحة العامة والرقابة المجتمعية، وقد تعمل، في ظروف أخرى، وفق معايير الربحية والمنافسة والتراكم، من دون مشاركة فعلية للمنتجين في إدارتها.</p>
<p>ومن هنا تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الدراسة في السؤال الآتي: هل تمثل السوق في التجربة الصينية أداةً خاضعة لاستراتيجية انتقال اشتراكي طويلة الأمد، أم أنها تحولت إلى أساس مستقر لإعادة إنتاج العمل المأجور وتراكم رأس المال والتفاوت الاجتماعي، وإن جرى ذلك داخل إطار سياسي تقوده الدولة والحزب؟</p>
<p>ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاستناد إلى حجم القطاع العام أو معدلات النمو الصناعي وحدهما، بل تقتضي الإجابة تحليل مجموعة مترابطة من المؤشرات: طبيعة علاقات العمل، ومصادر الفائض الاقتصادي، والجهات التي تستحوذ عليه، والكيفية التي يُعاد بها توزيعه، وموقع العاملين في إدارة المؤسسات، ومدى خضوع رأس المال الخاص للتوجيه الاجتماعي، والجهة المستفيدة من ارتفاع الإنتاجية والتقدم التكنولوجي. كما تقتضي التمييز بين الملكية القانونية لوسائل الإنتاج وبين السيطرة الفعلية عليها، وبين امتلاك الدولة للمؤسسات وبين تحولها إلى ملكية اجتماعية خاضعة لرقابة المنتجين والمجتمع.</p>
<p>وتعتمد الدراسة منظورًا ماركسيًا نقديًا يميز بين تطوير القوى المنتجة وتغيير علاقات الإنتاج. فتطور الصناعة والعلم والتكنولوجيا وارتفاع الإنتاجية يوفر الشروط المادية اللازمة لتحسين حياة الإنسان وتقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الخدمات الاجتماعية، لكنه لا يقود تلقائيًا إلى تحقيق هذه الغايات. فقد تُستخدم الإنتاجية المتزايدة في توسيع الأرباح والتراكم والمنافسة، كما يمكن توجيهها إلى رفع الأجور، وتقليص ساعات العمل، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الأمن الاجتماعي وتوسيع مشاركة المنتجين في القرارات الاقتصادية.</p>
<p>وعلى هذا الأساس، لا يُقاس الاتجاه الاشتراكي بمعدل النمو أو حجم الإنتاج الصناعي وحدهما، بل بالكيفية التي تتحول بها القوة الإنتاجية المتزايدة إلى تحسين فعلي في حياة المنتجين، وإلى سيطرة اجتماعية أوسع على الثروة وشروط العمل. كما لا تُقاس الملكية الاجتماعية بالشكل القانوني للملكية وحده، بل بعلاقة المنتجين الفعلية بوسائل الإنتاج، ومشاركتهم في اتخاذ القرار، ومدى خضوع الدولة والمؤسسات الاقتصادية للرقابة والمساءلة الاجتماعية.</p>
<p>وتستفيد الدراسة من تحليل ماركس للعمل المأجور وفائض القيمة والتراكم، ومن معالجة إنجلز للعلاقة بين ملكية الدولة والتحول الاجتماعي، ومن تحليل لينين لمشكلات المرحلة الانتقالية والسياسة الاقتصادية الجديدة و«رأسمالية الدولة». ولا تُستخدم هذه النصوص بوصفها أحكامًا جاهزة على تجربة تاريخية لم يعرفها أصحابها، وإنما باعتبارها أدوات مفهومية تساعد على تحليل العلاقة بين الدولة والسوق والملكية والعمل والفائض.</p>
<p>وتكتسب تجربة السياسة الاقتصادية الجديدة «النيب» أهميةً خاصة في هذا السياق. فقد لجأ لينين، في أعقاب الحرب الأهلية وانهيار الإنتاج وتعثر الثورة في أوروبا، إلى السماح بالتجارة الخاصة وآليات السوق وبعض أشكال الرأسمالية، مع احتفاظ الدولة السوفيتية بالقطاعات الاقتصادية الأساسية. ولم يعتبر هذه العلاقات اشتراكية في ذاتها، بل تعامل معها بوصفها تنازلًا ضروريًا لإعادة بناء القوى المنتجة وترميم العلاقة بين الصناعة والاقتصاد الفلاحي. ومن هنا تطرح «النيب» سؤالًا ما يزال حاضرًا في التجربة الصينية: إلى أي مدى تستطيع سلطة يقودها حزب شيوعي استخدام السوق ورأس المال لتطوير القوى المنتجة من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى قوى اجتماعية مستقلة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مصالحها؟</p>
<p>ومع ذلك، لا تفترض الدراسة وجود تطابق بين «النيب» والإصلاح الصيني. فقد كانت السياسة الاقتصادية الجديدة إجراءً محدود المدة والنطاق، نشأ في مجتمع دمرته الحرب وغلب عليه الإنتاج الفلاحي الصغير، في حين تطور الإصلاح الصيني خلال ما يقارب نصف قرن، داخل دولة كبيرة تمتلك قاعدة صناعية ومؤسسات مركزية مستقرة، واندمجت بعمق في السوق العالمية وسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا. ولذلك تُستخدم المقارنة للكشف عن الإشكالية النظرية المشتركة وحدودها، لا لتقديم الإصلاح الصيني بوصفه امتدادًا مباشرًا لتجربة لينين أو تبريره بالاستناد إليها.</p>
<p>تنطلق الدراسة من فرضية أن النموذج الصيني يمثل تكوينًا تاريخيًا مركبًا وتناقضيًا، يجمع بين مؤسسات تتيح إمكان التوجه نحو الاشتراكية وآليات تعيد إنتاج علاقات رأسمالية. فقد مكّنت قيادة الحزب وسيطرة الدولة على المصارف والقطاعات الاستراتيجية واستخدام التخطيط والسياسة الصناعية من توجيه جزء مهم من الموارد نحو التصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات الاجتماعية. لكن اتساع القطاع الخاص والعمل المأجور والمنافسة والسوق العقارية أدى، في الوقت نفسه، إلى تركز الثروة وظهور تفاوتات اجتماعية وإقليمية، واستمرار انفصال قطاعات واسعة من العاملين عن القرارات المتعلقة بالإنتاج واستخدام الفائض.</p>
<p>لذلك لا تفترض الدراسة أن الصين أنجزت انتقالها إلى الاشتراكية، كما لا تنطلق من أنها تحولت نهائيًا إلى رأسمالية تقليدية. بل تنظر إلى مسارها بوصفه مجالًا لصراع اتجاهات متعارضة: اتجاه يستخدم السوق والتراكم لتطوير القاعدة الإنتاجية مع المحافظة على قدرة الدولة على توجيه الاقتصاد؛ واتجاه يدفع نحو ترسخ مصالح رأس المال الخاص والإدارة البيروقراطية والمنافسة؛ واتجاه اجتماعي يمكن أن يتعزز من خلال توسيع حقوق العمل، وإعادة توزيع الدخل والثروة، وتطوير الخدمات العامة، وتعميق الرقابة الاجتماعية ومشاركة المنتجين.</p>
<p>وتستخدم الدراسة منهجًا تاريخيًا وتحليليًا نقديًا؛ إذ تتتبع تشكل النموذج الصيني منذ الثورة وبناء الدولة والقاعدة الصناعية، مرورًا بالإصلاح والانفتاح وتوسيع السوق، وصولًا إلى السياسات المرتبطة بالتنمية عالية الجودة و«الرخاء المشترك». كما تحلل المؤسسات السياسية والاقتصادية بوصفها علاقات متداخلة؛ فالمؤسسات العامة تعمل داخل السوق، والقطاع الخاص يستفيد من الائتمان والبنية التحتية العامة، والحكومات المحلية ترتبط بالأرض والعقارات والاستثمار، بينما تؤثر السياسات الاجتماعية في إعادة إنتاج قوة العمل وتوزيع ثمار النمو.</p>
<p>وتستند الدراسة إلى نصوص ماركس وإنجلز ولينين، ووثائق الحزب الشيوعي الصيني والدولة الصينية، والقوانين والبيانات الإحصائية الرسمية، وتقارير المنظمات الدولية، إلى جانب الدراسات المعاصرة المؤيدة والناقدة للنموذج. وتُقرأ المصادر الرسمية بوصفها ضرورية لفهم أهداف الدولة وخطابها وسياساتها، من دون مساواة هذا الخطاب بالواقع الاجتماعي الفعلي. كما لا تُعامل الدراسات الغربية والدولية بوصفها مصادر محايدة تلقائيًا، بل تُفحص مناهجها وافتراضاتها ومواقعها المؤسسية.</p>
<p>وتتكون الدراسة من سبعة فصول. يبحث الفصل الأول موقع السوق والمرحلة الانتقالية في النظرية الماركسية والتجارب الاشتراكية، مع تحليل خاص للسياسة الاقتصادية الجديدة والجدل الذي أعقبها. ويتتبع الفصل الثاني التطور التاريخي للنموذج الصيني من الاقتصاد المخطط إلى الإصلاح والانفتاح وقيام «اقتصاد السوق الاشتراكي». ويحلل الفصل الثالث البنية المؤسسية التي تجمع الحزب والدولة والسوق والملكية العامة والخاصة والمصارف والتخطيط والسياسة الصناعية.</p>
<p>ويتناول الفصل الرابع علاقات العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية، بينما يناقش الفصل الخامس الإنجازات التاريخية للنموذج الصيني وحدود قابلية تجربته للتعميم. ويبحث الفصل السادس التحديات البنيوية المتصلة بالاستهلاك والاستثمار والعقارات والديون والتفاوت والديموغرافيا والبيئة والتكنولوجيا والفاعلية المؤسسية. أما الفصل السابع فيتناول السيناريوهات المحتملة لمستقبل النموذج، والمؤشرات التي تسمح بالتمييز بينها، والشروط الضرورية لتجاوز تناقضاته البنيوية.</p>
<p>ولا تهدف الدراسة إلى إصدار حكم أيديولوجي نهائي على التجربة الصينية، بل إلى بناء معيار يمكن بواسطته تحليل اتجاه حركتها. ويتمثل هذا المعيار في العلاقة بين تطوير القوى المنتجة وتحسين حياة المنتجين، وبين ملكية الدولة والرقابة الاجتماعية، وبين ارتفاع الإنتاجية وتقليص وقت العمل، وبين قوة الدولة ومشاركة المجتمع في تحديد أولويات الإنتاج واستخدام الفائض. وعلى هذا الأساس يمكن فهم النموذج الصيني بوصفه عملية تاريخية مفتوحة، تتحدد نتائجها وفق كيفية معالجة تناقضاته، والجهة التي تتحمل تكاليف تطوره، والقوى الاجتماعية التي تمتلك القدرة الفعلية على توجيهه.</p>
<p>الفصل الأول: السوق والمرحلة الانتقالية في النظرية الماركسية والتجارب الاشتراكية</p>
<p>ترتبط مسألة السوق في المرحلة الانتقالية بمشكلة أوسع تتعلق بالشروط المادية للتحول الاشتراكي. فلم ينظر ماركس وإنجلز إلى الاشتراكية بوصفها نظامًا يمكن تأسيسه بمجرد إعلان مبادئ المساواة أو انتقال السلطة السياسية إلى حزب ثوري، بل ربطا إمكان تطورها بتقدم القوى المنتجة، واتساع الطابع الاجتماعي للعمل، وتوافر قاعدة مادية تسمح بتجاوز الفقر والندرة والتنافس القسري على وسائل العيش.</p>
<p>غير أن الثورات الاشتراكية الكبرى في القرن العشرين اندلعت في مجتمعات كانت الزراعة تشكل قاعدة اقتصاداتها، وتعاني ضعف الصناعة ومحدودية الطبقة العاملة الحديثة. وقد أوجد ذلك فجوةً بين الأهداف الاشتراكية للسلطة الجديدة وبين مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي الموروث. ومن هنا برز السؤال الذي يتناوله هذا الفصل: كيف تستطيع سلطة يقودها حزب شيوعي استخدام السوق والملكية الخاصة وبعض أشكال رأس المال لتطوير القوى المنتجة، من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى علاقات مستقرة تعيد إنتاج الرأسمالية؟ ويبدأ الفصل ببحث الشروط المادية والعالمية للتحول الاشتراكي عند ماركس وإنجلز، ثم ينتقل إلى تحليل السياسة الاقتصادية الجديدة عند لينين، والجدل السوفيتي اللاحق، وصولًا إلى تحديد أوجه التشابه والاختلاف بين «النيب» والإصلاح الصيني.</p>
<p>أولًا: الشروط المادية والعالمية للتحول الاشتراكي عند ماركس وإنجلز</p>
<p>انطلق ماركس من أن التحولات الاجتماعية الكبرى لا يمكن تفسيرها بتغير الأفكار أو الإرادات السياسية وحدها، بل ينبغي البحث عن جذورها في التناقضات التي تنشأ داخل عملية إنتاج الحياة المادية. فالناس يدخلون، في إنتاجهم الاجتماعي، في علاقات إنتاج محددة تتوافق، خلال مرحلة معينة، مع مستوى تطور قواهم المنتجة. غير أن استمرار تطور هذه القوى قد يضعها في تناقض مع علاقات الإنتاج والملكية القائمة، فتتحول تلك العلاقات من أشكال ساعدت على نمو القوى المنتجة إلى قيود تعرقل تطورها. وعندئذ تتكون الشروط المادية لمرحلة من التحول الاجتماعي.(1)</p>
<p>وفق هذا التصور، لا تظهر الاشتراكية بوصفها مشروعًا أخلاقيًا مجردًا غايته توزيع الثروة أو الفقر بالتساوي، بل بوصفها إمكانًا تاريخيًا ينشأ من تناقضات التطور الرأسمالي نفسه. فقد وسعت الرأسمالية نطاق الإنتاج، وعمّقت تقسيم العمل، وركزت وسائل الإنتاج، وحولت العمل إلى عملية اجتماعية مترابطة، لكنها أبقت ملكية وسائل الإنتاج والاستيلاء على نتائجهما في أيدي مالكي رأس المال. ومن هذا التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج والطابع الخاص للاستحواذ على نتائجه ينشأ الأساس المادي لتغيير علاقات الإنتاج.</p>
<p>وفي «الأيديولوجية الألمانية» ربط ماركس وإنجلز إمكان تجاوز الملكية الخاصة ببلوغ القوى المنتجة مستوى متقدمًا نسبيًا. فإقامة علاقات اجتماعية جديدة على قاعدة من الندرة العامة والفقر المعمم لا تزيل بالضرورة الصراع حول الحاجات الضرورية، بل قد تعيد إنتاج الانقسام الاجتماعي والسيطرة في صور مختلفة. ولذلك أشارا إلى أن ضعف تطور القوى المنتجة يمكن أن يؤدي إلى تعميم العوز، وعندئذ «يبدأ الصراع القديم من جديد».(2)</p>
<p>ولا يعني هذا التصور اشتراط تحقيق وفرة مطلقة قبل الشروع في أي تحول اشتراكي، ولا القول إن البلدان الأقل تطورًا لا تستطيع أن تبدأ ثورات اجتماعية. فالثورة السياسية قد تبدأ في ظروف مختلفة، وقد تندلع في البلدان التي تتكثف فيها التناقضات الاجتماعية والسياسية، لا في البلدان الأكثر تقدمًا اقتصاديًا بالضرورة. لكن استمرار التحول الاشتراكي وتطوره يحتاجان إلى قاعدة إنتاجية تسمح بتلبية الحاجات الأساسية، وتقليص المنافسة القسرية على وسائل العيش، وتوفير الوقت والموارد الضروريين لمشاركة الأفراد في إدارة المجتمع وتنمية قدراتهم.</p>
<p>ومع ذلك، فإن تطور القوى المنتجة لا يحمل مضمونًا اشتراكيًا في ذاته. فالآلة والعلم والتكنولوجيا يمكن أن تزيد الثروة الاجتماعية والإنتاجية، لكن وظيفتها الاجتماعية تتحدد وفق علاقات الملكية والسلطة التي تنظّم استخدامها. ففي ظل العلاقات الرأسمالية تُستخدم زيادة الإنتاجية أساسًا لخفض كلفة الإنتاج، وزيادة فائض القيمة، وتعزيز تراكم رأس المال والقدرة التنافسية. أما تحويل الإنتاجية المتزايدة إلى وسيلة لتقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الحرية الاجتماعية، فيتطلب تغييرًا في علاقات الإنتاج وفي الجهة التي تملك وسائل الإنتاج وتحدد أهداف استخدامها.</p>
<p>وبذلك يمثّل تطور القوى المنتجة شرطًا ضروريًا للتحول الاشتراكي، لكنه ليس شرطًا كافيًا. فالتقدم الصناعي والتقني قد يوسع إمكانات التحرر، لكنه قد يؤدي، في ظل علاقات إنتاج مختلفة، إلى تعميق الاستغلال والتفاوت وتركيز الثروة. ومن ثم، لا تنحصر المسألة في مقدار ما ينتجه المجتمع، بل تشمل كذلك الجهة التي تسيطر على وسائل الإنتاج، والكيفية التي يُستخدم بها الفائض، ومدى مشاركة المنتجين في اتخاذ القرارات المتعلقة بعملهم وحياتهم.</p>
<p>ويرتبط شرط تطور القوى المنتجة بالطابع العالمي الذي اكتسبه الإنتاج الرأسمالي. فقد بيّن ماركس وإنجلز في «البيان الشيوعي» أن البرجوازية لا تستطيع الاستمرار «من دون أن تثوّر باستمرار أدوات الإنتاج»، وأن توسع الرأسمالية أنشأ سوقًا عالمية وربط إنتاج البلدان واستهلاكها بعلاقات متبادلة.(3) ولم يعد في إمكان المجتمعات الصناعية إعادة إنتاج حياتها الاقتصادية بمعزل عن تقسيم العمل الدولي والتجارة وتدفق المواد الأولية وتبادل المعرفة والتكنولوجيا.</p>
<p>وصاغ إنجلز هذا البعد الأممي بصورة واضحة في «مبادئ الشيوعية»، حين رأى أن الصناعة الكبرى أنشأت السوق العالمية وربطت شعوب العالم بعضها ببعض. وفي إجابته عن سؤال إمكان وقوع الثورة في بلد واحد منفرد، توقع أن تندلع الثورة في البلدان المتقدمة بصورة مترابطة، وإن كان تطورها سيتفاوت تبعًا لدرجة التطور الصناعي والاجتماعي في كل بلد.(4)</p>
<p>وقد أثبت التاريخ اللاحق إمكان بدء الثورة سياسيًا في بلد منفرد، كما حدث في روسيا سنة 1917. لكن هذا التطور لا يلغي المشكلة التي أثارها إنجلز بشأن صعوبة استكمال بناء مجتمع اشتراكي في عزلة طويلة عن الاقتصاد العالمي وعن البلدان الأكثر تقدمًا صناعيًا وتقنيًا. فالثورة السياسية يمكن أن تبدأ على الصعيد الوطني، في حين يحتاج تطوير قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية إلى موارد ومعرفة وعلاقات إنتاج تتجاوز الحدود القومية.</p>
<p>ومع ذلك، لا يصح تحويل موقف ماركس وإنجلز إلى نظرية خطية جامدة تفترض أن على جميع المجتمعات المرور بالمراحل نفسها التي مرت بها أوروبا الغربية. فقد أدركا أن تفاعل المجتمعات داخل السوق العالمية يمكن أن يفتح أمامها مسارات مختلفة، وأن البلدان الأقل تطورًا قد تستفيد من المنجزات الصناعية والتقنية المتحققة في البلدان المتقدمة بدل أن تعيد إنتاج تاريخها كاملًا.</p>
<p>وظهر هذا الاحتمال بوضوح في موقفهما من المشاع الريفي الروسي، أو «المير»، الذي كان يقوم على شكل من أشكال الملكية الجماعية للأرض. ففي مقدمة الطبعة الروسية الثانية من «البيان الشيوعي»، الصادرة سنة 1882، بحث ماركس وإنجلز إمكان أن يصبح المشاع الروسي نقطة انطلاق لتطور شيوعي، بدل أن يتفكك ويمر بالمسار الرأسمالي الذي عرفته أوروبا الغربية. غير أنهما لم يقدما هذا الاحتمال بوصفه انتقالًا مباشرًا وغير مشروط، بل ربطاه بأن تصبح الثورة الروسية إشارةً لانطلاق ثورة عمالية في الغرب، بحيث تكمل الثورتان إحداهما الأخرى. وعندئذ فقط يمكن للملكية المشاعية الروسية للأرض أن تصبح «نقطة انطلاق لتطور شيوعي». (5)</p>
<p>تكشف هذه الصياغة أن إمكان تجنب المرور الكامل بالتطور الرأسمالي لم يكن قائمًا على الملكية الجماعية للأرض وحدها، بل استند إلى شرطين مترابطين: استمرار العناصر الجماعية داخل المشاع الروسي، واقتران الثورة الروسية بتحول اشتراكي في البلدان الصناعية. فالمشاع، على الرغم من احتفاظه بالملكية الجماعية، لم يكن قادرًا بمفرده على توفير الصناعة والتكنولوجيا والإنتاجية الضرورية لبناء مجتمع حديث يتجاوز الندرة.</p>
<p>غير أن هذا الاحتمال أخذ يضعف مع تسارع اندماج روسيا في السوق العالمية واتساع التمايز الاجتماعي في الريف. فقد أوضح إنجلز في مراسلاته اللاحقة أن المشاع لم يكن قائمًا خارج حركة الاقتصاد، وأن الضرائب والديون والتجارة وتغلغل العلاقات السلعية كانت تقوّض أسسه الجماعية. ولذلك لم يعد استمرار الملكية المشتركة للأرض من الناحية القانونية دليلًا كافيًا على إمكان الانتقال المباشر إلى الاشتراكية.</p>
<p>وفي رسالته إلى فيرا زاسوليتش بتاريخ 23 نيسان/أبريل 1885، أبقى إنجلز على الاحتمال النظري الذي تضمنته مقدمة سنة 1882، لكنه شدد على طابعه المشروط. فإذا اقترنت الثورة الروسية بثورة في أوروبا الغربية، أمكن وضع القوى المنتجة الحديثة في خدمة تطوير المشاع الجماعي. أما إذا ظلت روسيا معزولة واستمر تغلغل السوق والعلاقات السلعية، فإن تفكك المشاع واتجاهها نحو التطور الرأسمالي يصبحان الاحتمال الأقوى. (6)</p>
<p>ولا يعني ذلك أن إنجلز اعتبر المرور بجميع مراحل الرأسمالية الغربية قدرًا محتومًا. لقد ميّز بين إمكان تاريخي وفره استمرار بعض أشكال الملكية الجماعية والارتباط المحتمل بثورة دولية، وبين الاتجاه الفعلي الذي فرضه توسع العلاقات الرأسمالية داخل روسيا. وكلما تأخرت الثورة في البلدان الصناعية وتسارع تفكك المشاع، ضاقت إمكانية الانتقال المباشر وازدادت قوة المسار الرأسمالي.</p>
<p>ويمكن استخلاص ثلاثة مبادئ أساسية من هذه المعالجة. أولها أن استمرار التحول الاشتراكي يحتاج إلى قاعدة مادية متطورة نسبيًا تسمح بتجاوز الفقر والندرة العامة. وثانيها أن الطابع العالمي للإنتاج الرأسمالي يجعل استكمال بناء الاشتراكية في عزلة قومية طويلة أمرًا بالغ الصعوبة. وثالثها أن التاريخ لا يسير وفق تسلسل واحد مغلق؛ إذ يمكن للمجتمعات الأقل تطورًا أن تتجنب تكرار المسار الغربي كاملًا إذا استطاعت الجمع بين عناصرها الجماعية وتطورها الثوري الداخلي وبين استيعاب منجزات القوى المنتجة الحديثة على الصعيد العالمي.</p>
<p>وقد ظهرت هذه المبادئ في صورة معضلة عملية بعد الثورة الروسية. فقد بدأت الثورة في بلد متأخر اقتصاديًا، في حين ربط قادتها استمرار اتجاهها الاشتراكي بامتداد الثورة إلى البلدان الصناعية الأوروبية. وعندما لم يتحقق هذا الامتداد، أصبح السؤال المباشر هو: كيف يمكن تطوير القوى المنتجة، والمحافظة على سلطة الثورة، واستمرار التحالف بين العمال والفلاحين في الوقت نفسه؟ وقد حاول لينين معالجة هذه المعضلة من خلال السياسة الاقتصادية الجديدة.</p>
<p>ثانيًا: لينين والسياسة الاقتصادية الجديدة ــ السوق ورأسمالية الدولة في المرحلة الانتقالية</p>
<ol>
<li>من «الشيوعية الحربية» إلى السياسة الاقتصادية الجديدة</li>
</ol>
<p>واجهت الثورة الروسية، منذ بدايتها، تناقضًا بين طبيعة السلطة السياسية الجديدة ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي ورثته. فقد استولى البلاشفة على السلطة في بلد زراعي متأخر، كانت الطبقة العاملة الصناعية فيه محدودة العدد، بينما شكّل الفلاحون وصغار المنتجين الغالبية الكبرى من السكان. ثم أدت الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية والتدخلات الخارجية إلى تدمير جانب كبير من الصناعة والنقل، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وتفكك قنوات التبادل بين المدن والريف.</p>
<p>وفي ظروف الحرب الأهلية طبقت الدولة السوفيتية سياسة عُرفت لاحقًا باسم «الشيوعية الحربية». وشملت تأميم المؤسسات الكبرى، وحظر التجارة الخاصة، والاستيلاء الإجباري على فوائض الحبوب، ومحاولة توزيع السلع مباشرةً من خلال أجهزة الدولة. ولم تكن هذه السياسة تطبيقًا مباشرًا لنموذج اشتراكي مكتمل، بل كانت، في جانب أساسي منها، استجابةً استثنائيةً لحالة الحرب والانهيار الاقتصادي والحاجة إلى إمداد الجيش والمدن بالغذاء.</p>
<p>لكن استمرار المصادرة والإدارة المباشرة للإنتاج والتبادل أدى إلى تفاقم الأزمة. فقد تراجعت حوافز الفلاحين إلى زيادة الإنتاج، واتسعت التجارة غير الرسمية، وانخفض الإنتاج الصناعي، واشتدت المجاعة والاضطرابات في الريف والمدن. كما أصبح التحالف بين العمال والفلاحين، الذي استندت إليه السلطة السوفيتية، مهددًا بالتفكك.</p>
<p>أمام هذه الظروف، قدّم لينين إلى المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي الروسي، في 15 آذار/مارس 1921، تقريرًا دعا فيه إلى الاستعاضة عن مصادرة فوائض المحاصيل بضريبة عينية محددة. ولم يعرض المسألة بوصفها إجراءً ماليًا أو تقنيًا فحسب، بل عدّها قضية سياسية تتعلق بالعلاقة بين الدولة والفلاحين وبمستقبل الثورة نفسها. (7)</p>
<p>سمحت الضريبة العينية للفلاح بالتصرف في ما يتبقى من إنتاجه بعد تسديد الضريبة، وهو ما استلزم الاعتراف بالتبادل التجاري والسوق. ومثّل ذلك بداية السياسة الاقتصادية الجديدة، المعروفة بـ«النيب»، التي تراجعت عن محاولة إخضاع معظم الإنتاج والتبادل للإدارة المباشرة للدولة، وسمحت بالتجارة الخاصة وبعض أشكال النشاط الرأسمالي، مع احتفاظ الدولة بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية.</p>
<p>ولم يُخفِ لينين أن هذه السياسة تمثل تراجعًا عن الإجراءات السابقة. لكنه لم يعدّها تخليًا عن الهدف الاشتراكي، بل تغييرًا في وسائل الانتقال فرضه مستوى تطور الاقتصاد الروسي. فبدل محاولة تجاوز السوق والإنتاج السلعي بقرارات إدارية، اتجهت الدولة إلى استخدامهما لإنعاش الإنتاج وإعادة بناء الصلة بين الصناعة والريف، مع السعي إلى إبقاء القطاعات الاقتصادية الأساسية والسلطة السياسية في يدها.</p>
<ol start="2">
<li>«النيب» وإعادة بناء الصلة بالاقتصاد الفلاحي</li>
</ol>
<p>تمثل الهدف المباشر للسياسة الاقتصادية الجديدة في إعادة بناء العلاقة بين الصناعة التي تسيطر عليها الدولة والاقتصاد الفلاحي الصغير. فلم يكن في إمكان السلطة السوفيتية المحافظة على تحالف العمال والفلاحين إذا عجزت عن تزويد الريف بالسلع الصناعية مقابل المنتجات الزراعية، أو إذا استمرت في الحصول على الحبوب بواسطة المصادرة والقسر.</p>
<p>وأكد لينين، في تقريره السياسي أمام المؤتمر الحادي عشر للحزب سنة 1922، أن المشكلة الأساسية في سياسة «النيب» تتمثل في إقامة الصلة بين الاقتصاد الذي شرعت الدولة السوفيتية في بنائه وبين الاقتصاد الفلاحي الذي تعيش منه غالبية السكان. ولم يكن كافيًا مطالبة الفلاحين بدعم السلطة الجديدة استنادًا إلى أهداف الاشتراكية البعيدة؛ بل كان عليها أن تثبت عمليًا قدرتها على مساعدتهم في الخروج من الفقر والخراب ومواجهة خطر الجوع. (8)</p>
<p>ومن هنا لم تكن عودة التبادل التجاري مجرد تنازل للفلاحين، بل وسيلةً لإعادة تشغيل العلاقة بين الزراعة والصناعة. فالفلاح يحتاج إلى حافز لإنتاج فائض يتجاوز استهلاك أسرته، وإلى سلع صناعية يحصل عليها مقابل منتجاته. وفي غياب هذه الصلة ينكمش الإنتاج الزراعي، وتعجز المدن والصناعة عن الحصول على الغذاء والمواد الأولية، وتفقد الدولة قاعدتها الاجتماعية في الريف.</p>
<p>غير أن السماح للفلاحين ببيع فوائض إنتاجهم كان يعني كذلك توسيع الإنتاج السلعي وإمكان ظهور تفاوتات جديدة داخل الريف. فالفلاح الأكثر امتلاكًا للأرض والأدوات والقدرة على الإنتاج يستطيع أن يراكم المال ويوسع نشاطه ويستخدم العمل المأجور. ولذلك لم ينظر لينين إلى السوق بوصفها آلية محايدة، بل بوصفها مجالًا يجمع بين إنعاش الإنتاج ونمو عناصر رأسمالية جديدة.</p>
<p>كانت «النيب»، بهذا المعنى، محاولةً لمعالجة تناقض فعلي: لم يكن من الممكن إلغاء الإنتاج الفلاحي الصغير والتبادل السلعي بقرار سياسي، كما لم يكن ممكنًا ترك السوق تتطور من دون رقابة، لما تولده من تفاوت وتراكم خاص. ولذلك سعت الدولة إلى استخدام السوق في إعادة بناء الاقتصاد، مع المحافظة على قدرتها على تحديد اتجاه التطور العام.</p>
<ol start="3">
<li>الاعتراف بنقص الخبرة الاقتصادية والإدارية</li>
</ol>
<p>لم ينطلق لينين من الاعتقاد بأن انتقال السلطة إلى الحزب الشيوعي وتأميم المؤسسات يمنحان الكوادر الثورية، بصورة تلقائية، القدرة على إدارة اقتصاد واسع ومعقد. فقد ميّز بين الاستيلاء السياسي على السلطة وبين امتلاك المعرفة التنظيمية والتجارية والتقنية اللازمة لإدارة المؤسسات وربط الصناعة بالريف.</p>
<p>وفي تقريره أمام المؤتمر الحادي عشر أقر بأن الشيوعي المخلص، مهما بلغت خبرته الثورية وقدرته على التضحية، قد لا يعرف كيفية إدارة التجارة والمؤسسات الاقتصادية. وعبّر عن ذلك بقوله:</p>
<p>«الشيوعي المسؤول ــ الأفضل، الصادق الواضح، والمخلص الذي تحمّل الأشغال الشاقة ولم يخف من الموت ــ لا يعرف كيف يتاجر؛ لأنه ليس رجل أعمال، ولم يدرس هذا، ولا يريد أن يتعلم، ولا يفهم أن عليه أن يتعلم من الأساسيات».</p>
<p>وأضاف أنه:</p>
<p>«يجب عليه أن يتعلم من موظف عادي عمل في المستودع لمدة عشر سنوات ويعرف تسيير الأمور». (9)</p>
<p>تكشف هذه العبارات عن نقد واضح للاعتقاد بأن الالتزام الثوري يمكن أن يحل محل الخبرة الاقتصادية. فالقدرة على قيادة الثورة أو مواجهة الحرب لا تعني، بذاتها، القدرة على إدارة الإنتاج والتوزيع والحساب التجاري. وقد رأى لينين أن استمرار الدولة السوفيتية يتوقف على انتقالها من إصدار المراسيم والشعارات إلى تقديم نتائج اقتصادية ملموسة للعمال والفلاحين.</p>
<p>ولم تكن الدعوة إلى التعلم من التجار والخبراء والرأسماليين اعترافًا بتفوق الرأسمالية بوصفها نظامًا اجتماعيًا، بل كانت إقرارًا بضرورة الاستفادة من المعرفة والخبرة المتراكمة داخل المجتمع القديم. غير أن استخدام هذه الخبرة يطرح مشكلة السيطرة عليها: هل تستطيع الدولة الانتقالية إخضاع المديرين والخبراء والتجار لأهدافها، أم تصبح هي نفسها معتمدة عليهم وعلى طرق تفكيرهم ومصالحهم؟</p>
<p>وبذلك لم تعد المسألة متعلقة بالملكية القانونية وحدها. فقد تكون المؤسسة مملوكة للدولة، بينما يحتكر المديرون والخبراء والجهاز الإداري المعلومات والقرار الفعلي. وفي هذه الحالة لا تعني ملكية الدولة بالضرورة تحقق السيطرة الاجتماعية على الإنتاج، ولا تضمن توجيه المؤسسة نحو حاجات المنتجين والمجتمع.</p>
<ol start="4">
<li>مفهوم رأسمالية الدولة عند لينين</li>
</ol>
<p>استخدم لينين مفهوم «رأسمالية الدولة» لتفسير بعض الأشكال الاقتصادية التي سمحت بها «النيب». لكنه شدد على أن رأسمالية الدولة داخل النظام السوفيتي تختلف عن رأسمالية الدولة في المجتمع الرأسمالي. ففي الحالة الأخيرة تعمل الدولة داخل نظام تسيطر عليه الملكية الخاصة وتراكم رأس المال، أما في الحالة السوفيتية فقد افترض لينين أن السلطة السياسية الجديدة تستطيع تحديد مجال عمل رأس المال وإخضاعه لأهداف المرحلة الانتقالية.</p>
<p>ولم يعتبر لينين رأسمالية الدولة صيغةً اشتراكية مكتملة، بل شكلًا انتقاليًا يظهر في مجتمع خرج من النظام القديم، لكنه لم يتمكن بعد من بناء علاقات اشتراكية متطورة. وتتحدد وظيفة هذا الشكل، وفق تصوره، بطبيعة السلطة المسيطرة على الدولة، وبقدرتها الفعلية على وضع الحدود لنشاط رأس المال وتوجيهه. (10)</p>
<p>وفي هذا السياق كتب:</p>
<p>«إن رأسمالية الدولة إنما هي تلك الرأسمالية التي يترتب علينا أن نضعها ضمن نطاق معين، والتي لا نعرف حتى الآن كيف نضعها ضمن هذا النطاق. هنا المشكلة كلها».</p>
<p>ثم أضاف:</p>
<p>«وعلينا نحن يتوقف الآن الشكل الذي ستتخذه رأسمالية الدولة هذه. فإن السلطة السياسية عندنا كافية، كافية تمامًا، والوسائل الاقتصادية الموجودة في حوزتنا كافية أيضًا، ولكن ما لا يكفي هو معرفة طليعة الطبقة العاملة [&#8230;] لكي تحدد الحدود، ولكي تحدد موقعها، ولكي تُخضع بنفسها لا أن تكون خاضعة». (11)</p>
<p>تكشف هذه الصياغة أن لينين لم يعتبر إخضاع رأس المال أمرًا متحققًا بمجرد امتلاك الدولة للسلطة السياسية أو إعلان نيتها في تنظيم العلاقات الرأسمالية. فقد كانت السلطة السوفيتية تمتلك أدوات سياسية واقتصادية مهمة، لكنها لم تكن تمتلك، بالدرجة نفسها، الخبرة الإدارية والثقافية والتنظيمية اللازمة لاستخدامها بفاعلية.</p>
<p>ومن هنا يطرح تحليل لينين سؤالًا يتجاوز الظروف الروسية: هل تستطيع الدولة تحديد نطاق العلاقات الرأسمالية وإخضاعها لأهداف اجتماعية، أم تتمكن المصالح والخبرات المرتبطة بهذه العلاقات من التأثير تدريجيًا في جهاز الدولة وإخضاعه لمنطقها؟ فامتلاك المؤسسات والمصارف لا يكفي إذا كانت الإدارة الفعلية وقرارات الاستثمار والإنتاج خاضعةً لقوى لا يراقبها المنتجون والمجتمع.</p>
<p>ويتضمن ذلك تمييزًا بين مستويين: الملكية والسلطة القانونية من جهة، والإدارة والسيطرة الفعلية من جهة أخرى. وقد تكون المؤسسة مملوكة للدولة، لكنها تعمل وفق معيار الربحية والمنافسة، بينما يبقى العاملون بعيدين عن تحديد أهدافها واستخدام فائضها. ولذلك تمثل ملكية الدولة إمكانًا للسيطرة الاجتماعية، لكنها لا تثبت تحقق هذه السيطرة تلقائيًا.</p>
<ol start="5">
<li>السوق بوصفها مجالًا للصراع بين اتجاهين اجتماعيين</li>
</ol>
<p>لم ينظر لينين إلى تعايش القطاع العام ورأس المال الخاص بوصفه حالة انسجام مستقرة، بل بوصفه صراعًا حول الجهة القادرة على ربط الصناعة بالريف وتنظيم التبادل. فالتاجر والرأسمالي يسعيان إلى إقامة هذه الصلة من أجل تحقيق الربح وتراكم الثروة، بينما كان على الدولة السوفيتية، وفق تصور لينين، أن تقيمها من أجل إنعاش الإنتاج وتعزيز القاعدة الاقتصادية للسلطة الجديدة.</p>
<p>وأعلن لينين أمام المؤتمر الحادي عشر انتهاء مرحلة التراجع الأساسي وانتقال المهمة إلى تنظيم العمل والمنافسة الاقتصادية، فقال:</p>
<p>«انتهى التراجع، ورُسمت الأساليب الرئيسية للعمل مع الرأسماليين. وهناك نماذج، وإن بعدد تافه».</p>
<p>وأضاف:</p>
<p>«وكفّتكم راجحة على كفّة الرأسماليين؛ لأن سلطة الدولة في أيديكم، ولأن في حوزتكم جملة كاملة من الوسائل الاقتصادية، إلا أنكم لا تعرفون كيف تستعملونها». (12)</p>
<p>لم يكن امتلاك السلطة السياسية، إذن، ضمانًا كافيًا للتفوق في المجال الاقتصادي. فقد تستطيع المؤسسة الخاصة توفير السلع وربط المنتجين بالمستهلكين بكفاءة أكبر، في حين تفشل المؤسسة العامة بسبب البيروقراطية وضعف الإدارة وانفصالها عن الحاجات الفعلية. ولذلك رأى لينين أن بقاء السلطة السوفيتية يتوقف على قدرتها على إثبات فاعليتها الاقتصادية والاجتماعية، لا على تفوقها السياسي والعسكري وحده.</p>
<p>كما أدرك أن «النيب» يمكن أن تفتح الطريق أمام تحول داخلي في طبيعة الدولة. فقد ناقش رأي تيار «سمينا فيخ»، الذي نشأ بين بعض المهاجرين الروس، ورأى أصحابه أن السياسة الجديدة لن تبقى مجرد إجراء تكتيكي، بل قد تقود، من خلال تطورها الداخلي، إلى تحول الدولة السوفيتية إلى دولة برجوازية عادية. ولم يرفض لينين هذا الاحتمال بوصفه مستحيلًا، بل أقر بإمكان حدوثه وعدّه خطرًا حقيقيًا ينبغي مواجهته. (13)</p>
<p>ويعني ذلك أن قيادة الحزب الشيوعي لا توفر، في ذاتها، ضمانةً تاريخيةً مطلقة لاستمرار الاتجاه الاشتراكي. فالحزب يعمل داخل مجتمع تنتج فيه السوق مصالح وتفاوتات وضغوطًا جديدة، وقد يتعرض جهاز الدولة لتأثير المديرين والبيروقراطيين وأصحاب المصالح الخاصة. ومن هنا اكتسب سؤال «من يغلب؟» أهميةً مركزية: هل تتمكن السلطة الجديدة من إخضاع العلاقات الرأسمالية لأهدافها، أم تتحول هذه العلاقات تدريجيًا إلى قوة تؤثر في الدولة وتعيد توجيهها؟</p>
<ol start="6">
<li>حدود «النيب» ودلالتها النظرية</li>
</ol>
<p>لا يصح اختزال «النيب» في عودة بسيطة إلى الرأسمالية؛ لأنها جرت داخل دولة احتفظت بالسلطة السياسية وبالسيطرة على الصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية. وفي المقابل، لا يصح اعتبارها سياسةً اشتراكيةً في ذاتها؛ لأنها وسعت التجارة الخاصة والإنتاج السلعي وإمكانات تراكم رأس المال وظهور التفاوتات الاجتماعية.</p>
<p>كانت «النيب» محاولةً لإدارة اقتصاد مختلط في مرحلة انتقالية: قطاع عام يسيطر على المرتكزات الأساسية، وإنتاج فلاحي صغير، وتجارة خاصة، وتعاونيات، وامتيازات لرأس المال، ومؤسسات عامة تستخدم الحساب التجاري. وقد تصور لينين إمكان استخدام هذه العناصر لإعادة بناء القوى المنتجة، مع إخضاعها لاتجاه اشتراكي تقوده السلطة السياسية.</p>
<p>لكن لينين لم يقدم ضمانًا نظريًا لنجاح هذه السياسة، ولم يحدد لها مدةً ثابتة. فقد توفي سنة 1924 قبل أن تتضح نتائجها الطويلة الأجل. ولذلك ينبغي الحذر من تحويل كتاباته، المرتبطة بأزمة تاريخية محددة، إلى نظرية عامة تبرر أي استخدام ممتد للسوق تحت قيادة حزب شيوعي.</p>
<p>وتتمثل الدلالة الأساسية لـ«النيب» في أنها أثبتت إمكان استخدام السوق وبعض العلاقات الرأسمالية في مرحلة انتقالية، لكنها بينت، في الوقت نفسه، أن هذا الاستخدام يعيد إنتاج مصالح خاصة وتفاوتات وقوى اجتماعية مرتبطة بالسوق. ويتوقف اتجاه العملية على قدرة الدولة والمنتجين والمجتمع على إخضاع هذه القوى، وعلى الجهة التي تسيطر على الفائض وتحدد استخدامه، لا على الاسم السياسي للدولة أو الشكل القانوني للملكية وحدهما.</p>
<p>وبذلك لم تحسم «النيب» التناقض بين الحاجة إلى تطوير القوى المنتجة والمحافظة على الاتجاه الاشتراكي، بل نقلته إلى مستوى جديد. وبعد وفاة لينين احتدم الجدل حول مستقبل السوق والقطاع الخاص، وسرعة التصنيع، والعلاقة بين الصناعة والزراعة، وإمكان بناء الاشتراكية في بلد متأخر ومحاط بدول رأسمالية أكثر تقدمًا</p>
<p>ثالثًا: الجدل بعد لينين وحدود بناء الاشتراكية في بلد واحد</p>
<p>لم تحسم السياسة الاقتصادية الجديدة التناقض بين الحاجة إلى تطوير القوى المنتجة والمحافظة على الاتجاه الاشتراكي للثورة. فبعد وفاة لينين سنة 1924 احتدم الجدل داخل الحزب الشيوعي السوفيتي حول مستقبل «النيب»، والعلاقة بين الصناعة والزراعة، وسرعة التصنيع، وموقع السوق والقطاع الخاص، وإمكان بناء الاشتراكية في بلد متأخر ومحاط بدول رأسمالية أكثر تقدمًا.</p>
<p>ولم يكن الخلاف متعلقًا بالمفاضلة بين السوق والتخطيط وحدهما، بل شمل طبيعة الثورة وعلاقتها بمحيطها الدولي. فقد بدأت ثورة أكتوبر في بلد متأخر اقتصاديًا، في حين كان قادتها يتوقعون أن يشكل انتصارها بدايةً لثورات عمالية في البلدان الأوروبية الصناعية، ولا سيما ألمانيا. لكن إخفاق تلك الثورات واستمرار عزلة الدولة السوفيتية جعلا بناء الاقتصاد الجديد بالاعتماد على الموارد الداخلية مسألةً ملحة.</p>
<ol>
<li>تروتسكي والثورة الدائمة</li>
</ol>
<p>انطلق تروتسكي من أن التفاوت في التطور العالمي قد يسمح بانتصار الثورة في بلد متأخر قبل انتصارها في البلدان الصناعية. لكنه رأى أن استمرار هذه الثورة وتطورها نحو الاشتراكية يعتمدان على امتدادها إلى المستوى الدولي؛ لأن استيلاء الطبقة العاملة على السلطة في بلد واحد لا يلغي اعتماد اقتصاده على القوى المنتجة والتكنولوجيا وتقسيم العمل العالمي.</p>
<p>وقد لخّص تروتسكي هذا الجانب من نظريته بقوله:</p>
<p>«تبدأ الثورة الاشتراكية على الصعيد القومي، وتتطور على الصعيد الدولي، وتكتمل على الصعيد العالمي».(14)</p>
<p>ولم يكن المقصود استحالة البدء ببناء مؤسسات وعلاقات اقتصادية جديدة داخل الاتحاد السوفيتي، بل استحالة الوصول إلى مجتمع اشتراكي مكتمل ومكتفٍ بذاته داخل اقتصاد قومي معزول. ولذلك حذر تروتسكي والمعارضة اليسارية من أن استمرار العزلة، وضعف الطبقة العاملة بعد الحرب الأهلية، واتساع الجهاز الإداري، ونمو التفاوت في ظل «النيب» يمكن أن تؤدي مجتمعةً إلى تعزيز البيروقراطية وإضعاف الديمقراطية العمالية.</p>
<p>ولا يصح اختزال موقف تروتسكي في القول إن السوق ستؤدي، بصورة حتمية، إلى استعادة الرأسمالية. فقد ركز تحليله على تفاعل مجموعة من العوامل: التأخر الاقتصادي، والعزلة الدولية، وضعف الطبقة العاملة، وتوسع البيروقراطية، واختلال العلاقة بين الصناعة والزراعة، ونمو المصالح الخاصة داخل اقتصاد «النيب». وكانت المشكلة عنده سياسية واجتماعية ودولية، لا اقتصادية محضة.</p>
<p>ومع ذلك، لم تقدم نظرية الثورة الدائمة حلًا عمليًا مباشرًا لمعضلة الدولة السوفيتية بعد تعثر الثورة في أوروبا. فلم يكن في إمكانها تأجيل إعادة بناء الاقتصاد أو التصنيع انتظارًا لثورات جديدة. ومن هنا اكتسب الجدل حول إمكان بناء الاشتراكية داخل الاتحاد السوفيتي أهميةً سياسيةً وعملية، إلى جانب طابعه النظري.</p>
<ol start="2">
<li>ستالين ونظرية الاشتراكية في بلد واحد</li>
</ol>
<p>بلور ستالين، منذ منتصف عشرينيات القرن العشرين، نظرية «الاشتراكية في بلد واحد». وقد ميّز بين إمكان بناء المجتمع الاشتراكي داخل الاتحاد السوفيتي وبين ضمان الانتصار النهائي على خطر التدخل الخارجي وإعادة الرأسمالية؛ إذ ظل الانتصار النهائي، في نظره، مرتبطًا بامتداد الثورة إلى بلدان أخرى.</p>
<p>وكتب ستالين:</p>
<p>«بعد أن توطد البروليتاريا المنتصرة سلطتها، وتقود الفلاحين وراءها، فإنها تستطيع، بل يجب عليها، أن تبني المجتمع الاشتراكي». (15)</p>
<p>ورأى أن الاتحاد السوفيتي يمتلك الشروط الداخلية الضرورية لبناء الاشتراكية، مع بقاء الخطر الخارجي الناتج من وجود دول رأسمالية قوية. وبذلك رفض الاعتقاد بأن تأخر الثورة العالمية يحكم على البناء الداخلي بالفشل، وعدّ انتظار الثورة الأوروبية موقفًا من شأنه إضعاف مهمة إعادة البناء والتصنيع وتثبيت النظام الجديد.</p>
<p>استجابت هذه النظرية إلى حاجة سياسية وعملية حقيقية؛ إذ لم يكن في إمكان الدولة السوفيتية تعليق تطوير اقتصادها على انتصار ثورات لم تقع. لكنها نقلت مركز الثقل من الترابط بين الثورة الروسية والتحول الاشتراكي العالمي إلى تعبئة الموارد الداخلية وبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على حماية الدولة ومواجهة الضغوط الخارجية.</p>
<p>ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إمكان بناء قاعدة صناعية ومؤسسات عامة داخل بلد واحد وبين اكتمال المجتمع الاشتراكي في عزلة دولية. فقد تمكن الاتحاد السوفيتي من تحقيق تصنيع واسع والمحافظة على دولته، لكن ذلك لا يعني أن التناقضات المتعلقة بالبيروقراطية ومشاركة المنتجين وتوزيع السلطة والفائض قد حُلّت تلقائيًا.</p>
<ol start="3">
<li>التخلي عن «النيب» والتصنيع المتسارع</li>
</ol>
<p>في نهاية عشرينيات القرن العشرين تخلت القيادة السوفيتية عن السياسة الاقتصادية الجديدة، واتجهت إلى التصنيع السريع والتخطيط المركزي والتجميع الزراعي. وجاء هذا التحول في سياق أزمة توريد الحبوب، وخشية القيادة من اعتماد المدن والصناعة على المنتجين الفلاحيين العاملين للسوق، والرغبة في تمويل الصناعة الثقيلة خلال مدة قصيرة.</p>
<p>مثلت الخطة الخمسية الأولى، التي بدأ تنفيذها سنة 1928، انتقالًا من الاقتصاد المختلط الذي ميّز «النيب» إلى اقتصاد تخضع فيه غالبية وسائل الإنتاج والاستثمار والتوزيع لقرارات الدولة المركزية. وفي الريف فُرض التجميع الزراعي، وتراجعت الملكية الفلاحية الفردية، بينما وجهت الدولة جانبًا كبيرًا من الموارد نحو الصناعة الثقيلة والطاقة والنقل والتسلح.</p>
<p>حقق هذا المسار تحولًا صناعيًا واسعًا خلال مدة تاريخية قصيرة، وأنشأ قاعدة إنتاجية أدت لاحقًا دورًا حاسمًا في قدرة الاتحاد السوفيتي على مواجهة الغزو النازي. لكنه اقترن أيضًا باستخدام القسر في الريف، واضطراب الإنتاج الزراعي، ووقوع مجاعات واسعة، وانخفاض الاستهلاك، واتساع جهاز إداري مركزي احتكر جانبًا كبيرًا من المعلومات والقرار. (16)</p>
<p>ولا يمكن تفسير هذا التحول بوصفه نتيجةً آليةً لنظرية «الاشتراكية في بلد واحد»، كما لا يمكن فصله عن التأخر الاقتصادي والعزلة والتهديدات الخارجية. (17)  غير أن التجربة تكشف أن تعبئة الموارد بواسطة التخطيط المركزي يمكن أن تحقق نتائج صناعية كبيرة، من دون أن تقود بالضرورة إلى توسيع سيطرة المنتجين على العمل والإنتاج.</p>
<p>فالتصنيع، على الرغم من ضرورته لتطوير القاعدة المادية، لا يحدد وحده الطبيعة الاجتماعية للنظام. ويتوقف مضمونه على الجهة التي تحدد أولوياته، والكيفية التي تُجمع بها موارده، والفئات التي تتحمل تكاليفه، وطريقة توزيع ثماره، ومدى مشاركة العاملين والمجتمع في اتخاذ القرار.</p>
<ol start="4">
<li>ملكية الدولة وحدود التحول الاجتماعي</li>
</ol>
<p>ألغى النموذج السوفيتي معظم الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ووسع التخطيط المركزي، لكنه لم يُلغِ التفاوت بين من يتخذ القرار ومن ينفذه. فقد تركزت سلطة تحديد أهداف الإنتاج والاستثمار والتوزيع داخل جهاز الحزب والدولة، بينما تقلصت قدرة العمال والفلاحين على التأثير المباشر في هذه القرارات.</p>
<p>وهنا تظهر ضرورة التمييز بين ملكية الدولة والملكية الاجتماعية الفعلية. فانتقال وسائل الإنتاج من الرأسمالي الفرد إلى جهاز الدولة يلغي شكلًا أساسيًا من أشكال الملكية الخاصة، لكنه لا يضمن وحده أن يصبح المنتجون أصحاب القرار في العملية الاقتصادية. فقد تتحول إدارة الدولة إلى جهاز مستقل نسبيًا يحتكر المعلومات ويحدد الأولويات ويوزع الفائض من أعلى، من دون رقابة فعالة من العاملين والمجتمع.</p>
<p>ولا يعني ذلك مساواة المؤسسة العامة بالمؤسسة الرأسمالية الخاصة. فالمؤسسة العامة لا تعمل لمصلحة مالك خاص، ويمكن توجيه فائضها إلى التصنيع والبنية التحتية والتعليم والصحة والخدمات العامة. كما تتيح الملكية العامة إمكان التخطيط طويل الأمد وتوجيه الموارد نحو أهداف لا تحقق ربحًا سريعًا.</p>
<p>لكن المضمون الاشتراكي للملكية العامة يتوقف على طريقة إدارتها، ووجهة فائضها، وحقوق العاملين فيها، ومدى مشاركة المجتمع في تحديد أهدافها ومحاسبة القائمين عليها. ولذلك تمثل ملكية الدولة شرطًا مؤسسيًا مهمًا للتحول الاجتماعي، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية.</p>
<p>وأظهرت التجربة السوفيتية أن التخطيط يستطيع تعبئة الموارد وتحقيق أهداف صناعية كبرى، لكنه يواجه مشكلات متزايدة عندما تتركز المعلومات والقرارات داخل أجهزة إدارية واسعة. فقد تميل المؤسسات إلى تقديم بيانات تتوافق مع أهداف الخطة حتى عندما لا تعكس الواقع، وقد تتحول المؤشرات الكمية إلى غايات مستقلة، بينما تتراجع الجودة والحاجات الاستهلاكية والمبادرة المحلية.</p>
<p>ولهذا لا يمكن تفسير المشكلات التي واجهها الاقتصاد السوفيتي بالتخطيط في ذاته، بل بالشكل المؤسسي الذي اتخذه: مركزية القرار، وضعف قنوات النقد والمساءلة، ومحدودية مشاركة المنتجين، وصعوبة تصحيح الأخطاء عندما يصبح الاعتراف بها مصدرًا للمساءلة السياسية أو الإدارية.</p>
<ol start="5">
<li>السوق والخطة: تجاوز التقابل المبسّط</li>
</ol>
<p>تكشف التجربة السوفيتية أن السوق والتخطيط لا يشكلان، بمفردهما، معيارًا كافيًا للحكم على الطبيعة الاشتراكية للنظام. فقد تعمل السوق تحت سلطة دولة تقودها قوة ثورية، لكنها تظل قادرةً على إعادة إنتاج التفاوت والمنافسة ورأس المال الخاص. وفي المقابل، قد تُلغى السوق وتتوسع ملكية الدولة، من دون أن تنتقل السيطرة الفعلية على الإنتاج إلى العاملين والمجتمع.</p>
<p>ومن ثم، لا يتمثل الاختيار النظري في المفاضلة المجردة بين السوق والخطة، بل في تحديد العلاقات الاجتماعية التي تعمل كل منهما داخلها. ويقتضي ذلك البحث في مجموعة من الأسئلة: من يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يديرها فعليًا؟ ومن ينتج الفائض ويقرر استخدامه؟ وما موقع العاملين في اتخاذ القرار؟ وهل تتحول زيادة الإنتاجية إلى تحسين شروط الحياة وتقليص وقت العمل، أم تُستخدم أساسًا لزيادة التراكم وتعزيز قوة الدولة؟</p>
<p>ولا يعني ذلك أن السوق والتخطيط أداتان محايدتان تمامًا. فالسوق توسع نطاق المنافسة وتخضع المؤسسات لضغوط الربح، وقد تعيد إنتاج الملكية الخاصة والعمل المأجور والتفاوت. أما التخطيط فيتيح توجيه الموارد وفق أهداف اجتماعية بعيدة المدى، لكنه قد يتحول، في غياب المشاركة والرقابة، إلى إدارة بيروقراطية مركزية.</p>
<p>وبذلك تتحدد وظيفة السوق والخطة وفق بنية الملكية والسلطة والرقابة الاجتماعية التي تنظمهما. فالخطة لا تصبح اشتراكية لمجرد صدورها عن الدولة، والسوق لا تؤدي وظيفة انتقالية لمجرد خضوعها لإشراف حزب شيوعي. ويتمثل المعيار في اتجاه تطور العلاقات الاجتماعية نفسها: هل تتوسع مشاركة المنتجين والسيطرة الاجتماعية على الفائض، أم تترسخ سلطة رأس المال الخاص أو الجهاز الإداري المنفصل عن المجتمع؟</p>
<p>وتفيد هذه النتيجة في تحليل النموذج الصيني؛ لأنها تحول دون مساواة الاشتراكية بإلغاء السوق، كما تمنع مساواتها بملكية الدولة وحدها. لكنها لا تقدم حكمًا جاهزًا على الصين، بل تضع معايير ينبغي تطبيقها على بنيتها الفعلية، وهو ما تتناوله المقارنة بين «النيب» والإصلاح الصيني في القسم التالي.</p>
<p>رابعًا: من «النيب» إلى الإصلاح الصيني ــ أوجه التشابه وحدود المقارنة</p>
<p>تستدعي دراسة الإصلاحات الصينية التي بدأت سنة 1978 مقارنتها بالسياسة الاقتصادية الجديدة التي اعتمدها لينين سنة 1921. ففي التجربتين سمحت سلطة يقودها حزب شيوعي باستخدام السوق والتجارة الخاصة وبعض أشكال رأس المال، مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على قطاعات اقتصادية أساسية. لكن هذا التشابه لا يجعل الإصلاح الصيني امتدادًا مباشرًا لـ«النيب»؛ لأن السياق التاريخي ومدة الإصلاح ونطاق السوق ودرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي تختلف اختلافًا جوهريًا بين التجربتين.</p>
<p>ولا تهدف المقارنة إلى تبرير النموذج الصيني بالاستناد إلى لينين، بل إلى استخدام تجربة «النيب» في طرح سؤال أكثر دقة: تحت أي شروط يمكن استخدام السوق ورأس المال لتطوير القوى المنتجة، من دون أن تتحول العلاقات الرأسمالية إلى بنية مستقرة تعيد تشكيل الدولة والمجتمع وفق مصالحها؟</p>
<ol>
<li>الشروط المادية للمرحلة الانتقالية</li>
</ol>
<p>ينطلق التبرير النظري المشترك بين التجربتين من أن العلاقات الاجتماعية الجديدة لا تستطيع تجاوز الشروط الاقتصادية والثقافية الموروثة بمجرد صدور قرار سياسي. وقد أشار ماركس، في تمييزه بين المرحلتين الأولى والعليا من المجتمع الشيوعي، إلى استمرار آثار المجتمع القديم في المرحلة الأولى، فكتب:</p>
<p>«بيد أن هذه العيوب لا مفر منها في المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي، كما تكون حاله حين ينبثق بعد مخاض مديد من المجتمع الرأسمالي. إن الحق لا يمكن أن يكون قط أعلى من بنية المجتمع الاقتصادية وما يترتب عنها من تطور ثقافي».(18)</p>
<p>يتعلق هذا النص، بصورة مباشرة، بحدود الحق والتوزيع في المرحلة الأولى من المجتمع الشيوعي، ولا ينص على ضرورة استمرار السوق أو الملكية الخاصة. لكنه يؤكد أن المجتمع الجديد لا يستطيع تطبيق أشكال متقدمة من التوزيع والتنظيم تتجاوز مستوى قاعدته الإنتاجية والثقافية.</p>
<p>وتستند النظرية الصينية عن «المرحلة الأولية للاشتراكية» إلى منطق قريب من هذا التصور؛ إذ ترى أن انخفاض مستوى القوى المنتجة الذي ورثته الصين يفرض مرحلة تاريخية طويلة من التطوير الاقتصادي، يمكن خلالها استخدام السوق والملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي. غير أن التشابه في المنطلق العام لا يعني أن مفهوم المرحلة الأولية مشتق مباشرةً من نص ماركس، كما لا يثبت صحة كل سياسة تطبق باسم هذه المرحلة.</p>
<p>فالمسألة لا تتعلق بوجود مرحلة انتقالية فحسب، بل باتجاه حركتها. ويجب، لذلك، فحص ما إذا كانت السوق تؤدي وظيفةً انتقاليةً فعليةً في تطوير القوى المنتجة وإعداد شروط توسيع الملكية الاجتماعية، أم تتحول إلى علاقة دائمة تعيد إنتاج العمل المأجور والتفاوت وتراكم رأس المال الخاص. ولا تُقاس الطبيعة الانتقالية للمرحلة بطولها أو تسميتها الرسمية، بل بمدى إعدادها الشروط الضرورية لتجاوز العلاقات التي قُدّمت بوصفها مؤقتة.</p>
<p>2.«النيب»: السوق بوصفها تراجعًا منظمًا</p>
<p>اعتمد لينين السياسة الاقتصادية الجديدة بعدما كشفت «الشيوعية الحربية» عجز الدولة عن تنظيم العلاقة بين الصناعة والاقتصاد الفلاحي الصغير بواسطة المصادرة والأوامر الإدارية وحدها. وقد سمحت «النيب» للفلاحين ببيع فائض إنتاجهم بعد دفع الضريبة العينية، وأعادت التجارة الخاصة وبعض المؤسسات الصغيرة، وفتحت مجالًا محدودًا أمام رأس المال المحلي والأجنبي.</p>
<p>لم يعتبر لينين هذه العلاقات اشتراكية في ذاتها، بل أقر بأن حرية التجارة تؤدي إلى نمو الرأسمالية، (19) ولا سيما في مجتمع يضم ملايين المنتجين الصغار. وكتب في «عن الضريبة العينية» أن «حرية التجارة هي الرأسمالية». ولم تتمثل المهمة، في نظره، في إنكار هذا الواقع، بل في محاولة توجيه التطور الرأسمالي وإخضاعه للرقابة والمحاسبة، مع احتفاظ الدولة بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية.</p>
<p>كانت «النيب»، بهذا المعنى، تراجعًا اقتصاديًا منظمًا فرضه انهيار الإنتاج، لا تخليًا معلنًا عن الهدف الاشتراكي. وتمثل رهان لينين في استخدام السوق لإعادة بناء الصلة بين الصناعة والريف وتطوير القوى المنتجة، مع المحافظة على السلطة السياسية والقطاعات الأساسية في يد الدولة. لكنه لم يعتبر نجاح هذا الرهان مضمونًا؛ فقد أدرك أن السوق تعيد إنتاج مصالح رأسمالية وتفاوتات اجتماعية، وأن امتلاك الدولة للمؤسسات لا يعني تلقائيًا قدرتها على إدارتها أو إخضاع التجار والخبراء والمديرين لأهدافها.</p>
<p>أما الإصلاحات الصينية فقد انطلقت من ظروف مختلفة. لم تكن الصين سنة 1978 خارجةً من حرب أهلية مباشرة أو انهيار شامل للإنتاج، بل كانت تمتلك دولة مركزية مستقرة، وقاعدة صناعية مملوكة للدولة، ونظامًا مصرفيًا عامًا، وأرضًا ريفية خاضعة للملكية الجماعية، إلى جانب قوة عمل تحسنت مستويات تعليمها وصحتها خلال مرحلة ما قبل الإصلاح.</p>
<p>غير أن الاقتصاد الصيني كان يعاني انخفاض الإنتاجية الزراعية، وضعف إنتاج السلع الاستهلاكية، وشدة المركزية الإدارية، ومحدودية استقلال المؤسسات والحوافز الاقتصادية، فضلًا عن العزلة النسبية عن التطورات التقنية والاقتصادية العالمية. ولذلك اتجهت القيادة الصينية إلى تطبيق نظام المسؤولية الأسرية في الزراعة، ومنح الأسر حق الانتفاع بالأرض وتسويق المنتجات الزائدة، وتوسيع استقلال المؤسسات، والسماح بنمو القطاع الخاص، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة، وجذب الاستثمار الأجنبي.</p>
<p>وقدم الحزب الشيوعي الصيني هذا التحول بوصفه إصلاحًا للنظام الاشتراكي، لا انتقالًا معلنًا إلى الرأسمالية. ووفق هذا التصور، لا تتحدد اشتراكية النظام بإلغاء السوق أو الملكية الخاصة فورًا، بل باستمرار قيادة الحزب، وبقاء الملكية العامة أساسًا للنظام الاقتصادي، واحتفاظ الدولة بالمصارف الكبرى والقطاعات الاستراتيجية والقدرة على توجيه مسار التنمية.</p>
<p>وثبّت الدستور الصيني هذا التكوين المختلط؛ إذ نص على تطبيق «اقتصاد السوق الاشتراكي»، وعلى أن الملكية العامة تمثل أساس النظام الاقتصادي، مع الاعتراف بالاقتصاد غير العام وحماية الملكية الخاصة وتنظيم الاستثمار الأجنبي. (20) ولم تعد السوق، بعد عقود من الإصلاح، إجراءً تكتيكيًا محدودًا، بل أصبحت مكونًا دستوريًا ومؤسسيًا طويل الأمد. وأكدت القيادة الصينية سنة 2013 أن السوق تؤدي «دورًا حاسمًا في تخصيص الموارد» (21)، مع التشديد على تحسين دور الحكومة واستمرار الموقع القيادي للملكية العامة.</p>
<p>ويبين باري نوتون أن التحول الصيني لم يجرِ من خلال خصخصة شاملة أو تطبيق «العلاج بالصدمة»، بل من خلال عملية طويلة من التجريب المحلي والتكيف المؤسسي والتوسع التدريجي للسوق والقطاع الخاص، مع استمرار حضور الدولة في الائتمان والاستثمار والصناعة والسياسة الاقتصادية. وقد أسهم هذا الجمع بين السوق والدولة في تسريع النمو، لكنه أنشأ بنيةً اقتصاديةً مركبةً تتجاور فيها أشكال مختلفة من الملكية والتنظيم. (22)</p>
<ol start="3">
<li>أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين</li>
</ol>
<p>تتشابه «النيب» والإصلاحات الصينية في أربعة جوانب أساسية. أولهما أن التجربتين انطلقتا من إدراك أن الإنتاج السلعي والسوق لا يمكن إلغاؤهما بقرار إداري داخل اقتصاد لم يبلغ مستوىً يتيح تنظيم الإنتاج والتوزيع اجتماعيًا على نطاق شامل. فقد واجهت روسيا السوفيتية اقتصادًا فلاحيًا صغيرًا دمرته الحرب، بينما واجهت الصين الحاجة إلى رفع الإنتاجية وتحديث الصناعة والزراعة واكتساب التكنولوجيا.</p>
<p>ويتمثل الجانب الثاني في احتفاظ الدولة، في الحالتين، بالسلطة السياسية والسيطرة على قطاعات اقتصادية أساسية، مع السماح بدرجات متفاوتة من التجارة والنشاط الخاص. وكان الهدف المعلن هو استخدام هذه العلاقات في تطوير الاقتصاد، من دون السماح لرأس المال الخاص بالتحول إلى قوة مستقلة تسيطر على الدولة.</p>
<p>أما الجانب الثالث فيتمثل في استخدام مفهوم المرحلة الانتقالية لتفسير التعايش بين أشكال متعددة من الملكية والإنتاج. فقد تحدث لينين عن اقتصاد يضم القطاع العام ورأسمالية الدولة والإنتاج الفلاحي الصغير والتعاونيات والتجارة الخاصة، بينما تتحدث الصين عن «المرحلة الأولية للاشتراكية» وتعدد أشكال الملكية داخل «اقتصاد السوق الاشتراكي».</p>
<p>ويتمثل الجانب الرابع في عدّ تطوير القوى المنتجة شرطًا ضروريًا لتعزيز القاعدة المادية للاشتراكية. فلم تكن السوق، في التبرير النظري للتجربتين، هدفًا في ذاتها، بل وسيلةً لزيادة الإنتاج، وتحسين العلاقة بين قطاعات الاقتصاد، والاستفادة من التكنولوجيا والخبرة الإدارية، وتوفير السلع التي يحتاج إليها السكان.</p>
<p>لكن هذه الأوجه المشتركة لا تلغي الاختلافات البنيوية بين التجربتين. ويظهر الاختلاف الأول في المدة التاريخية؛ فقد استمرت «النيب» من سنة 1921 حتى نهاية عشرينيات القرن العشرين، وظلت تُعرض بوصفها تراجعًا تكتيكيًا فرضته أزمة اقتصادية وسياسية محددة. أما الإصلاح الصيني فقد استمر قرابة نصف قرن، وأصبحت السوق خلاله عنصرًا دستوريًا ومؤسسيًا طويل الأمد، من دون تحديد مرحلة قريبة لإلغائها.</p>
<p>ولا يثبت طول المدة وحده تحول الصين إلى الرأسمالية؛ فالتحولات الاجتماعية الكبرى قد تستغرق مراحل تاريخية طويلة، ولا سيما في بلد كان يسعى إلى تجاوز التخلف واللحاق بالدول الصناعية المتقدمة. لكن استمرار السوق والقطاع الخاص أتاح نشوء مصالح وفئات ومؤسسات تستفيد من الملكية الخاصة والعمل المأجور والمنافسة، وأصبح وجودها عاملًا مؤثرًا في الاقتصاد والمجتمع.</p>
<p>ويظهر الاختلاف الثاني في نطاق القطاع الخاص. فقد تركز النشاط الخاص في ظل «النيب» أساسًا في التجارة والإنتاج الصغير والزراعة وبعض الامتيازات، بينما نشأت في الصين شركات خاصة كبيرة تعمل في الصناعة والتكنولوجيا والعقارات والخدمات والتجارة، وراكم أصحابها ثروات واسعة، وأصبحت هذه الشركات تؤدي دورًا مهمًا في التشغيل والابتكار والتصدير.</p>
<p>أما الاختلاف الثالث فيتصل بدرجة الاندماج في الاقتصاد العالمي. فقد طُبقت «النيب» في دولة معزولة ومحاصرة نسبيًا، بينما استخدمت الصين التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي وسلاسل الإنتاج العالمية لنقل التكنولوجيا وتوسيع التصنيع والصادرات. وقد أسهم هذا الاندماج في تطوير القوى المنتجة وبناء القدرات الوطنية، لكنه أخضع قطاعات واسعة من الاقتصاد الصيني لضغوط المنافسة العالمية والربحية وخفض تكاليف العمل.</p>
<p>وبذلك تكشف المقارنة عن تشابه في المعضلة، لا عن تطابق في التجربة. ففي الحالتين استُخدمت السوق لتطوير القوى المنتجة تحت سلطة يقودها حزب شيوعي، مع احتفاظ الدولة بقطاعات استراتيجية. لكن اختلاف المدة والنطاق والاندماج العالمي وحجم القطاع الخاص يجعل تقويم الصين محتاجًا إلى تحليل مستقل لبنية الملكية، والعمل، والسلطة والفائض.. (23)</p>
<ol start="4">
<li>ملكية الدولة والتملك الاجتماعي</li>
</ol>
<p>تكتسب ملكية الدولة أهميةً خاصةً في المقارنة بين «النيب» والإصلاح الصيني. فقد احتفظت الدولة السوفيتية بالصناعة الكبرى والمصارف والنقل والتجارة الخارجية، بينما تحتفظ الدولة الصينية بالمصارف الكبرى والأرض الحضرية والطاقة والاتصالات والنقل وعدد من الصناعات الاستراتيجية، في حين تخضع الأرض الريفية للملكية الجماعية.</p>
<p>لكن إنجلز لم يعتبر انتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة غايةً نهائيةً مكتفيةً بذاتها. فقد كتب في «ضد دوهرنغ»:</p>
<p>«فالبروليتاريا تتولى زمام السلطة في الدولة وتحول وسائل الإنتاج بالدرجة الأولى إلى ملكية الدولة». (24)</p>
<p>تكشف عبارة «بالدرجة الأولى» أن انتقال وسائل الإنتاج إلى الدولة يمثل بدايةً لتحول أوسع، لا نهايته. ولذلك لا تكفي الملكية القانونية للدولة لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية؛ إذ يتوقف مضمونها على طريقة إدارة المؤسسات، والجهة التي تحدد أهداف الإنتاج واستخدام الفائض، ومدى مشاركة المنتجين والمجتمع في الرقابة واتخاذ القرار.</p>
<p>ويقتضي تحليل الملكية العامة التمييز بين ثلاثة مستويات. يتمثل المستوى الأول في الملكية القانونية لوسائل الإنتاج، أي الجهة المسجلة رسميًا بوصفها مالكةً للمؤسسة أو الأصل. ويتمثل المستوى الثاني في السيطرة الإدارية الفعلية، أي الجهة التي تتخذ قرارات الاستثمار، والإنتاج، والتوظيف والتوزيع. أما المستوى الثالث فيتعلق بالرقابة الاجتماعية ومشاركة المنتجين في تحديد أهداف الإنتاج واستخدام الفائض.</p>
<p>لا يتحقق المضمون الاجتماعي للملكية بمجرد المستوى الأول. وإنما يتعمق كلما خضعت الإدارة للمساءلة، واتسعت مشاركة المنتجين، وتوجه الفائض نحو تطوير القوى المنتجة وتلبية الحاجات العامة. وبهذا المعنى تمثل ملكية الدولة إمكانًا ماديًا ومؤسسيًا للانتقال الاشتراكي، لكنها لا تقدم، بمفردها، دليلًا كافيًا على اكتماله.</p>
<p>وينطبق هذا التمييز على الصين. فالمصرف العام يستطيع توجيه الائتمان إلى الصناعة والبنية التحتية والخدمات العامة، لكنه قد يمول كذلك التوسع العقاري أو مؤسسات تعمل أساسًا وفق معيار الربحية. كما تستطيع الشركة العامة تنفيذ أهداف صناعية واستراتيجية واجتماعية، مع استمرار استخدامها العمل المأجور وخضوعها لضغوط السوق والمنافسة، ومن دون مشاركة فعالة للعاملين في إدارتها.</p>
<p>ولذلك لا يكفي التعريف الرسمي للنظام، مثلما لا يكفي وجود مؤسسات عامة كبيرة، للحكم على طبيعته الاجتماعية. فالمعيار لا يتمثل في ملكية الدولة وحدها، وإنما في العلاقة بين هذه الملكية والسيطرة الاجتماعية الفعلية على الإنتاج والفائض.</p>
<ol start="5">
<li>إنتاج الفائض وإعادة توزيعه</li>
</ol>
<p>ينبغي التمييز بين إنتاج الفائض داخل المؤسسة الخاصة وبين الجزء الذي تستعيده الدولة منه لاحقًا. ففي الشركات الخاصة والأجنبية ينتج العاملون، من خلال العمل المأجور، قيمةً تتجاوز ما يحصلون عليه في صورة أجور. ويظهر هذا الفائض في صورة أرباح تستحوذ عليها المؤسسة، ثم تعيد استثمار قسم منها أو توزعه على المالكين والمساهمين.</p>
<p>وتحصل الدولة لاحقًا على جزء من الأرباح والدخول الخاصة من خلال الضرائب والرسوم وإيرادات الأرض وتنظيم الائتمان. وقد تستخدم هذه الموارد في البنية التحتية والتعليم والصحة والتكنولوجيا والضمان الاجتماعي والحد من الفقر، وهو ما يمنح النموذج الصيني قدرةً تنمويةً واجتماعيةً لا يمكن تجاهلها.</p>
<p>لكن إعادة توزيع جانب من الأرباح عن طريق الدولة لا تلغي العلاقة التي أُنتج فيها فائض القيمة داخل المؤسسة الخاصة. فالدولة تستطيع الحد من نتائج التراكم الخاص وتنظيمه وتوجيه جزء منه نحو المجتمع، لكنها لا تلغي بذلك انفصال العامل عن ملكية المؤسسة وقرارها، ولا الاستيلاء الخاص الأولي على الفائض.</p>
<p>ولا يعني هذا التقليل من أهمية الضرائب وإعادة التوزيع؛ فهما تؤثران بوضوح في النتائج الاجتماعية للتراكم، وقد تحدان من التفاوت وتوفران خدمات عامة ضرورية. لكنهما تختلفان عن تغيير علاقات الإنتاج داخل المؤسسة نفسها. ومن ثم يجب التمييز بين تنظيم توزيع الفائض بعد إنتاجه وبين تغيير الجهة التي تسيطر على عملية إنتاجه واستخدامه منذ البداية.</p>
<p>وينطبق هذا التمييز، بصورة مختلفة، على المؤسسات العامة. فالفائض المتحقق فيها لا يذهب إلى مالك رأسمالي فردي، ويمكن توجيهه إلى الاستثمار العام، والخدمات والبنية التحتية والتكنولوجيا. لكنه قد يُستخدم كذلك في توسيع المؤسسة والمنافسة التجارية أو في تمويل أهداف الدولة الصناعية والاستراتيجية، من دون مشاركة فعلية من العاملين والمجتمع في تحديد تلك الأهداف.</p>
<p>ولذلك لا ينبغي افتراض مضمون اجتماعي واحد لكل فائض تحققه مؤسسة مملوكة للدولة. فمضمونه يتوقف على الجهة التي تقرر استخدامه، والغايات التي يُوجّه إليها، ومقدار ما يعود منه إلى المجتمع في صورة خدمات وأجور وضمان اجتماعي وتطوير للقوى المنتجة، ومدى مشاركة العاملين في تحديد هذه الأولويات.</p>
<ol start="6">
<li>سيطرة الدولة على رأس المال والرقابة الاجتماعية على الدولة</li>
</ol>
<p>تمتلك الدولة الصينية أدوات واسعة لتوجيه رأس المال، من بينها المصارف العامة، وملكية الأرض الحضرية، والتخطيط، والتراخيص، والسياسة الصناعية، والرقابة التنظيمية، ووجود تنظيمات الحزب داخل المؤسسات العامة والخاصة. وتتيح لها هذه الأدوات تقييد نشاط الشركات وإعادة توجيه الاستثمار عندما يتعارض مع الأولويات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الاستراتيجية للدولة.</p>
<p>غير أن قدرة الدولة على تنظيم رأس المال الخاص لا تعني تلقائيًا خضوع أجهزة الدولة والمؤسسات العامة لرقابة المنتجين والمجتمع. فقد تكون الدولة قوية في مواجهة الشركات الخاصة، لكنها تظل مركزية وبيروقراطية في علاقتها بالعاملين والمجتمعات المحلية. ولذلك ينبغي التمييز بين سيطرة الدولة على رأس المال وتنظيمها للسوق من جهة، والرقابة الاجتماعية على الدولة ومشاركة المنتجين في إدارة المؤسسات من جهة أخرى.</p>
<p>ويمثل هذا التمييز معيارًا أساسيًا للحكم على اتجاه النموذج الصيني. فالاشتراكية لا تختزل في وجود دولة قادرة على توجيه السوق ومنع رأس المال الخاص من الاستيلاء المباشر على السلطة السياسية، بل تقتضي كذلك انتقالًا تدريجيًا نحو مشاركة المنتجين والمجتمع في إدارة المؤسسات وتحديد أولويات الاستثمار واستخدام الفائض.</p>
<p>وتكتسب مخاطر البيروقراطية أهميةً خاصةً في هذا السياق. فقد تؤدي ضخامة جهاز الدولة والحزب والمؤسسات العامة إلى تركز المعلومات والقرار في أيدي الإدارات والمديرين والخبراء. وإذا ضعفت الشفافية والمساءلة وتدفق المعلومات من المستويات الدنيا إلى العليا، فقد تنفصل الإدارة عن المنتجين وتتحول ملكية الدولة، عمليًا، إلى سيطرة إدارية على الثروة العامة.</p>
<p>ولا يعني ذلك أن ملكية الدولة أو التخطيط يقودان حتمًا إلى البيروقراطية، بل إن خطرها يرتبط بضعف المشاركة والرقابة الاجتماعية. ومن ثم، لا تعتمد مواجهة البيروقراطية على حملات الانضباط والرقابة من أعلى وحدها، بل تحتاج كذلك إلى مشاركة العاملين، وشفافية المعلومات، وإمكان النقد وكشف الأخطاء، وخضوع المسؤولين والمؤسسات العامة للمساءلة.</p>
<p>ولا تقدم سياسة «النيب» تبريرًا جاهزًا لكل جوانب الإصلاح الصيني. فقد أثبتت إمكان استخدام السوق وبعض العلاقات الرأسمالية داخل مرحلة انتقالية، لكنها أكدت كذلك أن هذه العلاقات تعيد إنتاج رأس المال والتفاوت والمصالح الخاصة والصراع حول اتجاه الدولة. ولذلك لا يكفي القول إن لينين سمح بالسوق لكي يصبح كل توسع طويل الأمد للقطاع الخاص منسجمًا بالضرورة مع الانتقال الاشتراكي.</p>
<p>وفي المقابل، لا يجوز تجاهل الفروق بين الصين والاقتصادات الرأسمالية الليبرالية. فاحتفاظ الدولة بالمصارف والأرض الحضرية والقطاعات الاستراتيجية، وقدرتها على توجيه الائتمان والاستثمار، يمنحها أدوات فعلية لتقييد رأس المال وتحديد أولويات التنمية. غير أن وجود هذه الأدوات يمثل إمكانًا للتحول الاجتماعي، ولا يُعد وحده دليلًا على تحققه.</p>
<p>كما لا يصح مطالبة الصين بإلغاء السوق والعمل المأجور قبل استكمال تطوير قواها المنتجة، مثلما لا يصح تحويل مفهوم «المرحلة الأولية» إلى تبرير مفتوح لاستمرار السوق والملكية الخاصة والتفاوت إلى أجل غير محدد. فالقيمة الانتقالية للمرحلة تُقاس بمدى إعدادها شروط تجاوز علاقاتها المؤقتة، لا بمجرد استمرارها أو تسميتها الرسمية.</p>
<p>وعلى هذا الأساس، لا يُقاس الاتجاه الفعلي للنموذج الصيني بالغايات المعلنة وحدها، بل بمدى توسع الملكية الاجتماعية وحقوق العمل والرقابة العامة، وتراجع التفاوت والاستيلاء الخاص على الفائض، وتحول زيادة الإنتاجية إلى أجور أفضل وخدمات عامة وتقليص لوقت العمل ومشاركة أوسع للمنتجين. وتمهد هذه المعايير للانتقال من المناقشة النظرية إلى تتبع التطور التاريخي للنموذج الصيني في الفصل التالي.</p>
<p>&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;&#8212;-</p>
<p>الهوامش</p>
<p>(1) كارل ماركس، «مقدمة»، ضمن: مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة راشد البراوي، القاهرة: دار النهضة العربية، 1969، ص 2–3، ولا سيما ص 3.</p>
<p>(2) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية، القسم الأول: «فيورباخ»، فقرة «تطور القوى المنتجة بوصفه مقدمة مادية للشيوعية»، ترجمة فؤاد أيوب، بيروت: دار الفارابي، 2016، ص 55.</p>
<p>(3) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، الفصل الأول: «البرجوازيون والبروليتاريون»، ص 63.</p>
<p>(4) فريدريك إنجلز، «مبادئ الشيوعية»، ولا سيما السؤال التاسع عشر المتعلق بإمكان وقوع الثورة في بلد واحد منفرد، بوابة الاشتراكي، النص العربي.</p>
<p>(5) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، «مقدمة الطبعة الروسية الثانية من البيان الشيوعي»، لندن، 21 كانون الثاني/يناير 1882، ضمن: حول روسيا، ط1، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، د.ت، ص 143 وما بعدها.</p>
<p>(6) فريدريك إنجلز، «الوضع في روسيا»، رسالة إلى فيرا زاسوليتش، 23 نيسان/أبريل 1885، ضمن: كارل ماركس وفريدريك إنجلز، حول روسيا، ط1، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، د.ت، ص 137–142.</p>
<p>(7) فلاديمير إيليتش لينين، «تقرير حول الاستعاضة عن المصادرة بالضريبة العينية»، 15 آذار/مارس 1921، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد العاشر: 1920–1923، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 349 وما بعدها.</p>
<p>(8) فلاديمير إيليتش لينين، «التقرير السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي (البلشفي) أمام المؤتمر الحادي عشر»، 27 آذار/مارس 1922، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد العاشر: 1920–1923، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1978، ص 455–457.</p>
<p>(9) المصدر نفسه، ص 464.</p>
<p>(10) المصدر نفسه، ص 467–468.</p>
<p>(11) المصدر نفسه، ص 468–469.</p>
<p>(12) المصدر نفسه، ص 476.</p>
<p>(13) المصدر نفسه، ص 477–479.</p>
<p>(14) ليون تروتسكي، الثورة الدائمة، كُتب سنة 1928، ترجمة بشار أبو سمرا، ط1، بيروت: دار الطليعة، 1965، الفصل التاسع: «ما الثورة الدائمة؟ موضوعات أساسية»، النص العربي؛ وقارن: ليون تروتسكي، نتائج وتوقعات، النسخة الإلكترونية، ص 168، ملف الكتاب.</p>
<p>(15) جوزيف ستالين، «أسس اللينينية»، الفصل الثالث: «النظرية»، ضمن: أسس اللينينية؛ حول مسائل اللينينية، النسخة العربية.</p>
<p>(16) روجيه بورتال، «بناء مجتمع اشتراكي في الاتحاد السوفيتي»، ضمن: جاك دروز، التاريخ العام للاشتراكية: من 1919 إلى 1945، الجزء الثالث، ترجمة أنطوان حمصي، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2002، ولا سيما الصفحات المتعلقة بالتصنيع والتجميع الزراعي وآثارهما الاجتماعية.</p>
<p>(17) جوزيف ستالين، «مسألة انتصار الاشتراكية في بلد واحد»، ضمن: أسس اللينينية؛ حول مسائل اللينينية، ص 199 وما بعدها.</p>
<p>(18) كارل ماركس، «نقد برنامج غوتا»، ضمن: دراسات اقتصادية مختارة (2)، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ص 314.</p>
<p>(19) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973.</p>
<p>(20) دستور جمهورية الصين الشعبية، ولا سيما المواد 6–18 المتعلقة بالملكية العامة والاقتصاد غير العام وتطبيق «اقتصاد السوق الاشتراكي»، الترجمة العربية للدستور.</p>
<p>(21) «نظام اقتصاد السوق الاشتراكي»، شبكة الصين، 8 تموز/يوليو 2022؛ ويتناول قرار سنة 2013 بشأن جعل السوق تؤدي دورًا حاسمًا في تخصيص الموارد، مع أداء الحكومة دورها بصورة أفضل، النص العربي.</p>
<p>(22) Barry J. Naughton, The Chinese Economy: Adaptation and Growth, 2nd ed., Cambridge, MA: MIT Press, 2018، ولا سيما الفصول المتعلقة بالإصلاح التدريجي والتكيف المؤسسي، وبنية الملكية، ودور الدولة، وتوسع القطاع الخاص والاندماج في الاقتصاد العالمي.</p>
<p>(23) Barry J. Naughton, The Chinese Economy: Adaptation and Growth، مصدر سابق، ولا سيما الفصول المتعلقة بالطابع التراكمي للإصلاح وتحول السوق والقطاع الخاص إلى مكونين بنيويين في الاقتصاد.</p>
<p>(24) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، قسم «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»، موسكو: دار التقدم، ص 336.</p>
<p>يتبع</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/09/07/%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b8%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>دراسة في الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكّل علاقات الإنتاج في الرأسمالية الرقمية- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/08/25/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b5%d8%b7%d9%86%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%b4%d9%83%d9%91/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 24 Aug 2026 21:08:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[البيانات و النشاطات]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=107201</guid>

					<description><![CDATA[تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمية المقدمة يشهد العالم المعاصر تحولات تكنولوجية متسارعة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد وأنماط الإنتاج والعمل، حتى أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h6><strong>تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمية</strong></h6>
<h6></h6>
<h6><strong>المقدمة</strong></h6>
<h6>يشهد العالم المعاصر تحولات تكنولوجية متسارعة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد وأنماط الإنتاج والعمل، حتى أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في تطور الرأسمالية الراهنة. ولم يعد أثر التكنولوجيا مقتصرًا على تطوير وسائل الإنتاج ورفع إنتاجية العمل، كما ظهر خلال الثورة الصناعية، بل امتد إلى إنتاج المعرفة، وتنظيم الأسواق، وإدارة العمل، وتوجيه الانتباه، والمشاركة في صنع القرار. وفي سياق هذه التحولات برزت مفاهيم مثل «الرأسمالية الرقمية» و«اقتصاد المنصات» و«اقتصاد البيانات»، للتعبير عن مرحلة أصبحت فيها المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية موارد إنتاجية ومصادر متزايدة للثروة والسلطة.</h6>
<h6>وتثير هذه التحولات إشكالية نظرية مركزية: هل تمثل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي قطيعة مع التحليل الذي قدمه ماركس وإنجلز لتطور الرأسمالية، أم تعبران عن مرحلة نوعية جديدة من تطور القوى المنتجة يمكن فهمها في ضوء مفاهيم المادية التاريخية؟ ويتفرع من هذا السؤال بحث الكيفية التي أعادت بها الخوارزميات والبيانات والبنية الحاسوبية تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا والعمل والملكية، ومدى استمرار التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه في ظل الرأسمالية الرقمية.</h6>
<h6>ويُعد مفهوم القوى المنتجة من المفاهيم الأساسية في الفكر الماركسي؛ لأنه يربط تطور القدرات المادية والمعرفية للمجتمع بالتحولات التي تطرأ على بنيته الاقتصادية والاجتماعية. ولا تقتصر القوى المنتجة على الآلات والأدوات، بل تشمل قوة العمل البشرية، والمعرفة العلمية، والخبرة التقنية، وتنظيم العمل، وأشكال التعاون، وسائر القدرات التي تسهم في إنتاج الثروة الاجتماعية. غير أن هذه القوى لا تتطور بصورة مستقلة عن المجتمع، وإنما داخل علاقات إنتاج تاريخية تحدد أشكال الملكية والسيطرة، وتنظم عملية العمل وتوزيع الموارد ونتائج الإنتاج.</h6>
<h6>ولم يتبلور هذا المفهوم في مؤلفات ماركس وإنجلز دفعة واحدة، بل تطور في سياق تحليلهما لصعود الرأسمالية الصناعية وتحولاتها. ففي «الأيديولوجيا الألمانية» ارتبط بالتأسيس المادي لفهم التاريخ، من خلال ربط أشكال الحياة الاجتماعية بالنشاط المادي وتقسيم العمل وأنماط الملكية. وفي «البيان الشيوعي» اكتسب بعدًا تاريخيًا أوضح، إذ ظهرت الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج بوصفها سمة ملازمة للرأسمالية ومصدرًا لقوتها وتناقضاتها. وقدّم إنجلز، في «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، تحليلًا واقعيًا للآثار التي أحدثها الإنتاج الصناعي في العمل والمدينة والسكن والصحة ومجمل الحياة الاجتماعية.</h6>
<h6>وتعمق هذا التحليل في «الغروندريسه»، ولا سيما في المقطع المعروف بـ«مقطع الآلات»، حيث تناول ماركس اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج، وتحول المعرفة الاجتماعية العامة إلى قوة إنتاجية مباشرة. ثم قدّم في «رأس المال» تحليله الاقتصادي الأكثر اكتمالًا للآلة والصناعة الكبرى، موضحًا دور التكنولوجيا في رفع الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة النسبي وإعادة تنظيم عملية العمل وتعميق خضوع العامل لرأس المال. ويتيح هذا المسار النظري الانتقال من تحليل الآلة الميكانيكية إلى بحث الخوارزمية والذكاء الاصطناعي بوصفهما شكلين معاصرين لتجسد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج.</h6>
<h6>ولا يعني هذا الانتقال أن ماركس تنبأ بالذكاء الاصطناعي أو باقتصاد المنصات، كما لا يعني إمكان إسقاط مفاهيم القرن التاسع عشر على الواقع المعاصر من دون مراعاة الاختلافات التاريخية والتقنية. فالذكاء الاصطناعي يتميز بقدرته على معالجة كميات واسعة من البيانات، والتدخل في بعض المهام المعرفية واللغوية والتحليلية، والمشاركة في تنظيم العمل والخدمات وصنع القرار. ومع ذلك، توفر مفاهيم القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وفائض القيمة ورأس المال الثابت و«العقل العام» أدوات نظرية تساعد على فهم موقع هذه التكنولوجيا داخل الرأسمالية المعاصرة، والكشف عن العلاقات الاجتماعية التي تنظّم ملكيتها واستخدامها وتوزيع ثمارها.</h6>
<h6>وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الانتقال من الآلة الميكانيكية إلى الخوارزمية لا يمثل خروجًا كاملًا عن المنطق الذي حلل به ماركس تطور الرأسمالية، بل يعبر عن مرحلة نوعية جديدة من تطور القوى المنتجة تعيد فيها الرأسمالية إنتاج تناقضاتها ضمن شروط تقنية أكثر تعقيدًا. فكما ارتبط استخدام الآلة الصناعية بزيادة الإنتاجية وإعادة تنظيم العمل وتعظيم تراكم رأس المال، أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تؤدي وظائف مماثلة، مع امتداد تأثيرها من الإنتاج المادي المباشر إلى إنتاج المعرفة وتنظيم الأسواق ومراقبة العمل والمشاركة في صنع القرار.</h6>
<h6>غير أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل قوة مستقلة تقود حتميًا إلى التحرر أو إلى مزيد من السيطرة. فهو يتيح إمكانات واسعة لتقليص زمن العمل الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتعزيز القدرة على تخطيط الموارد وتنسيقها. لكنه قد يُستخدم كذلك لتقليل العمالة، وزيادة كثافة العمل، وتوسيع المراقبة الرقمية، وتركيز الملكية والسلطة الاقتصادية. ولذلك لا تتحدد نتائجه الاجتماعية بخصائصه التقنية وحدها، بل بعلاقات الملكية والعمل والسلطة، وبالمؤسسات التي تحدد أهداف استخدامه والكيفية التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية والمخاطر الناجمة عنها.</h6>
<h6>وتهدف الدراسة، انطلاقًا من ذلك، إلى تتبع تطور مفهوم القوى المنتجة في فكر ماركس وإنجلز، وتحليل العلاقة التي أقاماها بين التكنولوجيا والعمل وعلاقات الإنتاج، ثم اختبار القدرة التفسيرية لهذه المفاهيم في قراءة الرأسمالية الرقمية والذكاء الاصطناعي. كما تبحث الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي يمكن أن تجعل تطور القوى المنتجة أساسًا لتحسين حياة الإنسان وتوسيع حريته، من خلال مناقشة ملكية البيانات والخوارزميات والبنى الحاسوبية، وتقليص زمن العمل، والتخطيط الاجتماعي، والمشاركة الديمقراطية، ومخاطر البيروقراطية والمراقبة. ولا تُطرح الاشتراكية هنا بوصفها نتيجة تلقائية للتقدم التقني، بل باعتبارها إمكانًا تاريخيًا مشروطًا بتغيير علاقات الملكية والقرار وتنظيم العمل.</h6>
<h6>وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، من خلال تتبع المفهوم في النصوص الأساسية لماركس وإنجلز، وربطه بسياقاته النظرية والتاريخية، ثم توظيف نتائجه في تحليل التحولات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي المعاصر، مع الاستفادة من الدراسات والتقارير الحديثة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والعمل والبيانات والمنصات والبنية الحاسوبية. وتقوم هذه المقاربة على التمييز بين النص الماركسي في سياقه التاريخي والاستخدام المعاصر لمفاهيمه، بما يمنع تحويلها إلى صيغ جامدة أو نبوءات تقنية، ويحافظ في الوقت نفسه على قدرتها النقدية والتفسيرية.</h6>
<h6>وتنتظم الدراسة في ثمانية فصول مترابطة. تتناول الفصول الخمسة الأولى تطور مفهوم القوى المنتجة في «الأيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» و«حالة الطبقة العاملة في إنجلترا» و«رأس المال» و«الغروندريسه». وينتقل الفصل السادس من الآلة إلى الخوارزمية، من خلال تحليل موقع البيانات والذكاء الاصطناعي في القوى المنتجة المعاصرة. ويبحث الفصل السابع تناقضات الرأسمالية الرقمية وإمكانات الذكاء الاصطناعي وحدوده، بينما يناقش الفصل الثامن الشروط الاجتماعية والمؤسسية لإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، ولا سيما الملكية الاجتماعية للبنية الرقمية، وتقليص زمن العمل الضروري، والتخطيط الخوارزمي، والمشاركة الديمقراطية، ومخاطر البيروقراطية والمراقبة.</h6>
<h6><strong>الفصل الأول: «الأيديولوجيا الألمانية» والتأسيس النظري لمفهوم القوى المنتجة</strong></h6>
<h6>تمثل «الأيديولوجيا الألمانية» (1845–1846) منعطفًا أساسيًا في تطور فكر ماركس وإنجلز، إذ انتقلا فيها من نقد الفلسفة المثالية الألمانية إلى تأسيس تصور مادي للتاريخ والمجتمع. فلم يعد التاريخ يُفسَّر انطلاقًا من تطور الأفكار أو أشكال الوعي، بل من النشاط المادي الذي ينتج البشر من خلاله شروط حياتهم. ومن ثم، أصبح إنتاج وسائل العيش نقطة البداية لفهم نشوء العلاقات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والأشكال الفكرية، بدل النظر إليها بوصفها قوى مستقلة تتحكم في حركة التاريخ.(1)</h6>
<h6>وفي هذا الإطار، تبلور مفهوم القوى المنتجة بوصفه تعبيرًا عن القدرات المادية والبشرية التي يمتلكها المجتمع في مرحلة تاريخية معينة. وتشمل هذه القدرات قوة العمل وأدوات الإنتاج والخبرات العملية وتقسيم العمل وأشكال التعاون التي تتيح للمجتمع إنتاج شروط وجوده. ولذلك لا تظهر القوى المنتجة، في «الأيديولوجيا الألمانية»، باعتبارها عناصر تقنية منعزلة، بل بوصفها قوى اجتماعية تتطور من خلال نشاط البشر وعلاقاتهم المتبادلة.(2)</h6>
<h6>ويرتبط تطور القوى المنتجة بتطور تقسيم العمل وأشكال التعامل الاجتماعي؛ فكل مرحلة جديدة في تقسيم العمل تُحدث تغيرًا في تنظيم النشاط الإنتاجي وفي العلاقات القائمة بين الأفراد والجماعات. ومع اتساع الإنتاج والتبادل، تتجاوز القوى المنتجة الحدود المحلية، وتزداد المجتمعات والمناطق اعتمادًا بعضها على بعض. وهكذا لا يعود التاريخ مجرد تعاقب للأفكار والأنظمة السياسية، بل يصبح مسارًا ماديًا تتفاعل فيه وسائل الإنتاج وتقسيم العمل وأشكال التعاون والملكية.</h6>
<h6>غير أن القوى المنتجة الناشئة من النشاط المشترك للبشر قد تظهر أمامهم بوصفها قوة مستقلة لا يسيطرون عليها؛ لأن تقسيم العمل والملكية الخاصة يفصلان المنتجين عن شروط إنتاجهم وعن النتائج الاجتماعية لنشاطهم. ومن هنا برز أحد التناقضات الأساسية التي سيطورها ماركس في أعماله اللاحقة: فالقوى التي ينتجها المجتمع بصورة جماعية لا تخضع بالضرورة لسيطرته الواعية، بل قد تتحول، في ظل علاقات اجتماعية محددة، إلى قوة تهيمن على المنتجين أنفسهم.</h6>
<h6>ولا تقدم «الأيديولوجيا الألمانية» الصياغة الاقتصادية المكتملة للعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، لكنها تضع أسسها النظرية من خلال الربط بين تطور القدرات الإنتاجية وأشكال تقسيم العمل والملكية والتعامل الاجتماعي. وقد منح ماركس هذه العلاقة صياغة أكثر تحديدًا في «مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» سنة 1859، حين بيّن أن قوى الإنتاج المادية تدخل، عند مرحلة معينة من تطورها، في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، فتتحول هذه العلاقات من أشكال ساعدت على نمو القوى المنتجة إلى قيود تعوق استمرار تطورها.(3)</h6>
<h6>ولا يعني هذا التناقض أن التحول الاجتماعي يقع بصورة آلية بمجرد تطور القوى المنتجة؛ لأن الانتقال من نمط إنتاج إلى آخر يرتبط كذلك بالصراعات الاجتماعية وبأشكال الوعي والتنظيم والعمل السياسي. لكنه يعني أن هذه الصراعات لا تنشأ في فراغ، بل تتطور في ارتباط بالشروط المادية والتناقضات الموضوعية داخل نمط الإنتاج نفسه. وبذلك وفرت «الأيديولوجيا الألمانية» الأساس النظري الذي سمح لماركس وإنجلز بالانتقال من نقد الفلسفة المثالية إلى تحليل الحركة التاريخية للمجتمع الرأسمالي.</h6>
<h6>ويظهر هذا الانتقال بصورة أكثر وضوحًا في «البيان الشيوعي»، حيث لم تعد القوى المنتجة مفهومًا عامًا لتفسير التاريخ فحسب، بل أصبحت مدخلًا لتحليل الدينامية الخاصة بالرأسمالية. فقد بيّن ماركس وإنجلز أن استمرار البرجوازية مشروط بإحداث ثورة متواصلة في أدوات الإنتاج، وأن التطور الذي تطلقه الرأسمالية يولّد، في الوقت نفسه، تناقضات تعجز عن السيطرة عليها بصورة دائمة.</h6>
<h6><strong>الفصل الثاني: «البيان الشيوعي» والثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج</strong></h6>
<h6>إذا كانت «الأيديولوجيا الألمانية» قد وضعت الأسس النظرية لفهم القوى المنتجة ضمن التصور المادي للتاريخ، فإن «البيان الشيوعي» (1848) نقل هذا المفهوم إلى تحليل الحركة التاريخية للرأسمالية. ففي الفصل الأول منه، «البرجوازيون والبروليتاريون»، يبين ماركس وإنجلز أن البرجوازية لم تكتفِ بإحلال نمط إنتاج جديد محل العلاقات الإقطاعية، بل جعلت التغيير المستمر في أدوات الإنتاج شرطًا لبقائها وتوسعها. وفي هذا السياق يكتبان:</h6>
<h6>«لا تستطيع البرجوازية أن توجد من دون أن تُثوِّر باستمرار أدوات الإنتاج، ومن ثم علاقات الإنتاج، أي مجموع العلاقات الاجتماعية.»(4)</h6>
<h6>تكشف هذه العبارة عن إحدى السمات التاريخية المميزة للرأسمالية؛ إذ لم يعد تجديد وسائل الإنتاج تحولًا عارضًا يقع في فترات متباعدة، بل أصبح عملية متواصلة تدفع إليها المنافسة والسعي إلى زيادة الإنتاجية وتوسيع الأسواق. فكل رأسمال يجد نفسه مضطرًا إلى تطوير أدواته وأساليب إنتاجه لكي يحافظ على موقعه في مواجهة رؤوس الأموال الأخرى. وبذلك يتحول الابتكار التقني من إمكانية متاحة إلى ضرورة يفرضها منطق النظام الرأسمالي نفسه.</h6>
<h6>ولا يفسر ماركس وإنجلز هذا التطور بالتقدم العلمي المجرد، بل يربطانه بالعلاقات الاجتماعية التي تنظّم الإنتاج. فالتكنولوجيا، في ظل الرأسمالية، لا تتطور استجابة للحاجات الاجتماعية وحدها، وإنما وفق متطلبات المنافسة وتراكم رأس المال. ومن ثم، تُوظف الآلات ووسائل النقل والاتصال وأساليب تنظيم العمل في زيادة الإنتاجية وخفض كلفة السلعة وتسريع دوران رأس المال وتعزيز القدرة على السيطرة على الأسواق.</h6>
<h6>ولا تظل آثار هذه الثورة محصورة داخل عملية الإنتاج، بل تمتد إلى مجمل العلاقات الاجتماعية. فتوسع الصناعة الكبيرة يؤدي إلى إضعاف الحرف والمنتجين الصغار، وإدماج أعداد متزايدة من السكان في العمل المأجور، وتوسيع الأسواق إلى نطاق عالمي. كما يعيد تشكيل الروابط الاقتصادية والاجتماعية، ويجعل المجتمعات والمناطق المختلفة أكثر اعتمادًا بعضها على بعض. وهكذا تقترن الثورة في أدوات الإنتاج بتحول تاريخي أوسع يشمل تنظيم العمل وبنية الطبقات واتساع السوق العالمية.</h6>
<h6>ويترتب على ذلك تعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج؛ إذ يصبح إنتاج السلع قائمًا على تعاون أعداد كبيرة من العاملين وعلى ترابط المؤسسات والقطاعات والأسواق، في حين تبقى وسائل الإنتاج ونتائج العمل خاضعة للملكية الخاصة. ومن هنا ينشأ التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للعمل والإنتاج وبين الاستحواذ الخاص على نتائجه، بحيث تتحول القدرات التي يطورها المجتمع بصورة جماعية إلى وسائل لتعزيز سلطة رأس المال وتوسيع تراكمه.</h6>
<h6>ولا يقدم «البيان الشيوعي» التكنولوجيا بوصفها قوة تحررية أو قمعية في ذاتها، بل يربط وظيفتها الاجتماعية بعلاقات الإنتاج التي تنظّم استخدامها. فهي توسع قدرة المجتمع على إنتاج الثروة وتخلق إمكانات مادية لتخفيف أعباء العمل، لكنها تُستخدم، تحت سيطرة رأس المال، في إعادة تنظيم الإنتاج بما يخدم المنافسة والتراكم. ولذلك لا يفضي التقدم التقني تلقائيًا إلى توزيع أكثر عدالة للثروة أو إلى تحرير العاملين من الضرورة الاقتصادية.</h6>
<h6>وتتجلى تناقضات هذا التطور في الأزمات الدورية التي يعرضها «البيان الشيوعي» بوصفها أزمات ناجمة عن فرط الإنتاج. فالرأسمالية تطور قدرات إنتاجية هائلة، لكنها تخضع استخدامها لحدود الربح والطلب القادر على الدفع. ولهذا تبدو القوى المنتجة، في أوقات الأزمات، أكبر من أن تستوعبها علاقات الملكية والسوق القائمة، فتتعطل وسائل الإنتاج وتُتلف السلع وتنتشر البطالة، لا بسبب عجز المجتمع عن الإنتاج، بل بسبب عجز العلاقات الرأسمالية عن توظيف قدرته الإنتاجية بما يلبي الحاجات الاجتماعية.</h6>
<h6>وبذلك كشف «البيان الشيوعي» الشكل الخاص الذي تتخذه العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج داخل الرأسمالية، حيث تصبح الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج مصدرًا لقوة النظام ومصدرًا لتناقضاته في الوقت نفسه. غير أن هذا التحليل النظري يكتسب دلالته الاجتماعية الملموسة من خلال دراسة النتائج التي أحدثتها الثورة الصناعية في حياة العمال؛ وهي النتائج التي تناولها إنجلز في كتابه «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا».</h6>
<h6><strong>الفصل الثالث: إنجلز والثورة الصناعية والآثار الاجتماعية لتطور القوى المنتجة</strong></h6>
<h6>يمثل كتاب فريدريك إنجلز «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، الصادر سنة 1845، إحدى المعالجات المبكرة للعلاقة بين الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية التي رافقتها. وقد استند إنجلز في هذا العمل إلى معايشته المباشرة للأوضاع الصناعية في مانشستر، وإلى الوثائق والتقارير الرسمية، فلم يقتصر على وصف أوضاع الطبقة العاملة، بل سعى إلى تفسيرها بوصفها نتيجة للتحولات التي أحدثها الإنتاج الصناعي والآلي في تنظيم العمل والبنية الاجتماعية للرأسمالية. وقد عرض هذه التحولات في مقدمة الكتاب، ثم تناول نتائجها في الفصول المخصصة للبروليتاريا الصناعية والمدن الكبرى وفروع الصناعة المختلفة.(5)</h6>
<h6>وأدرك إنجلز أن الثورة الصناعية لم تكن مجرد إحلال للأدوات الميكانيكية محل العمل اليدوي، بل انقلابًا عميقًا في أنماط الإنتاج والعمل والحياة الاجتماعية. فالآلة لم ترفع القدرة الإنتاجية فحسب، وإنما أسهمت في اقتلاع العمال من بيئاتهم التقليدية، ودفعهم إلى المدن الصناعية، وإخضاع نشاطهم لإيقاع المصنع وتقسيمه الصارم للعمل. وفي وصفه لهذا التحول يكتب:</h6>
<h6>«لقد رأينا في المقدمة آنفًا، كيف أن السكان العاملين في تشغيل مواد النسيج قد سُلخوا أولًا من نمط حياتهم السابقة&#8230; إذ كاد العمل الآلي أن يخلف العمل اليدوي في كل مكان، وأصبحت الأعمال اليدوية تُدار بمساعدة البخار أو الماء، فيما يحمل كل عام مزيدًا من التحسينات.»(6)</h6>
<h6>يكشف فعل «سُلخوا» عن أن الانتقال إلى الصناعة الآلية لم يكن تحولًا مهنيًا محدودًا، بل اقتلاعًا اجتماعيًا أصاب مجمل حياة المنتجين. فقد العاملون قدرًا كبيرًا من استقلالهم السابق، وأُدمجوا في نظام المصنع، حيث تحدد الآلة سرعة العمل وإيقاعه، ويخضع العامل لرقابة أكثر انتظامًا وتقسيم متزايد للمهام. وبذلك لم تعد الأداة امتدادًا مباشرًا لمهارة العامل، بل أصبح العامل يؤدي وظيفة جزئية داخل منظومة إنتاجية تتحكم في حركته ووقته.</h6>
<h6>وتجاوزت آثار هذا التحول حدود المصنع إلى بنية المجتمع بأكملها. فقد أدى انتشار الإنتاج الآلي إلى إضعاف الحرف التقليدية وتراجع استقلال المنتجين الصغار، كما أسهم في الهجرة إلى المدن، ونمو الأحياء العمالية، وتكوين طبقة واسعة تعتمد في معيشتها على بيع قوة عملها. واقترنت هذه التحولات بتفاقم مشكلات السكن والصحة والبطالة وعدم الاستقرار، وبإعادة تشكيل الأسرة والعلاقات بين الفئات الاجتماعية.</h6>
<h6>ولا يعزل إنجلز الآلة عن العلاقات الاجتماعية التي تتحكم في استخدامها. فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع الإنتاجية في ذاته، بل في خضوع هذا الارتفاع لنظام يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة والسعي إلى الربح. ولذلك لم تتحول الزيادة الكبيرة في القدرة الإنتاجية إلى تحسن مماثل في حياة العمال، بل ترافقت مع إطالة يوم العمل، وتشغيل النساء والأطفال، والضغط على الأجور، والاستغناء عن بعض العاملين، وزيادة تبعية العمل لرأس المال.</h6>
<h6>ويكشف هذا التحليل عن التناقض بين الإمكان المادي الذي تتيحه الصناعة والنتائج الاجتماعية لاستخدامها الرأسمالي. فمن الناحية التقنية، تسمح الآلة بإنتاج مقدار أكبر من الثروة في وقت أقل، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى تخفيف العمل أو تحسين شروط الحياة؛ لأن آثارها تتحدد وفق علاقات الملكية والعمل، والأهداف التي توجه استخدامها، والطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية. وبذلك قد يترافق التقدم التقني مع اتساع الفقر والحرمان لدى الفئات التي تنتج الثروة نفسها.</h6>
<h6>وتكمن أهمية كتاب إنجلز في أنه منح التحليل المادي للتاريخ أساسًا اجتماعيًا وتجريبيًا ملموسًا. فقد كشف، قبل صدور «البيان الشيوعي»، أن الثورة التي تحدثها الرأسمالية في أدوات الإنتاج تعيد تشكيل المدينة والعمل والأسرة والصحة والسكن والعلاقات الاجتماعية. ولهذا لم يكن الكتاب مجرد وصف إنساني لمعاناة العمال أو تمهيد لتحليل ماركس اللاحق، بل كان إسهامًا مستقلًا في تكوين النقد الماركسي للرأسمالية الصناعية. كما برهن، من خلال الوقائع الاجتماعية، على أن تطور القوى المنتجة لا يمكن تقويمه بمعيار ارتفاع الإنتاجية وحده، بل يجب النظر كذلك في الجهة التي تتحمل كلفة هذا التطور والجهة التي تستحوذ على نتائجه.</h6>
<h6>وقد منح ماركس هذه العلاقة بين الآلة والعمل ورأس المال صياغة اقتصادية أكثر تحديدًا في «رأس المال»، حين درس الآلة والصناعة الكبرى من حيث ارتباطهما بإنتاج فائض القيمة النسبي، وإعادة تنظيم عملية العمل، وتعميق خضوع العامل لمنطق التراكم.</h6>
<h6><strong>الفصل الرابع: ماركس والآلة في «رأس المال» — التكنولوجيا وإنتاج فائض القيمة</strong></h6>
<h6>يبلغ تحليل الآلة والصناعة الحديثة في «رأس المال» صيغته الاقتصادية الأكثر اكتمالًا، إذ ينتقل ماركس من وصف الآثار الاجتماعية للتصنيع إلى الكشف عن القوانين التي تحكم استخدام التكنولوجيا داخل نمط الإنتاج الرأسمالي. فالآلة ليست مجرد ابتكار يرفع كفاءة الإنتاج، بل صورة تاريخية تتخذها القوى المنتجة عندما تُدمج في عملية هدفها إنتاج فائض القيمة وتراكم رأس المال. ولذلك لا تتحدد وظيفتها الاجتماعية بخصائصها التقنية وحدها، وإنما بعلاقات الملكية والعمل التي تنظّم استخدامها.</h6>
<h6>ويستهل ماركس المبحث الأول، «تطور الآلات»، من فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، بالإشارة إلى مقولة أوردها الاقتصادي الإنجليزي جون ستيوارت ميل في كتابه «مبادئ الاقتصاد السياسي»:</h6>
<h6>«من المشكوك فيه أن تكون سائر الاختراعات الآلية التي ابتُدعت حتى الآن قد خففت من عناء الكدّ اليومي لأي كائن بشري.»(7)</h6>
<h6>ويعقب ماركس على هذه المقولة موضحًا أن تخفيف عناء العامل ليس الغاية من الاستخدام الرأسمالي للآلة؛ فهي تُوظف، في المقام الأول، لزيادة إنتاجية العمل وإنتاج فائض القيمة النسبي. وهنا يميز ماركس بين القدرة المادية الكامنة في التكنولوجيا والوظيفة التي تؤديها داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية. فمن الناحية التقنية تستطيع الآلة اختصار الوقت اللازم للإنتاج وتخفيف الجهد البشري، لكنها تتحول، تحت سيطرة رأس المال، إلى وسيلة لزيادة القيمة التي يستحوذ عليها مالك وسائل الإنتاج.</h6>
<h6>ويرتبط استخدام الآلة بإنتاج فائض القيمة النسبي من خلال تقليص زمن العمل الضروري قياسًا إلى زمن العمل الفائض. فعندما تؤدي زيادة الإنتاجية إلى خفض قيمة السلع الداخلة في إعادة إنتاج قوة العمل، تنخفض قيمة قوة العمل نفسها، ويتقلص الجزء من يوم العمل الذي يعوض العامل خلاله قيمة أجره، بينما يتسع الجزء الذي ينتج فيه فائض القيمة للرأسمالي. ومن ثم، لا يقتضي رفع معدل فائض القيمة إطالة يوم العمل بالضرورة؛ إذ يمكن تحقيقه كذلك بتغيير النسبة الداخلية بين العمل الضروري والعمل الفائض.</h6>
<h6>غير أن الآلة، وفق نظرية القيمة عند ماركس، لا تخلق قيمة جديدة بصورة مستقلة؛ فهي تنقل إلى السلعة جزءًا من قيمتها بقدر ما تُستهلك في عملية الإنتاج، بينما يظل العمل الحي مصدر القيمة الجديدة، بما فيها فائض القيمة. وتكمن أهمية الآلة بالنسبة إلى رأس المال في أنها تمكّن كمية معينة من العمل البشري من إنتاج كتلة أكبر من السلع، وتخفض قيمة الوحدة المنتجة، وتمنح الرأسمال الذي يستخدم التقنية الجديدة قبل انتشارها العام أفضلية تنافسية مؤقتة.</h6>
<h6>ولا يقتصر أثر الآلة على زيادة كمية الإنتاج، بل يمتد إلى إعادة تنظيم عملية العمل بأكملها. فالمصنع الحديث ليس مجرد مكان يجتمع فيه العمال مع أدوات أكثر تطورًا، بل منظومة تقنية تحدد سرعة العمل وتسلسله وتقسيمه. وفي الإنتاج الحرفي كان العامل يستخدم الأداة ويوجه حركتها بمهارته، أما في النظام الآلي فيصبح نشاطه تابعًا لحركة الآلات ومتطلبات استمرارها، فتتراجع استقلاليته ويغدو جزءًا داخل تنظيم إنتاجي تتحكم فيه بنية المصنع.</h6>
<h6>ويؤدي هذا التحول إلى إضعاف جانب من المهارات الحرفية، وتجزئة العمل، وتوسيع إمكان تشغيل فئات جديدة من قوة العمل في مهام لا تتطلب مستوى التدريب السابق نفسه. كما تتيح الآلة لرأس المال زيادة شدة العمل وإخضاع العمال لرقابة أكثر انتظامًا. وهكذا لا يظهر التقدم التقني بوصفه توسعًا في سيطرة الإنسان على الطبيعة فحسب، بل يتحول، داخل المصنع الرأسمالي، إلى توسع في سلطة العمل المتجسد في الآلات على العمل الحي.</h6>
<h6>وترتبط المكننة كذلك بإزاحة جانب من قوة العمل، لكنها ليست العامل الوحيد في تكوين ما تسميه ترجمة فالح عبد الجبار «فيض السكان النسبي» أو «الجيش الصناعي الاحتياطي». ففي تحليل ماركس، ينشأ هذا الفيض من حركة التراكم الرأسمالي وارتفاع حصة وسائل الإنتاج قياسًا إلى قوة العمل؛ إذ يستطيع رأس المال، مع زيادة الإنتاجية، توسيع الإنتاج من دون زيادة العمالة بالنسبة نفسها. وبذلك تنتج عملية التراكم بصورة مستمرة فئات عاطلة أو ناقصة التشغيل، يمكن جذبها عند توسع الإنتاج والاستغناء عن جانب منها عند انكماشه.(8)</h6>
<h6>ولا يمثل الجيش الصناعي الاحتياطي ظاهرة عارضة، بل يؤدي وظيفة في حركة التراكم؛ إذ يسهم وجوده في زيادة المنافسة بين العاملين والضغط على الأجور وإضعاف قدرتهم التفاوضية. وهكذا ينتج تراكم رأس المال، إلى جانب تراكم الثروة ووسائل الإنتاج، فائضًا نسبيًا من السكان العاملين قياسًا إلى حاجته المتغيرة إلى العمل.</h6>
<h6>وفي الوقت نفسه، يزيد التطور التقني حجم وسائل الإنتاج اللازمة للدخول في المنافسة، ويسهم في تركيز رأس المال ومركزة رؤوس الأموال القائمة في وحدات إنتاجية أكبر. وينتج من ذلك اتساع التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج، القائم على تعاون أعداد كبيرة من العاملين وتراكم المعرفة الاجتماعية، وبين الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والنتائج المتولدة عنها.</h6>
<h6>ويكشف تحليل ماركس، بذلك، أن الآلة توسع القدرة الاجتماعية على إنتاج الثروة وتتيح ماديًا اختصار زمن العمل، لكنها تُستخدم، في ظل العلاقات الرأسمالية، لتعظيم فائض القيمة وإعادة تنظيم العمل وفق مقتضيات التراكم. ولا يرجع هذا التناقض إلى التكنولوجيا في ذاتها، بل إلى العلاقات الاجتماعية التي تحولها إلى رأسمال يواجه العامل بوصفه قوة مستقلة عنه. ويتخذ هذا التحليل بعدًا أوسع في «الغروندريسه»، حيث يناقش ماركس اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج وتحولهما إلى قوة إنتاجية مباشرة.</h6>
<h6><strong>الفصل الخامس: «العقل العام» (</strong><strong>General Intellect</strong><strong>) والمعرفة الاجتماعية بوصفها قوة إنتاجية مباشرة</strong></h6>
<h6>على الرغم من أن مخطوطات «الغروندريسه» كُتبت بين عامي 1857 و1858، قبل نشر المجلد الأول من «رأس المال» سنة 1867، فإن تناولها بعد تحليل الآلة تفرضه البنية المنهجية للدراسة؛ إذ يتيح الانتقال من الوظيفة التي تؤديها الآلة في إنتاج فائض القيمة إلى الأساس المعرفي والاجتماعي المتجسد فيها.</h6>
<h6>وتظهر هذه المسألة بوضوح في المقطع الذي اصطلح الباحثون على تسميته «مقطع الآلات» (Fragment on Machines)، وهو جزء من «فصل رأس المال» في الدفتر السابع من المخطوطات، وليس عنوانًا وضعه ماركس لفصل مستقل. ويناقش ماركس في هذا المقطع تحول وسائل العمل إلى منظومة آلية تتجسد فيها المعرفة العلمية المتراكمة، ويكتب:</h6>
<h6>«يكشف تطور رأس المال الثابت إلى أي درجة أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً إنتاجية مباشرة، وإلى أي درجة أصبحت شروط الحياة الاجتماعية نفسها خاضعةً لسيطرة العقل العام، وأُعيد تنظيمها وفقًا له.»(9)</h6>
<h6>ولا يدل مفهوم «العقل العام» على عقل مجرد أو وعي فلسفي منفصل عن الواقع، بل يشير إلى المعرفة الاجتماعية المتراكمة التي يطورها المجتمع من خلال العلم والخبرة والتعاون والتنظيم. وتتجسد هذه المعرفة في الآلات ووسائل الاتصال وأساليب الإدارة وتقسيم العمل، فتتحول من معرفة موزعة بين الأفراد إلى قدرة إنتاجية موضوعية مدمجة في وسائل الإنتاج. ولذلك لا يقيم ماركس تعارضًا بين الآلة والمعرفة، بل ينظر إلى النظام الآلي بوصفه أحد الأشكال المادية التي تتجسد فيها المعرفة الاجتماعية.</h6>
<h6>ويترتب على هذا التحول تغير موقع العمل المباشر داخل عملية الإنتاج. فمع تطور الصناعة الكبيرة، لا يعود إنتاج الثروة المادية متناسبًا بصورة مباشرة مع مقدار الجهد العضلي أو عدد ساعات العمل المبذولة، بل يعتمد بدرجة متزايدة على مستوى العلم والتكنولوجيا، وعلى القدرة على تنظيم قوى الطبيعة والتعاون الاجتماعي. ويتحول العامل تدريجيًا من فاعل مباشر يستخدم الأداة إلى مراقب ومنظم لعملية إنتاج تتولى فيها المنظومة الآلية جانبًا متزايدًا من النشاط التنفيذي.</h6>
<h6>غير أن هذا التحول لا يعني تخلي ماركس عن نظريته في القيمة، بل يكشف عن ضرورة التمييز بين إنتاج الثروة المادية وإنتاج القيمة داخل الرأسمالية. فالعلم والآلة يستطيعان مضاعفة كمية القيم الاستعمالية المنتجة في وقت معين، لكن الآلة لا تخلق من ذاتها قيمة جديدة، وإنما تنقل جزءًا من قيمتها إلى المنتج، بينما يظل العمل الحي مصدر القيمة الجديدة وفائض القيمة. ومن هنا ينشأ التناقض بين ازدياد اعتماد الثروة المادية على العلم وتراجع الحاجة النسبية إلى العمل المباشر، وبين استمرار النظام الرأسمالي في قياس الثروة على أساس زمن العمل.</h6>
<h6>ويكشف مفهوم «العقل العام» كذلك عن الطابع الاجتماعي المتزايد للقوى المنتجة. فالمعرفة العلمية ليست نتاج رأسمال منفرد، بل حصيلة تراكم تاريخي شاركت فيه أجيال من الباحثين والعمال والمهندسين، إلى جانب المؤسسات التعليمية والعلمية وأشكال التعاون الاجتماعي. غير أن هذه المعرفة، عندما تتجسد في رأس المال الثابت، تظهر في مواجهة العامل بوصفها قوة مملوكة لرأس المال ومستقلة عنه. وبذلك يستحوذ رأس المال على القدرة المعرفية التي طورها المجتمع، ويعيد تقديمها داخل عملية الإنتاج باعتبارها خاصية من خصائصه.</h6>
<h6>وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في تحليل الاقتصاد الرقمي المعاصر، حيث أصبحت البرمجيات والبيانات والخوارزميات والشبكات والقدرات الحاسوبية عناصر أساسية في تنظيم الإنتاج والخدمات. فالذكاء الاصطناعي لا يقوم على آلة منفردة، بل على تراكم واسع للبحوث العلمية والمعرفة الرياضية والعمل البرمجي والبيانات والبنية التحتية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءته بوصفه صورة معاصرة لتجسد المعرفة الاجتماعية في القوى المنتجة، من دون الادعاء بأن ماركس تنبأ بالتقنيات الرقمية الراهنة.</h6>
<h6>ولا يلغي هذا التشابه النظري الاختلاف التاريخي بين الآلة الصناعية والذكاء الاصطناعي. فالأخير لا يقتصر على تنفيذ العمليات الميكانيكية، بل يمتد إلى معالجة اللغة والصور والمعلومات، وإدارة العمليات، والمساعدة في اتخاذ القرار؛ أي إلى مجالات كان يُنظر إليها تقليديًا بوصفها أنشطة ذهنية. ولذلك يمثل الذكاء الاصطناعي انتقالًا نوعيًا في أشكال تجسد المعرفة الاجتماعية، مع بقائه خاضعًا للسؤال نفسه عن ملكية القوى المنتجة والسيطرة عليها والأهداف التي توجه استخدامها.</h6>
<h6>كما لا يؤدي اندماج العلم والمعرفة في الإنتاج تلقائيًا إلى تجاوز الرأسمالية. فهذا الاندماج يوسع القدرة على إنتاج الثروة وتقليص زمن العمل الضروري، لكنه قد يتحول، إذا بقي خاضعًا للملكية الخاصة، إلى وسيلة لزيادة فائض القيمة وإزاحة العمال وتعميق السيطرة على عملية العمل. أما تحويل الإمكان التقني إلى وقت متاح وحرية اجتماعية، فيتطلب تغيير العلاقات التي تنظّم ملكية المعرفة ووسائل الإنتاج وتوزيع مكاسب الإنتاجية. وانطلاقًا من هذا الأساس، ينتقل الفصل التالي من تحليل الآلة و«العقل العام» إلى بحث الخوارزميات والبيانات والذكاء الاصطناعي بوصفها مكونات للقوى المنتجة في القرن الحادي والعشرين.</h6>
<h6><strong>الفصل السادس: من الآلة إلى الخوارزمية — الذكاء الاصطناعي وتطور القوى المنتجة في القرن الحادي والعشرين</strong></h6>
<h6>يكشف التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي عن مرحلة نوعية جديدة في تاريخ القوى المنتجة، تتجاوز حدود المكننة الصناعية التي حللها ماركس في القرن التاسع عشر من دون أن تلغيها. فإذا أدت الثورة الصناعية إلى نقل جانب متزايد من الجهد العضلي والمهارات اليدوية إلى الآلة، فإن الثورة الرقمية توسع نطاق الأتمتة ليشمل بعض المهام المعرفية والرمزية، مثل تحليل البيانات، والتعرف على الأنماط، ومعالجة اللغة والصور، والتنبؤ، ودعم اتخاذ القرار. وبذلك لم يعد التطور التقني مقتصرًا على مضاعفة القدرة الفيزيائية للإنتاج، بل أصبح يشمل أتمتة جانب من العمليات الذهنية الداخلة في تنظيمه.</h6>
<h6>ولا يقوم الذكاء الاصطناعي على الخوارزمية وحدها، بل يعتمد على منظومة مادية ومعرفية متكاملة تشمل البيانات والبرمجيات والرقائق الإلكترونية ومراكز الحوسبة وشبكات الاتصال والطاقة، فضلًا عن عمل الباحثين والمهندسين والمبرمجين والعاملين في جمع البيانات وتصنيفها ومراجعتها وصيانة البنية التحتية. ولذلك لا يمثل الاقتصاد الرقمي انتقالًا من الإنتاج المادي إلى عالم غير مادي، وإنما شكلًا جديدًا من الترابط بين المعرفة والعمل والبنية التقنية.</h6>
<h6>ويؤدي إدماج الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والخدمات إلى إعادة تنظيم عدد من العمليات الاقتصادية، من خلال توظيف الأنظمة الخوارزمية في معالجة المعلومات، والتنبؤ، وتنسيق بعض العمليات، ودعم القرارات. وتعتمد هذه التطبيقات على تضافر البيانات والخوارزميات والمهارات البشرية مع الأجهزة والبرمجيات والبنية التحتية اللازمة لتدريب النماذج وتشغيلها على نطاق واسع. وبذلك تغدو البيانات والبرمجيات والقدرة الحاسوبية مكونات متزايدة الأهمية في تطور القوى المنتجة، إلى جانب الآلات والطاقة والمواد والعمل البشري، من دون أن تمثل بدائل كاملة عنها.(10)</h6>
<h6>ويختلف النظام الخوارزمي عن الآلة الصناعية التقليدية في أن وظيفته لا تقتصر على تنفيذ حركة ميكانيكية محددة ومتكررة، بل تشمل معالجة المعلومات وإنتاج مخرجات احتمالية استنادًا إلى الأنماط المستخلصة من البيانات. ومع ذلك، لا يعني وصف هذه الأنظمة بأنها «تتعلم» أنها تمتلك وعيًا مستقلًا أو فهمًا إنسانيًا؛ فالتعلم الآلي يقوم على نماذج رياضية تُضبط معاييرها خلال التدريب باستخدام البيانات، ثم توظف في التصنيف والتنبؤ وتوليد المخرجات. وتظل أهداف النظام ومعايير تقييمه ومجالات استخدامه محددة ضمن ترتيبات بشرية ومؤسسية.</h6>
<h6>ويمكن، من هذه الزاوية، النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شكلًا معاصرًا لتجسد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج. فالمعرفة لم تعد مدمجة في تصميم الآلة الصناعية وحدها، بل أصبحت تتراكم كذلك في قواعد البيانات والشفرة البرمجية والنماذج الحسابية والشبكات. غير أن هذا الربط لا يعني مطابقة مفهوم «العقل العام» للذكاء الاصطناعي، بل يعني أن المفهوم يوفر مدخلًا نظريًا لفهم تحول المعرفة المتراكمة اجتماعيًا إلى قدرة إنتاجية موضوعية.</h6>
<h6>ويؤثر هذا التحول في موقع العمل البشري داخل العملية الإنتاجية. فمع أتمتة بعض المهام التنفيذية والتحليلية، تتزايد أهمية أعمال تصميم الأنظمة والإشراف عليها وتفسير مخرجاتها وصيانتها وتصحيح أخطائها. ومن ثم، لا يختفي العمل البشري، بل تتغير وظائفه، ويُعاد توزيع المهام بين الإنسان والنظام التقني. كما تنشأ حول الذكاء الاصطناعي أعمال قد تظل غير ظاهرة للمستخدم النهائي، مثل جمع البيانات وإعدادها، ومراجعة المحتوى، وصيانة مراكز الحوسبة؛ وهو ما يؤكد استمرار الأساس البشري والمادي للإنتاج الرقمي.</h6>
<h6>ولا يمثل الذكاء الاصطناعي قطيعة مطلقة مع الصناعة الميكانيكية؛ لأن الأنظمة الرقمية تعتمد على الرقائق والطاقة والشبكات ومراكز البيانات، وعلى عمل اجتماعي ومعرفة متراكمة. لكن قدرته على معالجة المعلومات والمشاركة في تنظيم الإنتاج توسع نطاق القوى المنتجة إلى مجالات جديدة، وتعيد تشكيل العلاقة بين العمل المباشر والمعرفة المتجسدة في الوسائل التقنية. ولا تحدد هذه القدرة بذاتها النتائج الاجتماعية المترتبة عليها؛ إذ تتوقف تلك النتائج على علاقات الملكية والعمل والسلطة التي تنظّم تطوير التكنولوجيا واستخدامها. ومن هنا ينتقل الفصل التالي إلى تحليل التناقضات التي يثيرها الذكاء الاصطناعي داخل الرأسمالية الرقمية.</h6>
<h6><strong>الفصل السابع: الذكاء الاصطناعي وتناقضات الرأسمالية الرقمية — هل يهيئ شروط تجاوزها؟</strong></h6>
<h6>يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لرفع الإنتاجية وتقليص الوقت اللازم لإنجاز عدد متزايد من المهام، فضلًا عن توظيفه في تحليل الموارد، وتطوير البحث العلمي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتنظيم النقل والطاقة، والحد من بعض أشكال الهدر. وبهذا المعنى، يمثل امتدادًا معاصرًا للاتجاه الذي ناقشه ماركس في «الغروندريسه»، حين رأى أن إنتاج الثروة، مع تطور الصناعة الكبرى، يصبح أقل اعتمادًا على مقدار وقت العمل المباشر، وأكثر ارتباطًا بالمستوى العام للعلم وتقدم التكنولوجيا وتطبيقهما في الإنتاج.(11)</h6>
<h6>غير أن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب اجتماعية عامة؛ لأنها تعمل داخل علاقات إنتاج تحدد ملكية البيانات والنماذج والمنصات والبنى الحاسوبية وغايات استخدامها. ففي ظل الملكية الخاصة المركزة، تُوجَّه مكاسب الإنتاجية أساسًا نحو خفض التكاليف، وتعزيز القدرة التنافسية، وتوسيع الأرباح. وهكذا يمكن أن تتحول المعرفة التي ينتجها المجتمع بصورة تراكمية إلى أصل خاص تحتكره المؤسسات القادرة على جمع البيانات وامتلاك الموارد الحاسوبية وتطوير النماذج المتقدمة.</h6>
<h6>ويكشف ذلك عن تناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج الذكاء الاصطناعي والشكل الخاص لملكيته والسيطرة عليه. فهذه الأنظمة تقوم على تراكم تاريخي للعلوم والمعارف، وتستفيد من البحوث الممولة تمويلًا عامًا، ومن عمل الباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات، فضلًا عن المعلومات التي يولدها المستخدمون من خلال نشاطهم اليومي. ومع ذلك، تتركز السيطرة على نتائج هذا العمل الاجتماعي لدى عدد محدود من الشركات والمنصات. وقد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى الاختلالات العميقة في الاقتصاد القائم على البيانات، وإلى استمرار المنصات الرقمية العالمية في تعزيز مواقعها المهيمنة.(12)</h6>
<h6>ويمتد هذا التناقض إلى عالم العمل. فالذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة بعض المهام الإدارية والتحليلية واللغوية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المهن بكاملها. والأرجح، في مجالات واسعة، أن يعيد تشكيل الوظائف من خلال أتمتة بعض مهامها، وتغيير المهارات المطلوبة، وفرض أنماط جديدة من التعاون بين العامل والأنظمة التقنية. ولذلك ينبغي التمييز بين تعرض المهنة لتأثير الذكاء الاصطناعي وبين الإلغاء الكامل للوظيفة؛ وهو تمييز تؤكده الدراسات الحديثة لمنظمة العمل الدولية.(13)</h6>
<h6>ولا تخلو إعادة تشكيل الوظائف من آثار اجتماعية متعارضة. فقد تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي لتقليص العمالة، أو زيادة كثافة العمل، أو تشديد مراقبة الأداء، أو توسيع أنماط العمل المؤقت وغير المستقر. وفي المقابل، يمكن توظيفه لتخفيف المهام المتكررة، وتحسين شروط العمل، وتقليص ساعاته. ولا يتحدد الاتجاه الغالب بخصائص التقنية وحدها، بل بميزان القوة بين العاملين والمؤسسات المالكة لها، وبالطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية بين الأجور والأرباح ووقت الفراغ.</h6>
<h6>ويثير ارتفاع الإنتاجية تناقضًا اقتصاديًا أوسع. فإذا أتاحت الأتمتة زيادة الإنتاج من دون نمو مماثل في العمالة والدخول، فقد تتسع الفجوة بين القدرة على إنتاج السلع والخدمات والقدرة الاجتماعية على استهلاكها. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يقود آليًا إلى أزمة فائض إنتاج، لأن الطلب يتأثر بعوامل اقتصادية واجتماعية متعددة، لكنه قد يفاقم التوتر بين توسع القدرة الإنتاجية وسوء توزيع الدخل في مجتمع يعتمد فيه الاستهلاك بدرجة كبيرة على الأجور.</h6>
<h6>وتتجلى هنا ازدواجية الذكاء الاصطناعي داخل الرأسمالية الرقمية. فمن ناحية، يمنح رأس المال أدوات أكثر كفاءة لتنظيم الإنتاج والأسواق والعمل، ويفتح مجالات جديدة للاستثمار والتراكم. ومن ناحية أخرى، يوسع القدرة الاجتماعية على إنتاج الثروة بقدر أقل نسبيًا من العمل المباشر، ويضع العلاقة القائمة بين الدخل والعمل وزمن العمل موضع تساؤل متزايد. وبذلك لا يلغي تناقضات الرأسمالية، بل يعيد إنتاجها على مستوى جديد تتداخل فيه ملكية المعرفة مع السيطرة على البيانات والعمل والبنية الحاسوبية.</h6>
<h6>ولا يترتب على تعمق هذه التناقضات أن الذكاء الاصطناعي يقود حتمًا إلى انهيار الرأسمالية أو تجاوزها؛ فقد أظهرت الرأسمالية تاريخيًا قدرة كبيرة على استيعاب التحولات التقنية وتوظيفها في فتح أسواق جديدة وتجديد آليات التراكم. كما أن تطور القوى المنتجة لا ينقل المجتمع تلقائيًا من نظام إلى آخر، بل يخلق إمكانات موضوعية يظل تحققها مرتبطًا بالصراعات الاجتماعية، والمؤسسات السياسية، وأشكال الملكية والتنظيم.</h6>
<h6>ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تهيئة بعض الشروط المادية لتنظيم اجتماعي مختلف، من خلال تقليص العمل الضروري، وتوسيع الخدمات العامة، وتحسين إدارة الموارد، وإتاحة المعرفة على نطاق أوسع. غير أن هذه الإمكانات تظل تقنية ومجردة ما لم تقترن بعلاقات إنتاج تتيح للمجتمع المشاركة في تحديد أهداف التكنولوجيا وتوزيع ثمارها. ومن ثم، لا يكمن السؤال الحاسم في مقدار ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه فحسب، بل في الجهة التي تملكه، والقوى التي تحدد مجالات استخدامه، والفئات التي تستفيد من مكاسب الإنتاجية الناجمة عنه. ومن هذا السؤال ينطلق الفصل الثامن لبحث الشروط الاجتماعية والمؤسسية اللازمة لتحويل الإمكان التقني إلى مكاسب اجتماعية عامة.</h6>
<h6><strong>الفصل الثامن: الذكاء الاصطناعي وإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج</strong></h6>
<h6><strong>أولًا: الاشتراكية بوصفها إمكانًا تاريخيًا يتيحه تطور القوى المنتجة</strong></h6>
<h6>يعالج ماركس، في مبحث «الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي» من «رأس المال»، الشروط التي يُنتجها تطور الرأسمالية داخل بنيتها نفسها. فتراكم رأس المال يقود إلى تركيز وسائل الإنتاج، وتوسيع نطاق التعاون، وتعميق الطابع الاجتماعي للعمل، بحيث تصبح عملية الإنتاج قائمة على ترابط أعداد كبيرة من العاملين، وعلى الاستخدام المشترك للعلم والتقنية ووسائل الإنتاج. وفي مقابل هذه الاجتماعية المتزايدة للإنتاج، تظل ملكية شروطه والاستحواذ على نتائجه خاضعين لرأس المال الخاص، إلى أن يتحول احتكار رأس المال إلى قيد على نمط الإنتاج الذي نشأ وتطور في إطاره.(14)</h6>
<h6>ولا يستمد ماركس إمكان المجتمع الجديد من مبادئ أخلاقية مجردة أو من نموذج ذهني مكتمل، بل من التناقضات التي يولّدها تطور نمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فالرأسمالية لا توسّع الإنتاج المادي فحسب، وإنما تنشئ أيضًا العمل التعاوني، وتقسيم العمل المعقد، والتنظيم الاجتماعي والتقني الذي يجعل الإنتاج قائمًا على قدرات مشتركة لا يستطيع الفرد المنعزل امتلاكها أو تشغيلها. وبذلك تهيئ، داخل حركتها، الأساس المادي لإعادة تنظيم وسائل الإنتاج بوصفها قوى اجتماعية تخضع لإدارة المجتمع وتوجيهه.</h6>
<h6>وقد طوّر إنجلز هذه الفكرة في القسم النظري من كتابه «ضد دوهرنغ»، حين ميّز بين الاشتراكية الطوباوية، التي تصوغ المجتمع المنشود انطلاقًا من تصورات عقلية وأخلاقية سابقة، والاشتراكية العلمية، التي تبحث عن شروط التحول في تطور نمط الإنتاج وتناقضاته الداخلية. فقد أضفت الصناعة الحديثة على الإنتاج طابعًا اجتماعيًا متزايدًا، قائمًا على تقسيم العمل والتعاون بين أعداد كبيرة من المنتجين، بينما ظل الاستحواذ على نتائجه خاضعًا للملكية الرأسمالية الخاصة. ومن هذا التعارض بين اجتماعية الإنتاج وخصوصية الاستحواذ تنشأ تناقضات الرأسمالية وأزماتها الدورية، كما يتولد الإمكان المادي لتنظيم الإنتاج بصورة اجتماعية واعية. وبذلك لا تظهر الاشتراكية بوصفها مطلبًا أخلاقيًا مجردًا، بل بوصفها إمكانًا تاريخيًا ينشأ من تطور الرأسمالية نفسها ومن الحاجة إلى تجاوز تناقضاتها.(15)</h6>
<h6>ومع ذلك، لا يعني نضج الشروط المادية أن الاشتراكية تتحقق بصورة حتمية؛ فتطور القوى المنتجة يوسّع الإمكانات الموضوعية للتحول، لكنه لا يحدد مسبقًا النتيجة السياسية والاجتماعية التي ستترتب عليه. وقد تتمكن الرأسمالية، خلال مراحل معينة، من استيعاب التقنيات الجديدة، وإعادة تنظيم الإنتاج والعمل، وفتح مجالات إضافية للتراكم، من خلال خفض تكاليف الإنتاج، وابتكار سلع وخدمات جديدة، وتوسيع الائتمان والأسواق الخارجية، وزيادة الإنفاق الحكومي. غير أن هذه القدرة تظل محدودة ومتناقضة؛ لأن إحلال التكنولوجيا محل بعض مهام العمل، وضغط الأجور، وتركيز الثروة يمكن أن تؤدي إلى إضعاف الاستهلاك الاجتماعي، وتوسيع الفجوة بين القدرة المتزايدة على الإنتاج والقدرة الفعلية على شراء السلع والخدمات. وقد تستطيع الرأسمالية تأجيل ظهور هذا التناقض أو نقله من مجال إلى آخر، لكنها لا تلغيه، بل قد تعيد إنتاجه في صورة فائض إنتاج نسبي، وتراكم للديون، وأزمات دورية. ومن ثم، يظل تحويل الإمكان المادي إلى تنظيم اجتماعي جديد مشروطًا بالفعل السياسي، وموازين القوى الاجتماعية والطبقية، وبناء المؤسسات التي تتيح للعاملين والمجتمع المشاركة الفعلية في تحديد أهداف الإنتاج وتوجيه ثماره.</h6>
<h6>ويكشف هذا التناقض أن الآثار الاجتماعية لتطور القوى المنتجة لا تتحدد بمستوى التقدم التقني وحده، بل بالعلاقات التي تنظّم ملكية شروط الإنتاج وتوزيع الناتج الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكتسب سؤال الملكية أهمية حاسمة في «نقد برنامج غوتا»، إذ ينتقد ماركس معالجة توزيع الناتج بمعزل عن العلاقات التي تحكم إنتاجه، مؤكدًا أن:</h6>
<h6>«إن أي توزيع لوسائل المعيشة لا يعدو كونه نتيجة لتوزيع شروط الإنتاج نفسها.»(16)</h6>
<h6>تكشف هذه العبارة أن توزيع الثروة يتحدد، في أساسه، بالطريقة التي تتوزع بها ملكية شروط الإنتاج والسيطرة عليها. ولذلك لا يمكن تغيير نتائج الإنتاج تغييرًا جذريًا من دون تغيير العلاقات التي تنظّم امتلاك وسائل الإنتاج وإدارتها. فالمسألة لا تتعلق بمقدار ما يحصل عليه الأفراد بعد انتهاء عملية الإنتاج فحسب، بل تشمل أيضًا الجهة التي تمتلك شروطه، والسلطة التي تحدد أهداف استخدامها، والطريقة التي تُنظَّم بها عملية العمل، والحاجات التي يُوجَّه الناتج الاجتماعي إلى تلبيتها. ومن ثم، لا تُختزل الاشتراكية في إعادة توزيع الدخل، بل تقتضي إعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع وشروط إنتاج الثروة.</h6>
<h6>ولا يوجد مسار واحد أو صيغة جاهزة لتحويل هذا الإمكان التاريخي إلى واقع اشتراكي؛ إذ يتحدد شكل الانتقال تبعًا للظروف التاريخية، ومستوى تطور القوى المنتجة، وبنية المجتمع، وموازين القوى فيه. غير أن تغيير «توزيع شروط الإنتاج»، بالمعنى الذي يشير إليه ماركس، يفترض بناء قوة اجتماعية وسياسية منظمة، وتوسيع الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي، وتطوير أشكال متعددة للملكية الاجتماعية، وإخضاع القطاعات الاستراتيجية والاستثمار والتكنولوجيا للرقابة العامة. كما يقتضي تمكين العاملين من المشاركة الفعلية في إدارة الإنتاج، وتحديد أولوياته، وتوزيع فائضه، بحيث لا يبقون مجرد منفذين لقرارات تتخذها قوى اقتصادية أو إدارية منفصلة عنهم.</h6>
<h6>وقد تتخذ هذه العملية طابعًا انتقاليًا يجمع بين الإصلاحات الديمقراطية والتغييرات البنيوية، مع إمكان الاستفادة من آليات السوق في بعض المجالات ضمن إطار من التخطيط الاجتماعي والرقابة العامة. فوجود السوق خلال مرحلة انتقالية لا يعني بالضرورة خضوع المجتمع الكامل لمنطقه، إذا كانت القطاعات الأساسية واتجاهات الاستثمار وتوزيع الفائض خاضعة لأولويات اجتماعية مقررة ديمقراطيًا. ويكون المعيار في ذلك هو مدى انتقال السلطة الفعلية على شروط الإنتاج إلى المجتمع، لا مجرد التغير في شكل الملكية القانوني.</h6>
<h6>ولهذا نبّه إنجلز إلى أن انتقال وسائل الإنتاج إلى ملكية الدولة لا يحل التناقض بصورة تلقائية؛ لأن ملكية الدولة قد تُبقي علاقات العمل والسلطة على حالها، وتحوّل الجهاز الحكومي إلى مدير مركزي لقوى الإنتاج من دون أن تجعل المجتمع مسيطرًا عليها فعليًا. فالملكية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إحلال الدولة محل الرأسمالي الخاص، بل عندما تصبح وسائل الإنتاج خاضعة لرقابة المجتمع، ويشارك العاملون والمواطنون في تحديد أهداف استخدامها وكيفية توزيع نتائجها. ومن دون هذه المشاركة قد تتحول ملكية الدولة إلى إدارة بيروقراطية منفصلة عن المنتجين، بدل أن تكون وسيلة لتحريرهم.</h6>
<h6>ويمنح تطور الذكاء الاصطناعي هذه المسألة مضمونًا معاصرًا؛ إذ أصبحت المعرفة العلمية والبيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال والبنية الحاسوبية عناصر مباشرة في تنظيم الإنتاج والخدمات والعمل واتخاذ القرار. وتعتمد هذه القوى المنتجة على تراكم طويل للمعرفة الإنسانية، وعلى العمل الجماعي للباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات، فضلًا عن البنى التعليمية والعلمية التي أسهم المجتمع في تمويلها وتطويرها. ومع ذلك، تتركز ملكية المنصات والنماذج المتقدمة والقدرات الحاسوبية لدى عدد محدود من الشركات، فتتحول المعرفة المنتجة اجتماعيًا إلى مورد خاص يخضع لمنطق التراكم والاحتكار.</h6>
<h6>وتظهر هنا بصورة جديدة المفارقة بين الطابع الاجتماعي لإنتاج المعرفة وبين الشكل الخاص للاستحواذ عليها. فالبيانات التي تتدرب عليها النماذج، والمعرفة التي تتجسد في الخوارزميات، والبنية العلمية التي تقوم عليها الصناعة الرقمية، هي حصيلة نشاط اجتماعي واسع، لكن السيطرة عليها تتركز في مؤسسات محدودة تمتلك القدرة على تحديد مجالات استخدامها وشروط الوصول إليها وتوزيع عوائدها. وقد يؤدي ذلك إلى تعميق التفاوت، وزيادة تبعية العاملين للمنصات، وتركيز سلطة اتخاذ القرار الاقتصادي والمعرفي، حتى في ظل ارتفاع الإنتاجية واتساع القدرات التقنية.</h6>
<h6>ولا تعني الاشتراكية في عصر الذكاء الاصطناعي رفض التكنولوجيا أو إبطاء تطورها، بل إعادة تنظيم العلاقات الاجتماعية التي تحدد ملكيتها، وأهداف استخدامها، وكيفية توزيع مكاسبها ومخاطرها. كما لا يتحقق هذا التحول بمجرد نقل الأصول الرقمية من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ إذ يمكن أن ينتقل احتكار البيانات والخوارزميات إلى جهاز حكومي مركزي من دون أن تتوسع مشاركة العاملين والمواطنين في اتخاذ القرار. وإنما يقتضي التحول إخضاع هذه القوى للرقابة الاجتماعية والديمقراطية، وتوسيع مشاركة العاملين والمستخدمين في توجيهها، وضمان الشفافية والمساءلة في إدارتها.</h6>
<h6>ومن هنا يتسع المفهوم المعاصر لشروط الإنتاج ليشمل، إلى جانب المصانع والآلات والأرض ورأس المال، البيانات والخوارزميات والنماذج والمنصات والبنية الحاسوبية والمؤسسات التي تديرها وتضع معايير استخدامها. ويصبح المعيار الأساسي للطابع الاجتماعي لهذه الملكية هو مدى قدرة المجتمع على توجيه هذه الموارد نحو تقليص زمن العمل الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتلبية الحاجات الاجتماعية، وتنمية حرية الإنسان؛ لا مجرد استخدامها لفتح مجالات جديدة للتراكم وتعظيم العائد الخاص.</h6>
<h6>انطلاقًا من ارتباط توزيع الثروة بتوزيع شروط إنتاجها، لا يمكن معالجة التفاوت في الاقتصاد الرقمي من دون بحث الجهات التي تمتلك البنية الأساسية لإنتاج الثروة الرقمية وتتحكم في إدارتها والوصول إليها. فملكية الموارد الإنتاجية وطريقة تنظيمها تحددان، بدرجة أساسية، كيفية توزيع النتائج المتولدة عن عملية الإنتاج.(17)</h6>
<h6>ويشير تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إنشاء الذكاء الاصطناعي واستخدامه يعتمدان على عناصر أساسية تشمل قوة العمل الماهرة، والسياسات العامة المساندة، والأطر القانونية والتنظيمية، والوصول إلى البيانات، وتوافر الموارد الحاسوبية.(18) ويكشف ذلك عن اتساع مفهوم وسائل الإنتاج في الاقتصاد الرقمي؛ فلم تعد تقتصر على الأرض والمصنع والآلة، بل أصبحت تشمل البيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال ومراكز البيانات والبرمجيات والرقائق والقدرات الحاسوبية. وبذلك غدت السيطرة على هذه البنية مصدرًا للثروة والسلطة، وشرطًا للمشاركة في إنتاج المعرفة وتطوير الأنظمة الرقمية.</h6>
<h6>ولا تعني الملكية الاجتماعية لهذه الموارد مجرد نقلها من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ لأن تغير المالك القانوني لا يضمن، في ذاته، تغير علاقات الإنتاج أو توزيع سلطة اتخاذ القرار. فقد تتحول ملكية الدولة، إذا انفصلت إدارتها عن العاملين والمستخدمين والمجتمع، إلى إدارة بيروقراطية مركزية تحتكر المعلومات والخبرة التقنية. ولذلك ينبغي التمييز بين الملكية الحكومية، التي تعني امتلاك الدولة للأصول، والملكية الاجتماعية الفعلية، التي تقتضي إخضاع الموارد الأساسية للرقابة والمساءلة العامة، وإشراك الفئات المتأثرة في تحديد أهداف استخدامها وتقويم نتائجها.</h6>
<h6>وتتضح أهمية هذا التمييز في حالة البيانات؛ إذ ينشأ جانب كبير منها من النشاط الاجتماعي في مجالات العمل والتواصل والتعليم والاستهلاك والتنقل واستخدام الخدمات والمنصات. لكنها تتحول، بعد جمعها ومعالجتها، إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه المؤسسات التي تمتلك البنية التقنية اللازمة لاستخراج قيمتها. وقد أشار تقرير الاقتصاد الرقمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى الاختلالات القائمة في الاقتصاد المعتمد على البيانات، وإلى استمرار المنصات الرقمية العالمية في ترسيخ هيمنتها على حلقات سلسلة قيمة البيانات.(19) ولا تكمن المشكلة في استخدام البيانات لتطوير الخدمات، بل في جمعها واستثمارها من دون موافقة فعلية، وفي تركز القدرة على تحويلها إلى قيمة اقتصادية ومعرفية لدى عدد محدود من المؤسسات.</h6>
<h6>ولا يقتصر هذا التركز على البيانات والخوارزميات، بل يمتد إلى القدرة الحاسوبية اللازمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. فقد حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن اختلال توزيع الموارد الحاسوبية قد يعمّق الفجوات في الإنتاجية والقدرة التنافسية داخل الدول وفيما بينها، ويزيد التفاوت بين الشركات الكبرى من جهة، والمؤسسات العامة والجامعات والشركات الصغيرة من جهة أخرى.(20) ولذلك لا يكفي إتاحة الشفرة البرمجية أو النماذج المفتوحة إذا ظلت مراكز البيانات والرقائق والطاقة والخبرة التقنية محتكرة أو مرتفعة الكلفة.</h6>
<h6>ولا تقتضي معالجة هذا التركز إلغاء جميع أشكال الملكية الفردية والمبادرة الخاصة، بل التمييز بين الأنشطة التي يمكن أن تتعدد فيها أشكال الملكية والبنى الرقمية الأساسية التي تؤدي وظيفة اجتماعية عامة. ويمكن أن تتخذ الملكية الاجتماعية في هذا المجال صورًا متعددة، منها المؤسسات العامة المستقلة، والتعاونيات الرقمية المملوكة للعاملين أو المستخدمين، ومستودعات البيانات المشتركة، والبنى الحاسوبية الممولة اجتماعيًا، والنماذج المفتوحة الخاضعة لإدارة شفافة. ولا تتحدد القيمة الاجتماعية لهذه الأشكال بصفتها القانونية وحدها، بل بقدرتها على منع الاحتكار، وتوسيع الوصول إلى المعرفة والموارد الحاسوبية، وتوزيع سلطة اتخاذ القرار.</h6>
<h6>ولا تعني المشاركة الاجتماعية في ملكية البنية الرقمية تحويل البيانات الشخصية إلى ملك عام أو إتاحتها بلا قيود؛ فالبيانات الصحية والمهنية والسلوكية تظل مرتبطة بحقوق أصحابها، ولا يجوز استخدامها إلا لأغراض مشروعة ومحددة وفي ظل ضمانات تحمي الخصوصية والحريات الفردية. والمقصود بالملكية الاجتماعية هو إخضاع المؤسسات التي تجمع البيانات وتعالجها وتستخرج القيمة منها لرقابة المجتمع، لا إلغاء حق الأفراد في التحكم ببياناتهم.</h6>
<h6>وعلى هذا الأساس، ترتبط إعادة تنظيم ملكية البيانات والخوارزميات بإعادة توزيع السلطة الاقتصادية؛ لأن الجهة التي تمتلك المنصة أو النموذج أو البنية الحاسوبية لا تمتلك أداة تقنية فحسب، بل تكتسب القدرة على تنظيم العمل، وتحديد شروط الوصول إلى السوق، وترتيب المعلومات، والتأثير في القرارات الاجتماعية. ولذلك لا تتمثل الملكية الاجتماعية في استبدال احتكار خاص باحتكار حكومي، بل في بناء مؤسسات تتيح للعاملين والمستخدمين والمجتمع المشاركة في توجيه الموارد الرقمية ومساءلة الجهات التي تديرها، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تلبية الحاجات العامة، مع صون الخصوصية والحقوق الفردية.</h6>
<h6><strong>ثالثًا: الذكاء الاصطناعي وتقليص زمن العمل الضروري</strong><br />
يمثل تقليص زمن العمل الضروري إحدى أبرز الإمكانات التي يتيحها تطور القوى المنتجة. فارتفاع إنتاجية العمل يسمح، من حيث المبدأ، بإنتاج المقدار نفسه من السلع والخدمات في وقت أقصر وبجهد بشري أقل. غير أن ذلك لا يؤدي تلقائيًا إلى تقليص يوم العمل؛ إذ قد يتحول الوقت الذي توفره التكنولوجيا إلى وقت حر، لكنه قد يُستخدم أيضًا لزيادة فائض العمل والأرباح من دون تخفيف أعباء العاملين.</h6>
<h6>وقد تناول ماركس هذا التناقض في تحليله للآلة والصناعة الكبرى في المجلد الأول من «رأس المال». فالآلة تخفض الزمن اللازم لإنتاج السلعة، وتقلص الجزء من يوم العمل الذي ينتج فيه العامل قيمة قوة عمله، لكنها تُستخدم رأسماليًا أساسًا لزيادة فائض القيمة النسبي، لا لتحرير العامل من ضرورة العمل. لذلك قد يقترن انخفاض زمن العمل الضروري بإطالة يوم العمل الفعلي، أو زيادة كثافته، أو توسيع نطاقه.(21)</h6>
<h6>ويكشف ذلك الفرق بين الوقت الذي تستطيع التكنولوجيا توفيره للمجتمع، والطريقة التي يُستحوذ بها على هذا الوقت. فبدل أن يؤدي ارتفاع الإنتاجية إلى خفض ساعات العمل، قد تُستخدم الآلات لتسريع وتيرة الإنتاج، والاستغناء عن بعض العاملين، وزيادة الضغط على الآخرين. وفي «الغروندريسه» يربط ماركس بين تجسّد المعرفة العلمية والاجتماعية في وسائل الإنتاج وبين تراجع اعتماد الثروة على العمل المباشر، مؤكدًا أن «توفير وقت العمل يعادل زيادة الوقت الحر». ولا يقتصر الوقت الحر على التحرر من العمل الضروري، بل يشمل التعليم والثقافة والمشاركة الاجتماعية والإبداع وتنمية القدرات الفردية.(22)</h6>
<h6>غير أن الرأسمالية تنتج هذا الإمكان في صورة متناقضة؛ فهي تقلل الزمن اللازم لإنتاج السلع، لكنها تحافظ على زمن العمل بوصفه مقياسًا للقيمة ومصدرًا لفائض القيمة. كما قد تجعل الوقت المتاح وقتًا حرًا لفئات محدودة، في حين يظهر لدى فئات أخرى في صورة بطالة أو عمل جزئي قسري أو عدم استقرار اقتصادي. وبذلك لا يصبح الوقت الذي توفره التكنولوجيا ملكًا اجتماعيًا مشتركًا، بل يخضع لتوزيع غير متكافئ تحدده علاقات الملكية والعمل.</h6>
<h6>ويمنح الذكاء الاصطناعي هذه الإمكانية بُعدًا جديدًا؛ فهو لا يؤتمت الجهد العضلي والعمليات الميكانيكية فحسب، بل يمتد إلى مهام ذهنية وإدارية ومعرفية، مثل تحليل البيانات، وتنظيم المعلومات، وإعداد النصوص، والترجمة، والتصميم، والبرمجة، وبعض جوانب التشخيص والتخطيط واتخاذ القرار. ومن الناحية التقنية، يمكن لهذه القدرات أن تقلل الوقت اللازم لإنجاز الأعمال، وتخفف المهام المتكررة، وتتيح للعاملين التركيز على الخبرة والحكم الإنساني والتواصل والإبداع.</h6>
<h6>لكن مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي لا تؤدي بذاتها إلى تقليص ساعات العمل. ففي ظل علاقات إنتاج تقوم على المنافسة وتعظيم الربح، قد تستخدم المؤسسات الأتمتة لتقليل عدد العاملين، أو زيادة المهام المطلوبة من العامل الواحد، أو رفع معدلات الإنجاز، أو توسيع المراقبة الرقمية وقياس الأداء. وعندئذ تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لزيادة كثافة العمل وخفض تكلفته، بدل أن تصبح مصدرًا لوقت متاح للعاملين.</h6>
<h6>ولا يعني التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي بالضرورة اختفاء المهن كاملة؛ فالوظيفة تتكون غالبًا من مهام متعددة، قد تكون بعضُها قابلة للأتمتة، بينما تظل مهام أخرى بحاجة إلى التدخل البشري. وتشير دراسة لمنظمة العمل الدولية سنة 2025 إلى أن الأثر الأكثر احتمالًا في كثير من المهن يتمثل في إعادة تشكيل محتوى الوظائف وأتمتة بعض مهامها، لا إحلال التكنولوجيا محل جميع العاملين.(23) وقد يؤدي هذا التحول إلى تخفيف الأعمال الروتينية والخطرة، لكنه قد يفضي كذلك إلى تجزئة العمل، وإضعاف المهارات، وزيادة الاعتماد على التقييم الخوارزمي ورفع معدلات الأداء. كما تتوزع آثاره بصورة غير متكافئة بين الفئات والقطاعات والدول، تبعًا للمهارات، وإمكان الوصول إلى التكنولوجيا، وموقع العاملين في عملية الإنتاج، وقوة المؤسسات التي تمثل مصالحهم.</h6>
<h6>ومن ثم، لا تتمثل المسألة الأساسية في الاختيار بين العمل والذكاء الاصطناعي، بل في تحديد الجهة التي تستفيد من الوقت الذي توفره التكنولوجيا. فإذا استحوذت الشركات وحدها على مكاسب الإنتاجية، فقد تقترن الأتمتة بتقليل العمالة، وعدم استقرار الدخل، وزيادة كثافة العمل. أما إذا خضعت هذه المكاسب لتنظيم اجتماعي وديمقراطي، فيمكن تحويلها إلى خفض فعلي لساعات العمل من دون خفض الأجور، وتحسين ظروف العمل، وتوسيع الحماية الاجتماعية وخدمات التعليم والصحة والرعاية.</h6>
<h6>ويتطلب ذلك ضمان حق العاملين في التدريب وإعادة التأهيل، وإشراكهم وممثليهم في القرارات المتعلقة بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى مواقع العمل، ووضع قيود على المراقبة الرقمية والتقييم الآلي. فالغاية ليست الحفاظ على الأعمال المتكررة والمرهقة، بل استخدام التكنولوجيا لتقليل العمل الضروري وتوزيع الوقت المتاح على المجتمع بصورة عادلة، من خلال تنسيق واعٍ بين الاستثمار والإنتاج والعمل والحاجات الاجتماعية، بما يفتح المجال أمام تطوير التخطيط الاقتصادي في ظل الأدوات الخوارزمية.</h6>
<h6><strong>رابعًا: من التخطيط الاقتصادي إلى التخطيط الخوارزمي</strong></h6>
<h6>ارتبطت الاشتراكية في التراث الماركسي بإمكان تجاوز فوضى الإنتاج القائمة على المنافسة، والانتقال إلى تنظيم اجتماعي واعٍ للموارد والجهود الإنتاجية. ولا تعني هذه الفوضى غياب التنظيم داخل المؤسسة الرأسمالية؛ إذ تخطط الشركات لتقسيم العمل والمخزون والإنتاج والتكاليف. وإنما تظهر على مستوى الاقتصاد العام، حيث تتخذ المؤسسات قراراتها وفق توقعات الربح وضغوط المنافسة، من دون تنسيق شامل بين الموارد المتاحة والحاجات الاجتماعية.</h6>
<h6>وقد يؤدي هذا الانفصال بين التخطيط داخل المؤسسة وفوضى الإنتاج على مستوى المجتمع إلى اختلالات متكررة، منها فائض الإنتاج النسبي، ونقص السلع والخدمات الضرورية، وتكرار الاستثمار في قطاعات متشابهة، وإهمال مجالات مهمة اجتماعيًا لكنها أقل ربحية، فضلًا عن تعطيل الموارد والأيدي العاملة واندلاع الأزمات الدورية. ولذلك لا تكمن المشكلة في افتقار الرأسمالية إلى المعرفة والقدرة التنظيمية، بل في خضوعهما لقرارات خاصة ومتفرقة هدفها الأساسي تحقيق الربح.</h6>
<h6>وقد ربط ماركس تطور الرأسمالية باتساع الطابع التعاوني للعمل، والتطبيق الواعي للعلم في الإنتاج، وتعاظم الترابط بين القطاعات. وأوضح إنجلز في «ضد دوهرنغ» أن الرأسمالية تجمع بين التنظيم الدقيق للإنتاج داخل المؤسسة وفوضاه على مستوى المجتمع، وأن هذا التناقض يرتبط بالتعارض بين اجتماعية الإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه. ومن ثم، يتيح إخضاع وسائل الإنتاج لسيطرة المجتمع إمكان إحلال تنظيم اجتماعي واعٍ محل الفوضى التي تحكم الإنتاج.(24)</h6>
<h6>غير أن التخطيط الاجتماعي لا يعني إخضاع الاقتصاد لأوامر يصدرها جهاز مركزي مغلق. فقد كشفت التجارب التاريخية أن تركيز المعلومات والصلاحيات في مستوى إداري واحد قد يؤدي إلى الجمود، وبطء الاستجابة، وتضخم البيروقراطية، وإضعاف مشاركة العاملين والمجتمعات المحلية. ولذلك ينبغي التمييز بين التخطيط بوصفه تنسيقًا اجتماعيًا للموارد وفق أهداف عامة، والمركزية الإدارية التي تسعى إلى التحكم في جميع القرارات. فالتخطيط الديمقراطي يجمع بين التوجيه الاجتماعي العام والاستقلال النسبي للمؤسسات والمبادرات المحلية.</h6>
<h6>ويمنح الذكاء الاصطناعي أدوات التخطيط الاقتصادي إمكانات جديدة؛ إذ تستطيع الأنظمة الرقمية معالجة معلومات واسعة ومتجددة عن الإنتاج والاستهلاك والمخزون والطاقة والنقل والسكن والخدمات العامة. ويمكن استخدامها في تقدير الحاجات، والتنبؤ بالنقص، وتقليل الهدر، وتنسيق سلاسل التوريد، ومقارنة البدائل قبل تنفيذ القرارات. وبذلك يمكن أن تتحول الخطة من مجموعة ثابتة من الأوامر إلى عملية مستمرة تتفاعل مع التغيرات في الموارد والحاجات والظروف الاجتماعية.</h6>
<h6>لكن التخطيط الخوارزمي لا يوفر معرفة كاملة بالمجتمع ولا يلغي عدم اليقين. فقد تكون البيانات ناقصة أو قديمة أو منحازة، كما أن عددًا من الحاجات والقيم الاجتماعية لا يمكن اختزاله في مؤشرات كمية. وقد تقيس الخوارزميات الطلب الذي يظهر في السوق، لكنها لا تكشف بالضرورة حاجات الفئات التي تعجز عن التعبير عنها بسبب ضعف قدرتها الشرائية أو السياسية. ولذلك ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتحسين المعلومات وتقدير الاحتمالات ودعم القرار، لا بديلًا عن الحكم الاجتماعي والسياسي.</h6>
<h6>ولا يقتصر التخطيط الخوارزمي على اقتصاد اشتراكي محتمل؛ فالشركات الرقمية الكبرى تستخدمه بالفعل في توقع الطلب، وإدارة المخزون والنقل، وتحديد الأسعار، وتنظيم العمل، وتوجيه المستخدمين. كما تسيطر المنصات الكبرى على حلقات مترابطة من سلسلة قيمة البيانات، تمتد من جمعها وتخزينها إلى تحليلها واستخدامها في تطوير الخدمات والأنظمة الرقمية.(25) ويكشف ذلك أن التخطيط ليس نقيضًا مطلقًا للرأسمالية، لكنه يظل داخلها موجهًا نحو زيادة الأرباح وتوسيع الحصة السوقية وتعزيز السيطرة على البيانات والعمل والمستهلكين.</h6>
<h6>وتقدم التجربة الصينية مثالًا معاصرًا على الجمع بين التخطيط الاستراتيجي للدولة وآليات السوق في تطوير القوى المنتجة الرقمية. فمنذ صدور «خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي» سنة 2017، حددت الدولة أهدافًا وطنية للبحث العلمي والصناعات الذكية والبنية الحاسوبية، كما تضمنت الخطط الخمسية تطوير منصات البيانات ومراكز الحوسبة، وتعزيز تبادل البيانات بين المؤسسات الحكومية، واستخدامها في التنظيم الاقتصادي والخدمات العامة.(26) وتبين هذه التجربة قدرة الدولة على توجيه الاستثمار نحو البنية الأساسية والبحث العلمي والقطاعات ذات الأولوية، بدل ترك التطور التقني لقرارات الشركات المنفردة وحدها.</h6>
<h6>ومع ذلك، لا تمثل التجربة الصينية انتقالًا كاملًا من السوق إلى التخطيط الاجتماعي؛ فالاقتصاد الصيني يجمع بين الملكية العامة في قطاعات أساسية، وقطاع خاص واسع، والتوجيه الحكومي للاستثمار، وآليات المنافسة. كما أن توجيه الدولة لمسار الأتمتة لا يضمن بذاته تحويل مكاسب الإنتاجية إلى تقليص ساعات العمل أو توسيع مشاركة العاملين، وقد يقترن بتركيز المعلومات والقرار وتوسيع أدوات المراقبة. ولذلك يمكن دراسة هذه التجربة بوصفها نموذجًا يكشف إمكانات التخطيط الاستراتيجي وحدوده، لا دليلًا نهائيًا على تحقق الملكية الاجتماعية أو الإدارة الديمقراطية للتكنولوجيا.</h6>
<h6>ولا يكمن الفارق الحاسم بين التخطيط الرأسمالي والتخطيط الاجتماعي في الخوارزميات المستخدمة، بل في ملكيتها وأهدافها وبنيتها المؤسسية والجهات التي تملك حق مراجعة قراراتها. فقد تُستخدم التقنية لتقليل هدر الغذاء، وتحسين الخدمات الصحية، وتنظيم استهلاك الطاقة؛ كما قد تُستخدم لفرض أسعار احتكارية، ومراقبة العاملين، وزيادة كثافة العمل، وتوجيه سلوك المستهلكين. فالخوارزمية لا تعمل وفق عقلانية اجتماعية محايدة، بل وفق بيانات ومعايير وأولويات تحددها المؤسسات التي تصممها وتستخدمها.</h6>
<h6>كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحدد بصورة مستقلة ما إذا كانت الأولوية للصحة أم للإنفاق العسكري، أو للإسكان الاجتماعي أم للمشروعات الأعلى ربحًا، أو للنمو السريع أم لحماية البيئة، أو لزيادة الإنتاج أم لتقليص ساعات العمل. فهذه اختيارات سياسية واجتماعية تتعلق بالقيم وتوزيع الموارد والسلطة، ولا يجوز تفويضها إلى نظام تقني. وتظل مهمة الخوارزميات تحليل الموارد، وتقدير النتائج المحتملة، ومقارنة السيناريوهات، ومساعدة المجتمع على تنفيذ قراراته ومراجعة آثارها.</h6>
<h6>ولا يصبح التخطيط ديمقراطيًا بمجرد خضوع بنيته التقنية للملكية العامة؛ فقد تتحول الخوارزميات، في ظل إدارة مركزية مغلقة، إلى أدوات للبيروقراطية والمراقبة وتقييد الحريات. ولذلك يجب أن يقترن استخدامها بالشفافية، وقابلية التدقيق والتفسير، وحماية الخصوصية، وإمكان الاعتراض على القرارات الآلية ومراجعتها بشريًا. وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة بقاء المسؤولية النهائية في يد أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، إلى جانب الرقابة البشرية والشفافية والمساءلة.(27)</h6>
<h6>وعلى هذا الأساس، يمكن أن يقوم التخطيط الديمقراطي على توزيع الصلاحيات بين مستويات مترابطة؛ فتحدد المؤسسات الديمقراطية الأهداف العامة في مجالات الصحة والإسكان والتعليم والطاقة والبيئة، بينما تتمتع المؤسسات الإنتاجية والتعاونيات والمجتمعات المحلية باستقلال نسبي في اختيار الوسائل الملائمة لتحقيقها. وتساعد الأنظمة الرقمية على ربط هذه المستويات وتوفير المعلومات اللازمة للتنسيق، من دون إلغاء المبادرة المحلية أو اختزال المجتمع في جهاز إداري واحد.</h6>
<h6>فالمقصود ليس بناء خوارزمية تتولى إدارة المجتمع، بل بناء مؤسسات ديمقراطية تستخدم القدرة الحسابية في جمع المعلومات وتنسيق الموارد وتحليل البدائل. ويتطلب ذلك مشاركة العاملين والمستخدمين والمتخصصين والمجتمعات المحلية في تصميم معايير التخطيط ومراجعة نتائجه، بحيث تتكامل المعرفة العلمية مع الخبرة العملية والمشاركة الاجتماعية. وتبقى غايات الإنتاج وأولوياته من اختصاص المجتمع ومؤسساته، بينما تؤدي الخوارزميات دور الأداة المساعدة في تنفيذ القرارات وتقويم آثارها.</h6>
<h6><strong>خامسًا: الديمقراطية والمشاركة الاجتماعية في إدارة الذكاء الاصطناعي</strong></h6>
<h6>لا تكتمل إعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج بتغيير الشكل القانوني للملكية أو استخدام الذكاء الاصطناعي في التخطيط؛ لأن المسألة تتعلق أيضًا بتوزيع سلطة اتخاذ القرار. فقد تكون البيانات والمنصات والبنية الحاسوبية مملوكة للدولة، بينما تحتكر إدارتها أجهزة بيروقراطية أو فئة محدودة من الخبراء. ولذلك تكتسب الملكية الاجتماعية مضمونها الفعلي عندما تقترن بمؤسسات تتيح للعاملين والمستخدمين والمواطنين المشاركة في تحديد أهداف التكنولوجيا، ومراقبة استخدامها، ومساءلة الجهات المسؤولة عن نتائجها.</h6>
<h6>وتقدم كومونة باريس، كما حللها ماركس في «الحرب الأهلية في فرنسا»، مبادئ سياسية يمكن الإفادة منها من دون تحويل تجربة القرن التاسع عشر إلى نموذج جاهز للمجتمع الرقمي. فقد قام تنظيمها على انتخاب المسؤولين، وخضوعهم للمساءلة، وقابليتهم للعزل، والحد من الامتيازات المرتبطة بالمناصب، بهدف منع تحول الإدارة إلى قوة مستقلة عن المجتمع.(28) ويمكن تطبيق هذه المبادئ على المؤسسات الرقمية العامة، بحيث لا يصبح تعقيد الأنظمة واحتكار الخبرة التقنية ذريعة لتحصين المسؤولين عن البيانات والخوارزميات من الرقابة الاجتماعية.</h6>
<h6>وتقتضي الإدارة الديمقراطية ألا تنفرد الشركات أو الأجهزة الحكومية أو الخبراء بالقرارات المتعلقة بتصميم الأنظمة الخوارزمية واعتمادها، ولا سيما في مجالات التوظيف والتعليم والصحة والخدمات العامة والمساعدات الاجتماعية. فهذه الأنظمة تؤثر مباشرة في الحقوق والفرص، ولذلك ينبغي أن يشارك المتأثرون بها أو ممثلوهم في تحديد أهدافها ومعايير استخدامها والحدود التي لا يجوز أن تتجاوزها.</h6>
<h6>ولا تعني هذه المشاركة إخضاع التفاصيل البرمجية للتصويت العام أو الاستغناء عن الخبرة العلمية؛ فالخبراء ضروريون لتفسير عمل الأنظمة وحدودها ومعدلات أخطائها ومصادر التحيز فيها. لكن المعرفة التقنية لا تمنحهم وحدهم حق تحديد القيم والأولويات الاجتماعية. فالقرار بشأن جواز استخدام نظام خوارزمي في مجال حساس ليس قرارًا تقنيًا محضًا، بل هو قرار اجتماعي وقانوني وأخلاقي. ولذلك ينبغي وضع الخبرة العلمية ضمن إطار ديمقراطي يجمع المتخصصين والعاملين والمستخدمين والنقابات والمؤسسات المنتخبة، ويميّز بين ما يمكن تنفيذه تقنيًا وما يجوز اعتماده اجتماعيًا.</h6>
<h6>وتكتسب مشاركة العاملين أهمية خاصة؛ لأن إدخال الذكاء الاصطناعي قد يغير توزيع المهام، وأساليب التقييم، ومعدلات الإنجاز، والمهارات المطلوبة، وفرص الاستمرار في العمل. فإذا انفردت الإدارة بهذه القرارات، فقد تتحول التكنولوجيا إلى أداة للمراقبة وزيادة كثافة العمل وتقليص استقلال العاملين. أما مشاركتهم في اختيار الأنظمة وتحديد مجالات استخدامها، فيمكن أن تساعد على توجيهها نحو تخفيف المهام المتكررة والخطرة، وتحسين شروط العمل، وتوفير التدريب اللازم. وتشير مسوح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ارتباط التشاور مع العاملين عند إدخال الذكاء الاصطناعي بالإبلاغ عن آثار أكثر إيجابية في الإنتاجية وظروف العمل، مع عدم كفاية هذه النتائج لإثبات علاقة سببية قاطعة.(29)</h6>
<h6>ولا ينبغي أن تقتصر المشاركة على مرحلة إدخال النظام؛ فقد تظهر بعد تشغيله أخطاء وانحيازات لم تكن واضحة خلال الاختبار، أو يتوسع استخدامه إلى أغراض جديدة. ولذلك يلزم إنشاء آليات دائمة للمتابعة تضم ممثلين عن العاملين والمستخدمين والمتخصصين، وتملك صلاحية طلب تعديل النظام أو تقييد استخدامه أو إيقافه إذا ألحق ضررًا بالأفراد أو انتهك حقوقهم.</h6>
<h6>كما تقتضي الإدارة الديمقراطية إقرار حقوق واضحة، منها معرفة الفرد باستخدام نظام آلي في قرار يؤثر في عمله أو تعليمه أو صحته أو حصوله على خدمة عامة، والحصول على تفسير مفهوم للعوامل الأساسية المؤثرة في القرار، وتصحيح البيانات غير الدقيقة، والاعتراض على النتيجة وطلب مراجعتها بشريًا. ولا تتحقق الشفافية بمجرد نشر الشفرة البرمجية، بل تتطلب توضيح غرض النظام، والجهة التي اعتمدته، والبيانات التي يستخدمها، وحدود دقته، والفئات المتأثرة بأخطائه، والجهة المسؤولة عن نتائجه.</h6>
<h6>ولا تكفي الشفافية إذا لم تقترن بالمساءلة والقدرة على تعديل القرارات أو إيقاف الأنظمة؛ فالخوارزمية لا تتحمل المسؤولية بذاتها، وإنما تقع المسؤولية على الأشخاص والمؤسسات التي حددت أهدافها واختارت بياناتها واعتمدت نتائجها. وقد أكدت توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة إمكان إسناد المسؤولية الأخلاقية والقانونية، في مختلف مراحل دورة حياة النظام، إلى أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، إلى جانب حماية الخصوصية وضمان الرقابة البشرية والشفافية وقابلية التفسير والمراجعة.(30)</h6>
<h6>ويمكن أن تتخذ المشاركة المؤسسية صورًا متعددة، مثل لجان العاملين، والمجالس المحلية المنتخبة، والهيئات المستقلة لحماية البيانات، وممثلي النقابات والمنظمات المهنية، ولجان المواطنين في القطاعات التي تستخدم أنظمة واسعة التأثير. وينبغي أن تتمتع هذه الجهات بالمعلومات والموارد والصلاحيات اللازمة للرقابة، مع ضمان تمثيل الفئات الأقل دخلًا والأضعف سياسيًا، لأنها قد تتحمل أخطاء الأنظمة المستخدمة في التوظيف والخدمات العامة والرعاية الاجتماعية أكثر من غيرها.</h6>
<h6>ولا تعني ديمقراطية الذكاء الاصطناعي التصويت على العمليات الحسابية، بل إخضاع أهداف التكنولوجيا ومجالات استخدامها وآثارها الاجتماعية لإرادة عامة واعية. فالمشاركة الاجتماعية تعيد توزيع السلطة المعرفية والاقتصادية، وتمكّن المجتمع من تحديد الأنظمة التي يحتاج إليها، والمجالات التي ينبغي تقييد استخدامها فيها، والجهات التي تتحمل مسؤولية نتائجها. أما غياب هذه المشاركة فقد يحول الملكية العامة والبنية الرقمية إلى أساس لسلطة بيروقراطية ومراقبة واسعة، وهو ما يتناوله المبحث التالي.</h6>
<h6><strong>سادسًا: مخاطر البيروقراطية والمراقبة في المجتمع الرقمي</strong></h6>
<h6>يوفر تحليل ماركس في «الغروندريسه» منطلقًا نظريًا لفهم العلاقة بين تطور المعرفة واتساع سلطة المؤسسات التي تسيطر عليها. فقد بيّن أن المعرفة العلمية والاجتماعية المتراكمة تتجسد في وسائل الإنتاج وتتحول إلى قوة إنتاجية مباشرة، لكنها لا تظهر للعامل، في ظل العلاقات الرأسمالية، بوصفها قدرته الاجتماعية المشتركة، بل بوصفها قوة مستقلة عنه يمتلكها رأس المال وتواجهه داخل عملية الإنتاج.(31) ولا يتناول ماركس، بطبيعة الحال، البيروقراطية الرقمية أو المراقبة الخوارزمية بصورتهما المعاصرة، لكن تحليله يساعد على تفسير الكيفية التي يمكن بها للمعرفة المنتجة اجتماعيًا أن تتحول، عندما تحتكرها مؤسسة منفصلة عن المنتجين، إلى أداة للسيطرة عليهم.</h6>
<h6>وينطبق هذا التناقض على البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية؛ فهي تقوم على معرفة تراكمية ونشاط اجتماعي واسع، لكنها قد تتركز في أيدي شركات احتكارية أو أجهزة حكومية مغلقة. ولذلك لا يضمن انتقال وسائل الإنتاج الرقمية إلى ملكية الدولة إدارتها بصورة اجتماعية؛ فقد تتحول الملكية الحكومية، إذا انفصلت مؤسساتها عن العاملين والمواطنين، إلى قاعدة لجهاز بيروقراطي يحتكر المعلومات والخبرة التقنية وسلطة القرار. ومن هنا ينبغي التمييز بين ملكية الدولة بوصفها شكلًا قانونيًا، والملكية الاجتماعية التي تقتضي مشاركة المجتمع في تحديد أهداف استخدام الموارد ومراقبة إدارتها ومساءلة المسؤولين عنها.</h6>
<h6>ولا تنشأ البيروقراطية من الحاجة إلى الإدارة والتخصص في ذاتها، بل من تحول الجهاز الإداري إلى قوة مستقلة عن المجتمع. ويزداد هذا الخطر عندما تستخدم فئة محدودة تعقيد الأنظمة الرقمية لتبرير احتكار القرار، أو عندما تُعرض النتائج الخوارزمية بوصفها أحكامًا موضوعية لا تقبل المناقشة، مع أنها تستند إلى اختيارات بشرية ومؤسسية تتعلق بالبيانات والمعايير والأهداف. وقد يؤدي هذا الغموض إلى عجز الأفراد عن فهم القرارات التي تؤثر في حقوقهم وفرصهم أو الاعتراض عليها.</h6>
<h6>وتتضاعف هذه المخاطر بسبب قدرة الذكاء الاصطناعي على جمع بيانات واسعة عن عمل الأفراد وتحركاتهم وعلاقاتهم وتفضيلاتهم وربطها وتحليلها. فإذا تركزت هذه البيانات داخل مؤسسات لا تخضع لرقابة اجتماعية مستقلة، أمكن استخدامها في تصنيف المواطنين، وتقييم سلوكهم، والتأثير في حصولهم على العمل أو التعليم أو الرعاية والخدمات العامة. وقد يتحول التخطيط الاقتصادي نفسه إلى نظام للمراقبة إذا استُخدمت الحاجة إلى المعلومات ذريعة لجمع بيانات تتجاوز أغراض التخطيط، أو لربط قواعد معلومات أُنشئت لأهداف مختلفة، أو للاحتفاظ بها من دون حدود واضحة.</h6>
<h6>ولا تقتصر هذه المشكلة على الدولة؛ فالشركات والمنصات الخاصة تمارس بدورها أشكالًا واسعة من المراقبة، من خلال تتبع المستخدمين وتوجيه اختياراتهم ومراقبة العاملين وتقييم أدائهم خوارزميًا. ولذلك لا يتحدد الخطر بالشكل القانوني للملكية وحده، بل بدرجة تركّز السلطة على المعلومات، ومدى خضوع المؤسسات للرقابة والمساءلة. فقد تلتقي الشركة الاحتكارية والمؤسسة البيروقراطية في تحويل المعرفة الاجتماعية والبيانات إلى قوة مستقلة عن الأفراد، وإن اختلفت أهدافهما وطرائق عملهما.</h6>
<h6>كما قد تختفي المسؤولية عندما يتوزع القرار بين المؤسسة المستخدمة للنظام، والشركة التي طورته، والجهات التي وفرت البيانات والخدمات التقنية. فقد تنسب المؤسسة القرار إلى الخوارزمية، بينما تؤكد الشركة أن القرار النهائي اتخذته المؤسسة المستخدمة. ويؤدي هذا التداخل إلى تحويل النظام التقني إلى ستار تختفي خلفه المسؤولية البشرية والمؤسسية. كذلك قد يؤدي الاعتماد المفرط على المؤشرات الكمية إلى اختزال العمل والتعليم والرعاية والخدمات العامة في أرقام، مع إهمال جوانب يصعب قياسها، مثل العدالة وجودة الرعاية والاستقلال المهني والكرامة الإنسانية.</h6>
<h6>وكما سبقت الإشارة في المبحث الخامس، تبرز من تحليل ماركس لتجربة كومونة باريس مبادئ عامة لمنع انفصال الإدارة عن المجتمع، أهمها خضوع المسؤولين للمساءلة وإمكان عزلهم والحد من امتيازاتهم. ولا تقدم الكومونة نموذجًا تفصيليًا لإدارة البيانات والخوارزميات، لكنها تؤكد ضرورة عدم تحول الوظيفة الإدارية إلى سلطة مستقلة عن المواطنين. ويقتضي تطبيق هذا المبدأ على المؤسسات الرقمية إخضاع المسؤولين عنها لهيئات منتخبة ورقابية مستقلة، وتحديد صلاحياتهم، وتمكين المجتمع من تعديل السياسات أو إيقاف الأنظمة التي تنتهك الحقوق. كما ينبغي الفصل، قدر الإمكان، بين الجهة التي تجمع البيانات، والجهة التي تستخدمها في اتخاذ القرار، والجهة التي تنظر في الاعتراضات والشكاوى.</h6>
<h6>ومن منظور اشتراكي، لا يجوز التضحية بالحريات الفردية باسم الكفاءة الاقتصادية أو التخطيط الاجتماعي؛ لأن الغاية من إعادة تنظيم الإنتاج ليست إخضاع الإنسان لجهاز إداري مركزي، بل تحرير قدراته وتوفير الشروط المادية لمشاركته الواعية في المجتمع. ولذلك لا تعني الملكية الاجتماعية للبيانات تحويل الحياة الخاصة إلى مورد متاح للإدارة، بل تقتضي ألا تُجمع إلا البيانات الضرورية لغرض مشروع ومحدد، وأن تُضبط مدة الاحتفاظ بها والجهات المخولة بالوصول إليها، مع ضمان حقوق التصحيح والاعتراض والحذف عند انتفاء الحاجة المشروعة. (32)</h6>
<h6>كما ينبغي إخضاع الأنظمة المستخدمة في مجالات العمل والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والأمن لتقييم مستقل قبل اعتمادها ولمراجعة دورية بعد تشغيلها. ويشمل ذلك التحقق من ضرورة استخدامها، وطبيعة بياناتها، ومعدلات الخطأ والتحيز، والفئات التي قد تتضرر منها، وضمان مراجعة بشرية فعلية للقرارات. وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تؤكد حماية الخصوصية، والشفافية، وقابلية التفسير، وإمكان إسناد المسؤولية القانونية والأخلاقية إلى أشخاص أو مؤسسات، وعدم إحلال النظام الآلي محل المسؤولية البشرية النهائية.(32) غير أن أهمية هذه التوصية هنا تظل مساندة للضمانات العملية، بينما يستند التحليل أساسًا إلى ضرورة إعادة المعرفة الاجتماعية إلى سيطرة المجتمع.</h6>
<h6>ولا يكمن التحدي، في النهاية، في الاختيار بين التخطيط والحرية، بل في منع تحول القدرة الاجتماعية المتجسدة في البيانات والخوارزميات إلى قوة منفصلة عن المجتمع ومهيمنة عليه. فكلما ازدادت قدرة المؤسسات على جمع المعلومات وتحليلها، تعاظمت الحاجة إلى توزيع السلطة، واستقلال الرقابة، ووضوح المسؤولية، وضمان المشاركة وحقوق الاعتراض والمراجعة. وعلى ذلك يتوقف ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح وسيلة لتنظيم الموارد وتوسيع الحرية الإنسانية، أم شكلًا جديدًا من أشكال السيطرة البيروقراطية والمراقبة.</h6>
<h6><strong>سابعًا: الذكاء الاصطناعي بين إمكان التحرر واستمرار منطق التراكم</strong></h6>
<h6>لا يحمل الذكاء الاصطناعي نتيجة اجتماعية محددة بصورة مسبقة. فهو يمثل توسعًا مهمًا في قدرات القوى المنتجة، لكنه لا يحدد بذاته العلاقات التي تنظّم استخدامه أو الكيفية التي توزَّع بها ثماره. ولذلك يمكن أن يسهم في تقليص زمن العمل، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وتطوير البحث العلمي، وتنسيق الموارد وفق الحاجات الاجتماعية؛ كما يمكن، في ظل علاقات ملكية وسيطرة مختلفة، أن يتحول إلى أداة لزيادة التفاوت، وإزاحة بعض الوظائف، وتعميق المراقبة، وتركيز الثروة والقرار الاقتصادي.</h6>
<h6>وتنبع هذه الازدواجية من التمييز بين الإمكان التقني والشكل الاجتماعي لاستخدامه. فالتكنولوجيا توفر وسائل جديدة لإنجاز الأعمال ومعالجة المعلومات، لكنها لا تحدد الغايات التي توجَّه إليها. كما أن رفع الإنتاجية لا يؤدي آليًا إلى تخفيف أعباء العمل أو تحسين شروط الحياة؛ لأن توزيع مكاسبه يتوقف على ملكية وسائل الإنتاج وموازين القوى الاجتماعية. فإذا احتكرت الشركات التكنولوجيا وقرارات استخدامها، أمكن تحويل جانب كبير من مكاسب الإنتاجية إلى أرباح أعلى، في حين قد يتحمل العاملون تكاليف التحول في صورة فقدان بعض الوظائف، أو عدم الاستقرار، أو زيادة كثافة العمل.</h6>
<h6>وقد كشف ماركس الأساس النظري لهذا التناقض في تحليله للآلة والصناعة الكبرى. فالآلة لا تؤدي بذاتها إلى تحرير العامل، على الرغم من قدرتها على اختصار الزمن الضروري لإنتاج السلع؛ إذ تتحدد وظيفتها الاجتماعية بموقعها داخل عملية إنتاج تقوم على تعظيم فائض القيمة. ولهذا قد تتحول زيادة الإنتاجية إلى وسيلة لتقليل قيمة قوة العمل وتوسيع فائض العمل، بدلًا من استخدامها لتقليص يوم العمل وتحسين حياة العاملين.(33)</h6>
<h6>وينطبق هذا المبدأ على الذكاء الاصطناعي، مع اختلاف نطاق التكنولوجيا وتعقيدها. فقدرته على إنجاز بعض المهام في وقت أقصر لا تعني أن الوقت الذي يوفره سيعود إلى العاملين في صورة وقت حر؛ إذ تستطيع المؤسسات استخدامه لتقليل العمالة، ورفع معدلات الإنجاز، وتوسيع نطاق المهام المطلوبة من الفرد، وإخضاع العمل لمراقبة خوارزمية متواصلة. وبذلك قد يؤدي اختصار الزمن اللازم لإنجاز المهمة إلى تكثيف يوم العمل بدلًا من تقليصه.</h6>
<h6>غير أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن الآلة الصناعية التقليدية في اتساع المجالات التي يتدخل فيها. فهو لا يعمل داخل المصنع وحده، بل يدخل في تنظيم الخدمات والاتصال والإعلام والتعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والإدارة وصنع القرار. ولا يقتصر أثره على استبدال بعض العمليات اليدوية أو الميكانيكية، بل يمتد إلى تصنيف المعلومات، وإنتاج المحتوى، وتوجيه الانتباه، وتقييم الأفراد، والتأثير في توزيع الفرص بينهم. ويمنح هذا الاتساع المؤسسات المالكة للمنصات والنماذج والبيانات قدرة على التحكم تتجاوز السوق بمعناه الضيق، لتشمل تنظيم المعرفة والاتصال وبعض شروط المشاركة الاجتماعية.</h6>
<h6>وفي الوقت نفسه، تعتمد الأنظمة الذكية على تراكم تاريخي للمعرفة الإنسانية، وعلى عمل أجيال من العلماء والباحثين والمبرمجين، وعلى مؤسسات التعليم والبحث العلمي والبنية التحتية، فضلًا عن عمل القائمين على إعداد البيانات ومراجعتها، والمعلومات التي ينتجها النشاط الاجتماعي للأفراد والمؤسسات. ومن هنا يبرز التناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج المعرفة والشكل الخاص للاستحواذ على نتائجها.</h6>
<h6>وقد تناول ماركس في «الغروندريسه» الأساس النظري لهذا التناقض، موضحًا اندماج المعرفة العلمية والاجتماعية في وسائل الإنتاج، وكتب: «لقد أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً إنتاجية مباشرة».(34) غير أن هذه المعرفة، عندما تتجسد في وسائل إنتاج مملوكة لرأس المال، لا تظهر للعامل بوصفها تعبيرًا عن قدرة اجتماعية مشتركة، بل بوصفها قوة مستقلة عنه تُستخدم في تنظيم عمله.</h6>
<h6>وتتخذ هذه العلاقة، في عصر الذكاء الاصطناعي، صورة جديدة في النماذج والخوارزميات والبنى الحاسوبية التي تقوم على المعرفة الاجتماعية المتراكمة، ثم تعود إلى المجتمع في صورة خدمات وشروط عمل وقرارات تتحكم فيها المؤسسات المالكة. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطبيقًا مباشرًا لما كتبه ماركس عن الآلة أو «العقل العام»؛ فالأنظمة المعاصرة تمتلك خصائص تقنية لم تكن قائمة في زمنه. لكن تحليله يظل مفيدًا في تفسير الكيفية التي يمكن بها للمعرفة الاجتماعية، عندما تتجسد في وسائل إنتاج مملوكة ملكية خاصة، أن تتحول إلى قوة يستخدمها رأس المال في تنظيم العمل وتوسيع التراكم.</h6>
<h6>ولا يؤدي تطور الذكاء الاصطناعي تلقائيًا إلى تجاوز الرأسمالية، كما لا ينبغي بناء التحليل على افتراض اختفاء معظم المهن أو انتهاء العمل البشري في المستقبل القريب. فالوظائف تتكون من مهام متعددة لا تتساوى في قابليتها للأتمتة. وتشير دراسة منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025 إلى أن الأثر الأكثر ترجيحًا للذكاء الاصطناعي التوليدي في عدد واسع من المهن هو إعادة تشكيل المهام، لا إلغاء الوظائف بكاملها؛ فبعض المهام يمكن أن يُؤتمت، في حين تظل مهام أخرى بحاجة إلى الخبرة والحكم والتفاعل البشري. (35)</h6>
<h6>ويمكن فهم هذا الاستقطاب في ضوء تحليل ماركس للآلة والصناعة الكبرى؛ فقد بيّن أن استخدام الآلات في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية لا يتجه بالضرورة إلى تخفيف أعباء العامل، بل يخضع لمقتضيات زيادة الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة. ولذلك قد يقترن التطور الآلي بإزاحة قسم من العمال، وزيادة كثافة العمل، وإعادة تنظيم تقسيمه داخل المصنع، مع نشوء تمايز بين فئات محدودة تتولى بعض الوظائف الفنية المرتبطة بالآلات وبين الكتلة الأوسع من عمال المصنع الخاضعين للنظام الآلي.(36)</h6>
<h6>ويتخذ هذا التناقض صورة معاصرة في ظل الذكاء الاصطناعي؛ فقد تستفيد الفئات التي تمتلك المهارات والموارد اللازمة لتطوير الأنظمة الذكية والتحكم فيها، بينما تتعرض فئات أخرى للعمل غير المستقر أو للإدارة الخوارزمية المشددة. كما تُسند بعض الأعمال الضرورية لإعداد البيانات وتصنيفها ومراجعتها إلى عاملين منخفضي الأجور، فتظل مساهمتهم البشرية محجوبة خلف المظهر التقني للأتمتة. ولذلك لا يكفي تقويم أثر التكنولوجيا استنادًا إلى عدد الوظائف التي تلغيها أو تستحدثها، بل ينبغي أن يشمل نوعية الوظائف الجديدة، ومستويات الأجور والاستقرار والحقوق، ومدى مشاركة العاملين في القرارات التقنية المؤثرة في عملهم وحياتهم.</h6>
<h6>وقد يؤدي ارتفاع الإنتاجية، إذا لم يقترن بتقليص ساعات العمل وإعادة توزيع مكاسبها، إلى توسيع الفجوة بين القدرة المتنامية على إنتاج السلع والخدمات وبين القدرة الاجتماعية على استهلاكها. ولا تكون التكنولوجيا سبب الأزمة في ذاتها، لكنها قد تعمق تناقضات التراكم عندما تتجاور زيادة الإنتاجية وتركيز الأرباح مع تراجع فرص العمل أو ضعف القدرة الشرائية لدى قطاعات من المجتمع. ومن ثم، تنشأ المشكلة من العلاقات التي تحدد توزيع الدخل وملكية وسائل الإنتاج، لا من اتساع القدرة التقنية على إنتاج الثروة.</h6>
<h6>ويتوقف الاتجاه الاجتماعي لهذا التحول على المؤسسات والصراعات والاختيارات التي تنظّمه. فإذا بقيت ملكية البيانات والنماذج والقدرات الحاسوبية مركزة، فمن المرجح أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز سلطة الشركات وتوسيع التفاوت وإخضاع العمل لرقابة أشد. أما إذا اقترنت التكنولوجيا بأشكال من الملكية الاجتماعية والرقابة الديمقراطية والمشاركة العمالية وتوزيع مكاسب الإنتاجية، فيمكن توجيهها نحو تقليص يوم العمل، وتوسيع الخدمات العامة، وإتاحة المعرفة، وتحسين شروط الحياة.</h6>
<h6>ولا تعني الملكية الاجتماعية مجرد انتقال السيطرة إلى الدولة؛ لأنها قد تتحول، من دون مؤسسات ديمقراطية وحقوق واضحة، إلى قاعدة للبيروقراطية والمراقبة. والمقصود هو إخضاع الموارد الرقمية الأساسية لرقابة اجتماعية تتيح للعاملين والمستخدمين والمواطنين المشاركة في تحديد أهداف استخدامها، مع ضمان الخصوصية والشفافية والمساءلة وحق الاعتراض على القرارات المؤثرة في الحقوق والفرص.</h6>
<h6>كما لا يعني تجاوز منطق التراكم وقف التطور أو الابتكار، بل تغيير المعيار الذي يحدد اتجاه استخدام القوى المنتجة. ففي حين يقيس رأس المال نجاح التكنولوجيا بقدرتها على خفض التكاليف وزيادة الأرباح، يمكن قياسها اجتماعيًا بقدرتها على تقليص الجهد الضروري، وتحسين الخدمات، وحماية البيئة، وتوسيع الوقت الحر، وإتاحة المشاركة في الحياة الثقافية والسياسية.</h6>
<h6>وعلى هذا الأساس، لا يتحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي بقدراته التقنية وحدها، بل بالعلاقات الاجتماعية التي تنظّم ملكيته واستخدامه. والسؤال الحاسم ليس مقدار ما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، وإنما مَن يمتلكها، ومَن يحدد أهدافها، ومَن يتحمل مخاطرها، ومَن يستفيد من الوقت والثروة اللذين تنتجهما. وفي الإجابة العملية عن هذه الأسئلة يتحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيسهم في توسيع الحرية الإنسانية، أم سيعيد إنتاج التراكم والاحتكار والسيطرة في صورة رقمية جديدة.</h6>
<h6><strong>الخاتمة</strong></h6>
<h6>تكشف هذه الدراسة أن الانتقال من الآلة الميكانيكية إلى الخوارزمية لا يمثل قطيعة مطلقة مع المسار التاريخي لتطور القوى المنتجة، بل يمثل تحولًا نوعيًا داخله. فالذكاء الاصطناعي يوسع نطاق الأتمتة من بعض العمليات العضلية والميكانيكية إلى مهام معرفية ولغوية وتحليلية، ويجعل معالجة البيانات والمعلومات عنصرًا مباشرًا في تنظيم الإنتاج والخدمات والعمل وصنع القرار. لكنه، على الرغم من هذا التحول، يظل قائمًا على بنية مادية واسعة تشمل الرقائق والطاقة ومراكز الحوسبة وشبكات الاتصال، وعلى عمل بشري واجتماعي متراكم يشارك فيه الباحثون والمبرمجون والعاملون في إعداد البيانات وصيانة الأنظمة.</h6>
<h6>وتؤكد هذه النتيجة استمرار القيمة التفسيرية لمفهوم القوى المنتجة في الفكر الماركسي، شريطة عدم تحويله إلى صيغة جامدة أو استخدامه بوصفه نبوءة تقنية. فلم يتنبأ ماركس وإنجلز بالذكاء الاصطناعي أو باقتصاد المنصات، لكن تحليلهما للعلاقة بين التكنولوجيا والعمل والملكية يوفر أساسًا لفهم التحولات المعاصرة. وتنبع راهنية هذا التحليل من أنه لا يعزل الأداة التقنية عن العلاقات الاجتماعية التي تنتجها وتستخدمها، ولا يقيس التقدم بارتفاع الإنتاجية وحده، بل يربطه بتوزيع الثروة والوقت والسلطة وبأثره في شروط العمل والحياة.</h6>
<h6>وقد بيّن الانتقال من «الأيديولوجيا الألمانية» و«البيان الشيوعي» إلى تحليل الآلة في «رأس المال» ومفهوم «العقل العام» في «الغروندريسه» أن تطور القوى المنتجة يقترن بتعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج. فالثروة الحديثة لا تنتجها جهود فردية منعزلة، بل تقوم على التعاون وتقسيم العمل وتراكم المعرفة العلمية والخبرة الاجتماعية. ويتجلى هذا الطابع بوضوح في الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على معرفة تراكمت عبر أجيال، وعلى مؤسسات التعليم والبحث العلمي، وعلى بيانات وعمل اجتماعي واسع، في حين تتركز ملكية النماذج والمنصات والقدرات الحاسوبية لدى عدد محدود من المؤسسات.</h6>
<h6>ولا تلغي الرأسمالية الرقمية، لذلك، التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه، بل تعيد تشكيله. فالمعرفة التي ينتجها المجتمع تتحول، بعد تجسدها في البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية، إلى أصول خاصة تمنح مالكيها قدرة على تنظيم الأسواق والعمل والاتصال والوصول إلى المعلومات. وبذلك لا تقتصر الملكية الرقمية على امتلاك أداة إنتاج، بل تشمل سلطة تحديد شروط المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والتأثير في القرارات والفرص المتاحة للأفراد.</h6>
<h6>ويتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات حقيقية لرفع الإنتاجية، وتقليص الجهد الضروري، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البحث العلمي، وتوسيع الوصول إلى المعرفة، وزيادة القدرة على تنسيق الموارد. غير أن هذه الإمكانات لا تحمل مضمونًا اجتماعيًا محددًا في ذاتها. فقد تتحول زيادة الإنتاجية إلى تقليص لساعات العمل وتحسين لشروط الحياة، كما قد تُستخدم لتقليل العمالة وزيادة كثافة العمل وتوسيع المراقبة وتركيز الأرباح. ومن ثم، لا يكمن السؤال الأساسي في مقدار الوقت الذي تستطيع التكنولوجيا توفيره، بل في الجهة التي تستحوذ على هذا الوقت وكيفية توزيعه بين العاملين والمجتمع ورأس المال.</h6>
<h6>ولا يدعم التحليل افتراض اختفاء العمل البشري أو انتهاء معظم المهن في المستقبل القريب؛ لأن الوظائف تتكون من مهام متفاوتة في قابليتها للأتمتة. والأرجح أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عدد واسع من الوظائف، فيؤتمت بعض مهامها ويغير مهام أخرى ويُنشئ حاجات جديدة إلى الإشراف والتفسير والصيانة والتدخل البشري. لكن إعادة تشكيل العمل ليست عملية محايدة؛ إذ قد تخفف المهام الخطرة والمتكررة، وقد تؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف المهارات، وزيادة عدم الاستقرار، وظهور أشكال جديدة من الإدارة الخوارزمية والعمل المنخفض الأجر. ولذلك ينبغي تقويم أثر الذكاء الاصطناعي بنوعية العمل الذي ينتجه، لا بعدد الوظائف التي يلغيها أو يستحدثها وحده.</h6>
<h6>وتخلص الدراسة إلى أن تطور القوى المنتجة لا يقود تلقائيًا إلى تجاوز علاقات الإنتاج القائمة. فقد تستطيع الرأسمالية استيعاب التقنيات الجديدة وتوظيفها في فتح مجالات جديدة للاستثمار والتراكم، حتى عندما تؤدي هذه التقنيات إلى تعميق تناقضاتها. ومن ثم، لا تمثل الاشتراكية نتيجة حتمية لتطور الذكاء الاصطناعي، بل إمكانًا تاريخيًا يظل تحققه مرتبطًا بالصراعات الاجتماعية، وأشكال الملكية، وتنظيم العمل، والمؤسسات السياسية القادرة على تحويل القدرة التقنية إلى مكاسب اجتماعية عامة.</h6>
<h6>ولا يتحقق هذا التحول بمجرد إعادة توزيع جانب من الدخل بعد اكتمال عملية الإنتاج؛ لأنه يتعلق بملكية شروط الإنتاج نفسها وبالسلطة التي تحدد أهداف استخدامها. وفي الاقتصاد الرقمي يتسع هذا السؤال ليشمل البيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال ومراكز الحوسبة والقدرات العلمية والتقنية. غير أن الملكية الاجتماعية لا تعني مجرد نقل هذه الموارد من الشركات الخاصة إلى الدولة؛ إذ قد تتحول الملكية الحكومية، إذا انفصلت إدارتها عن المجتمع، إلى أساس لبيروقراطية رقمية تحتكر المعلومات والقرار وتمتلك أدوات واسعة للمراقبة.</h6>
<h6>ولهذا لا تنفصل الملكية الاجتماعية الفعلية عن الديمقراطية والمساءلة. فهي تقتضي مشاركة العاملين والمستخدمين والمواطنين في تحديد أهداف التكنولوجيا ومجالات استخدامها، وتمكينهم من مراقبة المؤسسات التي تديرها والاعتراض على القرارات المؤثرة في حقوقهم. كما تقتضي حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وتحديد المسؤولية البشرية والمؤسسية عن القرارات الخوارزمية، ومنع استخدام التعقيد التقني ذريعة لتحصين الخبراء أو الأجهزة الإدارية من الرقابة الاجتماعية.</h6>
<h6>وتستطيع الخوارزميات توسيع قدرة المجتمع على التخطيط من خلال جمع المعلومات، وتحليل البدائل، وتقدير الحاجات، وتنسيق الموارد. لكنها لا تستطيع أن تحدد بصورة مستقلة الغايات التي ينبغي للمجتمع اعتمادها؛ فالمفاضلة بين النمو وحماية البيئة، وبين زيادة الإنتاج وتقليص ساعات العمل، وبين الإنفاق على القطاعات المختلفة، تظل اختيارات اجتماعية وسياسية تتعلق بالقيم وتوزيع الموارد والسلطة. ولذلك ينبغي أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة لدعم القرار الاجتماعي، لا سلطة تقنية تحل محل المجتمع في تحديد أولوياته.</h6>
<h6>وتتمثل النتيجة المركزية للدراسة في أن الذكاء الاصطناعي يوسع مجال الإمكان التاريخي، لكنه لا يحسم اتجاهه. فهو يوفر شروطًا مادية ومعرفية يمكن استخدامها لتقليص العمل الضروري، وتوسيع الخدمات، وإتاحة المعرفة، وتحسين إدارة الموارد؛ لكنه يستطيع، في ظل علاقات ملكية مركزة، أن يمنح منطق التراكم والاحتكار والمراقبة أدوات أكثر تطورًا. ولذلك لا يتحدد طابعه الاجتماعي بما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، بل بمن يمتلكها، ومن يحدد أهدافها، ومن يتحمل مخاطرها، وكيف توزَّع الثروة والسلطة والوقت الذي تسهم في إنتاجه.</h6>
<h6>ومن هذا المنظور، يصبح المعيار الحقيقي لتقويم الذكاء الاصطناعي هو مقدار إسهامه في تحسين حياة الإنسان وتوسيع حريته، لا مقدار الزيادة التي يحققها في الإنتاجية والأرباح وحدهما. ويتجسد هذا المعيار في تقليص زمن العمل الضروري، وتحسين نوعية العمل والخدمات العامة، وحماية البيئة والخصوصية، وتوسيع الوقت المتاح للتعليم والثقافة والإبداع والمشاركة الاجتماعية. وعلى أساس الصراع حول هذه الأهداف يتحدد ما إذا كان الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية سيصبح خطوة نحو تحرير القدرات الإنسانية، أم مرحلة جديدة من إخضاعها لمنطق التراكم والسيطرة</h6>
<h6><strong>_______________________</strong></h6>
<h6><strong>الهوامش</strong></h6>
<h6><strong>(1) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>الأيديولوجيا الألمانية</em>، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، بيروت: دار الفارابي، 2016، ص 32–34، النسخة الإلكترونية.</strong></h6>
<h6><strong>(2) المصدر نفسه، ص 34–48.</strong></h6>
<h6><strong>(3) كارل ماركس، <em>مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي</em>، ترجمة راشد البراوي، دار النهضة العربية، 1969، ص 2–3، النسخة الإلكترونية.</strong></h6>
<h6><strong>(4) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، <em>البيان الشيوعي</em>، ترجمة العفيف الأخضر، ط1، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، 2015، ص 63.</strong></h6>
<h6><strong>(5) فريدريك إنجلز، <em>حالة الطبقة العاملة في إنجلترا</em>، ترجمة فخري لبيب، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، النسخة الإلكترونية؛ انظر: المقدمة، وفصول «البروليتاريا الصناعية» و«المدن الكبرى» و«فروع الصناعة المختلفة».</strong></h6>
<h6><strong>(6) فريدريك إنجلز، <em>حالة الطبقة العاملة في إنجلترا</em>، مصدر نفسه، ص 163.</strong></h6>
<h6><strong>(7) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص 465.</strong></h6>
<h6><strong>(8) المصدر نفسه، الجزء السابع: «عملية تراكم رأس المال»، المبحث الثالث: «الإنتاج المطّرد لفيض السكان النسبي، أو الجيش الصناعي الاحتياطي»، ص 773 وما بعدها.</strong></h6>
<h6><strong>(9) Karl Marx, <em>Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy</em>, trans. Martin Nicolaus, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, Marxists Internet Archive, p. 625.</strong></h6>
<h6><strong>كارل ماركس، <em>الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي</em>، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس</strong></h6>
<h6><strong>والنص الإنجليزي:</strong></h6>
<h6><strong>“The development of fixed capital reveals the extent to which general social knowledge has become an immediate productive force, and the extent to which the conditions of social life itself have come under the control of the general intellect and been reorganized in accordance with it.”</strong></h6>
<h6><strong>والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.</strong></h6>
<h6><strong>(10) OECD, <em>A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence</em>, OECD Digital Economy Papers, No. 350, Paris: OECD Publishing, 2023, p</strong><strong>. 5، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على:</strong> <a href="https://doi.org/10.1787/876367e3-en"><strong>OECD</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، <em>مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي</em>، سلسلة أوراق الاقتصاد الرقمي، العدد 350، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 5.</strong></h6>
<h6><strong>(11) Karl Marx, <em>Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy</em>, trans. Martin Nicolaus, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, Marxists Internet Archive, pp. 623–625.</strong></h6>
<h6><strong>[كارل ماركس، <em>الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي</em>، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، ص 623–625، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس].</strong></h6>
<h6><strong>(12) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), <em>Digital Economy Report 2021: Cross-border Data Flows and Development—For Whom the Data Flow?</em>, United Nations, Geneva, 2021, p</strong><strong>. 149، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على:</strong> <a href="https://unctad.org/system/files/official-document/der2021_en.pdf"><strong>الموقع</strong></a> <a href="https://unctad.org/system/files/official-document/der2021_en.pdf"><strong>الرسمي</strong></a> <a href="https://unctad.org/system/files/official-document/der2021_en.pdf"><strong>للأونكتاد</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>[مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، <em>تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟</em>، الأمم المتحدة، جنيف، 2021، ص 149].</strong></h6>
<h6><strong>(13) Paweł Gmyrek et al., <em>Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure</em>, ILO Working Paper No. 140, Geneva: International Labour Organization, 2025, Abstract</strong><strong>، النسخة الإنجليزية الإلكترونية،</strong> <a href="https://doi.org/10.54394/HETP0387"><strong>https://doi.org/10.54394/HETP0387</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>[بافيل غميرك وآخرون، <em>الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني</em>، ورقة عمل منظمة العمل الدولية، رقم 140، جنيف: منظمة العمل الدولية، 2025، الملخص].</strong></h6>
<h6><strong>(14) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، مبحث «الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص 936–940. </strong></h6>
<h6><strong>(15) فريدريك إنجلز، <em>ضد دوهرنغ: ثورة السيد أوجين دوهرنغ في العلوم</em>، ترجمة محمد الجندي وخيري الضامن، موسكو: دار التقدم، 1984، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مباحث نظرية»، ص 312–332، النسخة الإلكترونية. </strong></h6>
<h6><strong>(16) كارل ماركس، <em>نقد برنامج غوتا</em>، ضمن: <em>دراسات اقتصادية مختارة (2)</em>، ترجمة فؤاد أيوب، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ص 315.</strong></h6>
<h6><strong>(17) المصدر نفسه، ص 315.</strong></h6>
<h6><strong>(18) OECD, <em>A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence</em>, OECD Digital Economy Papers, No. 350, Paris: OECD Publishing, 2023, pp</strong><strong>. 12, 19–20، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على:</strong> <a href="https://doi.org/10.1787/876367e3-en"><strong>OECD</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>والنص الإنجليزي:</strong></h6>
<h6><strong>“The creation and use of AI relies on key elements, such as a skilled workforce.”</strong></h6>
<h6><strong>والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.</strong></h6>
<h6><strong>[منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، <em>مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي</em>، سلسلة أوراق الاقتصاد الرقمي، العدد 350، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 12 و19–20].</strong></h6>
<h6><strong>(19) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، <em>تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟: استعراض عام</em>، الأمم المتحدة، جنيف، 2021، ص 2–4، النسخة العربية الإلكترونية الرسمية، متاح على:</strong> <a href="https://unctad.org/system/files/official-document/der2021_overview_ar.pdf"><strong>الأونكتاد</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>(20) OECD, <em>A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence</em>, op. cit., pp. 5–6.</strong></h6>
<h6><strong>والنص الإنجليزي:</strong></h6>
<h6><strong>“An imbalance of such compute resources risks reinforcing socioeconomic divides.”</strong></h6>
<h6><strong>والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.</strong></h6>
<h6><strong>(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، <em>مخطط لبناء قدرة حاسوبية وطنية للذكاء الاصطناعي</em>، مصدر سابق، ص 5–6).</strong></h6>
<h6><strong>(21) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 465 وما بعدها.</strong></h6>
<h6><strong>(22) Karl Marx, <em>Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy</em>, trans. Martin Nicolaus, London: Penguin Books, 1973, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, “Significance of the Development of Fixed Capital,” pp. 704–712.</strong></h6>
<h6><strong>والنص الإنجليزي:</strong></h6>
<h6><strong>“The saving of labour time [is] equal to an increase of free time.”</strong></h6>
<h6><strong>والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.</strong></h6>
<h6><strong>(كارل ماركس، <em>الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي</em>، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، مقطع «دلالة تطور رأس المال الثابت»، ص 704–712، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس).</strong></h6>
<h6><strong>(23) Paweł Gmyrek et al., <em>Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure</em>, op. cit., pp. 1, 45.</strong></h6>
<h6><strong>[بافيل غميرك وآخرون، <em>الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني</em>، مصدر سابق، ص 1 و45].</strong></h6>
<h6><strong>(24) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، مصدر سابق، ص 936–940؛ وفريدريك إنجلز، <em>ضد دوهرنغ</em>، مصدر سابق، ص 312–332. </strong></h6>
<h6><strong>(25) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، <em>تقرير الاقتصاد الرقمي لعام 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟: استعراض عام</em>، مصدر سابق، ص 2–4.</strong></h6>
<h6><strong>(26) State Council of the People’s Republic of China, <em>New Generation Artificial Intelligence Development Plan</em>, Beijing, 2017; National Development and Reform Commission, <em>The 13th Five-Year Plan for Economic and Social Development of the People’s Republic of China</em>, Beijing, 2016, Chapter 27, “Implement the National Big Data Strategy”; see also: <em>Constitution of the People’s Republic of China</em>, Articles 11, 14–17.</strong></h6>
<h6><strong>[مجلس الدولة في جمهورية الصين الشعبية، <em>خطة تطوير الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي</em>، بكين، 2017؛ واللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، <em>الخطة الخمسية الثالثة عشرة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لجمهورية الصين الشعبية</em>، بكين، 2016، الفصل السابع والعشرون: «تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للبيانات الضخمة»؛ وانظر كذلك: <em>دستور جمهورية الصين الشعبية</em>، المواد 11 و14–17].</strong></h6>
<h6><strong>(27) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، <em>التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي</em>، باريس: اليونسكو، 2021، ولا سيما الفقرات 32–40 و68–69، النسخة العربية الإلكترونية الرسمية.</strong></h6>
<h6><strong>(28) كارل ماركس، <em>الحرب الأهلية في فرنسا</em>، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، ص 29–30، النسخة العربية الإلكترونية، متاح على:</strong> <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7.pdf"><strong>بوابة</strong></a> <a href="https://revsoc.me/wp-content/uploads/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7.pdf"><strong>الاشتراكي</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>(29) OECD, <em>OECD Employment Outlook 2023: Artificial Intelligence and the Labour Market</em>, Chapter 7, “Social Dialogue and Collective Bargaining in the Age of Artificial Intelligence,” Paris: OECD Publishing, 2023, pp. 230–233, especially p</strong><strong>. 232، النسخة الإنجليزية الإلكترونية، متاح على:</strong> <a href="https://doi.org/10.1787/08785bba-en"><strong>OECD</strong></a><strong>.</strong></h6>
<h6><strong>(منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، <em>آفاق التوظيف لعام 2023: الذكاء الاصطناعي وسوق العمل</em>، الفصل السابع: «الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية في عصر الذكاء الاصطناعي»، باريس: منشورات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 2023، ص 230–233، ولا سيما ص 232).</strong></h6>
<h6><strong>(30) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، <em>التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي</em>، مصدر سابق، الفقرات 32–40 و68–69.</strong></h6>
<h6><strong>(31) كارل ماركس، <em>الغروندريسه</em>، مصدر سابق، ص699–706، ولا سيما ص706. </strong></h6>
<h6><strong>(32) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، <em>التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي</em>، مصدر سابق، ولا سيما الفقرات 32–40 و68–69 المتعلقة بالخصوصية وحوكمة البيانات، والشفافية وقابلية التفسير، والمسؤولية والمساءلة، والرقابة البشرية.</strong></h6>
<h6><strong>(33) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، الجزء الرابع: «إنتاج فائض القيمة النسبي»، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، المبحث الأول: «تطور الآلات»، ترجمة فالح عبد الجبار، مصدر سابق، ص 465 وما بعدها.</strong></h6>
<h6><strong>(34) Karl Marx, <em>Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy</em>, trans. Martin Nicolaus, London: Penguin Books, 1973, “The Chapter on Capital (Continuation),” Notebook VII, “Significance of the Development of Fixed Capital,” pp. 704–706, especially p. 706.</strong></h6>
<h6><strong>والنص الإنجليزي:</strong></h6>
<h6><strong>“general social knowledge has become a direct force of production.”</strong></h6>
<h6><strong>والترجمة العربية للاقتباس من إعداد الكاتب.</strong></h6>
<h6><strong>(كارل ماركس، <em>الغروندريسه: أسس نقد الاقتصاد السياسي</em>، «فصل رأس المال (تتمة)»، الدفتر السابع، مقطع «دلالة تطور رأس المال الثابت»، ص 704–706، ولا سيما ص 706، الترجمة الإنجليزية لمارتن نيكولاوس).</strong></h6>
<h6><strong>(35) Paweł Gmyrek et al., <em>Generative AI and Jobs: A Refined Global Index of Occupational Exposure</em>, op. cit., pp. 1, 45.</strong></h6>
<h6><strong>(بافيل غميرك وآخرون، <em>الذكاء الاصطناعي التوليدي والوظائف: مؤشر عالمي منقّح للتعرّض المهني</em>، مصدر سابق، ص 1 و45.)</strong></h6>
<h6><strong>(36) كارل ماركس، <em>رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي</em>، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، الفصل الثالث عشر: «الآلات والصناعة الكبرى»، ولا سيما المبحث الثالث: «التأثيرات المباشرة للإنتاج الآلي على العامل»، ص 490–519؛ والمبحث الرابع: «المصنع»، ص 520–528؛ والمبحث السابع: «نبذ وجذب العمال مع تطور المصنع الآلي. الأزمات في الصناعة القطنية»، ص 553–554. </strong></h6>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي والتناص الديني في قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نور علي- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/23/%d8%af%d8%b1%d8%a7%d8%b3%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%84%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%8a%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%88/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 23 May 2026 16:31:11 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106832</guid>

					<description><![CDATA[  &#160;   المقدمة  تأتي قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نورعلي في سياق السنوات الأولى التي أعقبت احتلال العراق عام 2003، وهي مرحلة اتّسمت بانهيار البنى السياسية والاجتماعية وتحول الحياة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong> </strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>المقدمة</strong></p>
<p><strong><br />
</strong><strong> </strong><strong>تأتي قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نورعلي في سياق السنوات الأولى التي أعقبت احتلال العراق عام 2003، وهي مرحلة اتّسمت بانهيار البنى السياسية والاجتماعية وتحول الحياة اليومية إلى فضاء من الفوضى والتهديد. في هذا المناخ، لا يكتفي الشاعر بتسجيل الحدث، بل يعيد صياغته عبر لغة رمزية كثيفة تستثمر الأسطورة والحكاية الشعبية والدين والتاريخ، منتِجةً نصّاً يتجاوز حدود اللحظة السياسية إلى أفق تأويلي أوسع، حيث يتقاطع الرمز مع الذاكرة والجرح مع الهوية.</strong></p>
<p><strong>يؤسّس عنوان القصيدة «ليلى والذئب» لبنية رمزية كبرى تقوم على ثنائية الضحية/المفترس؛ فليلى تتحوّل إلى صورة العراق–الأنثى الجريحة الباحثة عن نور، بينما يتجسّد الذئب بوصفه قناعاً للاحتلال وقوى الفوضى. ومن خلال هذه الثنائية، ينفتح النص على فضاء دلالي تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، ويتحوّل الحدث السياسي إلى سردية رمزية قابلة للقراءة البنيوية–السيميائية.</strong></p>
<p><strong>تتشكّل القصيدة من شبكة من العلامات: الغابة، الليل، الكوخ، النهر، النورس، الصليب، بيلاطس، الملك المهووس، الأباتشي… وكلها لا تعمل كصور جمالية فحسب، بل كعناصر في بنية رمزية تعيد تشكيل التجربة العراقية في ضوء الاحتلال وانهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء مظلم. هنا تبرز أهمية القراءة السياسية في تتبّع تمثيلات الاحتلال والطغيان الجديد.</strong></p>
<p><strong>بالتوازي، ينهض النص على بعد نفسي واضح يتجلّى في صور الخوف، والتيه، والظل، والنزيف، بما يعكس الصدمة الجماعية للفرد العراقي. فليلى ليست رمزاً سياسياً فقط، بل ذات مجروحة، وقيس يتجاوز صورة العاشق التراثي ليغدو ضميراً معذّباً يراقب الخراب بلا قدرة على الفعل، الأمر الذي يستدعي توظيف أدوات التحليل النفسي.</strong></p>
<p><strong>إن تداخل البنية الرمزية مع السياق السياسي والبعد النفسي يجعل من «ليلى والذئب» نصاً متعدّد الطبقات، لا تُجديه مقاربة أحادية المنهج، بل يحتاج إلى قراءة تكاملية تجمع بين التحليل البنيوي–السيميائي من جهة، والتحليل السياسي–النفسي من جهة أخرى. ومن خلال هذه المقاربة، تتبدّى القصيدة كتراجيديا عراقية مكتوبة بلغة أسطورية، تُعيد صياغة الجرح الوطني في بنية شعرية تحفظ الذاكرة وتفتح أفق التأويل.</strong></p>
<h2><strong>تحليل العنوان: «ليلى والذئب»</strong></h2>
<h3><strong>يحمل عنوان القصيدة «ليلى والذئب» بنية لغوية بسيطة تقوم على اسم علم مؤنث «ليلى» معطوفاً عليها «الذئب»، لكنه يخفي وراء هذا التركيب الموجز تعقيداً دلالياً واضحاً؛ فالعطف هنا لا يجمع بين متكافئين، بل يضع كيانين متضادين في علاقة سردية وصراعية: ضحية في مواجهة مفترس، أنثى إزاء وحش، براءة إزاء افتراس. ومنذ اللحظة الأولى، يستدعي العنوان طبقتين من المخيال: حكاية الفتاة والذئب في الذاكرة الحكائية العالمية (الطفلة البريئة في الغابة والذئب المتربّص)، ثم المخيال العربي الذي يجعل من «ليلى» –ليلى العامرية تحديداً– رمزاً للأنثى–المعشوقة، وللعشق المستحيل الذي كثيراً ما يُقرأ رمزاً للوطن والحلم. بهذا التراكب بين حكاية الطفلة والذئب وأسطورة قيس وليلى، يكتسب العنوان كثافة إيحائية قبل الدخول إلى النص.</strong></h3>
<h3><strong>في ضوء زمن الكتابة وسياقها (ما بعد احتلال العراق 2003)، يتحوّل هذا التركيب البسيط إلى استعارة كبرى: «ليلى» تصبح قناعاً للعراق بوصفه أنثى/أرضاً مخطوفة ومهدَّدة ومحاطة بـ«غابة» من القوى الإقليمية والدولية، لها تاريخ وحضارة لكنها تُعامَل كضحية، فيما يُجسِّد «الذئب» قوة الاحتلال: جيشاً مفترساً، حضورُه عواءٌ ليليّ وقوّة عمياء لا تستند إلى شرعية أخلاقية. العطف في «ليلى والذئب» هنا ليس عطف مساواة، بل عطف تضاد وتوتّر، يرسم منذ العنوان مشهداً أساسياً: ذات أنثوية هشّة في مواجهة مباشرة مع قوّة افتراس، من غير أن يحضر «الراعي» أو «المنقذ»، ما يجعل النص كله تطوّراً لحكاية صراع بين ضحية ووحش يعاد فيها توزيع الأدوار على رموز سياسية وتاريخية محددة.</strong></h3>
<h3><strong>بهذا المعنى، يقوم العنوان بوظيفتين متداخلتين: جمالية وإيديولوجية. فهو جمالياً يستثمر مخزوناً حكائياً مشتركاً يسهل به دخول القارئ إلى النص عبر باب مألوف، ثم يقلب توقّعاته، إذ يتبيّن أن الذئب ليس حيواناً في الغابة بل قناع لاحتلال معاصر، وأن ليلى ليست فتاة ساذجة بل وطناً معقّداً. وهو إيديولوجياً ينقل الخطاب من مستوى القول السياسي المباشر إلى مستوى التمثيل الرمزي، فيحوّل الاحتلال إلى «ذئب» والوطن إلى «ليلى»، ويحمّل المتلقي مسؤولية تأويل هذه المعادلة أخلاقياً وسياسياً، بحيث يُرى الاحتلال لا كحدث عسكري فحسب، بل كفعل افتراس لبراءة/أرض/أنثى، أي كجريمة إنسانية شاملة. هكذا ينهض العنوان بوظيفة «العقدة المكثفة» للنص: يلمّح إلى الشخصيات، وإلى طبيعة الصراع، وإلى الخلفية السياسية–الأسطورية للقصيدة، ويضع القارئ منذ البدء داخل أفق قراءة رمزية لواقعة 2003، من غير أن يصرّح باسم العراق أو الاحتلال تصريحاً مباشراً.</strong></h3>
<p><strong>تحليل الابيات</strong></p>
<p><strong>البداية المظلمة: انطفاء النجم واستنفار الغابة وبداية مأساة ليلى</strong></p>
<p><strong> </strong><strong>خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ</strong></p>
<p><strong>واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ</strong></p>
<p><strong>تدعو للرَّحيلْ</strong></p>
<p><strong>فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ</strong></p>
<p><strong>وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً</strong></p>
<p><strong>ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ</strong></p>
<p><strong>تشكّل هذه الأسطر افتتاحية كثيفة الرموز، ترسم المناخ العام للقصيدة عبر مزج الصورة الكونية بالحدث التاريخي–السياسي. يبدأ الشاعر بقوله: «خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ»، فيقدّم لحظة انطفاء دلالية: خفوت النجمة لا يعني مجرّد اختفاء ضوءٍ فيزيائي، بل انطفاء رمز الهداية والأمل في لحظةٍ يتصاعد فيها «عواء الذئب»، أي حضور قوّة مفترسة عمياء، يمكن قراءتها في سياق القصيدة كقناع للاحتلال الذي جاء ليملأ فضاء الليل/الوطن بالصوت العنيف بدل النور الهادي. بهذا التقابل بين «النجمة» و«عواء الذئب» يتأسّس محور ثنائي: أملٌ يختفي في اللحظة نفسها التي يتكثّف فيها الخطر.</strong></p>
<p><strong>في السطر التالي: «واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ»، تتحوّل «الغابة» إلى فضاء رمزي واسع يضمّ العالم/المحيط/النظام الدولي، أو البيئة السياسية الملتبسة التي تتحرّك فيها القوى المتنازعة. فعل «استنفرت» يحمل دلالة التعبئة والاستدعاء القسري، فليلى (العراق) لا تدخل المشهد طواعية، بل تُستدعى إلى مسرح الكارثة، في حين أن «ثياب الريح» تكشف عن حالة هشاشة وعراء؛ فهي ليست ثياب حماية، بل ثياب انكشاف، ما يضاعف شعور الضحية بالعجز أمام القوى التي تستنفرها وتدفعها إلى مواجهة المصير.</strong></p>
<p><strong>يتعزّز هذا المعنى في قوله: «تدعو للرَّحيلْ / فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ»، إذ تُدفَع ليلى –بوصفها ذاتاً جمعية/وطنية– إلى نوع من الرحيل أو الفكاك، لكن هذا الرحيل ليس فوق أرض صلبة، بل فوق «بحر الحب والخبز»؛ أي فوق الحاجات الإنسانية الأساسية: العاطفة والعيش اليومي. البحر هنا ليس فقط فضاء اتساع، بل أيضاً فضاء اللاستقرار، ما يوحي بأن أبسط مقوّمات الحياة (الحب، الخبز) قد تحوّلت إلى سطحٍ مائع لا يمكن الاتكاء عليه، وأنّ الرحيل ذاته يجري فوق ما كان ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة، فإذا به يتحوّل إلى عنصر قلق واضطراب.</strong></p>
<p><strong>ويبلغ التوتّر ذروته في صورة «وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً / ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ». فـ«الشوق» هنا ليس حنيناً فردياً، بل حنينٌ جمعي لوطنٍ مستقرّ أو ماضٍ أقلّ قسوة. غير أنّ هذا الشوق يُصدم ويُصدَع؛ أي يُشقّ ويُفَتّت تحت وطأة «أقراص الصهيل». إنّ ربط الصهيل بـ«الأقراص» يحوّل صوت الخيل (ومن ورائها الآلة العسكرية والدبابات والمركبات المدرّعة) إلى ضربات معدنية متتالية، تشبه الأقراص الصلبة الثقيلة التي تهوي على رأس الشوق، فتشوّش عليه وتمنعه من أن يتبلور في أفق أمل. هكذا تتداخل لغة الحصان (الصهيل) بلغة الحرب الحديثة، فيتحوّل الحنين إلى ضحية مباشرة للآلة العسكرية، ويصبح صوت الشوق خافتاً، مكسوراً، داخل ضجيج الحرب.</strong></p>
<p><strong>بهذا الترابط بين خفوت النجمة، واستنفار الغابة، ورحيل ليلى فوق بحر مضطرب من «الحب والخبز»، ثم تكسّر صوت الشوق تحت ضربات الصهيل، يقدّم الشاعر لوحة افتتاحية متماسكة ترمز إلى لحظة دخول الاحتلال: لحظة ينطفئ فيها الأفق، تُستدعى فيها الضحية إلى مسرح العنف، يُقوَّض فيها أساس العيش الإنساني، ويُسحق فيها الحنين تحت وطأة الجيوش المتقدّمة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>بين جدار الليل وكوّة الكوخ: جدلية العتمة والأمل في مصير ليلى</strong></p>
<p><strong>في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ</strong></p>
<p><strong>ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً</strong></p>
<p><strong>طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ</strong></p>
<p><strong>في النِّهاياتِ الَّتي  تمتدُّ</strong></p>
<p><strong>بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ</strong></p>
<p><strong>وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يواصل الشاعر في هذه الأبيات بناء المشهد الكابوسي عبر صورة مكثّفة: «في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ». فالليل هنا ليس زمناً فحسب، بل يتحوّل إلى «جدار»، أي إلى حاجز كثيف يُغلِق الأفق ويمنع الرؤية، فيما يصدر من داخله «صراخ الغابة العمياء»؛ والغابة العمياء توحي بعالمٍ مفعم بالفوضى والخوف، يتحرّك ويصرخ دون بصيرة أو اتجاه، في إحالة إلى واقعٍ سياسي/إنساني يتخبّط في الظلام. في قلب هذا المشهد، تظهر ليلى بوصفها ذاتاً متلهّفة على الخلاص: «ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً / طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ». لا تبحث ليلى عن انفجار ضوءٍ كاسح، بل عن شعاع متواضع يخرج من «كوّة» في «كوخ بعيد»؛ ما يعني أنّ الأمل هنا محدود، وواهن، لكنه مع ذلك باقٍ، ومتموضع في صورة بيت صغير، هامشي، بعيد عن مركز السلطة والخراب. هذا التصغير المتعمّد للأمل (كوّة/كوخ/بعيد) يضاعف من دلالته: فالخلاص محتمل، لكنه ليس قريباً ولا ميسوراً.</strong></p>
<p><strong>ويزيد الشاعر من تعقيد الصورة في قوله: «في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ / بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ / وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ». فعبارة «النهايات التي تمتد» تحمل مفارقة دلالية: النهاية حدّ وانقطاع، لكنها هنا «تمتد»، أي تتحوّل إلى أفق طويل من الاحتضار، إلى زمنٍ ممدود من اللاخاتمة. هذا الامتداد يجري «بين الشجر الملتف بالصخر»، حيث تتداخل عناصر الحياة (الشجر) بعناصر القسوة والجمود (الصخر)، بما يصوّر وجوداً محاصَراً: حياة محاطة بكتل صلبة خانقة. أما «السيقان في قاع البحيرة» فيمكن قراءتها بوصفها جذوراً أو أجساداً غارقة، ما يعمّق الإحساس بالاختناق والغرق؛ فثمة قاع مائي يبتلع السيقان/الكائنات، ويحوّل الحركة إلى سكون ثقيل. بهذه البنية المتشابكة –جدار الليل، صراخ الغابة العمياء، كوّة الكوخ البعيد، النهايات الممدودة، الشجر المختنق بالصخر، والسيقان الغارقة– يرسم الشاعر مساراً درامياً لمصير ليلى/العراق: من عتمة مطبقة وصراخ بلا جدوى، إلى أمل ضئيل بعيد، محاط في الآن نفسه بظروف خانقة تجعل اقتراب ذلك الأمل مهمة شبه مستحيلة، من دون أن تلغيه تماماً من أفق التخييل.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>ليلى في مرمى العيون وقيس في هامش الحرب: العشق شاهداً على الخراب</strong></p>
<p><strong>هذهِ ليلى تدورْ</strong></p>
<p><strong>بينَ أحداقِ الشَّجرْ،</strong></p>
<p><strong>قيسُ لا ينظرُ مِنْ فوَّهةِ السَّهمِ،</strong></p>
<p><strong>ولكنْ مِنْ زوايا الْعينِ في قافيةِ الْعشقِ</strong></p>
<p><strong>وأصداءِ الْحروفْ</strong>.</p>
<p><strong>في هذه الأبيات يقدّم الشاعر مشهداً دلالياً مضاعفاً؛ فـ«هذه ليلى تدور بين أحداق الشجر» ترسم أولاً صورة كائنٍ تائه، يتحرك في دائرة مغلقة، لا يستقرّ على اتجاه. غير أنّ الشجر هنا ليس عنصراً طبيعياً محايداً، بل يُمنح «أحداقاً»؛ أي يتحوّل إلى عيون، إلى شبكات مراقبة ومحاصرة، وكأن ليلى–بوصفها رمزاً للعراق/الضحية– محاصَرة بنظرات الطبيعة/العالم/القوى المحيطة، تُراقَب أكثر مما تُنصَر، وتُشاهَد أكثر مما تُحمى. في المقابل، يحضر قيس بوصفه العاشق التاريخي، لكنه لا يأتي من «فوهة السهم»، أي لا ينظر بعين المقاتل أو من منظار السلاح، فلا يشارك في منطق العنف، بل «من زوايا العين في قافية العشق وأصداء الحروف»؛ أي من هامشٍ إنساني–جمالي يقع خارج مركز الفعل العسكري. هذا التموضع يحمّله وظيفة الشاهد المحبّ: فهو يرى من موقع العاطفة واللغة، من حافة القصيدة لا من فوهة البندقية، فيتحوّل إلى رمز للمثقف/الشاعر/العاشق الذي لا يملك سوى «قافية العشق» و«أصداء الحروف» لمواجهة مأساة ليلى. هكذا ينشأ تضاد لافت: ليلى في قلب دائرة الرصد والخطر، وقيس في هامش المشهد، أسلحته الكلام والحب لا السهام، بما يشي بإدانة ضمنية لعجز العشق والكتابة أمام واقع الاحتلال، مع الإبقاء عليهما مع ذلك كآخر أشكال المقاومة الرمزية الممكنة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>«من قلب ليلى إلى منفى النورس: تحوّل الوطن إلى ظلّ ومصير إلى منفى</strong></p>
<p><strong>لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ</strong></p>
<p><strong>في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ</strong></p>
<p><strong>والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ</strong></p>
<p><strong>والنِّهرِ الَّذي يجري بغيرِ الزَّورقِ الْأبيضِ وسْطَ الْموجِ</strong></p>
<p><strong>والنَّورسُ قد هاجرَ في الْحُلْم صدىً</strong></p>
<p><strong>خلفَ بقاعِ الثَّلجِ مرشوقاً بأنواءِ الْمصيرْ.</strong></p>
<p><strong>يعمّق الشاعر في هذه المقاطع صورة التلاشي الداخلي لليلى/العراق عبر قوله: «لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ»، فالقلب الذي يفترض أن يكون مركز الحياة والحرارة العاطفية لم يعد يُدرَك إلا كـ«ظل» باهت، منطبِع على «ورق ذابل» مسوَّد، بما يوحي بأن حضورها الوجداني والسيادي تحوّل إلى مجرّد أثر باهت في وثائق وخطابات وتواريخ منهكة. ويتّخذ هذا الفقد بعداً مكانياً واضحاً في قوله: «في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ / والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ»، إذ ينتقل الشاعر من الغابة والكوخ إلى مشهد حضري صلد: إسفلت، شارع مظلم، انحدار نحو «الجسر»، كأن الوجود كله يسير نحو نقطة عبور حاسمة لا يُعرَف ما بعدها. غير أنّ النهر الذي يفترض أن يكون معبراً إلى الضفة الأخرى من الخلاص «يجري بغيرِ الزَّورقِ الأبیضِ وسط الموج»، فيغيب رمز العبور الآمن (الزورق الأبيض: السلام، البراءة، النجاة)، ويظلّ النهر فيضاً جارياً بلا وسيلة إنقاذ، ما يعمّق الشعور بالانحباس في الضفة المعتمة. وتبلغ الصورة ذروتها الرمزية باستحضار «النَّورس» الذي «قد هاجرَ في الحلم صدىً / خلف بقاع الثلج مرشوقاً بأنواء المصير»؛ فالنورس –طائر الساحل والحرية والحركة– لم يعد كائناً حياً في فضاء الوطن، بل تحوّل إلى «صدى» بعيد لا يتحقق إلا في الحلم، ثم يُقذَف إلى «بقاع الثلج» البعيدة الباردة، حيث يُرمى «بأنواء المصير»؛ أي تتكفّل به عواصف القدر في منفى قاسٍ. بذلك تتضافر عناصر الصورة كلها لتأكيد فكرة مركزية: قلب ليلى في الداخل لم يبقَ منه إلا ظلّ على ورق ميت، والنهر والجسر لم يعودا طريق نجاة، والنورس رمز الحرية لم يجد مكانه إلا في منفى ثلجي بعيد، فيتحوّل الوطن والإنسان معاً إلى ظلال مكسورة بين شارعٍ مظلم ونهر بلا زورق ومصير منفيّ خارج الجغرافيا والدفء.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>ليلى والذئب بين جوع الأرض وذبح القطيع: تفكيك معادلة الراعي الغائب</strong></p>
<p><strong>هذه ليلى، وهذا الذِّئبُ،</strong></p>
<p><strong>في قصةِ جوعِ الْأرضِ للرَّاعي</strong></p>
<p><strong>قطيعاً منْ شياهٍ</strong></p>
<p><strong>في انتظارِ الذَّبحِ بالسَّيفِ..</strong></p>
<p><strong>لساناً ورقابا&#8230;</strong>.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>في هذه الأسطر يحسم الشاعر المعادلة الرمزية التي مهّد لها منذ البداية: «هذه ليلى، وهذا الذئب»، فيسمّي الطرفين تسمية مباشرة، مثبتاً ثنائية الضحية/المفترس في صورتها العارية، ومنقلاً الحكاية من مستوى الإيحاء إلى مستوى التصريح. غير أنّ المفارقة الأعمق تظهر في قوله: «في قصةِ جوعِ الأرضِ للرَّاعي»، فالأرض –التي يُفترَض أن تكون موضوع رعاية– تُنسب إليها حالة «الجوع للراعي»، أي جوعٌ إلى قيادة عادلة، وحماية، ونظام يرعى القطيع. غير أنّ هذا الجوع نفسه ينفتح على كارثة: حين تغيب صورة الراعي الحقيقي، تتقدّم صورة الذئب ليملأ الفراغ؛ فيتحوّل احتياج الأرض للراعي إلى فرصةٍ سانحة لافتراسها.</strong></p>
<p><strong>في هذا السياق يَرِد تركيب «قطيعاً من شياهٍ / في انتظارِ الذبحِ بالسيف»، حيث تُختَزل الجماعة/الشعب في صورة قطيع مستسلم، لا يملك من أمره شيئاً، ينتظر الذبح بوصفه قدراً محتوماً. وتأتي إضافة «لساناً ورقابا» لتوسّع معنى الذبح من بعده الجسدي إلى بعدٍ رمزي أشمل: فالذبح يصيب «الرقاب» (الحياة، الجسد، الوجود الفيزيقي) و«اللسان» (الهوية، اللغة، الخطاب، القدرة على الشهادة والاحتجاج). بهذا لا يعود العنف مقتصراً على القتل المادي، بل يشمل أيضاً إسكات الصوت ومحو الذات الثقافية.</strong></p>
<p><strong>تتكوّن لدينا، من خلال هذا المقطع القصير، بنية دلالية مركّبة:</strong></p>
<p><strong>أرض جائعة لراعٍ غائب، وقطيع بلا حماية، وذئب يملأ فراغ السلطة، وذبح يطال الجسد واللغة معاً.</strong></p>
<p><strong>وبذلك يتجاوز الشاعر سرد حكاية «ليلى والذئب» بوصفها مواجهة فردية، ليقدّمها كقصة انهيارٍ شامل لمنظومة الرعاية والعدل، وكمجازٍ عن واقعٍ سياسي تتحوّل فيه الشعوب إلى قطعان معطّلة الإرادة، في ظلّ أرضٍ تستدعي من يرعاها، فلا يأتيها إلا الذئب.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>قيس في سعير الكوخ وذبح الورد: احتراق العشق تحت طائرات الأباتشي</strong></p>
<p><strong>آهِ، يا ليلى،</strong></p>
<p><strong>هوَ الْعاشقُ قيسٌ يتلوَّى</strong></p>
<p><strong>منْ سعيرِ الْكوخِ في هاويةِ الْعشقِ</strong></p>
<p><strong>وفي أطرافها عَظْمُ الْحمامْ</strong></p>
<p><strong>ريشةٌ تسقطُ في الشَّوقِ نزيفاً</strong></p>
<p><strong>مِنْ ضلوعِ الْوردِ لمْ يُهدَ،</strong></p>
<p><strong>ولكنْ ذُبِحَتْ أغصانُهُ،</strong></p>
<p><strong>قُطِّعتْ أوصالُهُ،</strong></p>
<p><strong>بينَ دروبِ الْغابةِ الْمفتوحةِ الْأشداقِ والْأحداقِ</strong></p>
<p><strong>في سِرْبِ الأپاتشي&#8230;</strong>.</p>
<p><strong>يفتتح الشاعر هذا المقطع بالنداء: «آهِ، يا ليلى»، ليؤطّر ما يليه في خطاب رثائي مباشر للأنثى–الوطن، قبل أن يقدّم صورة قيس: «هو العاشق قيسٌ يتلوّى / من سعير الكوخ في هاوية العشق». لم يعد قيس عاشقَ البادية الرومانسي، بل كائناً يحترق «من سعير الكوخ»، أي من نارٍ مشتعلة في فضاء السكن البسيط، الكوخ–البيت الشعبي، في إشارة إلى أن العشق نفسه بات يتموضع في «هاوية»؛ فالحب هنا ليس خلاصاً بل سقوطاً معذِّباً. وتتجسّد فظاعة هذه الهاوية في أطرافها حيث «عظم الحمام»؛ فالحمام، رمز السلام والبراءة، لم يبقَ منه سوى العظم، أي أن السلام كقيمة ووجود قد قُتل، ولم يبقَ إلا هيكله. ويستكمل الشاعر هذا الخط التصويري بصورٍ متلاحقة: «ريشةٌ تسقط في الشوق نزيفاً»؛ فالريشة –التي يمكن أن تُقرأ كريش حمام أو كقلم كتابة– لا تسقط سقوطاً عادياً، بل «نزيفاً»، فيرسم بذلك تماهياً بين الدم والحبر والحنين، كأن الشوق نفسه جرح نازف. وهذه الريشة النازفة «من ضلوع الورد لم يُهدَ» تشير إلى وردةٍ كان يفترض أن تُهدى في سياق حب وسلام، لكنها لم تُمنَح لأحد؛ إذ لم يتح للحياة أن تأخذ مسارها الطبيعي، بل إن «أغصانه ذُبحت، قُطّعت أوصاله»، فيتكرّس ذبح الجمال والنعومة والوداعة في صلب المشهد.</strong></p>
<p><strong>هكذا ينتقل العنف من ذبح القطيع سابقاً إلى ذبح الورد نفسه هنا، بما يحوّل الطبيعة الرقيقة إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب. ويُكمِل الشاعر بناء المشهد الكابوسي بقوله: «بين دروب الغابة المفتوحة الأشداق والأحداق / في سرب الأپاتشي»، حيث تعود «الغابة» كفضاء رمزي، لكنها الآن «مفتوحة الأشداق والأحداق»: أفواه وحشية فاغرة وعيون متربصة، في إحالة إلى عالمٍ/نظام دولي/محيط يراقب ويفترس في آن واحد. وتتوجّ هذه الصورة بذكرٍ صريح لـ«سرب الأباتشي»، فيخرج النص من حقل الرموز المجازية الخالصة إلى التسمية المباشرة لآلة الحرب الأميركية. بذلك يتجاور قيس العاشق المحترق في كوخه، والحمام المكسور، والورد المذبوح، مع طائرات الأباتشي في مشهدٍ واحد؛ فيغدو العشق والثقافة والجمال كلّها مكوّنات تحترق تحت واقعٍ عسكري عنيف، وتتحوّل «هاوية العشق» إلى استعارة شاملة لسقوط الإنسان–العاشق في زمن الاحتلال، حيث لا مكان للحمام والورد والكوخ الآمن أمام جبروت «سرب الأباتشي» و«الغابة المفتوحة الأشداق.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>راقصة المعبد والملك المهووس وبيلاطس: مسرح الدم و تبرؤ السلطة من الجريمة</strong></p>
<p><strong>هذهِ ليلتُها راقصةُ الْمعبدِ،</strong></p>
<p><strong>هذا الْملكُ الْمهووسُ يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً</strong></p>
<p><strong>من دم المسفوحِ فوق الخشبهْ،</strong></p>
<p><strong>ولسانُ الذَّبحِ ممدودٌ الى أيدي السَّرايا النَّائمهْ</strong></p>
<p><strong>وبيلاطسْ،</strong></p>
<p><strong>ذلك الْهاربُ منْ ذَنْبِ الصَّليبْ</strong></p>
<p><strong>غاسلاً وجهَ يديهِ، صارخاً:</strong></p>
<p><strong>إني بريءٌ من دمِ الْقدِّيس هذا،</strong></p>
<p><strong>فخذوهْ،</strong></p>
<p><strong>وانظروا فيهِ،</strong></p>
<p><strong>ويبقى صامتاً،</strong></p>
<p><strong>يرقبُ فوقَ الْعرشِ تاريخَ الصَّليبْ.</strong></p>
<p><strong><br />
</strong><strong> في هذا المقطع ينقل الشاعر المشهد من غابة الحرب وأطراف الكوخ إلى فضاء طقسي–مسرحي كثيف الرموز: «هذه ليلتُها راقصةُ المعبدِ». تُقدَّم ليلى هنا في هيئة «راقصة المعبد»؛ أنثى تُستَخدم في طقس يبدو مقدساً، لكنه في العمق طقس استغلال وعرض. فالمعبد، بوصفه مكاناً للقداسة، يتحول إلى مسرح، والراقصة إلى جسدٍ يُستثمر ضمن طقس دموي، في إحالة إلى استغلال الوطن/العراق في طقوس سياسية–إعلامية تبريرية تُدار فوق دم الضحية.</strong></p>
<p><strong>في مواجهة هذه الراقصة يظهر «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً من دمٍ مسفوحٍ فوق الخشبة». الملك هنا رمز للسلطة المطلقة، المحلية أو الكونية، التي تتصرّف بهوس وتموضع الحرب في هيئة طقس شرب للدم؛ فالأرض تُسقى دماً كما لو كان نبيذاً، و«الخشبة» تتحول إلى منصة للذبيحة: خشبة مسرح، أو منصة إعدام، أو امتداد لصورة الصليب اللاحقة. هكذا تتخذ الحرب شكل «مسرح مقدس زائف» تُدار فيه طقوس التضحية بالبشر على يد ملك مأخوذ بجنون السلطة.</strong></p>
<p><strong>ويزيد الشاعر وضوح البعد الدموي بقوله: «ولسانُ الذبحِ ممدودٌ إلى أيدي السرايا النائمة». فـ«لسان الذبح» هو حدّ السكين وأداة القتل، وهو هنا ممدود إلى أيدٍ ليست بريئة من الدم؛ إذ تحيل «السرايا النائمة» في سياق ما بعد 2003 إلى الخلايا والتنظيمات المسلحة ذات الطابع الأصولي، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة والجماعات المشابهة التي مارست التفجيرات والذبح والقتل الطائفي داخل المشهد العراقي. وبهذا يوسّع الشاعر دائرة المسؤولية؛ فالدم ليس نتاج الملك المهووس وحده، بل تشارك فيه تلك السرايا التي انتقلت من «النوم» إلى ممارسة العنف الأعمى، فالتقطت «لسان الذبح» وأسهمت في تعميق المأساة وتمزيق النسيج الاجتماعي.</strong></p>
<p><strong>عند هذه النقطة يدخل «بيلاطس» إلى المشهد بوصفه رمزاً تاريخياً–دينياً: «ذلك الهارب من ذنب الصليب، غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا، فخذوه، وانظروا فيه». يستدعي الشاعر شخصية بيلاطس البنطي الذي، في الرواية المسيحية، غسل يديه معلناً براءته من دم المسيح. غير أن القصيدة تعرّي هذه البراءة؛ فبيلاطس «هارب من ذنب الصليب»، أي شريك ضمني في الجريمة، يختبئ خلف طقس غسل اليدين والعبارة القانونية–الخطابية. يُسقِط الشاعر هذا النموذج على الواقع السياسي المعاصر، حيث تتنصّل قوى كبرى من مسؤوليتها عن الدماء المسفوكة عبر خطاب قانوني/أخلاقي يسلّم الضحية للجلادين («فخذوه، وانظروا فيه») ثم يتراجع إلى موقع المتفرج.</strong></p>
<p><strong>ويُختَم المشهد بقول الشاعر: «ويبقى صامتاً، يرقبُ فوق العرش تاريخَ الصليب». فـ«بيلاطس» المعاصر، أي سلطة القرار العالمية، يجلس فوق العرش في موقع السيادة، لا يفعل سوى أن يراقب تكرار تاريخ الصلب، أي إعادة إنتاج مشاهد الذبح والتضحية بالشعوب والأبرياء، بصمت ثقيل. هكذا يتشكّل مشهد ثلاثي الطبقات:</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>ليلى/راقصة المعبد: الضحية المستثمَرة في طقس الدم،</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>الملك المهووس والسرايا النائمة: سلطة قمعية وسرايا مسلحة تشارك بالفعل أو بالصمت في إنتاج المذبحة،</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>وبيلاطس: نموذج التبرؤ الكاذب من الدم، يراقب من عرشه «تاريخ الصليب» وهو يتكرر.</strong></p>
<p><strong>بهذا تتحول الحرب على العراق، في هذا المقطع، إلى «مسرح لاهوت سياسي» مقلوب: معبد وراقصة وملك وسرايا وبيلاطس جديد يرفع شعار البراءة، فيما تُدار أمامه أعنف طقوس الذبح والتضحية</strong></p>
<p><strong>من ليلى إلى (أنتم جميعاً): مساءلة الجماعة في ليل الصلب والعويل والدخان</strong></p>
<p><strong>هذهِ ليلتُكم، أنتمْ جميعاً،</strong></p>
<p><strong>فوق صُلبانِ الرَّحيلْ،</strong></p>
<p><strong>ايُّها الرَّكبُ الْموالي لظلامِ الْكأسِ والْموجةِ</strong></p>
<p><strong>والْعاصفةِ الرَّعناءِ، والْعشق الْحرامْ.</strong></p>
<p><strong>هذه ليلتُكمْ،</strong></p>
<p><strong>في الْغابةِ المُختلَّةِ الْأرجاءِ بالرُّعبِ،</strong></p>
<p><strong>وأقدامِ الظَّلامْ،</strong></p>
<p><strong>ودروبِ الْأُفعوانْ&#8230;</strong></p>
<p><strong>هذهِ ليلتكُم..</strong></p>
<p><strong>فيضُ عويلٍ مِنْ سراديبِ الْمَلِكْ</strong></p>
<p><strong>والدَّهاليزِ الْعميقهْ</strong></p>
<p><strong>في مزاميرِ الدُّخانْ</strong>&#8230;.</p>
<p><strong>في هذا المقطع ينتقل الشاعر انتقالة حاسمة من خطاب الضحية المفردة (ليلى) إلى خطابٍ جمعي يتوجّه إلى «أنتم جميعاً»، فيقول: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». لم تعد الليلة ليلة ليلى فقط، بل باتت ليلة الكل: الجلّاد والضحية، المتفرّج والمتواطئ، الساكت والمشارك. تعبير «فوق صلبان الرحيل» يقدّم الرحيل –الهجرة، النزوح، الفقدان– لا كخيار حرّ، بل كنوعٍ من الصلب الوجودي؛ فالإنسان المقهور مصلوبٌ على صليب الغربة والاقتلاع، وكأن الرحيل نفسه عقوبة وجلد. ويتوجّه الشاعر مباشرة إلى «الرَّكبِ الْموالي لظلام الكأس والموجة والعاصفة الرعناء والعشق الحرام»، فيدين منظومة كاملة من القيم والسلوكيات: </strong></p>
<p><strong>«ظلام الكأس» يحيل إلى سُكرٍ/لاوعي سياسي وأخلاقي، «و الموجة» إلى الانقياد الأعمى للتيارات الإعلامية/السياسية،</strong></p>
<p><strong>«والعاصفة الرعناء» إلى الحروب والقرارات المتهوّرة، «والعشق الحرام» إلى التحالفات والمصالح غير المشروعة.</strong></p>
<p><strong>بهذا يكون الخطاب موجَّهاً إلى قوى وأنظمة وجماهير اختارت الاصطفاف مع العتمة، أو انجرفت معها، فيُحمِّلها الشاعر نصيبها من المسؤولية عن الكارثة.</strong></p>
<p><strong>ويعمّق الشاعر هذا الاتهام حين يعلن مجدّداً: «هذه ليلتكم»، ثم يرسم فضاءها: «في الغابة المختلة الأرجاء بالرعب، وأقدام الظلام، ودروب الأفعوان». الغابة هنا تعود رمزاً للعالم/النظام الدولي، لكنها «مختلّة الأرجاء»؛ أي فقدت توازنها وغاياتها، وصارت مُفكَّكة، تسيطر عليها «أقدام الظلام»؛ فالظلام لم يعد حالة سكونية، بل قوة تمشي وتغزو وتطأ. أما «دروب الأفعوان» فتوحي بطرق متعرّجة، خادعة، مملوءة بالسمّ، في إحالة إلى سياسات ملتوِية، ومؤامرات، وتحالفات سريّة تحكم حركة هذا «الركب» في ليله. ويصل المقطع إلى ذروته في الخاتمة: «هذه ليلتكم.. فيض عويلٍ من سراديب الملك، والدهاليز العميقة، في مزامير الدخان». فالعويل هنا لا يأتي من الشوارع فقط، بل من «سراديب الملك» و«الدهاليز العميقة»: أقبية السلطة، غرف القرار، المخابئ المحصّنة؛ أي من قلب البنى الحاكمة ذاتها. و«مزامير الدخان» عبارة كثيفة تربط بين «المزامير» (أناشيد، تراتيل، نصوص مقدّسة أو خطابية) و«الدخان» (النار، الحرب، الإخفاء، الغموض)، لتشير إلى أن الخطابات التي تُنتَج من تلك الدهاليز –سواء كانت خطاباً دينياً أو سياسياً أو إعلامياً– ليست سوى تراتيل مغطاة بالدخان، تبرّر الخراب وتؤدلجه وتغطي على صوته الحقيقي، الذي يبقى «فيض عويل». بهذه البنية المتماسكة، يغلق الشاعر القصيدة بإعادة توزيع المسؤولية: لم يعد الليل ليل ليلى وحدها، بل ليل الجميع، حيث تتجاور صلبان الرحيل، وغابة الرعب، ودروب الأفعوان، وعويل السراديب، ومزامير الدخان؛ فيتحوّل النص كله إلى شهادة إدانة لزمنٍ كامل، لا لحدث احتلالٍ منفرد فقط.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>البنية الرمزية والتناص الديني–السياسي في قصيدة «ليلى والذئب»</strong></p>
<p><strong>نهض قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نور علي على بنية رمزية كثيفة تستثمر الحكاية الشعبية، والأسطورة، والدين، والتاريخ، في إعادة تمثيل اللحظة العراقية بعد احتلال 2003. فالقصيدة لا تتعامل مع الحدث السياسي بوصفه واقعة مباشرة، بل تعيد صياغته في صورة نظام علاماتي تتجاور فيه الشخصيات والأمكنة والحركة والظلال لتنتج «أسطورة عراقية» جديدة. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تستند إلى البعد البنيوي–السيميائي في تحليل اشتغال الرمز، وإلى البعد السياسي–النفسي في إضاءة الخلفية التاريخية والجرح الجمعي الذي يقوم عليه النص.</strong></p>
<p><strong>يبدأ النص بعنوانه «ليلى والذئب»، وهو عنوان يقوم على قناع رمزي مزدوج؛ فـ«ليلى» لا تُستحضَر بوصفها شخصية تراثية بريئة فحسب، بل بوصفها صورة للعراق–الأنثى، الجريحة، المطاردة، الباحثة عن نور بعيد. و«الذئب» لا يُقرأ باعتباره حيواناً مفترساً، بل قناعاً لقوّة الاحتلال وقوى الفوضى التي اجتاحت البلاد. وبهذا التأسيس، يُدخل العنوان القارئ مباشرة في ثنائية مركزية هي ثنائية الضحية/المفترس، وهي ثنائية تتكرر على امتداد القصيدة وتشكّل محوراً بنيوياً يمكن تتبّعه عبر المستويات المختلفة للنص.</strong></p>
<p><strong>منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، تتكرّس لحظة الانهيار: انطفاء الضوء وعلوّ صوت المفترس. النجمة علامة الأمل، و«عواء الذئب» علامة الخراب القادم. هذا التوتر بين الضوء والعواء يفتح النص على فضاء رمزي تتداخل فيه الطبيعة مع السياسة، ويتحوّل الليل إلى بنية دلالية تمثل الفوضى والاحتلال. في هذا السياق، تغدو «الغابة» في الأبيات اللاحقة رمزاً لـ«فضاء سياسي مختلّ»، حيث تُستنفَر ليلى «في ثياب الريح»؛ أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إحالة إلى انهيار اليومي وتصدّع البنية المعيشية في مواجهة آلة الحرب.</strong></p>
<p><strong>يتعمّق البناء الرمزي بحضور شخصية قيس، العاشق الذي «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس هنا لا يعود مجرّد عاشق تراثي، بل يتشكّل رمزاً للمثقف/الشاعر العراقي الذي يرى الخراب ولا يملك سوى اللغة أداةً للمواجهة. إنّه شاهدٌ عاجز، يراقب ليلى وهي تتحوّل إلى «ظلّ في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل. هذا الانتقال من الجسد إلى الظل، ومن الحضور الحيّ إلى «الورق الذابل»، يكشف البعد النفسي للنص، حيث تتجسّد الصدمة الجماعية في صور الانطفاء والذبول والتلاشي.</strong></p>
<p><strong>وتتسع الدلالة حين ينتقل النص إلى فضاء المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه الصور لا تُقرأ بوصفها وصفاً طبيعياً، بل بوصفها علامات سياسية تشير إلى مدينة فقدت أمنها، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ غادر فضاء الوطن. في هذا المستوى يتجلّى بوضوح عمل القراءة السيميائية في ربط العلامة بسياقها التاريخي والسياسي.</strong></p>
<p><strong>في المقطع الذي يقول فيه الشاعر: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي»، تتبلور البنية السياسية للقصيدة بأقصى درجات وضوحها. فـ«جوع الأرض للراعي» يشي بعراقٍ بلا قيادة حقيقية، وبلا حماية، وبشعبٍ يُختزَل في صورة «قطيع في انتظار الذبح». والذبح هنا لا يُفهم كاستعارة بعيدة، بل كإحالة مباشرة إلى العنف المنفلت الذي اجتاح البلاد بعد الاحتلال. وتأتي صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من الدم» لتؤكد هذا المعنى، حيث يتحوّل الحاكم إلى رمز للطغيان الجديد، وتتحوّل الأرض إلى خشبة مسرح تُسفك عليها الدماء.</strong></p>
<p><strong>يبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء شخصية بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا». هذا التناص يفتح النص على فضاء ديني–تاريخي واسع يربط بين العراق والمسيح، وبين الاحتلال والصلب، وبين العالم وبيلاطس الذي يغسل يديه من الدم. إنه تناص يكشف تواطؤ القوى الدولية، ويحوّل العراق إلى «قدّيس» يُصلب أمام أنظار عالمٍ يكتفي بإعلان البراءة اللفظية. في هذا الموضع يتجلى بوضوح دور التناص الديني في تعميق البعد الأخلاقي–السياسي للقصيدة.</strong></p>
<p><strong>تكتمل اللوحة حين يعلن الشاعر: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». فالصلبان هنا ليست دينية خالصة، بل صلبان سياسية: صلبان المنافي، والتهجير، والرحيل القسري. وتتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» بوصفها علامات على دهاليز السياسة الجديدة التي دُفع إليها العراق بعد 2003: طرق ملتوِية، وبُنى سلطة معتمة، وخطابات تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».</strong></p>
<p><strong>بهذا تتكامل البنية الرمزية مع التناص الديني–السياسي في إنتاج نص يقوم على تراكب طبقات المعنى:</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>طبقة أسطورية: (ليلى/الذئب/الغابة)،</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>طبقة سياسية: (الاحتلال/الملك/الأباتشي)،</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>طبقة دينية: (بيلاطس/الصلب/القديس)،</strong></p>
<p><strong>&#8211;</strong>         <strong>طبقة نفسية: (الخوف/التيه/الظل/النزيف).</strong></p>
<p><strong>وتعمل هذه الطبقات مجتمعة على تحويل التجربة العراقية إلى تراجيديا كونية، تُقرأ فيها الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحيةً تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وبهذا تتجاوز القصيدة حدود اللحظة السياسية المباشرة لتغدو نصاً رمزياً مفتوحاً يشتغل على الذاكرة والجرح والهوية، ويعيد صياغة الواقع عبر لغة أسطورية مكثّفة تجعل من الشعر شهادةً على زمنٍ يتداخل فيه الدم مع الأسطورة، والليل مع التاريخ، والرمز مع الحقيقة.</strong></p>
<p><strong>قراءة بنيوية–سيميائية وسياسية–نفسية في قصيدة «ليلى والذئب »</strong></p>
<p><strong>تقدّم قصيدة «ليلى والذئب» علي بنية رمزية كثيفة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد احتلال 2003 عبر شبكة من العلامات يتداخل فيها الأسطوري بالحكائي، والديني بالتاريخي، والذاتي بالمديني، بحيث يغدو النص فضاءً دلالياً متعدّد الطبقات. ومن هنا تبرز أهمية قراءته قراءة بنيوية–سيميائية تكشف انتظام العلامات في نسيجه الداخلي، وقراءة سياسية–نفسية تضيء خلفيته التاريخية والجرح الجمعي الكامن فيه.</strong></p>
<p><strong>ينطلق النص من عنوانه «ليلى والذئب»، القائم على قناع رمزي مزدوج: فـ«ليلى» لا تُفهم هنا بوصفها شخصية بريئة فحسب، بل قناعاً للعراق–الأنثى/الأرض، الجريحة المطاردة الباحثة عن نور. و«الذئب» ليس الحيوان المفترس بل قناع الاحتلال وقوى الفوضى. هكذا يتأسس منذ العتبة الأولى محورٌ بنيوي ضديّ (ضحية/مفترس) يعمل منظِّماً دلالياً يربط بين الصور والمقاطع.</strong></p>
<p><strong>منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، يستعلن مشهدُ الانهيار: انطفاءُ الضوء وصعودُ صوت الخراب. النجمة علامة أمل، و«عواء الذئب» علامة تهديد، والليل يتحوّل إلى بنية دلالية تُمثِّل الفوضى/الاحتلال. في هذا الإطار تُستَنفَر «ليلى في ثياب الريح»، أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إشارة إلى أنّ أبسط مقوّمات الحياة (العاطفة، العيش اليومي) قد تزلزلت تحت وطأة الحرب. هنا يشتغل التحليل السيميائي على تتبُّع تحوّل عناصر الطبيعة إلى علامات سياسية.</strong></p>
<p><strong>يتعمّق البناء الرمزي بحضور قيس: «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس ليس العاشق التراثي فحسب، بل نموذج المثقف/الشاعر العراقي الذي لا يملك في مواجهة الخراب سوى اللغة، فيرى ولا يغيّر، ويشهد ولا يَفعل. تتحوّل ليلى في منظوره إلى «ظل في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل، وهو ما يفتح أفق قراءة نفسية تلاحق آثار الصدمة الجماعية في صور الذبول والانطفاء.</strong></p>
<p><strong>يتسع فضاء القصيدة بالانتقال إلى المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه ليست لوحات طبيعية بل علامات على مدينة مهدّدة، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ منفيّ. يتوازى ذلك مع التصريح بالمعادلة الرمزية: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي». الأرض الجائعة للراعي هي عراق بلا قيادة حامية، وشعبٌ «قطيع في انتظار الذبح»، بما يحيل مباشرة إلى العنف والانهيار الأمني بعد 2003.</strong></p>
<p><strong>يتبلور البعد السياسي–الأسطوري أكثر في صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من دم مسفوح فوق الخشبة»، حيث تغدو الحرب طقساً دموياً يُدار فوق خشبة مسرح/صليب، وتتحوّل الأرض إلى مسرحٍ مفتوح للذبيحة. ويبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا»، بما يربط بين مأساة العراق ومشهد صلب المسيح، ويرمز إلى القوى الدولية التي تغسل يديها من الدم وهي في قلب ماكينة القرار. هكذا يغدو العراق «قدّيساً» يُصلب أمام أعين عالم يتواطأ بالصمت أو بالتبرير.</strong></p>
<p><strong>في الخاتمة، ينقل الشاعر الخطاب من «ليلها» إلى «ليلتكم أنتم جميعاً»: «فوق صلبان الرحيل». الصلبان هنا صلبان المنفى والتهجير والاقتلاع، لا الصليب الديني وحده. تتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» علاماتٍ على دهاليز السياسة الجديدة: مسارات ملتوِية، أنظمة رعب، وخطابات (مزامير) تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».</strong></p>
<p><strong>بهذا تتكامل مستويات القراءة البنيوية–السيميائية مع الأبعاد السياسية والنفسية، لتكشف أن القصيدة لا تكتفي بوصف الحدث العراقي، بل تعيد كتابته بلغة أسطورية مكثفة تجعل من التجربة المحلية تراجيديا كونية؛ حيث تُقرأ الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحية تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وهكذا يتبدّى النص بنية رمزية مفتوحة تتجاوز لحظة 2003 لتندرج في سردية أعمق عن الجرح والهوية والذاكرة.</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>خاتمة </strong></p>
<p><strong>تُظهر القراءة المتكاملة لقصيدة «ليلى والذئب» أنّ النص يقوم على بنية رمزية محكمة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد 2003 ضمن منظومة دلالية يتشابك فيها الرمز بالسياق، والذات بالفضاء الجمعي. لا يتعامل الشاعر مع الاحتلال بوصفه واقعة سياسية فحسب، بل لحظة تأسيسية لإعادة تشكيل الوعي، وهو ما يفسّر لجوءه إلى بناء أسطوري–رمزي يستثمر الحكاية الشعبية والدين والتاريخ لتوليد خطاب شعري قادر على احتواء الصدمة وتمثيلها.</strong></p>
<p><strong>كشف المنهج البنيوي عن مركزية ثنائية «ليلى/الذئب» بوصفها محوراً دلالياً تتفرّع عنه ثنائيات أخرى: نور/ظلام، ضحية/مفترس، مدينة/غابة، عشق/ذبح. وتبيّن عبر التحليل السيميائي أنّ العلامات الكبرى—مثل الغابة، والليل، والكوخ، والنورس، والشارع المظلم، والصلب، وبيلاطس—تنتظم في شبكة واحدة تُحوّل الحدث التاريخي إلى سردية رمزية ذات طابع كوني.</strong></p>
<p><strong>أما البعد السياسي فليس طبقة خارجية، بل جزء من نسيج النص؛ إذ تتجسّد آثار الاحتلال في صور الذبح والدم والملك المهووس والأباتشي والغابة المختلّة، بما يعيد تمثيل انهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء للرعب، ويُظهر رؤية شعرية تُحمّل الاحتلال والسلطة معاً مسؤولية التفكك. وفي المستوى النفسي، تجلّت الصدمة الجماعية في صور الظل والذبول والنزيف والتيه؛ فليلى ذات مجروحة تبحث عن خلاص بعيد، وقيس ضمير مأزوم يراقب الخراب عاجزاً عن الفعل، بما يؤكد وظيفة الشعر في محاولة ترميم الوعي الفردي والجماعي.</strong></p>
<p><strong>إن تضافر القراءات البنيوية والسيميائية والسياسية والنفسية يبيّن أن «ليلى والذئب» نصّ متعدّد الطبقات لا يُجدي معه منهج أحادي، لأنه يعيد بناء الواقع عبر لغة رمزية كثيفة تجعل من التجربة العراقية تراجيديا ذات أبعاد كونية؛ تُقرأ فيها الجغرافيا قدراً، والتاريخ صليباً، والإنسان ضحية تبحث عن نورٍ في «كوّة الكوخ». وبهذا تقدّم القصيدة نموذجاً لشعر يدمج بين الجمالي والتاريخي، ويجعل من الرمز أداة لإعادة بناء الوعي في زمن الانهيار.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية- نفسية-سياسية &#8211; سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/17/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%ad%d9%88%d9%84-%d9%81%d9%8a-%d9%88%d9%85%d8%b6%d8%a9-%d9%84%d9%8a%d8%ad%d9%8a%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%85%d8%a7%d9%88%d9%8a-%d9%85%d9%82/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 17 May 2026 18:17:47 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106708</guid>

					<description><![CDATA[&#160; المقدمة &#160; تسعى هذه الدراسة إلى قراءة ومضة يحيى السماوي قراءةً متعددة المستويات، بالاستناد إلى مقاربات بنيوية وسيميائية ونفسية، إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي للنص. وتنطلق من محاولة الكشف &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>المقدمة</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تسعى هذه الدراسة إلى قراءة ومضة يحيى السماوي قراءةً متعددة المستويات، بالاستناد إلى مقاربات بنيوية وسيميائية ونفسية، إلى جانب البعد السياسي والاجتماعي للنص. وتنطلق من محاولة الكشف عن البنية الدلالية التي تقوم عليها الومضة، وكيفية تحوّل صور الألم والخسارة داخلها إلى علاماتٍ للوعي والانبعاث والتجدد.</strong></p>
<p><strong>وتعتمد الدراسة على تتبع الحركة الداخلية للنص بوصفه بناءً تصاعديًا يبدأ بنفي الوعود الزائفة، ثم ينتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل المرثية إلى ميلاد جديد، قبل أن يربط بين المأساة وإمكان العيد، وصولًا إلى صورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والحياة.</strong></p>
<p><strong>كما تحاول الدراسة إبراز العلاقة بين الذاتي والجماعي في القصيدة، حيث لا يظهر الحزن بوصفه تجربة فردية معزولة، بل باعتباره تعبيرًا عن معاناةٍ إنسانية واجتماعية أوسع. ومن خلال ذلك تتكشف الومضة بوصفها خطابًا شعريًا يواجه الوهم والخلاص السهل، ويمنح الوعي والإرادة الإنسانية دورًا أساسيًا في إعادة تشكيل الواقع ومقاومة الانكسار.</strong></p>
<p><strong>نص القصيدة </strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>ومـضـة</strong></p>
<p><strong>_________</strong></p>
<p><strong>لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ  ..</strong></p>
<p><strong>فـقـد كـان وَعِـيـدا :</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ  ..</strong></p>
<p><strong>وأنـا  هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>إنْ يـكـنْ يـومـيَ مـأسـاةً</strong></p>
<p><strong>فـإنَّ الـغـدَ قـد يُـصـبـحُ عِـيـدا</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>حَـبَّـةُ الـقـمـحِ إذا تُـدفَـنُ</strong></p>
<p><strong>قـد تـمـلأُ بـالــخـضـرةِ والـسـنـبـلِ بِـيـدا</strong></p>
<p>**</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تفسير الابيات </strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>الوعي بوصفه نقيض الوعد </strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>لـيـسَ وعْـداً بـالـفـراديـسِ .. فـقـد كـان وَعِـيـدا : </strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>يفتتح يحيى السماوي ومضته بنفيٍ حاسم لأي وعدٍ بالخلاص المطلق، إذ تأتي عبارة:</strong></p>
<p><strong>&#8220;ليس وعدًا بالفراديس&#8221;</strong></p>
<p><strong>لتقويض الأحلام الطوباوية والخطابات التي تعد الإنسان بجنّةٍ مؤجلة بعيدة عن واقع الألم والمعاناة. فالفراديس هنا ليست مكانًا دينيًا فحسب، بل رمزٌ للخلاص السهل الذي اعتادت الشعوب أن تُخدَّر به وسط القهر والانكسارات.</strong></p>
<p><strong>لكن الشاعر يفاجئ القارئ بالانتقال من &#8220;الوعد&#8221; إلى &#8220;الوعيد&#8221;، فينقلب الخطاب من لغة التطمين إلى لغة الإنذار. غير أن &#8220;الوعيد&#8221; لا يظل في معناه المباشر بوصفه تهديدًا فقط، بل يتحول إلى حالةٍ من اليقظة والإدراك؛ فالمعاناة نفسها تصبح مصدرًا للوعي. وكأن الشاعر يرى أن الشعوب لا تبلغ حقيقتها عبر الأحلام، بل عبر الصدمات التي تكشف الواقع وتدفع إلى المقاومة.</strong></p>
<p><strong>ومن الناحية النفسية، يكشف البيت عن ذاتٍ فقدت ثقتها بالوعود الكبيرة بعد تجارب قاسية، لذلك لم تعد تنتظر فردوسًا قادمًا، بل صارت أكثر التصاقًا بالحقيقة مهما كانت مؤلمة. أما سياسيًا، فالبيت يحمل رفضًا ضمنيًا للخطابات الزائفة التي تؤجل العدالة وتَعِد بالخلاص دون تغييرٍ حقيقي، ليصبح الوعي بالفعل التاريخي واليقظة الجماعية هو البديل عن انتظار المعجزة.</strong></p>
<p><strong>وهكذا يؤسس البيت منذ بدايته لرؤيةٍ فكرية ترى أن الخلاص لا يولد من الوهم، بل من الإدراك العميق للمأساة ومواجهتها.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>من وعيِ المرثية إلى صناعةِ الميلاد </strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>هَـيَّـأتْ مـرثـيـةً لـيْ .. وأنـا هـيَّـأتُ مـيـلاداً جـديـدا </strong></p>
<p><strong>في هذا البيت يبني يحيى السماوي ثنائيةً حادة بين الموت الرمزي والانبعاث، عبر تقابلٍ دلالي بين &#8220;المرثية&#8221; و&#8221;الميلاد&#8221;. فقولُه:</strong></p>
<p><strong>&#8220;هيأتْ مرثيةً لي&#8221;</strong></p>
<p><strong>يوحي بأن قوىً خارجية — سياسية أو اجتماعية أو تاريخية — دفعت الذات نحو الخسارة والحزن، حتى بدا وكأن المصير المعدّ لها هو الرثاء والانطفاء. فالمرثية هنا لا تعني الموت الفردي فقط، بل تشير إلى محاولة إلغاء الإنسان معنويًا وتاريخيًا.</strong></p>
<p><strong>غير أن الشاعر يقلب هذا المصير عبر الجملة المقابلة:</strong></p>
<p><strong>&#8220;وأنا هيأتُ ميلادًا جديدًا&#8221;</strong></p>
<p><strong>إذ تنتقل الذات من موقع المتلقي للخراب إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره. والميلاد هنا لا يحمل معنى البداية البيولوجية، بل يرمز إلى ولادة وعيٍ جديد وإرادة مقاومة تتجاوز آثار الهزيمة.</strong></p>
<p><strong>ويكتسب البيت قوته البلاغية من تكرار الفعل &#8220;هيأت&#8221;، فالفعل ذاته استُعمل في اتجاهين متضادين: الخارج يُعِدّ المرثية، بينما الذات تُعِدّ الميلاد. ومن خلال هذا التوازي تتجلى إرادة التحدي؛ إذ يتحول الألم من نهايةٍ مغلقة إلى نقطة انطلاق نحو بناء جديد.</strong></p>
<p><strong>وعلى المستوى الرمزي، يجعل الشاعر من الحزن شرطًا للانبعاث، وكأن المراثي نفسها تصبح التربة التي ينمو منها الميلاد القادم. لذلك لا يبدو البيت استسلامًا للمأساة، بل إعلانًا لقدرة الإنسان على تحويل الخسارة إلى فعل خلقٍ وتجدد.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>جدل المأساة والعيد: احتمال التحوّل</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>في هذا البيت يواصل يحيى السماوي بناء رؤيته القائمة على تحويل الألم إلى أفقٍ جديد، عبر صياغة شرطية تجمع بين الاعتراف بالمأساة والانفتاح على إمكان التغيير:</strong></p>
<p><strong>&#8220;إنْ يكنْ يوميَ مأساةً<br />
فإنَّ الغدَ قد يُصبحُ عيدًا&#8221;</strong></p>
<p><strong>يفتتح الشاعر الجملة بأداة الشرط &#8220;إنْ&#8221;، وكأنه يواجه الواقع كما هو، دون إنكارٍ للوجع أو تجميلٍ للمحنة. فالمأساة هنا ليست احتمالًا بعيدًا، بل تجربة معيشة تثقل الحاضر وتكشف قسوة الزمن.</strong></p>
<p><strong>غير أن البيت لا يتوقف عند حدود الألم، بل ينتقل إلى المستقبل عبر كلمة &#8220;الغد&#8221;، التي تحمل إيحاءً بزمنٍ مفتوح على التحول. ويأتي استخدام أداة الاحتمال &#8220;قد&#8221; بالغ الدلالة؛ إذ لا يمنح الشاعر وعدًا يقينيًا بالخلاص، بل يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية التغيير. وهذا ما يمنح الأمل طابعًا واقعيًا لا وهميًا، فالعيد لا يتحقق بوصفه معجزة جاهزة، بل بوصفه ثمرةً محتملة للصبر والمقاومة والاستمرار.</strong></p>
<p><strong>وتنبع قوة البيت من هذا التوتر بين المأساة والعيد، بين الحاضر المثقل بالخسارة والمستقبل القابل للانبعاث. فالشاعر لا ينفي الألم، بل يجعله جزءًا من الطريق نحو التحول، وكأن المعاناة نفسها قد تصبح الشرط الذي يمنح الفرح القادم معناه الحقيقي.</strong></p>
<p><strong>وعلى المستوى الرمزي، يتحول &#8220;العيد&#8221; من مناسبة زمنية إلى رمزٍ للتحرر واستعادة الكرامة والانتصار على الانكسار، ليغدو البيت بأكمله إعلانًا عن إيمانٍ إنساني بأن أكثر اللحظات ظلمة قد تحمل في داخلها بذور الفجر القادم.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>جدل الدفن والانبثاق</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يختتم يحيى السماوي ومضته بصورةٍ زراعية كثيفة الدلالة، تجعل من الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية:</strong></p>
<p><strong>&#8220;حبّةُ القمحِ إذا تُدفنُ<br />
قد تملأُ بالخُضرةِ والسنبلِ بيدًا&#8221;</strong></p>
<p><strong>تقوم الصورة على مفارقة عميقة؛ فالدفن، الذي يرتبط عادةً بالموت والفناء، يتحول هنا إلى الشرط الضروري للحياة والخصب. فحبّة القمح لا تنبت إلا حين تختفي في باطن الأرض، وكأن الشاعر يؤكد أن الانبعاث الحقيقي لا يولد إلا من رحم المعاناة والتلاشي الظاهري.</strong></p>
<p><strong>ويمنح استخدام أداة الاحتمال &#8220;قد&#8221; الصورةَ بُعدًا واقعيًا؛ فالخُضرة ليست نتيجةً آلية أو مضمونة، بل ثمرةٌ ممكنة لما يُبذل من صبر وتضحية واستمرار. لذلك لا تبدو القصيدة وكأنها تعد بخلاصٍ سهل، بل تؤمن بأن الألم قد يتحول — عبر الزمن والفعل — إلى حياة أكثر اتساعًا.</strong></p>
<p><strong>كما تتسع الصورة لتأخذ بعدًا إنسانيًا وجماعيًا؛ فحبّة القمح المفردة لا تُثمر سنبلةً واحدة فحسب، بل تملأ &#8220;بيدًا&#8221; كاملة بالخضرة، فيتحول الفقد الفردي إلى خصبٍ جماعي. وهنا يكتسب البيت إيحاءً اجتماعيًا وسياسيًا، إذ تصبح التضحيات الصغيرة بذورًا قادرة على صناعة مستقبل أوسع وأكثر حياة.</strong></p>
<p><strong>وتنبع قوة البيت من اعتماده على دورة الطبيعة بوصفها قانونًا رمزيًا للوجود: فكل ميلادٍ حقيقي يسبقه دفنٌ ما، وكل خُضرةٍ تحتاج أولًا إلى أن تعبر عتمة التراب. وهكذا يختتم الشاعر ومضته بإيمانٍ عميق بأن ما يبدو نهاية قد يكون في حقيقته بدايةً أخرى أكثر خصبًا واتساعًا.</strong></p>
<h3><strong>مقاربة بنيوية/سيميائية/نفسية/سياسية</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تقوم ومضة يحيى السماوي على حركة دلالية قصيرة لكنها شديدة الكثافة، تبدأ برفض الوعود الزائفة، ثم تنتقل إلى وعيٍ قادر على تحويل الحزن إلى فعل، قبل أن تنتهي بصورة البذرة التي تجعل من الدفن شرطًا للخصب والانبعاث. لذلك لا يقدّم النص خلاصًا جاهزًا أو يقينًا مطلقًا، بل يفتح أفقًا إنسانيًا يقوم على الوعي والصبر والقدرة على تحويل الألم إلى بداية جديدة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>البنية العامة (مقاربة بنيوية)</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تتحرك الومضة عبر بناءٍ تصاعدي يقوم على أربع مراحل مترابطة:</strong></p>
<ol>
<li><strong>نفي الوهم والخلاص السهل<br />
في قوله:</p>
<p>&#8220;ليس وعدًا بالفراديس&#8221;</p>
<p>يفتتح الشاعر النص برفض الخطابات التي تعد بالخلاص السريع، واضعًا القارئ منذ البداية أمام واقعٍ لا يحتمل التزييف أو التجميل.</p>
<p></strong></li>
<li><strong>الانتقال من الرثاء إلى الفعل<br />
في قوله:</p>
<p>&#8220;هيّأتْ مرثيةً لي… وأنا هيّأتُ ميلادًا جديدًا&#8221;</p>
<p>تنتقل الذات من موقع المتلقي للحزن إلى موقع الفاعل القادر على إعادة تشكيل مصيره، فيتحول الرثاء من نهايةٍ إلى بداية.</p>
<p></strong></li>
<li><strong>جدلية الألم والأمل<br />
في قوله:</p>
<p>&#8220;إن يكن يومي مأساةً<br />
فإن الغد قد يصبح عيدًا&#8221;</p>
<p>يربط الشاعر بين الحاضر المؤلم والمستقبل الممكن، دون أن يمنح وعدًا يقينيًا، فالعيد يبقى احتمالًا يحتاج إلى صبرٍ واستمرار.</p>
<p></strong></li>
<li><strong>الدفن بوصفه شرطًا للانبعاث<br />
في قوله:</p>
<p>&#8220;حبّة القمح إذا تُدفن<br />
قد تملأ بالخضرة والسنبل بيدًا&#8221;</p>
<p>تبلغ الحركة الدلالية ذروتها، إذ يتحول الدفن من رمزٍ للفناء إلى مقدمة ضرورية للحياة والخصب.</strong></li>
</ol>
<p><strong>وبذلك تقوم البنية العامة للنص على مسارٍ تحويلي يبدأ بالنفي وينتهي بالانبعاث:<br />
وهم</strong><strong> → </strong><strong>وعي</strong><strong> → </strong><strong>مقاومة</strong><strong> → </strong><strong>خصب وحياة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>المقاربة السيميائية (شبكة العلامات)</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يبني النص شبكة من العلامات المتقابلة التي تتحول فيها الدلالات السلبية إلى طاقة إيجابية عبر الوعي والإرادة.</strong></p>
<h4><strong>العلامات المرتبطة بالألم:</strong></h4>
<ul>
<li><strong>الفراديس: ترمز إلى الوعود الزائفة والخلاص الوهمي.</strong></li>
<li><strong>المرثية: تشير إلى الحزن والانكسار.</strong></li>
<li><strong>المأساة: تعكس قسوة الحاضر.</strong></li>
<li><strong>الدفن: يرمز إلى الفقد والتلاشي الظاهري.</strong></li>
<li></li>
</ul>
<h4><strong>العلامات المرتبطة بالتحول:</strong></h4>
<p>&nbsp;</p>
<ul>
<li><strong>الميلاد الجديد: رمز للتجدد والانبعاث</strong></li>
<li><strong>العيد: دلالة على الفرح والتحرر.</strong></li>
<li><strong>الخضرة والسنابل: رمزان للخصب والحياة الجماعية.</strong></li>
</ul>
<p><strong>غير أن هذه العلامات لا تبقى ثابتة، بل تدخل في حركة تحول مستمرة؛ فالمرثية تقود إلى الميلاد، والمأساة تنفتح على احتمال العيد، والدفن يصبح طريقًا إلى الخضرة. ومن خلال هذه الإزاحات الدلالية تتحول اللغة من توصيف الألم إلى إعادة إنتاج معناه بصورة جديدة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>البعد النفسي</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يكشف النص عن ذاتٍ لا تنكر الألم، لكنها ترفض الاستسلام له. فالوعي هنا ليس تأملًا سلبيًا، بل طريقة لمواجهة الواقع وتجاوزه.</strong></p>
<p><strong>فالذات الشعرية تبدأ من إدراك الخسارة، لكنها لا تبقى أسيرة الحزن، بل تعمل على تحويله إلى قوة داخلية قادرة على إنتاج بداية جديدة. لذلك يبدو &#8220;الميلاد&#8221; في القصيدة ميلادًا نفسيًا أيضًا، أي انتقالًا من الانكسار إلى القدرة على الاستمرار.</strong></p>
<p><strong>كما أن استخدام أداة الاحتمال:</strong></p>
<p><strong>&#8220;قد يصبح عيدًا&#8221;</strong></p>
<p><strong>يكشف عن وعيٍ واقعي لا يعتمد على الأوهام، بل يؤمن بإمكانية التغيير دون أن يضمنه بصورة مطلقة.</strong></p>
<p><strong>أما صورة حبّة القمح، فتعكس بُعدًا نفسيًا عميقًا؛ إذ يصبح الدفن رمزًا لانتهاء مرحلة قديمة، تمهيدًا لولادة أكثر نضجًا واتساعًا.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>البعد السياسي والاجتماعي</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تحمل الومضة بُعدًا سياسيًا غير مباشر، يتجلى عبر نقد الخطابات التي تَعِد بالخلاص دون أن تغيّر الواقع فعليًا.</strong></p>
<p><strong>فرفض &#8220;الفراديس&#8221; يوحي برفض الوعود الشعبوية أو الأيديولوجيات التي تخدّر الإنسان بالأمل المجرد. وفي المقابل، يمنح الشاعر قيمة كبرى للوعي والفعل والإرادة الإنسانية.</strong></p>
<p><strong>كما أن الحزن في النص لا يبدو فرديًا خالصًا، بل يتسع ليحمل همًّا جماعيًا يرتبط بالمهمشين والمقهورين وكل من يعيش تجربة الخسارة والقمع.</strong></p>
<p><strong>وتتحول صورة حبّة القمح إلى رمزٍ اجتماعي؛ فالبذرة الصغيرة التي تُدفن في الأرض لا تمنح خصبها لنفسها، بل تملأ المكان بالخضرة والسنابل، وكأن التضحية الفردية يمكن أن تتحول إلى حياةٍ جماعية أكثر اتساعًا وعدالة.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>الإزاحة الدلالية وآليات التحول</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يقوم النص على سلسلة من التحولات الدلالية التي تمنح الومضة وحدتها الداخلية:</strong></p>
<p><strong>وعد</strong><strong> → </strong><strong>وعي   مرثية</strong><strong> → </strong><strong>ميلاد    مأساة</strong><strong> → </strong><strong>عيد    دفن</strong><strong> → </strong><strong>خضرة</strong></p>
<p><strong>ومن خلال هذه التحولات يعيد الشاعر تشكيل المعاني التقليدية للكلمات، بحيث لا تبقى المرثية نهاية، ولا الدفن فناءً، بل تتحول الصور كلها إلى مقدمات للانبعاث والتجدد.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>الاستعارات المركزية</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<ul>
<li><strong>استعارة البذرة:<br />
الدفن يتحول إلى شرط للحياة، بما يجعل الطبيعة مرآةً للتجربة الإنسانية.</strong></li>
<li><strong>استعارة الزمن:<br />
اليوم والغد لا يدلان على الزمن فقط، بل على الانتقال من المعاناة إلى إمكان الفرح.</strong></li>
<li><strong>استعارة الميلاد:<br />
الميلاد هنا ليس بيولوجيًا، بل ولادة وعيٍ جديد وقدرة على تجاوز الانكسار.</strong></li>
</ul>
<p><strong> </strong></p>
<h3><strong>الخاتمة</strong></h3>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>تؤكد هذه الدراسة أن الومضة لدى يحيى السماوي، على الرغم من تكثيفها الشديد، تقوم على بناءٍ دلالي متصاعد يحوّل الألم إلى وعي، والمرثية إلى بدايةٍ للميلاد، والمأساة إلى أفقٍ لاحتمال العيد، والدفن إلى شرطٍ للخصب والانبعاث. وقد بيّنت المقاربة البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية أن النص لا يكتفي بتجسيد تجربةٍ ذاتية، بل ينفتح على رؤيةٍ جماعية تجعل الوعي بديلًا للوعود الزائفة، والفعلَ الإنساني بديلًا للاستسلام.</strong></p>
<p><strong>ومن خلال شبكةٍ من الصور والاستعارات المتحولة، يبني الشاعر تصورًا يرى أن الخسارة ليست نهايةً مغلقة، بل إمكانيةً لبداية جديدة أكثر نضجًا واتساعًا. وهكذا تتجاوز الومضة حدودها الشعرية المكثفة لتغدو خطابًا إنسانيًا يربط بين الألم والتحول، وبين المعاناة وإمكان الخصب والتجدد.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة &#8220;ترتيلة اليقين&#8221; ليحيى السماوي- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/05/12/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%aa%d9%8a%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%82%d9%8a%d9%86-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d8%b3%d9%8a%d8%a9-%d9%81/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 12 May 2026 11:12:00 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=106584</guid>

					<description><![CDATA[&#160;   المقدمة:   تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>المقدمة:</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p>تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبة المشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلى إعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فردية معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني–جمعي أوسع، حيث تُستعاد الغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدو الوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشاد الشعري.</p>
<p>تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسية – بما تنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومرارات تاريخية – إلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرة الروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًا من يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أو الحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقين جاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربة ذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسار – الذي تمثّله مرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّس على الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.</p>
<p>وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرة الجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكرية والنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذه التجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لا كانتفاءٍ للمشروع.</p>
<p>انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» من خلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّل فيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعاد صياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارة الانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسار الذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال «اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًا داخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.</p>
<p><strong>نص القصيدة</strong></p>
<p><strong>تـرتـيـلـة يـقـيـن</strong></p>
<p><strong>________</strong></p>
<p><strong>أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ</strong></p>
<p><strong>جَـلـيـسَ الـلا  أحَـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>يـا نـديـمَ  الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ &#8230;</strong></p>
<p><strong>نـاطـورَ الأمـانـي &#8230;</strong></p>
<p><strong>ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>يـومـكَ المُـمْـتـدُّ  مِـنْ   مـذبـحـةِ  الأمـس ِ</strong></p>
<p><strong>إلى بُـسـتـان ِ غـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>دون  أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ</strong></p>
<p><strong>ونـامـوسَ  الـمـرايـا  :</strong></p>
<p><strong>خـيـمـة ٌ دون وتـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ</strong></p>
<p><strong>يُـسْـرُهـا  جـزرٌ</strong></p>
<p><strong>وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>مُـطـفـأ الـشـمـس ِ  &#8230;</strong></p>
<p><strong>وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو  مـن رَمَـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا  بـيـتـا ً وظِـلا ً</strong></p>
<p><strong>ومـدَدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>ربَّ شـهْـدٍ   في الـهـوى</strong></p>
<p><strong>يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ &#8230;</strong></p>
<p><strong>والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى</strong></p>
<p><strong>شَـهـدْ الـرَّغـدْ</strong></p>
<p><strong>//</strong></p>
<p><strong>أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ  الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ &#8230;</strong></p>
<p><strong>الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ &#8230;</strong></p>
<p><strong>الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :</strong></p>
<p><strong>كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً</strong></p>
<p><strong>وتـراتـيـلَ  يـقـيـن ٍ</strong></p>
<p><strong>بـعـدمـا كـنـتَ  كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ</strong></p>
<p><strong>*****</strong></p>
<p><strong>عنوان القصيدة</strong><strong>: </strong><strong>«ترتيلة يقين»</strong></p>
<p><strong><br />
</strong><strong>يأتي</strong> <strong>عنوان</strong> <strong>القصيدة</strong><strong> «</strong><strong>ترتيلة</strong> <strong>اليقين</strong><strong>» </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>بنية</strong> <strong>دلالية</strong> <strong>مكثَّفة</strong> <strong>تؤدي</strong> <strong>وظيفة</strong> <strong>المفتاح</strong> <strong>التأويلي</strong> <strong>للنص، إذ</strong> <strong>يجمع</strong> <strong>بين</strong> <strong>لفظتين</strong> <strong>تُنشئان</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>إنتاج</strong> <strong>وتوليد، لا</strong> <strong>مجرد</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>وصف</strong> <strong>خارجي</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>أولًا، تحيل</strong> <strong>كلمة</strong><strong> «</strong><strong>ترتيلة</strong><strong>» </strong><strong>إلى</strong> <strong>فعل</strong> <strong>طقسي</strong><strong>‑</strong><strong>إنشادي</strong> <strong>يقوم</strong> <strong>على</strong> <strong>التدرّج</strong> <strong>والتمهّل</strong> <strong>والتكرار، أكثر</strong> <strong>مما</strong> <strong>يقوم</strong> <strong>على</strong> <strong>التصريح</strong> <strong>المباشر</strong> <strong>بالمعنى</strong><strong>. </strong><strong>فالترتيل، في</strong> <strong>بعده</strong> <strong>الثقافي، ليس</strong> <strong>مجرد</strong> <strong>لفظة</strong> <strong>ذات</strong> <strong>خلفية</strong> <strong>دينية، بل</strong> <strong>ممارسة</strong> <strong>لغوية</strong> <strong>وإيقاعية</strong> <strong>يمكن</strong> <strong>أن</strong> <strong>تنفتح</strong> <strong>على</strong> <strong>النشيد</strong> <strong>الجماعي</strong> <strong>والخطاب</strong> <strong>النضالي</strong> <strong>والبيان</strong> <strong>الشعري</strong> <strong>المبطَّن، بما</strong> <strong>يجعل</strong> <strong>من</strong> <strong>القول</strong> <strong>نفسه</strong> <strong>فعلًا</strong> <strong>لإعادة</strong> <strong>تشكيل</strong> <strong>الوعي</strong> <strong>والذاكرة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ثانيًا، لا</strong> <strong>يحضر</strong><strong> «</strong><strong>اليقين</strong><strong>» </strong><strong>في</strong> <strong>العنوان</strong> <strong>كحقيقة</strong> <strong>ناجزة</strong> <strong>أو</strong> <strong>عقيدة</strong> <strong>مغلقة، بل</strong> <strong>كحصيلة</strong> <strong>لمسار</strong> <strong>من</strong> <strong>التجربة</strong> <strong>والألم</strong> <strong>والانكسار</strong><strong>. </strong><strong>إنه</strong> <strong>يقين</strong> <strong>لا</strong> <strong>يُمنَح</strong> <strong>من</strong> <strong>خارج</strong> <strong>التجربة، بل</strong> <strong>يُنتَج</strong> <strong>من</strong> <strong>داخلها</strong> <strong>عبر</strong> <strong>فعل</strong> <strong>الترتيل</strong> <strong>ذاته؛ أي</strong> <strong>عبر</strong> <strong>المرور</strong> <strong>بالجرح</strong> <strong>والمنفى</strong> <strong>والخيبة</strong> <strong>وصولًا</strong> <strong>إلى</strong> <strong>نوع</strong> <strong>من</strong> <strong>التسالم</strong> <strong>الداخلي</strong><strong>. </strong><strong>بهذا</strong> <strong>المعنى</strong> <strong>يغدو</strong> <strong>اليقين</strong> <strong>في</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>يقينًا</strong> <strong>متحوّلًا، يتشكّل</strong> <strong>داخل</strong> <strong>اللغة</strong> <strong>والتجربة</strong> <strong>لا</strong> <strong>خارجَهما</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ثالثًا، يكشف</strong> <strong>التركيب</strong> <strong>الإضافي</strong><strong> «</strong><strong>ترتيلة</strong> <strong>يقين</strong><strong>» </strong><strong>عن</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>سببية</strong> <strong>ضمنية</strong><strong>: </strong><strong>فاليقين</strong> <strong>هنا</strong> <strong>هو</strong> <strong>ما</strong> <strong>يُرتَّل، وما</strong> <strong>يتكوَّن</strong> <strong>عبر</strong> <strong>الترتيل، لا</strong> <strong>ما</strong> <strong>يُفترَض</strong> <strong>سلفًا</strong><strong>. </strong><strong>العنوان</strong> <strong>لا</strong> <strong>يقرّر</strong> <strong>يقينًا، بل</strong> <strong>يعلن</strong> <strong>منذ</strong> <strong>البدء</strong> <strong>أن</strong> <strong>النص</strong> <strong>حركةٌ ترتيلية</strong> <strong>في</strong> <strong>اتجاه</strong> <strong>يقينٍ يُصاغ</strong> <strong>ويُختبَر، لا</strong> <strong>نقطةُ وصولٍ مضمونة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ومن</strong> <strong>الناحية</strong> <strong>النحوية، يتكوّن</strong> <strong>العنوان</strong> <strong>من</strong> <strong>مضاف</strong> <strong>ومضاف</strong> <strong>إليه</strong><strong>: «</strong><strong>ترتيلةُ» (مبتدأ</strong> <strong>أو</strong> <strong>اسم</strong> <strong>مرفوع</strong> <strong>في</strong> <strong>سياق</strong> <strong>العنوان</strong><strong>) </strong><strong>و</strong><strong>«</strong><strong>يقينٍ» مضاف</strong> <strong>إليه</strong> <strong>مجرور، وهو</strong> <strong>تركيب</strong> <strong>إضافي</strong> <strong>يُعمِّق</strong> <strong>الدلالة</strong> <strong>على</strong> <strong>أن</strong> <strong>موضوع</strong> <strong>الترتيل</strong> <strong>هو</strong> <strong>اليقين</strong> <strong>نفسه؛ أي</strong> <strong>يقين</strong> <strong>لا</strong> <strong>يُمتلك</strong> <strong>مباشرة، بل</strong> <strong>يُعاد</strong> <strong>إنتاجه</strong> <strong>عبر</strong> <strong>الإنشاد</strong> <strong>واللغة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>خلاصة</strong><strong>:<br />
</strong><strong>يعمل</strong> <strong>عنوان</strong><strong> «</strong><strong>ترتيلة</strong> <strong>اليقين</strong><strong>» </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>إعلانًا</strong> <strong>عن</strong> <strong>مسار</strong> <strong>لا</strong> <strong>عن</strong> <strong>حالة</strong> <strong>نهائية؛ فهو</strong> <strong>يربط</strong> <strong>بين</strong> <strong>الترتيل</strong> <strong>كفعل</strong> <strong>لغوي</strong><strong>‑</strong><strong>طقسي</strong> <strong>جماعي، وبين</strong> <strong>اليقين</strong> <strong>كأثر</strong> <strong>متحوّل</strong> <strong>ينجم</strong> <strong>عن</strong> <strong>إعادة</strong> <strong>تأويل</strong> <strong>التجربة</strong> <strong>داخل</strong> <strong>فضاء</strong> <strong>الشعر</strong> <strong>والذاكرة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>تحليل</strong> <strong>الابيات</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>تحليل</strong> <strong>مقطعي</strong> <strong>افتتاحية</strong> <strong>القصيدة</strong><strong>:</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>النداء</strong> <strong>الافتتاحي</strong> <strong>وبناء</strong> <strong>صورة</strong> <strong>الذات</strong> <strong>المنفية</strong></p>
<p><strong><br />
</strong><strong>«</strong><strong>أيُّـهـا</strong> <strong>الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا</strong> <strong>أحَدْ»</strong></p>
<ol>
<li><strong>النداء</strong> <strong>ووظيفته</strong> <strong>التأسيسية</strong><strong><br />
</strong><strong>يفتتح</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>النص</strong> <strong>بنداءٍ مرتفع</strong> <strong>النبرة</strong><strong> «</strong><strong>أيُّها»، وهي</strong> <strong>صيغة</strong> <strong>استدعاء</strong> <strong>تُسند</strong> <strong>إلى</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>مكانة</strong> <strong>تتجاوز</strong> <strong>حدود</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>العابر، لتمنحه</strong> <strong>ملامح</strong> <strong>كيان</strong> <strong>رمزي</strong> <strong>يُستدعى</strong> <strong>ليشغل</strong> <strong>مركز</strong> <strong>الفضاء</strong> <strong>الشعري</strong><strong>. </strong><strong>بهذا</strong> <strong>المعنى، لا</strong> <strong>يعمل</strong> <strong>النداء</strong> <strong>وظيفة</strong> <strong>بلاغية</strong> <strong>شكلية</strong> <strong>فحسب، بل</strong> <strong>يؤدّي</strong> <strong>دورًا</strong> <strong>تأسيسيًا؛ إذ</strong> <strong>يعلن</strong> <strong>دخول</strong> <strong>شخصية</strong> <strong>محورية</strong> <strong>تحمل</strong> <strong>أبعادًا</strong> <strong>وجودية</strong> <strong>وجمعية، ويهيّئ</strong> <strong>المتلقي</strong> <strong>لقراءة</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>باعتبارها</strong> <strong>حوارًا</strong> <strong>مع</strong> <strong>حالة</strong> <strong>أو</strong> <strong>نموذج</strong> <strong>رمزي، لا</strong> <strong>مع</strong> <strong>فرد</strong> <strong>محدّد</strong> <strong>في</strong> <strong>سياق</strong> <strong>عرضي</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>بالغربة</strong> <strong>والحزن</strong><strong>» </strong><strong>بين</strong> <strong>الدلالة</strong> <strong>والنفسية</strong><strong><br />
</strong><strong>يعيد</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>تشكيل</strong> <strong>تركيب</strong> <strong>مألوف</strong> <strong>هو</strong><strong> «</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>في</strong> <strong>السنّ» بنقله</strong> <strong>من</strong> <strong>حقل</strong> <strong>الزمن</strong> <strong>البيولوجي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حقل</strong> <strong>التجربة</strong> <strong>الوجودية، فيصبح</strong> <strong>معيار</strong> <strong>التقدّم</strong> <strong>في</strong> <strong>العمر</strong> <strong>هو</strong> <strong>الغربة</strong> <strong>والحزن</strong> <strong>لا</strong> <strong>السنوات</strong><strong>. </strong><strong>هكذا</strong> <strong>تتحوّل</strong> <strong>الغربة</strong> <strong>من</strong> <strong>كونها</strong> <strong>ظرفًا</strong> <strong>مكانيًا</strong> <strong>إلى</strong> <strong>كينونة</strong> <strong>زمنية</strong> <strong>متراكمة؛ فهي</strong> <strong>خبرة</strong> <strong>طويلة</strong> <strong>تُراكِم</strong> <strong>الانفصال</strong> <strong>عن</strong> <strong>الوطن</strong> <strong>والآخرين</strong> <strong>حتى</strong> <strong>تصبح</strong> <strong>جزءًا</strong> <strong>من</strong> <strong>هوية</strong> <strong>المخاطَب</strong><strong>. </strong><strong>وبالمثل، لا</strong> <strong>يظهر</strong> <strong>الحزن</strong> <strong>كحالة</strong> <strong>انفعالية</strong> <strong>عابرة، بل</strong> <strong>كرسوب</strong> <strong>كثيف</strong> <strong>في</strong> <strong>الوجدان</strong> <strong>والذاكرة، يُثقِل</strong> <strong>الكائن</strong> <strong>بزمن</strong> <strong>عاطفي</strong> <strong>ممتد</strong><strong>. </strong><strong>النتيجة</strong> <strong>أن</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>يُقدَّم</strong> <strong>كذات</strong><strong> «</strong><strong>مُسنّة</strong><strong>» </strong><strong>في</strong> <strong>ألمها</strong> <strong>واغترابها، ما</strong> <strong>يضفي</strong> <strong>على</strong> <strong>النص</strong> <strong>منذ</strong> <strong>البدء</strong> <strong>طابعًا</strong> <strong>تأمليًا</strong> <strong>وجوديًا</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>جليس</strong> <strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>قراءة</strong> <strong>وجودية</strong> <strong>ولغوية</strong><strong><br />
</strong><strong>يقوم</strong> <strong>الشطر</strong> <strong>الثاني</strong> <strong>على</strong> <strong>مفارقة</strong> <strong>دقيقة</strong><strong>: </strong><strong>لفظة</strong><strong> «</strong><strong>جليس</strong><strong>» </strong><strong>تفترض</strong> <strong>حضور</strong> <strong>رفقةٍ وأُنس، غير</strong> <strong>أن</strong> <strong>المضاف</strong> <strong>إليه</strong><strong> «</strong><strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>ينقض</strong> <strong>هذا</strong> <strong>الافتراض</strong> <strong>بتحويله</strong> <strong>إلى</strong> <strong>نفيٍ راديكالي</strong> <strong>للحضور</strong> <strong>الإنساني</strong><strong>. </strong><strong>لسنا</strong> <strong>أمام</strong><strong> «</strong><strong>وحيد</strong><strong>» </strong><strong>بمعناه</strong> <strong>المتعارف، بل</strong> <strong>أمام</strong> <strong>ذاتٍ تجلس</strong> <strong>في</strong> <strong>حضرة</strong> <strong>الفراغ، حيث</strong> <strong>يغدو</strong> <strong>العدم</strong> <strong>شريكًا</strong> <strong>صامتًا</strong><strong>. </strong><strong>بهذه</strong> <strong>الصياغة، تتحوّل</strong> <strong>العزلة</strong> <strong>من</strong> <strong>مجرّد</strong> <strong>نقص</strong> <strong>في</strong> <strong>العلاقات</strong> <strong>إلى</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>حميمة</strong> <strong>مع</strong> <strong>الغياب</strong> <strong>نفسه، وتفتح</strong> <strong>عبارة</strong><strong> «</strong><strong>جليس</strong> <strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>أفق</strong> <strong>قراءة</strong> <strong>وجودية</strong> <strong>تجعل</strong> <strong>من</strong> <strong>الوحدة</strong> <strong>نمطَ كينونةٍ لا</strong> <strong>مجرد</strong> <strong>حالة</strong> <strong>اجتماعية</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>البعد</strong> <strong>التداولي</strong> <strong>والتمهيد</strong> <strong>السردي</strong> <strong>للمطلع</strong><strong><br />
</strong><strong>من</strong> <strong>منظور</strong> <strong>تداولي، يحدّد</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المطلع</strong> <strong>أفق</strong> <strong>التلقّي</strong> <strong>منذ</strong> <strong>اللحظة</strong> <strong>الأولى؛ إذ</strong> <strong>يدعو</strong> <strong>القارئ</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مواجهة</strong> <strong>ذاتٍ مشروخة، منفيّة</strong> <strong>على</strong> <strong>مستوى</strong> <strong>الوجود</strong> <strong>لا</strong> <strong>الجغرافيا</strong> <strong>فقط، ويضعه</strong> <strong>في</strong> <strong>موقع</strong> <strong>الشاهد</strong> <strong>على</strong> <strong>معاناتها</strong><strong>. </strong><strong>كما</strong> <strong>ينهض</strong> <strong>بدور</strong> <strong>تمهيدي</strong> <strong>لمسارٍ تحويلي</strong> <strong>سيتخذه</strong> <strong>النص</strong> <strong>لاحقًا</strong><strong>: </strong><strong>فما</strong> <strong>يُقدَّم</strong> <strong>هنا</strong> <strong>ليس</strong> <strong>حالة</strong> <strong>منجزة</strong> <strong>بل</strong> <strong>نقطة</strong> <strong>بداية</strong> <strong>لمسار</strong> <strong>ينتقل</strong> <strong>فيه</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>من</strong><strong> «</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>بالغربة</strong> <strong>والحزن</strong><strong>» </strong><strong>و</strong><strong>«</strong><strong>جليس</strong> <strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>إلى</strong> <strong>كائنٍ تتكثّف</strong> <strong>هويته</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>تراتيل</strong> <strong>يقين»، أي</strong> <strong>من</strong> <strong>تفكّك</strong> <strong>الهوية</strong> <strong>إلى</strong> <strong>إعادة</strong> <strong>بنائها</strong> <strong>لغويًا</strong> <strong>وروحيًا</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>عناصر</strong> <strong>بلاغية</strong> <strong>دالّة</strong> <strong>على</strong> <strong>أفق</strong> <strong>القصيدة</strong></li>
</ol>
<ul>
<li><strong>النداء</strong> <strong>بوصفه</strong> <strong>آلية</strong> <strong>لرفع</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مستوى</strong> <strong>الرمز</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>الاشتقاق</strong> <strong>التصويري</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>بالغربة</strong><strong>» </strong><strong>الذي</strong> <strong>يربط</strong> <strong>بين</strong> <strong>الزمن</strong> <strong>البيولوجي</strong> <strong>والزمن</strong> <strong>الوجداني</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>المفارقة</strong> <strong>بين</strong><strong> «</strong><strong>جليس</strong><strong>» </strong><strong>و</strong><strong>«</strong><strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>كوسيلة</strong> <strong>لإبراز</strong> <strong>تناقض</strong> <strong>التجربة</strong> <strong>الوجودية</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>الإيقاع</strong> <strong>والوقفة</strong> <strong>بين</strong> <strong>الشطرين، بما</strong> <strong>تعكسه</strong> <strong>من</strong> <strong>شعور</strong> <strong>بالفراغ</strong> <strong>والتعليق</strong><strong>.</strong></li>
</ul>
<p><strong>خلاصة</strong><strong><br />
</strong><strong>يفتح</strong> <strong>المطلع</strong> <strong>بوابة</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>على</strong> <strong>ذاتٍ مثقلة</strong> <strong>بالغربة</strong> <strong>والحزن، ويحوّل</strong> <strong>العزلة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>حميمة</strong> <strong>مع</strong> <strong>العدم</strong><strong>. </strong><strong>النداء</strong> <strong>والتراكيب</strong> <strong>التصويرية</strong> <strong>لا</strong> <strong>يقدّمان</strong> <strong>حالة</strong> <strong>ثابتة، بل</strong> <strong>يمهّدان</strong> <strong>لمسار</strong> <strong>ترتيلي</strong> <strong>تحوّلي</strong><strong>: </strong><strong>من</strong><strong> «</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>بالغربة</strong><strong>» </strong><strong>و</strong><strong>«</strong><strong>جليس</strong> <strong>اللا</strong> <strong>أحد</strong><strong>» </strong><strong>إلى</strong> <strong>حاملٍ لتراتيل</strong> <strong>قد</strong> <strong>تصوغ</strong> <strong>يقينًا</strong> <strong>جديدًا</strong> <strong>داخل</strong> <strong>اللغة</strong> <strong>والذاكرة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>بورتريه</strong> <strong>المنفى</strong> <strong>بين</strong> <strong>القلق</strong> <strong>والأماني</strong> <strong>واللا</strong><strong>‑</strong><strong>بلد</strong></p>
<p><strong>يا</strong> <strong>نديمَ القلقِ الوحشيِّ، ناطورَ الأماني، ونزيلَ اللا</strong> <strong>بلدِ</strong></p>
<p><strong>يمكن</strong> <strong>قراءة</strong> <strong>هذا</strong> <strong>البيت</strong> <strong>استكمالًا</strong> <strong>لبناء</strong> <strong>صورة</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>عبر</strong> <strong>سلسلة</strong> <strong>ألقاب</strong> <strong>تشكّل</strong> <strong>معًا</strong> <strong>بورتريهًا</strong> <strong>وجوديًا</strong> <strong>مركّبًا</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>أولًا</strong><strong>: </strong><strong>يا</strong> <strong>نديمَ القلقِ الوحشيِّ — يمنح</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>صفة</strong> <strong>الألفة</strong><strong> (</strong><strong>النديم)، لكنه</strong> <strong>يقترن</strong> <strong>هنا</strong> <strong>بـ</strong><strong>«</strong><strong>القلق</strong> <strong>الوحشي</strong><strong>» </strong><strong>فتتحول</strong> <strong>الألفة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>علاقة</strong> <strong>مع</strong> <strong>اضطراب</strong> <strong>مفترس؛ القلق</strong> <strong>لا</strong> <strong>يبقى</strong> <strong>حالة</strong> <strong>عابرة</strong> <strong>بل</strong> <strong>شريك</strong> <strong>حياة، فتتبدّل</strong> <strong>رغبة</strong> <strong>الأنس</strong> <strong>إلى</strong> <strong>تعايش</strong> <strong>دائم</strong> <strong>مع</strong> <strong>اضطراب</strong> <strong>لا</strong> <strong>يهدأ</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ثانيًا</strong><strong>: </strong><strong>ناطورَ الأماني</strong><strong> — </strong><strong>ينتقل</strong> <strong>الخطاب</strong> <strong>من</strong> <strong>الحقل</strong> <strong>النفسي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حقل</strong> <strong>التوق</strong> <strong>والانتظار؛ الناطور</strong> <strong>حارس</strong> <strong>لا</strong> <strong>مالك، وبذلك</strong> <strong>يُصوَّر</strong> <strong>المخاطَب</strong> <strong>كحارسٍ لأحلامٍ مؤجلة</strong> <strong>أو</strong> <strong>مهدَّدة، يقظ</strong> <strong>لكنه</strong> <strong>عاجز</strong> <strong>عن</strong> <strong>التملك، ما</strong> <strong>يعمّق</strong> <strong>إحساس</strong> <strong>الحرمان</strong> <strong>والأمل</strong> <strong>المعلّق</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ثالثًا</strong><strong>: </strong><strong>ونزيلَ اللا</strong> <strong>بلد</strong><strong> — </strong><strong>ينقل</strong> <strong>اللقب</strong> <strong>الأخير</strong> <strong>الصورة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>بعدٍ مكاني</strong> <strong>ووجودي؛ النزيل</strong> <strong>ضيف</strong> <strong>طويل</strong> <strong>الإقامة</strong> <strong>لا</strong> <strong>يصبح</strong> <strong>صاحب</strong> <strong>بيت، و</strong><strong>«</strong><strong>اللا</strong> <strong>بلد</strong><strong>» </strong><strong>تشير</strong> <strong>إلى</strong> <strong>فراغ</strong> <strong>الانتماء</strong> <strong>ذاته، فتتضاعف</strong> <strong>حالة</strong> <strong>الاغتراب</strong> <strong>إلى</strong> <strong>إقامة</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>لا</strong><strong>&#8211;</strong><strong>مكان</strong><strong>» </strong><strong>بينيّ لا</strong> <strong>وطن</strong> <strong>فيه</strong> <strong>ولا</strong> <strong>بديل</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>بهذا</strong> <strong>التتابع</strong><strong> (</strong><strong>نديم</strong> <strong>القلق</strong><strong> → </strong><strong>ناطور</strong> <strong>الأماني</strong><strong> → </strong><strong>نزيل</strong> <strong>اللا</strong> <strong>بلد</strong><strong>) </strong><strong>يبني</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>سلمًا</strong> <strong>دلاليًا</strong> <strong>يتحرك</strong> <strong>من</strong> <strong>الداخل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الخارج، ومن</strong> <strong>النفسي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الوجودي</strong><strong>: </strong><strong>ذات</strong> <strong>تؤانس</strong> <strong>قلقها</strong> <strong>الوحشي، تحرس</strong> <strong>أمانيها</strong> <strong>المؤجلة، وتقيم</strong> <strong>في</strong> <strong>فضاء</strong> <strong>بلا</strong> <strong>وطن</strong><strong>. </strong><strong>هذه</strong> <strong>الصورة</strong> <strong>لا</strong> <strong>تظل</strong> <strong>حالة</strong> <strong>نفسية</strong> <strong>فردية</strong> <strong>فحسب، بل</strong> <strong>تُعرض</strong> <strong>كبنية</strong> <strong>للمنفى</strong> <strong>الوجودي</strong> <strong>التي</strong> <strong>ستسعى</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>لاحقًا</strong> <strong>إلى</strong> <strong>تأويلها</strong> <strong>أو</strong> <strong>تجاوزه</strong> <strong>عبر</strong> <strong>فعل</strong> <strong>الترتيل</strong> <strong>وإنتاج</strong> <strong>يقينٍ جديد</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>الزمن</strong> <strong>المعلَّق</strong> <strong>بين</strong><strong> «</strong><strong>مذبحة</strong> <strong>الأمس</strong><strong>» </strong><strong>و</strong><strong>«</strong><strong>بستان</strong> <strong>غد</strong><strong>»</strong></p>
<p><strong>«</strong><strong>يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـسِ إلى</strong> <strong>بُـسـتـانِ غـدْ»</strong></p>
<ol>
<li><strong>البنية</strong> <strong>الزمنية</strong> <strong>والدلالية</strong><strong><br />
</strong><strong>لا</strong> <strong>يَرِد</strong><strong> «</strong><strong>اليوم</strong><strong>» </strong><strong>هنا</strong> <strong>كوحدة</strong> <strong>زمنية</strong> <strong>عابرة، بل</strong> <strong>كزمنٍ وجوديٍّ ممتد</strong> <strong>يستوعب</strong> <strong>الماضي</strong> <strong>والمستقبل</strong> <strong>معًا</strong><strong>. </strong><strong>فصفة</strong><strong> «</strong><strong>الممتد</strong><strong>» </strong><strong>تلغي</strong> <strong>الحدود</strong> <strong>التقليدية</strong> <strong>بين</strong> <strong>الأزمنة، وتحيل</strong> <strong>الحاضر</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حالةٍ معلّقة</strong> <strong>بين</strong> <strong>قطبين</strong><strong>: </strong><strong>جرحٍ مؤسِّس</strong> <strong>ووعدٍ متخيَّل</strong><strong>. </strong><strong>بذلك</strong> <strong>يتحوّل</strong> <strong>اليوم</strong> <strong>إلى</strong> <strong>فضاءٍ توتُّري، تنعقد</strong> <strong>فيه</strong> <strong>صلةٌ حادّة</strong> <strong>بين</strong> <strong>ذاكرة</strong> <strong>العنف</strong> <strong>وأفق</strong> <strong>الأمل</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>مذبحة</strong> <strong>الأمس</strong><strong>» </strong><strong>كدلالة</strong> <strong>تاريخية</strong> <strong>وتوثيقية</strong><strong><br />
</strong><strong>تكتسب</strong> <strong>عبارة</strong><strong> «</strong><strong>مذبحة</strong> <strong>الأمس</strong><strong>» </strong><strong>بُعدًا</strong> <strong>توثيقيًا</strong> <strong>وسياسيًا</strong> <strong>واضحًا؛ فهي</strong> <strong>تشير</strong> <strong>إلى</strong> <strong>عنفٍ جماعي</strong> <strong>سابق</strong> <strong>يشكّل</strong> <strong>أساسًا</strong> <strong>لوعيٍ جريح</strong><strong>. </strong><strong>اللفظة</strong> <strong>لا</strong> <strong>تعمل</strong> <strong>كاستحضارٍ عاطفي</strong> <strong>فحسب، بل</strong> <strong>كمرجعٍ تاريخي</strong> <strong>يثبّت</strong> <strong>الجرح</strong> <strong>في</strong> <strong>الذاكرة</strong> <strong>الجمعية، ويمنح</strong> <strong>الحاضر</strong> <strong>ثقلًا</strong> <strong>أخلاقيًا</strong> <strong>وسياسيًا</strong> <strong>لا</strong> <strong>يمكن</strong> <strong>تجاوزه</strong> <strong>بسهولة، خاصة</strong> <strong>إذا</strong> <strong>قُرئت</strong> <strong>في</strong> <strong>ضوء</strong> <strong>المذابح</strong> <strong>التي</strong> <strong>استهدفت</strong> <strong>اليساريين</strong> <strong>والديمقراطيين</strong> <strong>في</strong> <strong>التاريخ</strong> <strong>العراقي</strong> <strong>الحديث</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>بستان</strong> <strong>غد</strong><strong>» </strong><strong>كاستعارة</strong> <strong>للأمل</strong> <strong>والتحقق</strong><strong><br />
</strong><strong>في</strong> <strong>المقابل، تأتي</strong><strong> «</strong><strong>بستان</strong> <strong>غد</strong><strong>» </strong><strong>كاستعارة</strong> <strong>مركَّزة</strong> <strong>للخصب</strong> <strong>والتحقّق؛ فهي</strong> <strong>ليست</strong> <strong>مجرد</strong> <strong>مكانٍ طبيعي، بل</strong> <strong>صورة</strong> <strong>مكثّفة</strong> <strong>لأفقٍ إنساني</strong><strong>–</strong><strong>سياسي</strong> <strong>يعد</strong> <strong>بالاكتمال</strong> <strong>والعدل</strong> <strong>والكرامة</strong><strong>. </strong><strong>البستان</strong> <strong>هنا</strong> <strong>رمز</strong> <strong>لما</strong> <strong>يمكن</strong> <strong>أن</strong> <strong>يولد</strong> <strong>عن</strong> <strong>إعادة</strong> <strong>البناء، ولأملٍ يحتاج</strong> <strong>إلى</strong> <strong>رعايةٍ وحراسة</strong> <strong>كي</strong> <strong>يغدو</strong> <strong>واقعًا</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>التوتّر</strong> <strong>الدلالي</strong> <strong>ووظيفة</strong> <strong>القصيدة</strong><strong><br />
</strong><strong>بين</strong> <strong>هذين</strong> <strong>الحدّين</strong><strong> — </strong><strong>المذبحة</strong> <strong>الواقعية</strong> <strong>وبستان</strong> <strong>الحلم</strong><strong> — </strong><strong>يتموضع</strong><strong> «</strong><strong>اليوم</strong><strong>» </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>حالةَ انتظارٍ ونضالٍ معًا</strong><strong>. </strong><strong>هذا</strong> <strong>التوتّر</strong> <strong>هو</strong> <strong>ما</strong> <strong>يبرّر</strong> <strong>حاجة</strong> <strong>النص</strong> <strong>إلى</strong> <strong>فعلٍ لغوي</strong><strong>‑</strong><strong>طقسي</strong><strong> (</strong><strong>الترتيل</strong><strong>) </strong><strong>لتنظيم</strong> <strong>المسافة</strong> <strong>بين</strong> <strong>الجرح</strong> <strong>والتحقّق؛ إذ</strong> <strong>يغدو</strong> <strong>الترتيل</strong> <strong>آلية</strong> <strong>لإنتاج</strong> <strong>يقينٍ متحوّل</strong> <strong>أو</strong> <strong>أملٍ مؤسَّس</strong> <strong>على</strong> <strong>الوعي</strong> <strong>بالألم</strong> <strong>لا</strong> <strong>على</strong> <strong>إنكاره</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>ملاحظات</strong> <strong>أسلوبية</strong></li>
</ol>
<ul>
<li><strong>يعمل</strong> <strong>التركيب</strong> <strong>المضاد</strong><strong> (</strong><strong>مذبحة</strong><strong> <img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2194.png" alt="↔" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> </strong><strong>بستان</strong><strong>) </strong><strong>كآلية</strong> <strong>تضادّ دلالي</strong> <strong>يضخّ طاقة</strong> <strong>تأويلية</strong> <strong>في</strong> <strong>البيت</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>الإيقاع</strong> <strong>والوقفة</strong> <strong>بين</strong> <strong>شقّي</strong> <strong>البيت</strong> <strong>يسهمان</strong> <strong>في</strong> <strong>توليد</strong> <strong>إحساسٍ بالامتداد</strong> <strong>والانتظار</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>على</strong> <strong>الرغم</strong> <strong>من</strong> <strong>صيغة</strong> <strong>الخطاب</strong> <strong>الفردي</strong><strong> «</strong><strong>يومك»، فإنّ سياق</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>يتيح</strong> <strong>قراءة</strong> <strong>هذا</strong><strong> «</strong><strong>اليوم</strong><strong>» </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>زمنَ جماعةٍ وتيارٍ وتاريخٍ بأكمله، ما</strong> <strong>يربط</strong> <strong>بين</strong> <strong>ذاكرة</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>وذاكرة</strong> <strong>الأمة</strong><strong>.</strong></li>
</ul>
<p><strong><br />
</strong><strong>من</strong> <strong>فقدان</strong> <strong>الأنوار</strong> <strong>إلى</strong><strong> «</strong><strong>الخيمة</strong> <strong>بلا</strong> <strong>وتد</strong><strong>»: </strong><strong>العالم</strong> <strong>بوصفه</strong> <strong>فضاءً منزوَع</strong> <strong>المرجعيات</strong></p>
<p><strong>«</strong><strong>دونَ أنوارِ التي</strong> <strong>باتت</strong> <strong>تُسمّى</strong> <strong>نخلةَ اللهِ<br />
وناموسَ المرايا</strong><strong>:<br />
</strong><strong>خيمةٌ دونَ وتدْ»</strong></p>
<p><strong><br />
</strong><strong>يقدّم</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>صورةً لعالمٍ تزعزعت</strong> <strong>مرجعياته</strong> <strong>الصلبة</strong> <strong>وتضاءلت</strong> <strong>فاعلية</strong> <strong>أنواره، فصار</strong> <strong>الحاضر</strong> <strong>فيه</strong> <strong>فضاءً هشًّا</strong> <strong>معلّقًا</strong><strong>. </strong><strong>يفتتح</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>بالتركيب</strong><strong> «</strong><strong>دون</strong> <strong>أنوار»، فيضع</strong> <strong>الذات</strong> <strong>في</strong> <strong>حالة</strong> <strong>حرمان</strong> <strong>من</strong> <strong>مصادر</strong> <strong>نورٍ مخصوصة</strong> <strong>هي</strong> <strong>تلك</strong> <strong>التي</strong><strong> «</strong><strong>باتت</strong> <strong>تُسمّى</strong> <strong>نخلة</strong> <strong>الله</strong><strong>». </strong><strong>الفعل</strong><strong> «</strong><strong>باتت</strong><strong>» </strong><strong>يحيل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>صيرورةٍ رمزية</strong> <strong>رُفِعت</strong> <strong>فيها</strong> <strong>هذه</strong> <strong>الأنوار، عبر</strong> <strong>الزمن</strong> <strong>والخطاب، إلى</strong> <strong>مرتبة</strong><strong> «</strong><strong>نخلة</strong> <strong>الله»؛ أي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>رمزٍ جمعي</strong> <strong>متعالٍ يجمع</strong> <strong>بين</strong> <strong>جذور</strong> <strong>النخلة</strong> <strong>العراقية</strong> <strong>وثباتها</strong> <strong>وعطائها، وبين</strong> <strong>بُعدٍ قيمي</strong> <strong>يجعل</strong> <strong>منها</strong> <strong>مرجعًا</strong> <strong>أخلاقيًا</strong><strong>/</strong><strong>سياسيًا</strong> <strong>مرفوعًا</strong> <strong>في</strong> <strong>الوعي، لكنه</strong> <strong>متراجع</strong> <strong>الفاعلية</strong> <strong>في</strong> <strong>الواقع</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>في</strong> <strong>المقابل، يجمع</strong> <strong>تركيب</strong><strong> «</strong><strong>ناموس</strong> <strong>المرايا</strong><strong>» </strong><strong>بين</strong><strong> «</strong><strong>الناموس</strong><strong>» </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>قانونًا</strong> <strong>أو</strong> <strong>نظامًا</strong> <strong>ضابطًا، و</strong><strong>«</strong><strong>المرايا</strong><strong>» </strong><strong>التي</strong> <strong>تشتغل</strong> <strong>على</strong> <strong>الانعكاس</strong> <strong>والتكاثر</strong><strong>. </strong><strong>النتيجة</strong> <strong>هي</strong> <strong>قانون</strong> <strong>يقوم</strong> <strong>أكثر</strong> <strong>على</strong> <strong>الصور</strong> <strong>والتمثّلات</strong> <strong>منه</strong> <strong>على</strong> <strong>أصلٍ ثابت؛ نظام</strong> <strong>من</strong> <strong>الخطابات</strong> <strong>يعيد</strong> <strong>انعكاس</strong> <strong>ذاته</strong> <strong>بدل</strong> <strong>أن</strong> <strong>يستند</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مرجع</strong> <strong>يقيني</strong> <strong>فعّال، ما</strong> <strong>يفضي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>تشتّت</strong> <strong>المعنى</strong> <strong>واضطراب</strong> <strong>الثقة</strong> <strong>بالمصدر</strong> <strong>دون</strong> <strong>أن</strong> <strong>يعني</strong> <strong>بالضرورة</strong> <strong>انعدامه</strong> <strong>التام</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>تأتي</strong> <strong>الجملة</strong> <strong>الختامية</strong><strong> «</strong><strong>خيمةٌ دون</strong> <strong>وتد</strong><strong>» </strong><strong>بوصفها</strong> <strong>خلاصةً مكثّفة</strong> <strong>لهذا</strong> <strong>الوضع</strong><strong>: </strong><strong>فالخيمة، رمز</strong> <strong>السكن</strong> <strong>المؤقّت، لا</strong> <strong>تستقيم</strong> <strong>بلا</strong> <strong>وتد، وغياب</strong> <strong>الوتد</strong> <strong>يحوّل</strong> <strong>المأوى</strong> <strong>إلى</strong> <strong>بنية</strong> <strong>معلّقة</strong> <strong>بلا</strong> <strong>ضمان</strong><strong>. </strong><strong>هكذا</strong> <strong>تتجسّد</strong> <strong>حالة</strong> <strong>اغترابٍ عميقة</strong> <strong>يتعذّر</strong> <strong>فيها</strong> <strong>الاستقرار؛ إذ</strong> <strong>يعيش</strong> <strong>الكائن</strong> <strong>في</strong> <strong>عالم</strong> <strong>خفتت</strong> <strong>فيه</strong> <strong>الأنوار</strong> <strong>المرجعية، وتصدّع</strong> <strong>ناموسه، وتهاوى</strong> <strong>مأواه</strong> <strong>الثابت</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>وإذا</strong> <strong>قُرئ</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>في</strong> <strong>ضوء</strong> <strong>ما</strong> <strong>سبقه</strong> <strong>من</strong> <strong>ألقاب</strong><strong> («</strong><strong>يا</strong> <strong>نديم</strong> <strong>القلق</strong> <strong>الوحشي</strong><strong>… </strong><strong>ناطور</strong> <strong>الأماني</strong><strong>… </strong><strong>نزيل</strong> <strong>اللا</strong> <strong>بلد»)، اتّضح</strong> <strong>أن</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>تصعد</strong> <strong>من</strong> <strong>رسم</strong> <strong>بورتريه</strong> <strong>لذاتٍ مشروخة</strong> <strong>تعايش</strong> <strong>قلقها</strong> <strong>وتحرس</strong> <strong>أمانيها</strong> <strong>وتقيم</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>اللا</strong> <strong>بلد»، إلى</strong> <strong>تشخيص</strong> <strong>مشهدٍ أوسع</strong> <strong>لعالمٍ متصدّعة</strong> <strong>مرجعياته</strong><strong>: </strong><strong>ذاتٌ بلا</strong> <strong>وطن</strong> <strong>مستقرّ في</strong> <strong>عالمٍ خفتت</strong> <strong>أنواره</strong> <strong>وتراجعت</strong> <strong>فعالية</strong> <strong>قانونه</strong> <strong>وتهاوى</strong> <strong>فيه</strong> <strong>البيت</strong> <strong>الآمن</strong><strong>. </strong><strong>بهذا</strong> <strong>يتكامل</strong> <strong>البناء</strong> <strong>الدلالي</strong> <strong>من</strong> <strong>الداخل</strong> <strong>النفسي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الخارج</strong> <strong>الرمزي، ومن</strong> <strong>سيرة</strong> <strong>الفرد</strong> <strong>إلى</strong> <strong>صورة</strong> <strong>كونٍ معلَّق</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>في</strong> <strong>هذا</strong> <strong>الموضع</strong> <strong>تحديدًا</strong> <strong>تتّضح</strong> <strong>الحاجة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>فعلٍ ترتيليٍّ قادم</strong><strong>: </strong><strong>فـ</strong><strong>«</strong><strong>الخيمة</strong> <strong>دون</strong> <strong>وتد</strong><strong>» </strong><strong>تمثّل</strong> <strong>لحظة</strong> <strong>ما</strong> <strong>قبل</strong> <strong>الترتيل، أي</strong> <strong>اللحظة</strong> <strong>التي</strong> <strong>يستدعي</strong> <strong>فيها</strong> <strong>الفراغ</strong> <strong>والتصدّع</strong> <strong>فعلًا</strong> <strong>لغويًا</strong><strong>‑</strong><strong>طقسيًا</strong> <strong>يعيد</strong> <strong>تثبيت</strong> <strong>المعنى</strong> <strong>ويعيد</strong> <strong>توظيف</strong> <strong>الرموز</strong> <strong>المخفوتة</strong><strong>. </strong><strong>ومن</strong> <strong>هنا</strong> <strong>سيظهر</strong><strong> «</strong><strong>الترتيل</strong><strong>» </strong><strong>في</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>كضرورة</strong> <strong>لإنتاج</strong> <strong>يقينٍ جديد، لا</strong> <strong>عبر</strong> <strong>إنكار</strong> <strong>الجرح</strong> <strong>أو</strong> <strong>إعلان</strong> <strong>موت</strong> <strong>المرجعيات، بل</strong> <strong>عبر</strong> <strong>تحويل</strong> <strong>الجرح</strong> <strong>ذاته</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مادة</strong> <strong>للإنشاد</strong> <strong>والذاكرة</strong> <strong>والوعي</strong><strong>.</strong></p>
<h3><strong>من</strong> <strong>متاهات</strong> <strong>البحار</strong> <strong>إلى</strong> <strong>جزر</strong> <strong>اليسر</strong><strong>: </strong><strong>قراءة</strong> <strong>في</strong> <strong>صور</strong> <strong>الضياع</strong> <strong>واليقين</strong></h3>
<p><strong>وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ  بـحـار ٍ</strong></p>
<p><strong>يُـسْـرُهـا  جـزرٌ</strong></p>
<p><strong>وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يبني</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>صورةً لذاتٍ تائهة</strong> <strong>في</strong> <strong>فضاء</strong> <strong>هائل</strong> <strong>متحوّل؛ ضياعٌ يتوزّع</strong> <strong>داخل</strong><strong> «</strong><strong>متاهات</strong> <strong>بحار»، حيث</strong> <strong>لا</strong> <strong>مسار</strong> <strong>واضح</strong> <strong>ولا</strong> <strong>ثبات، بل</strong> <strong>سيولة</strong> <strong>ممتدّة</strong> <strong>تُعقِّد</strong> <strong>إمكان</strong> <strong>التثبيت</strong> <strong>والاتجاه</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>أولًا</strong><strong>: </strong><strong>تفصيل</strong> <strong>دلالي</strong></p>
<ul>
<li><strong>«</strong><strong>ضياعٌ في</strong> <strong>متاهات</strong> <strong>بحار</strong><strong>»: </strong><strong>المتاهة</strong> <strong>ترمز</strong> <strong>إلى</strong> <strong>فقدان</strong> <strong>الاتجاه، والبحر</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الاتساع</strong> <strong>والسيولة؛ والجمع</strong> <strong>بينهما</strong> <strong>يخلق</strong> <strong>فضاءً وجوديًا</strong> <strong>بلا</strong> <strong>حدودٍ واضحة، فيغدو</strong> <strong>الضياع</strong> <strong>بنية</strong> <strong>مكانية</strong><strong>–</strong><strong>وجودية</strong> <strong>لا</strong> <strong>مجرّد</strong> <strong>شعور</strong> <strong>عابر، وتفقد</strong> <strong>الذات</strong> <strong>مرجعها</strong> <strong>في</strong> <strong>عالمٍ سائل</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>يُسرُها</strong> <strong>جزر</strong><strong>»: </strong><strong>يُختَزل</strong> <strong>اليسر</strong> <strong>في</strong> <strong>لحظات</strong> <strong>انحسار</strong> <strong>مؤقتة؛ فالفترات</strong> <strong>المريحة</strong> <strong>تظهر</strong> <strong>كجزر</strong> <strong>قصيرة</strong> <strong>تتيح</strong> <strong>للذات</strong> <strong>التقاط</strong> <strong>أنفاسها، لكنها</strong> <strong>لا</strong> <strong>ترقى</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حالة</strong> <strong>دائمة</strong> <strong>أو</strong> <strong>مستقرّة</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>«</strong><strong>وأما</strong> <strong>العسر</strong> <strong>والخسر</strong> <strong>فمدّ»: المقابلة</strong> <strong>تُظهر</strong> <strong>هيمنة</strong> <strong>الامتداد</strong> <strong>السلبي؛ العسر</strong> <strong>والخسر</strong> <strong>مرتبطان</strong> <strong>بالمدّ المستمر، أي</strong> <strong>بزمنٍ طاغٍ يطول</strong> <strong>ويتكرّر، فيصبح</strong> <strong>اليسر</strong> <strong>استثناءً لا</strong> <strong>قاعدة</strong><strong>.</strong></li>
</ul>
<p><strong>ثانيًا</strong><strong>: </strong><strong>البنية</strong> <strong>الزمنية</strong> <strong>والوجودية</strong></p>
<p><strong>يقدّم</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>زمنًا</strong> <strong>وجوديًا</strong> <strong>غير</strong> <strong>متوازن</strong><strong>: </strong><strong>اليسر</strong> <strong>مقطعيّ ومحدود، والعسر</strong> <strong>ممتدّ ومهيمن</strong><strong>. </strong><strong>هذا</strong> <strong>التوزيع</strong> <strong>يرسّخ</strong> <strong>شعورًا</strong> <strong>بأن</strong> <strong>العالم</strong> <strong>لا</strong> <strong>يمنح</strong> <strong>عدالةً في</strong> <strong>توزيع</strong> <strong>المصائر، وأن</strong> <strong>الذات</strong> <strong>محكومة</strong> <strong>بنمطٍ من</strong> <strong>الخسارة</strong> <strong>المستمرة</strong> <strong>مع</strong> <strong>نوافذ</strong> <strong>ضيّقة</strong> <strong>من</strong> <strong>الفرج، ما</strong> <strong>يعمّق</strong> <strong>الحاجة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>إطار</strong> <strong>معنوي</strong> <strong>ينظّم</strong> <strong>هذه</strong> <strong>الفوضى</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>ثالثًا</strong><strong>: </strong><strong>الربط</strong> <strong>بما</strong> <strong>قبله</strong></p>
<p><strong>يتواصل</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>مع</strong> <strong>الألقاب</strong> <strong>السابقة</strong><strong> («</strong><strong>نديم</strong> <strong>القلق</strong> <strong>الوحشي، ناطور</strong> <strong>الأماني، نزيل</strong> <strong>اللا</strong> <strong>بلد</strong><strong>») </strong><strong>ومع</strong> <strong>صورة</strong><strong> «</strong><strong>الخيمة</strong> <strong>دون</strong> <strong>وتد</strong><strong>» </strong><strong>في</strong> <strong>توسيع</strong> <strong>المشهد</strong> <strong>من</strong> <strong>الداخل</strong> <strong>النفسي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الخارج</strong> <strong>الكوني</strong><strong>. </strong><strong>فإذا</strong> <strong>كانت</strong> <strong>الألقاب</strong> <strong>قد</strong> <strong>رسمت</strong> <strong>ذاتًا</strong> <strong>مشروخة</strong> <strong>تحفظ</strong> <strong>الأماني</strong> <strong>وتقيم</strong> <strong>في</strong> <strong>لا</strong><strong>‑</strong><strong>مكان، فإن</strong> <strong>هذا</strong> <strong>البيت</strong> <strong>يرسم</strong> <strong>عالمًا</strong> <strong>واسعًا</strong> <strong>يضاعف</strong> <strong>ضياعها</strong><strong>: </strong><strong>فضاء</strong> <strong>بحري</strong> <strong>لا</strong> <strong>حدود</strong> <strong>فيه، يسْرُه</strong> <strong>جزر</strong> <strong>عابرة</strong> <strong>ومدُّه</strong> <strong>عسرٌ وخسرٌ ممتدّان</strong><strong>. </strong><strong>على</strong> <strong>هذا</strong> <strong>النحو، يتكامل</strong> <strong>البناء</strong> <strong>الدلالي</strong> <strong>من</strong> <strong>الذات</strong> <strong>المنفيّة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>كونٍ لا</strong> <strong>يوفّر</strong> <strong>لها</strong> <strong>استقرارًا</strong> <strong>ولا</strong> <strong>مرجعية</strong> <strong>ثابتة</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>رابعًا</strong><strong>: </strong><strong>الإيقاع</strong> <strong>والوقف</strong></p>
<p><strong>يعمل</strong> <strong>الإيقاع</strong> <strong>الصوتي</strong> <strong>في</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>كمرآة</strong> <strong>لحركة</strong> <strong>المدّ والجزر؛ فامتداد</strong> <strong>المقاطع</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>متاهاتِ بحارٍ» و</strong><strong>«</strong><strong>العسرِ والخسرِ فمدّ» يقابله</strong> <strong>تقطّع</strong> <strong>نسبي</strong> <strong>في</strong><strong> «</strong><strong>يُسرُها</strong> <strong>جزرٌ». الوقفات</strong> <strong>القصيرة</strong> <strong>بين</strong> <strong>الشطور، والفواصل</strong> <strong>الإيقاعية، تخلق</strong> <strong>إحساسًا</strong> <strong>بصعودٍ وانحسار</strong> <strong>موجي</strong><strong>: </strong><strong>لحظات</strong> <strong>تنفّس</strong> <strong>تشبه</strong> <strong>انكشاف</strong> <strong>القاع</strong> <strong>عند</strong> <strong>الجزر، تتلوها</strong> <strong>جُمَل</strong> <strong>ممتدّة</strong> <strong>تعكس</strong> <strong>ضغط</strong> <strong>المدّ وطول</strong> <strong>زمن</strong> <strong>العسر</strong><strong>. </strong><strong>بذلك</strong> <strong>يتحوّل</strong> <strong>الإيقاع</strong> <strong>من</strong> <strong>عنصر</strong> <strong>زخرفي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>آلية</strong> <strong>دلالية</strong> <strong>تُجسّد</strong> <strong>حالة</strong> <strong>الامتداد</strong> <strong>والاختناق</strong> <strong>والفرج</strong> <strong>المؤقت</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>خامسًا</strong><strong>: </strong><strong>ربط</strong> <strong>جزر</strong> <strong>اليسر</strong> <strong>بتراتيل</strong> <strong>اليقين</strong></p>
<p><strong>لا</strong> <strong>تبقى</strong><strong> «</strong><strong>جزر</strong> <strong>اليسر</strong><strong>» </strong><strong>في</strong> <strong>النص</strong> <strong>مجرّد</strong> <strong>لحظات</strong> <strong>عابرة، بل</strong> <strong>تتحوّل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مقاطع</strong> <strong>إيقاعية</strong> <strong>قابلة</strong> <strong>للتكرار؛ وهذه</strong> <strong>المقاطع</strong> <strong>ذاتها</strong> <strong>هي</strong> <strong>التي</strong> <strong>ستغذّي</strong> <strong>فعل</strong><strong> «</strong><strong>الترتيل</strong><strong>». </strong><strong>بالتكرار</strong> <strong>والوقف</strong> <strong>المنظّم</strong> <strong>تصبح</strong> <strong>لحظات</strong> <strong>اليسر</strong> <strong>وحدات</strong> <strong>ترتيلية، تعمل</strong> <strong>كعُقدٍ لغوية</strong> <strong>تُثبّت</strong> <strong>معنًى</strong> <strong>جزئيًا</strong> <strong>وتؤسِّس</strong> <strong>لبناء</strong> <strong>يقينٍ متحوّل</strong> <strong>داخل</strong> <strong>اللغة</strong> <strong>والذاكرة</strong><strong>.<br />
«</strong><strong>تتحوّل</strong> <strong>لحظاتُ اليسر</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مقاطع</strong> <strong>ترتيلية</strong> <strong>قابلة</strong> <strong>للتكرار، فتعمل</strong> <strong>التراتيل</strong> <strong>كعُقدٍ إيقاعية</strong> <strong>تُثبّت</strong> <strong>المعنى</strong> <strong>وتنتج</strong> <strong>يقينًا</strong> <strong>جزئيًا</strong> <strong>داخل</strong> <strong>اللغة</strong> <strong>والذاكرة</strong><strong>.»</strong></p>
<h3><strong>جدلية</strong> <strong>الشهد</strong> <strong>والحنظل</strong><strong>: </strong><strong>من</strong> <strong>المرارة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>شهد</strong> <strong>الرغد</strong></h3>
<p>«ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى<br />
يُـفـضـي إلى الـحـنـظـل ِ&#8230;<br />
والحـنـظـلُ قد يُـفـضـي إلـى<br />
شَـهـدِ الـرَّغـدْ»</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>يقدّم</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>صياغة</strong> <strong>مكثَّفة</strong> <strong>لجدلية</strong> <strong>التحوّل</strong> <strong>في</strong> <strong>التجربة</strong> <strong>العاطفية</strong> <strong>والنضالية؛ فما</strong> <strong>يبدأ</strong> <strong>بوصفه</strong><strong> «</strong><strong>شَهدًا</strong> <strong>في</strong> <strong>الهوى</strong><strong>» – </strong><strong>حلاوة</strong> <strong>أولى</strong> <strong>مرتبطة</strong> <strong>بالحب</strong> <strong>أو</strong> <strong>بالإيمان</strong> <strong>بقضية</strong> <strong>ما</strong><strong> – </strong><strong>يمكن</strong> <strong>أن</strong> <strong>ينقلب، بفعل</strong> <strong>الاصطدام</strong> <strong>بالعنف</strong> <strong>التاريخي</strong> <strong>والمجازر</strong> <strong>التي</strong> <strong>طالت</strong> <strong>القوى</strong> <strong>اليسارية</strong> <strong>والديمقراطية، إلى</strong><strong> «</strong><strong>حنظل</strong><strong>» </strong><strong>مرّ. غير</strong> <strong>أنّ هذه</strong> <strong>المرارة</strong> <strong>لا</strong> <strong>تُطرَح</strong> <strong>كنهاية</strong> <strong>مغلقة، إذ</strong> <strong>يفتح</strong> <strong>الشاعر</strong> <strong>أفقًا</strong> <strong>معاكسًا</strong><strong>: «</strong><strong>والحنظل</strong> <strong>قد</strong> <strong>يفضي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>شهد</strong> <strong>الرغد»، أي</strong> <strong>إنّ الحنظل</strong> <strong>ذاته</strong> <strong>يمكن</strong> <strong>أن</strong> <strong>يكون</strong> <strong>معبرًا</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حلاوة</strong> <strong>أخرى</strong> <strong>أوسع</strong> <strong>وأعمق</strong><strong>. </strong><strong>هكذا</strong> <strong>يُعرَض</strong> <strong>الزمن</strong> <strong>النفسي</strong><strong>–</strong><strong>النضالي</strong> <strong>في</strong> <strong>هيئة</strong> <strong>سلسلة</strong> <strong>دورانية</strong><strong>: </strong><strong>شهد</strong><strong> → </strong><strong>حنظل</strong><strong> → </strong><strong>شهد</strong> <strong>أوسع، حيث</strong> <strong>لا</strong> <strong>ثبات</strong> <strong>للحلاوة</strong> <strong>ولا</strong> <strong>للمرارة؛ فكلاهما</strong> <strong>قابل</strong> <strong>لأن</strong> <strong>يتحوّل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>ضده</strong> <strong>عبر</strong> <strong>المرور</strong> <strong>بالاختبار</strong> <strong>والجرح</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>دلالات</strong> <strong>المفردات</strong> <strong>ووظيفتها</strong> <strong>في</strong> <strong>بنية</strong> <strong>القصيدة</strong></p>
<ul>
<li><strong>الشهد</strong><strong>: </strong><strong>يرمز</strong> <strong>إلى</strong> <strong>البدايات</strong> <strong>النقيّة، إلى</strong> <strong>لذّة</strong> <strong>الحب</strong> <strong>الأول</strong> <strong>أو</strong> <strong>حماسة</strong> <strong>الإيمان</strong> <strong>بالمبدأ، وإلى</strong> <strong>الوعد</strong> <strong>الأخلاقي</strong><strong>–</strong><strong>الوجداني</strong> <strong>الذي</strong> <strong>يفتتح</strong> <strong>التجربة</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>الحنظل</strong><strong>: </strong><strong>يمثّل</strong> <strong>المرارة</strong> <strong>والانكسار</strong> <strong>الناتجَيْن</strong> <strong>عن</strong> <strong>مواجهة</strong> <strong>الواقع</strong> <strong>العنيف، وعن</strong> <strong>المجازر</strong> <strong>والقمع</strong> <strong>اللذين</strong> <strong>تعرّضت</strong> <strong>لهما</strong> <strong>القوى</strong> <strong>اليسارية</strong> <strong>والديمقراطية، لا</strong> <strong>عن</strong> <strong>خيانةٍ ذاتية</strong> <strong>أو</strong> <strong>شخصية</strong><strong>.</strong></li>
<li><strong>شهد</strong> <strong>الرغد</strong><strong>: </strong><strong>لا</strong> <strong>يشير</strong> <strong>إلى</strong> <strong>عودة</strong> <strong>بسيطة</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الحلاوة</strong> <strong>الأولى، بل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>حلاوة</strong> <strong>ناضجة</strong> <strong>مقرونة</strong> <strong>بالوفرة</strong> <strong>والاكتمال، هي</strong> <strong>حصيلة</strong> <strong>اجتياز</strong> <strong>المراحل</strong> <strong>الصعبة</strong> <strong>والقدرة</strong> <strong>على</strong> <strong>إعادة</strong> <strong>تأويلها</strong><strong>.</strong></li>
</ul>
<p><strong>البعد</strong> <strong>التأويلي</strong> <strong>في</strong> <strong>سياق</strong><strong> «</strong><strong>ترتيلة</strong> <strong>اليقين</strong><strong>»</strong></p>
<p><strong>يمكن</strong> <strong>قراءة</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>بوصفه</strong> <strong>خلاصة</strong> <strong>مكثّفة</strong> <strong>لفكرة</strong> <strong>القصيدة</strong> <strong>برمّتها</strong><strong>: </strong><strong>فاليقين</strong> <strong>لا</strong> <strong>يولد</strong> <strong>من</strong> <strong>تجارب</strong> <strong>مستقيمة</strong> <strong>خالية</strong> <strong>من</strong> <strong>التناقض، بل</strong> <strong>من</strong> <strong>المرور</strong> <strong>عبر</strong> <strong>تقاطعات</strong> <strong>الشهد</strong> <strong>والحنظل</strong><strong>. </strong><strong>في</strong> <strong>هذا</strong> <strong>الأفق، يغدو</strong><strong> «</strong><strong>الترتيل</strong><strong>» </strong><strong>آلية</strong> <strong>لغوية</strong><strong>–</strong><strong>طقسية</strong> <strong>لإعادة</strong> <strong>تدوير</strong> <strong>التجربة؛ إذ</strong> <strong>يجعل</strong> <strong>من</strong> <strong>مرارة</strong> <strong>الانكسار</strong> <strong>التاريخي</strong> <strong>مادةً قابلة</strong> <strong>للتحوّل</strong> <strong>إلى</strong> <strong>يقينٍ أكثر</strong> <strong>نضجًا، ويحوّل</strong> <strong>أثر</strong> <strong>المذبحة</strong> <strong>والمنفى</strong> <strong>إلى</strong> <strong>خطوة</strong> <strong>في</strong> <strong>طريق</strong> <strong>ترسيخ</strong> <strong>معنًى</strong> <strong>روحي</strong> <strong>وأخلاقي</strong> <strong>أعمق</strong><strong>. </strong><strong>اليقين</strong> <strong>هنا</strong> <strong>لا</strong> <strong>يُحسَم</strong> <strong>دفعة</strong> <strong>واحدة، بل</strong> <strong>يُصاغ</strong> <strong>بالتكرار</strong> <strong>والإنشاد</strong> <strong>والعودة</strong> <strong>التأويلية</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الجرح</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>بعد</strong> <strong>أن</strong> <strong>رسمت</strong> <strong>المقاطع</strong> <strong>السابقة</strong> <strong>ذاتًا</strong> <strong>مشروخة</strong> <strong>وعالمًا</strong> <strong>بلا</strong> <strong>وتد، يقدّم</strong> <strong>هذا</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>نموذجًا</strong> <strong>مصغّرًا</strong> <strong>لآلية</strong> <strong>التحوّل</strong> <strong>الداخلي</strong><strong>: </strong><strong>من</strong> <strong>شهد</strong> <strong>البداية</strong> <strong>إلى</strong> <strong>مرارة</strong> <strong>الحنظل</strong> <strong>الناتجة</strong> <strong>عن</strong> <strong>العنف</strong> <strong>التاريخي، ومن</strong> <strong>ثم</strong> <strong>إلى</strong> <strong>شهد</strong> <strong>أوسع</strong> <strong>يُنتَج</strong> <strong>عبر</strong> <strong>الترتيل</strong><strong>.</strong></p>
<p><strong>خاتمة</strong> <strong>موجزة</strong></p>
<p><strong>لا</strong> <strong>يقدّم</strong> <strong>المقطع</strong> <strong>تأمّلًا</strong> <strong>وجدانيًا</strong> <strong>فحسب، بل</strong> <strong>يرسم</strong> <strong>خريطة</strong> <strong>عملية</strong> <strong>لصيرورة</strong> <strong>اليقين</strong><strong>: </strong><strong>طريقٌ يمرّ بشهد</strong> <strong>الأحلام</strong> <strong>الأولى</strong> <strong>وحنظل</strong> <strong>الانكسار</strong> <strong>التاريخي</strong> <strong>على</strong> <strong>نحوٍ دائري، حيث</strong> <strong>يصبح</strong> <strong>الألم</strong> <strong>شرطًا</strong> <strong>ممكنًا</strong> <strong>لصياغة</strong> <strong>يقينٍ لغوي</strong><strong>–</strong><strong>روحي</strong> <strong>أكثر</strong> <strong>متانة</strong> <strong>واتزانًا</strong><strong>.</p>
<p></strong></p>
<p><strong>من</strong><strong> «</strong><strong>الطاعن</strong> <strong>بالعشق</strong><strong>» </strong><strong>إلى</strong><strong> «</strong><strong>تراتيل</strong> <strong>اليقين</strong><strong>»: </strong><strong>اكتمال</strong> <strong>التحوّل</strong> <strong>من</strong> <strong>الجسد</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الروح</strong></p>
<p>«أيها الطاعنُ بالعشقِ البتوليِّ التراتيلِ…<br />
الشريدُ السومريُّ… الحاسرُ القلبِ:<br />
كفى أنك بتَّ اليومَ روحًا<br />
وتراتيلَ يقينٍ<br />
بعدما كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»</p>
<p>يختتم الشاعر نصّه بلحظة كشفٍ هُويّاتي تُعلن اكتمال المسار الذي سارت فيه القصيدة. يعود النداء في صيغة «أيها» مثقَّلًا بصفاتٍ تؤسِّس صورةً مركّبة للمخاطَب.<br />
أهم هذه الصفات: «الطاعن بالعشق». هنا لا يدلّ الطعن على التآكل أو الضعف، بل على الاستمرار في العشق رغم مرور الزمن؛ فهو شاهد على حيويةٍ لم تنطفئ، وعلى وفاءٍ طويل الأمد لقضية أو فكرة آمن بها الشاعر وجيله. العمر لا يُضعف العشق، بل يضاعف عمقه وصلابته الأخلاقية.</p>
<p>وصف العشق بـ«البتولي» يمنحه طابعًا نقِيًّا وقيميًّا؛ فهو عشق غير نفعي، متحرر من المصالح المباشرة، أقرب إلى التكرّس المبدئي للفكرة. وإضافة «التراتيل» تجعل من هذا العشق فعلًا طقسيًا‑لغويًا: لا يُعاش فحسب، بل يُنشَد ويُرتَّل، بما يحوِّله إلى ممارسة روحية وجماعية في آن.</p>
<p>تتوالى الألقاب لتثبيت هويّة تاريخية ونفسية: «الشريد السومري» يمدّ الذات بجذور حضارية عميقة؛ فالاغتراب الفردي يُرى امتدادًا لتاريخٍ طويل من النكبات الرافدينية، لا حادثة معزولة في الحاضر. أمّا «الحاسر القلب» فيعلن عن قلبٍ مكشوف بلا درع، مستعدٍّ للجرح والصدق معًا؛ قلبٍ لا يحتمي بالتورية أو البرود، بل يواجه العالم بعرائه العاطفي والأخلاقي.</p>
<p>يتجلّى التحوّل النوعي في المقابلة بين:<br />
«كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»<br />
«بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين».</p>
<p>في الشطر الأول، تُختزَل الذات في حقل الحسّ واللذة والجسد:<br />
الكؤوس = بهجة السهر والشراب؛<br />
السرير = الحب الجسدي والحميمية؛<br />
الجسد = الحضور المادّي المباشر.<br />
لا يُبخِّس الشاعر هذه المرحلة، لكنه يضعها في طورٍ كانت فيه التجربة متمركزة حول الجسد ومسرّاته ومشاركه.</p>
<p>في المقابل، يعلن الشطر الثاني انتقال الذات إلى طورٍ روحي‑لغوي:<br />
«روحًا وتراتيل يقين». لا يعني هذا هروبًا من الجسد، بل إعادة ترتيبٍ للأولويات؛ إذ تُستعاد التجربة الجسدية وما انطوت عليه من لذة وألم لتغذّي مستوى أعلى من الوعي، هو مستوى الروح والإنشاد واليقين. «تراتيل اليقين» ليست يقينًا عقائديًا جامدًا، بل حصيلة مسار طويل عبر الغربة والمذبحة والبحر والحنظل والشهد؛ يقين يُصاغ من التجربة لا من الوصفة، ويتجلّى في هيئة تراتيل لا في بيانات.</p>
<p>هذا الختام يربط البنية السابقة كلّها: الذات «الطاعنة بالغربة والحزن»، «نديم القلق»، «ناطور الأماني»، «نزيل اللا بلد»، العالم بوصفه «خيمة دون وتد»، حركة المدّ والجزر، وجدلية الشهد والحنظل. الترتيل هنا ليس ترفًا زخرفيًا، بل آلية تحويلية؛ فـ«جزر اليسر» التي ظهرت كلحظات تنفّس وسط مدّ العسر تتحوّل، عبر التكرار والإنشاد، إلى مقاطع ترتيلية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا لغويًا‑روحيًا. هكذا يُغلق النصّ دائرته بتحوّلٍ من الجسد إلى الروح، ومن التجربة الحسية إلى الترتيل كصيغة لإنتاج يقين ناضج؛ يقينٍ لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُصاغ عبر الوفاء الطويل للعشق والفكرة، وعبر المرور بالشهد والحنظل معًا.</p>
<p>جملة جاهزة للنسخ داخل الفقرة:<br />
«الطاعن بالعشق» عند السماوي لا يعني تراجعًا بفعل الزمن، بل شهادة على حيوية مستمرة ووفاء للفكرة؛ رغم مرور السنين يظلّ المخاطَب متشبّثًا بمبدئه ومؤمنًا به، فيتحوّل العمر إلى تعميقٍ للعشق لا إلى نقيضٍ له.</p>
<p><strong>البعدان</strong> <strong>النفسي</strong> <strong>والسياسي</strong> <strong>في</strong> <strong>ضوء</strong> <strong>تحليل</strong> <strong>الأبيات</strong></p>
<p><strong><br />
</strong>يكشف تحليل الأبيات، من النداء الافتتاحي: «أيها الطاعن بالغربة والحزن / جليس اللا أحد»، إلى الخاتمة: «كفى أنك بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»، عن تداخلٍ عميق بين البنية النفسية والبنية السياسية في «ترتيلة اليقين».</p>
<p>على المستوى النفسي، تتشكّل صورة المخاطَب كذاتٍ تعيش منفى داخليًا حادًّا، يتجلّى في مفردات الغربة المزمنة («الطاعن بالغربة والحزن»)، والعزلة القصوى («جليس اللا أحد»)، والضياع في «متاهات بحار»، والعطب الكوني الذي يصيب الشمس والنجوم («مطفأ الشمس… وجفن النجم يشكو من رمد»). هذا العالم يُرى سكنًا هشًّا («خيمة دون وتد») وزمنًا غير متكافئ في توزيع اليسر والعسر («يُسرها جزر وأما العسر والخسر فمدّ»)، وهو ما يرسّخ شعورًا وجوديًا بالقلق واللااستقرار، وحاجةً ملحّة إلى نوعٍ من اليقين ينظّم هذا الاضطراب.</p>
<p>غير أن القصيدة، في مقطع «ربَّ شهدٍ في الهوى / يفضي إلى الحنظل… والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، تعيد تعريف الخبرة الشعورية من خلال جدلية الشهد والحنظل. فانتقال الشهد إلى حنظل لا يُقرأ كانتكاسٍ نهائي أو سقوطٍ مطلق، بل كمرحلة انكسار ووجدان حداد؛ الحنظل هنا تمثيلٌ لوعي الجرح والمرارة التي تفرض إعادة تقييم الذات والمشروع، لا إعلانًا عن موت نفسي أو روحي. وعلى المستوى النفسي، يشير ذلك إلى أن الألم – مع شدّته – جزء من مسار نضج الوجدان، وأن المرور بالمرارة شرطٌ لإمكان تبلور يقينٍ أكثر توازنًا.</p>
<p>على المستوى السياسي، تنفتح هذه البنية النفسية على أفقٍ تاريخي واضح المعالم؛ إذ تحيل «مذبحة الأمس» إلى ذاكرة القمع الذي طال القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، ويُستعاد المنفى في صيغة «نزيل اللا بلد»، بينما تتجسّد أزمة المرجعيات في صورة «أنوارٍ باتت تُسمّى نخلة الله» و«ناموس المرايا»، بما يشير إلى تحوّل القيم والأحزاب والأحلام الكبرى إلى رموز عليا مهدَّدة بالعجز عن الفعل. في هذا السياق، يمكن قراءة «الحنظل» أيضًا كتعبير عن تراجعٍ مؤلم في الفاعلية السياسية أو في الأمل التاريخي؛ هو لحظة خيبة وانكسار للمشروع لا تعني، في منطق القصيدة، انهياره النهائي، بل طورًا من الضعف يُمَهِّد لإعادة بناء رمزية أو استراتيجية جديدة.</p>
<p>تُسند القصيدة إلى «الترتيل» وظيفة محورية في آلية هذا التحوّل؛ فالتراتيل، بما تنطوي عليه من تكرار وإيقاع وإنشاد جماعي، تعمل كآلية لغوية‑طقسية لتحويل مرارة الحنظل إلى معنى قابل للوراثة، ومن ثمّ إلى «شهد الرغد» بوصفه حلاوةً ناضجة لا تعود إلى براءة البداية بل تتشكّل من داخل التجربة الجريحة نفسها. بهذا المعنى، يتحوّل الشهد→حنظل→شهد أوسع إلى نموذج لصيرورة اليقين: «تحول الشهد إلى حنظل يشير إلى انكسار ووجدان حداد لا إلى انهيار نهائي؛ هو تراجع مؤلم يُجبر على إعادة التقييم، والقصيدة تؤكد أن هذه المرارة قابلة لأن تُستثمر عبر الترتيل لتتحول بدورها إلى شهدٍ أعمق ونضج يقيني.»</p>
<p>في ضوء ذلك، يمثّل المسار الذي ترسمه الأبيات – من «نديم القلق الوحشي» و«نزيل اللا بلد» إلى «الطاعن بالعشق البتولي التراتيل» و«الروح وتراتيل اليقين» – حركة انتقال من طور الحضور الجسدي واليومي للحزب/الذات (الكؤوس، السرير، الجسد) إلى طور الحضور الرمزي–الروحي (الروح، التراتيل، اليقين). وهكذا يتأسّس «اليقين» في القصيدة لا كمعطى عقائدي ثابت، بل كحصيلة لمسار نفسي–سياسي طويل، تُعاد فيه صياغة الجرح والمنفى والخسارة في هيئة ترتيلةٍ قابلة للإنشاد والتوريث، أي بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد التفكّك والعدم، واستثمارًا للمرارة في إنتاج شهدٍ أوسع وأعمق.</p>
<p><strong>الخاتمة</strong><strong>:</strong></p>
<p>تقدّم قصيدة «ترتيلة اليقين» ليحيى السماوي نصًّا يقوم على جدلية دقيقة بين النفسي والسياسي، وبين الفردي والجماعي، بحيث يتعذّر الفصل بين سيرة الذات المنفية وسيرة الحزب/التيار والذاكرة الوطنية المثقلة بالمجازر والانكسارات. فمن خلال بنية تصويرية ترتكز إلى الغربة و«اللا بلد» و«الخيمة دون وتد» و«متاهات البحار» والعطب الكوني («مطفأ الشمس، رمد جفن النجم»)، يرسم الشاعر ملامح عالم فقد جانبًا كبيرًا من استقراره الرمزي والأخلاقي، ويجسّد في الوقت نفسه حالة وعيٍ جمعي مأزوم عاش القمع والمنفى وتعطّل الحلم.</p>
<p>مع ذلك، لا تقف القصيدة عند حدود تشخيص الخراب، بل تنفتح – عبر صور السعف والبيت والظل والمدد، وعبر جدلية الشهد والحنظل – على إمكانية تحويل الخسارة والانكسار إلى رصيد معنوي ورمزي يمكن استثماره في إعادة بناء المعنى. فتحوّل الشهد إلى حنظل لا يُقدَّم كانتكاسٍ نهائي، بل كمرحلة وجعٍ و«وجدان حداد» تفرض إعادة التقييم؛ والحنظل نفسه يُطرَح بوصفه قابلًا لأن يفضي، عبر الترتيل، إلى «شهد الرغد»، أي إلى حلاوة ناضجة تُستخلص من صلب التجربة الجريحة. هكذا تقرأ القصيدة انطفاء الأنوار كنتيجة للمذابح والتاريخ العنيف، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المبادئ لم تمت، بل يُعاد استثمار مرارة الواقع ترتيليًا لتوليد يقين جديد.</p>
<p>في هذا الأفق، يغدو «اليقين» الذي يَعِد به العنوان يقينًا متحوّلًا لا عقيدة منجَزة؛ فهو ثمرة مسار طويل من التعرّض للجرح وتأويله، ينتقل فيه المخاطَب من طور الحضور الجسدي واليومي («الكؤوس، السرير، الجسد») إلى طور الحضور الرمزي–الروحي («الروح وتراتيل اليقين»)، حيث تتحوّل التجربة الحسيّة والتاريخية – بما فيها من شهدٍ أول وحنظلِ انكسار – إلى مادة للإنشاد والترتيل. وهكذا تنجح القصيدة في أن تحوّل التجربة النفسية الفردية إلى مرآةٍ لوعي سياسي وتاريخي أوسع، وأن تجعل من «الترتيل» فعلًا شعريًا ونفسيًا للمقاومة ضد العدم، ومن «اليقين» أثرًا لغويًا وروحيًا لتجربة نضال لم تستسلم للهزيمة، بل أعادت صوغ ذاتها في هيئة يقينٍ يُرتَّل ويُورَّث ويظل مفتوحًا على التأويل والاستمرار.<br />
«الانكسار هنا مرحلة لا حكمًا؛ والمأساة تُنتِج عبر الترتيل يقينًا متحوّلًا، فتظلّ الفكرة حيّة رغم تراجع البنى السياسية.»</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية في قصيدة &#8220;احتفاء&#8221; ليحيى السماوي/ سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/03/30/%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%a1-%d9%88%d8%a8%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d9%86%d9%89-%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d8%a8%d8%a9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 30 Mar 2026 19:52:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105449</guid>

					<description><![CDATA[&#160; مقدّمة منهجية تنطلق هذه القراءة من فرضية أن قصيدة &#8220;احتفاء&#8221; ليحيى السماوي لا تُقارب بوصفها نصًا مناسباتيًا بالمعنى الضيق، بل بوصفها نظامًا دلاليًا مركّبًا تُعاد داخله صياغة القيم السياسية &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong>مقدّمة</strong> <strong>منهجية</strong></p>
<p>تنطلق هذه القراءة من فرضية أن قصيدة &#8220;احتفاء&#8221; ليحيى السماوي لا تُقارب بوصفها نصًا مناسباتيًا بالمعنى الضيق، بل بوصفها نظامًا دلاليًا مركّبًا تُعاد داخله صياغة القيم السياسية والأخلاقية والجمعية عبر بنية شعرية كثيفة تقوم على الاستعارة والرمزية &#8211; بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، وتكثيف العلامة وبناء ذات جمعية تتقدّم على الذات الفردية.</p>
<p>وتعتمد الدراسة مقاربة مركّبة تجمع بين المنظور البنيوي والسيميائي والنفسي:</p>
<ul>
<li>بنيويًا: تُقرأ القصيدة شبكةً من العلاقات الداخلية المتفاعلة، لا مجرد أبيات متجاورة.</li>
<li>سيميائيًا: تُفهم الصور والرموز بوصفها علامات تحمل دلالات متراكبة تتجاوز ظاهرها المباشر.</li>
<li>نفسيًا: يُنظر إلى حضور الجماعة وغياب الأنا الفردية على أنه تعبير عن بنية نفسية–جمعية في سياق تاريخي مثقل بالقمع والانكسارات.</li>
</ul>
<p>تُحلَّل القصيدة في ضوء هذه المقاربة عبر مستويات ثلاثة متداخلة: العتبات النصية، و البنية الاستعارية–الرمزية بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، ثم بناء النموذج الإنساني في تفاعله مع الزمن والتاريخ والجسد.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p><strong>عرض</strong> <strong>القصيدة</strong></p>
<p><strong>إحتفاء</strong></p>
<p><strong>———</strong></p>
<p><strong>&#8221; الى الأمرين بـالـعـدالـة والـنـاهـين عـن</strong></p>
<p><strong>الإستغلال في عيدهم الواحد والتسعين :   أحفاد فـهـد ، وأخوة سلام عادل وحسن سريع  ..&#8221;</strong></p>
<p><strong>____________________________</strong></p>
<p><strong>بـسـطـاء كـثـيـابِ أبـي ذرّ الـغـفـاري ..</strong></p>
<p><strong>خِـفـافٌ كـحـصـان عـروةَ بـن الـورد ..</strong></p>
<p><strong>يـكـرهـون الإسـتـغـلال كـراهـة الشـجـرة لـلـفـأس</strong></p>
<p><strong>ويـحـبـون الـعـدالـة حـبََّ الـعــشــبِ لـلـربـيـع ..</strong></p>
<p><strong>سـيـمـاؤهـم فـي أيـديـهـم مـن أثـر الـبـيـاض ..</strong></p>
<p><strong>وحـيـثـمـا سـاروا  :</strong></p>
<p><strong>تـنـهـض الـمـحـبـةُ مـن سُــبـاتِـهـا ! </strong></p>
<p><strong>عِـطـرُهـم عَـرقُ الـجـبـاه &#8230;</strong></p>
<p><strong>ومـثـل تـنّـورٍ </strong></p>
<p><strong>يـمـنـحُ خـبـزهُ لـلـجـائـع مُـكـتـفـيـاً بـرمـاده</strong></p>
<p><strong>يـقـولـون من تـلـقـاءِ أنـفـسِـهـم  : خـذوا</strong></p>
<p><strong>ولا ثـمـة فـي قـامـوسِـهـم كـلـمـة &#8221; أعـطِـنـي &#8221; </strong></p>
<p><strong>لـهـم مـن الـمـطـرقـةِ  :  الـصّـلابـة ..</strong></p>
<p><strong>ومـن الـمـنـجـلِ : حِـدَّتـه ..</strong></p>
<p><strong>ومـن الـحـمـامـةِ هـديـلُ الـدولاب  !</strong></p>
<p><strong>مـنـذ  إحدى وتسعين  دورة شـمـس</strong></p>
<p><strong>وهـم يُـعـبِّـدون بـأضـلاعـهـم طـريـق الـقـافـلـة</strong></p>
<p><strong>نـحـو الـمـديـنـةِ الإنـســان !</strong></p>
<p><strong>مُـيَـمِّـمـيـن قـلـوبـهـم : نـحـو اللـهِ ..</strong></p>
<p><strong>وعـيـونـهـم : نـحـو الـوطـن الـحـرِّ والـشـعـب الـسـعـيـد ..</strong></p>
<p><strong>مـنـذ إحدى وتسعين  دورةِ شـمـس </strong></p>
<p><strong>وهم كـالأنـهـار  :</strong></p>
<p><strong>لا يـلـتـفـتـون الـى الـوراء حـيـن يـسـيـرون !</strong></p>
<p><strong>وكالجبال :</strong></p>
<p><strong>لا  يُزحزحهم عن النورِ  ظلامُ الطواغيتِ</strong></p>
<p><strong>وسياطُ الجلادين !</strong></p>
<p><strong>***</strong></p>
<h3><strong>أولًا</strong><strong>: </strong><strong>العتبات</strong> <strong>النصيّة</strong> <strong>وبناء</strong> <strong>أفق</strong> <strong>التلقّي</strong></h3>
<h4><strong>1. </strong><strong>العنوان</strong><strong>: &#8220;</strong><strong>احتفاء</strong><strong>&#8221; </strong><strong>بوصفه</strong> <strong>نواة</strong> <strong>دلالية</strong></h4>
<p>يأتي العنوان بصيغة المصدر النَّكرة &#8220;احتفاء&#8221;، وهو اختيار دقيق يفتح النص على أفق تأويلي مفتوح. فالمصدر هنا لا يحيل إلى فعل منجز أو ظرف زماني محدَّد، بل إلى حالة مستمرة ومنفتحة؛ ما يجعل الاحتفاء بنيةً معنوية دائمة، لا طقسًا عابرًا.</p>
<p>سيميائيًا، يعمل العنوان بوصفه علامةً كلية تُكثِّف البنية العميقة للنص، وتؤجِّل في الوقت ذاته تحديد موضوع هذا الاحتفاء، بحيث لا يتبلور موضوعه (بمن يُحتفى؟ ولماذا؟ وكيف؟) إلا عبر تراكب الصور والاستعارات في المتن الشعري.</p>
<h4><strong>2. </strong><strong>الإهداء</strong><strong>: </strong><strong>من</strong> <strong>التسمية</strong> <strong>إلى</strong> <strong>التأسيس</strong> <strong>الرمزي</strong></h4>
<p>&#8220;إلى الآمرين بالعدالة والناهين عن الاستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وإخوة سلام عادل وحسن سريع&#8230;&#8221;</p>
<p>لا ينهض الإهداء هنا بوظيفة شكلية أو توثيقية فحسب، بل يتخذ موقع العتبة النصية المؤسِّسة. فهو يحدّد منذ البداية الحقل القيمي الذي تتحرّك فيه القصيدة: ثنائية العدالة/الاستغلال. كما أن استحضار أسماء مثل فهد، سلام عادل، حسن سريع، يحوِّل هذه الشخصيات من مجرد إحالات تاريخية إلى علامات سيميائية مكثّفة تختزن ذاكرة نضالية وطبقية ووطنية.</p>
<p>بهذا المعنى، يصبح الإهداء آلية لربط الحاضر بالماضي، وإدراج النص ضمن أفق نضالي ممتد. نفسيًا، يؤسس الإهداء لهيمنة الذات الجمعية (أحفاد، إخوة) على حساب الذات الفردية، في انسجام مع البنية النفسية العامة للقصيدة التي تنشغل ببناء نموذج جمعي للمناضل.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>ثانيًا</strong><strong>: </strong><strong>بناء</strong> <strong>الصورة</strong> <strong>الأخلاقية</strong><strong>–</strong><strong>الوجودية</strong> <strong>للمناضل</strong></h3>
<h4><strong>1. </strong><strong>بساطة</strong> <strong>الزاهد</strong> <strong>وحركة</strong> <strong>الفارس</strong></h4>
<p>&#8220;بسطاء كثياب أبي ذر الغفاري<br />
خفاف كحصان عروة بن الورد&#8221;</p>
<p>يبدأ الشاعر بتشييد صورة المناضل عبر تشبيهين مرجعيَّين كثيفَي الحمولة الأخلاقية والتاريخية. فالبساطة التي تُنسب إلى &#8220;ثياب أبي ذر الغفاري&#8221; تستدعي فورًا قيم الزهد، والصدق، والانحياز للفقراء. تتحوّل الثياب من عنصر مادي إلى علامة أخلاقية، فيغدو المظهر مرآةً لجوهر قوامه النزاهة والعدل.</p>
<p>وفي المقابل، يضفي تشبيههم بـ&#8221;حصان عروة بن الورد&#8221; صفة الخفة والحركة والجاهزية الدائمة للفعل. هنا يتكامل البُعدان: الزهد/القيم من جهة، والحركة/الفعل من جهة أخرى، ما يرسّخ نموذجًا إنسانيًا لا ينغلق في مثالية سكونية، بل يبقى في حالة استعداد دائم للممارسة والتغيير.</p>
<h4><strong>2. </strong><strong>الطبيعة</strong> <strong>بوصفها</strong> <strong>حقلًا</strong> <strong>للصراع</strong> <strong>القيمي</strong></h4>
<p>&#8220;يكرهون الاستغلال كراهة الشجرة للفأس<br />
ويحبون العدالة حب العشب للربيع&#8221;</p>
<p>تنقل القصيدة هنا القيم من حقل التجريد السياسي إلى حقل الطبيعة. فالعلاقة بين الشجرة والفأس ليست مجرد تقابل بين طرفَين، بل هي علاقة حياة/فناء. الكراهية لا تظهر موقفًا فكريًا تجاه &#8220;الاستغلال&#8221; بوصفه مفهومًا، بل غريزةَ دفاع عن الوجود نفسه، كما تدافع الشجرة عن ذاتها أمام الفأس.</p>
<p>وفي المقابل، يُطرَح حبّ العدالة على هيئة حبّ العشب للربيع؛ أي أن العدالة تتحول إلى شرط نموّ وازدهار. بهذا الانزياح الدلالي، يغدو الاستغلال تهديدًا للحياة ذاتها، وتتحول العدالة إلى ضرورة كينونية، فتخرج من ضيق القانون والسياسة إلى رحابة الوجود والكون.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>ثالثًا</strong><strong>: </strong><strong>الجسد</strong> <strong>بوصفه</strong> <strong>نصًّا</strong> <strong>دلاليًا</strong></h3>
<h4><strong>1. </strong><strong>اليد</strong> <strong>بدل</strong> <strong>الوجه</strong><strong>: </strong><strong>إعادة</strong> <strong>توزيع</strong> <strong>النقاء</strong></h4>
<p>&#8220;سيماهم في أيديهم من أثر البياض<br />
وحيثما ساروا تنهض المحبة من سباتها&#8221;</p>
<p>يقوم الشاعر هنا بتناصٍّ واضح مع التصوير القرآني &#8220;سيماهم في وجوههم&#8221;، لكنه يعيد صياغته عبر انزياح دلالي لافت، ينقل علامة النقاء من موضع المظهر (الوجه) إلى موضع الفعل (اليد). سيميائيًا، تتحول اليد إلى موضع تُقرأ من خلاله الأخلاق؛ فالبياض هنا نتيجة عمل وكفاح، لا سمة شكلية أو مظهرية.</p>
<p>أما &#8220;نهضة المحبة من سباتها&#8221; حيثما ساروا، فتعطي للمناضلين طابعًا إحيائيًا: مجرد حضورهم في المجتمع يوقظ القيم المخدَّرة، ويعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها. نفسيًا، تكشف هذه الصورة حاجة الجماعة إلى نموذج يُنعش إيمانها بإمكان التغيير ويُرمِّم الثقة بالقيم.</p>
<h4><strong>2. </strong><strong>قلب</strong> <strong>المعايير</strong> <strong>الجمالية</strong></h4>
<p>&#8220;عطرهم عرق الجباه&#8221;</p>
<p>في هذا البيت، تنقلب معايير الجمال السائدة؛ إذ يتحول العرق – الذي يُقرَن عادةً بالتعب والمشقّة – إلى عطر. الجمال هنا ليس نتاج الزينة والترف، بل ثمرة العمل المنتج، والكدح من أجل الآخرين. هذه الاستعارة تعيد تعريف الجمال بوصفه قيمةً أخلاقية مرتبطة بالعطاء، لا زينة حسّية منعزلة عن الفعل.</p>
<h3><strong>رابعًا</strong><strong>: </strong><strong>الاستعارة</strong> <strong>المركزية</strong> <strong>للعطاء</strong> <strong>والفداء</strong></h3>
<p>&#8220;ومثل تنورٍ<br />
يمنح خبزه للجائع مكتفيًا برماده<br />
يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا<br />
ولا ثمة في قاموسهم كلمة أعطني&#8221;</p>
<p>تبلغ البنية الاستعارية في هذه الأبيات ذروتها. فالتنور هنا ليس أداة طبخ فقط، بل ذات تحترق لتمنح الآخرين خبزهم، وتكتفي بفضلة الاحتراق: الرماد. تتحول الاستعارة إلى فلسفة عميقة للعطاء: الفناء الذاتي شرط لإنقاذ الآخرين وإطعامهم.</p>
<p>ويوازي ذلك البعد اللغوي–الأخلاقي في &#8220;يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا&#8221; مقابل محو كلمة &#8220;أعطني&#8221; من قاموسهم. هذا الإلغاء ليس مجرد فعل لغوي، بل تفكيك لبنية الفردية القائمة على الطلب والامتلاك، وبناءُ معجم جمعي جديد قوامه العطاء التلقائي والمبادرة الكريمة.</p>
<p>هنا تتقاطع البنية البلاغية مع البنية النفسية–الأيديولوجية: الذات المناضلة لا تعرّف نفسها بما تأخذه، بل بما تعطيه، ولا ترى في العطاء تفضُّلًا، بل جوهر وجودها ومعناها.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>خامسًا</strong><strong>: </strong><strong>الرموز</strong> <strong>الأيديولوجية</strong> <strong>وإعادة</strong> <strong>شحنها</strong> <strong>جماليًا</strong></h3>
<p>&#8220;لهم من المطرقة: الصلابة<br />
ومن المنجل: حدته<br />
ومن الحمامة: هديل الدولاب&#8221;</p>
<p>تستدعي القصيدة رموزًا ذات خلفية أيديولوجية واضحة (المطرقة، المنجل، الحمامة)، غير أن الشاعر يتجنّب تحويلها إلى شعارات مباشرة، ويعيد إدماجها في نسيج شعري حيّ:</p>
<ul>
<li>المطرقة: تتحوّل إلى علامة الصلابة والقوة في مواجهة الظلم.</li>
<li>المنجل: يُستثمر بوصفه أداة إنتاج وحسم معًا، دالًّا على القدرة على القطع مع الاستغلال.</li>
<li>الحمامة: رمز السلام، لكن ربطها بـ&#8221;هديل الدولاب&#8221; يدمج السِّلم بالحركة والعمل اليومي؛ السلام هنا ليس سكونًا، بل نتاج حركة إنتاجية واجتماعية مستمرة.</li>
</ul>
<p>سيميائيًا، توفّق هذه الأبيات بين الدلالة الأيديولوجية والتشكيل الجمالي، فتُنشئ نظامًا رمزيًا للعمل المنتج، والصمود، والسلام الفعّال.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>سادسًا</strong><strong>: </strong><strong>الزمن</strong> <strong>والجسد</strong> <strong>واليوتوبيا</strong> <strong>الإنسانية</strong></h3>
<p><em>&#8220;</em>منذ إحدى وتسعين دورة شمس<br />
وهم يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة<br />
نحو المدينة الإنسان&#8221;</p>
<p>ينقل الشاعر الزمن من وحدته التقويمية (سنة/عام) إلى صورته الكونية &#8220;دورة شمس&#8221;، في انزياح يوسّع أفق النضال من لحظة تاريخية إلى حركة كونية مستمرة. هذا التأطير يضفي على التجربة النضالية بعدًا من الثبات والاستمرارية.</p>
<p>في &#8220;يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة&#8221;، يتحول الجسد إلى مادة تاريخية؛ الأضلاع – بما تحمله من هشاشة وحماية في آن – تغدو حجارة تُمهَّد بها الطريق. لا يعود الإنسان شاهدًا على التاريخ، بل عنصرًا بنيويًا في صناعته. وتغدو &#8220;القافلة&#8221; استعارة للجماعة البشرية السائرة نحو أفق &#8220;المدينة الإنسان&#8221;، هذه اليوتوبيا التي تمثّل ذروة تطلّع القصيدة إلى مجتمع عدالة وكرامة وحرية.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>سابعًا</strong><strong>: </strong><strong>توازن</strong> <strong>البعد</strong> <strong>الروحي</strong> <strong>والوطني</strong></h3>
<p>&#8220;ميمّمين قلوبهم نحو الله<br />
وعيونهم نحو الوطن الحر والشعب السعيد&#8221;</p>
<p>تكشف هذه الثنائية عن بنية دلالية مركّبة يمكن قراءتها ضمن إطار سيميائي–أنثروبولوجي للجسد، حيث لا يُستدعى الجسد بوصفه حضورًا فيزيائيًا محايدًا، بل بوصفه وسيطًا رمزيًا يُنظّم العلاقة بين القيمة والفعل. فالقلب، في المتخيّل الثقافي، لا يمثّل عضوًا بيولوجيًا فحسب، بل يُشفَّر بوصفه موضع النية والالتزام الأخلاقي، ومن ثمّ فإن توجّهه نحو المطلق/القدسي (الله) يحيل إلى تموضع قيمي داخلي يستبطن معيار الفعل قبل تحقّقه.</p>
<p>في المقابل، تؤدّي العين وظيفة سيميائية مغايرة، إذ ترتبط في الأنثروبولوجيا الرمزية بمجال الرؤية والمراقبة والتوجّه نحو العالم. وتشخيصها نحو &#8220;الوطن الحر والشعب السعيد &#8221; <em> </em>يعبّر عن مجرّد رغبة أو تطلّع، بل عن إدراج الجسد في أفق الفعل التاريخي، حيث يصبح الواقع الاجتماعي مجال اختبار القيم لا نقيضها. وبهذا، يتشكّل توزيع دلالي للجسد يمنع الانقسام بين الداخل والخارج، ويؤسّس علاقة تكاملية بين البعد الروحي والبعد الوطني.</p>
<p>إن هذا التنظيم السيميائي لأعضاء الجسد يحوّل الإيمان من حالة وجدانية معزولة إلى بنية حركية موجِّهة للفعل، ويجعل الانحياز للوطن والشعب امتدادًا منطقيًا للتوجّه القيمي لا خروجًا عليه. فالجسد هنا لا ينقل المعنى فحسب، بل ينتجه، عبر ربط صفاء النية بمسؤولية الرؤية، والمطلق القيمي بأفق التحقّق التاريخي.</p>
<p>وعلى هذا الأساس، تؤسّس القصيدة نموذجًا أنثروبولوجيًا للمناضل بوصفه ذاتًا موحّدة، تتجسّد فيها القيم عبر الجسد ذاته، لا عبر خطاب مجرّد. فلا يعود الوطن حيّزًا جغرافيًا محايدًا، بل فضاءً أخلاقيًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المقدّس واليومي، بحيث يغدو الفعل التاريخي شكلًا من أشكال تجسيد القيمة العليا، لا انفصالًا عنها.</p>
<h3><strong>ثامنًا</strong><strong>: </strong><strong>الاستمرارية</strong> <strong>والثبات</strong> <strong>في</strong> <strong>مواجهة</strong> <strong>القمع</strong></h3>
<p>&#8220;منذ إحدى وتسعين دورة شمس<br />
وهم كالأنهار:<br />
لا يلتفتون إلى الوراء حين يسيرون!<br />
وكالجبال:<br />
لا يزحزحهم عن النور ظلام الطواغيت<br />
وسياط الجلادين!&#8221;</p>
<p>تُستكمل حركة الزمن (دورات الشمس) بصورتين كونيّتين:</p>
<ul>
<li>الأنهار: رمز الحركة المستمرة في اتجاه واحد نحو المصب، بلا التفات إلى الوراء. إنهم مناضلون لا يستغرقون في الحسرة على الماضي، بل يتجهون إلى المستقبل بإصرار.</li>
<li>الجبال: رمز الثبات والرسوخ، لا تُزحزحها العواصف ولا الظلمات. &#8220;ظلام الطواغيت&#8221; و&#8221;سياط الجلادين&#8221; هنا لا تملك القدرة على اقتلاع هذا الثبات، فيتكرّس نموذج مناضل يجمع بين حركة النهر وثبات الجبل.</li>
</ul>
<p>في هذا المقطع الختامي، يتجسد البعد السياسي–النفسي في أصفى صوره: التاريخ المثقل بالقمع لا يُفضي إلى الانكسار، بل إلى مزيد من الترسّخ في خيار العدالة والنضال.</p>
<p>&nbsp;</p>
<h3><strong>تاسعًا</strong><strong>: </strong><strong>البعد</strong> <strong>البنيوي</strong><strong>–</strong><strong>السيميائي</strong><strong>–</strong><strong>النفسي</strong> <strong>العام</strong></h3>
<p>على المستوى البنيوي، تنتظم القصيدة في مسار تصاعدي يبدأ ببناء الصورة الأخلاقية للمناضل (البساطة، الزهد، الحركة)، ثم ينتقل إلى تجسيد قيمه عبر الطبيعة والجسد (الشجرة/الفأس، العشب/الربيع، اليد/البياض، عرق الجباه)، ثم يتوسّع إلى فضاء الرموز الأيديولوجية المعاد تشكيلها (المطرقة، المنجل، الحمامة)، لينتهي إلى تأطير تاريخي–كوني (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) يمنح هذا النضال معنى الاستمرارية والثبات.</p>
<p>سيميائيًا، تتحوّل الطبيعة والجسد والأدوات إلى شبكة علامات متفاعلة:</p>
<ul>
<li>الطبيعة (الشجرة، العشب، الربيع، الأنهار، الجبال) حقل صراع بين الحياة والفناء، العدالة والاستغلال.</li>
<li>الجسد (الأيدي، الجباه، الأضلاع، القلوب، العيون) نصّ دلالي تُكتب عليه تجربة النضال وتُقرأ.</li>
<li>الأدوات والرموز (التنور، المطرقة، المنجل، الحمامة، الدولاب) تعيد تعريف العمل والعطاء والسلام في أفق إنساني جمعي.</li>
</ul>
<p>«نفسيًا، يلفت غياب &#8220;الأنا&#8221; الفردية لصالح &#8220;هم&#8221; و&#8221;أحفاد&#8221; و&#8221;إخوة&#8221;؛ ما يشي بتشكّل ذاتٍ جمعية تُقدَّم بوصفها حاملًا للتجربة التاريخية والقيمية. هذا البناء النفسي–اللغوي يمكن قراءته بوصفه استجابة رمزية لسياق من القمع والانكسارات، حيث تسعى القصيدة إلى ترميم المعنى عبر إعادة تشكيل صورة المناضل في أفق مثالي–تحفيزي، لا هروبي، يستشرف إمكانية استمرار الفعل وجدواه. ولا يتأسّس هذا النموذج الجمعي على خطاب أيديولوجي أو ديني مباشر، بل على منظومة قيمية تتجسّد في الزهد، والعطاء، والتضحية، والعمل المنتج؛ فالنقاء يُقاس بالفعل لا بالانتماء، والجمال يُعاد تعريفه عبر الجهد والمعاناة، بما يمنع الانقسام بين الأخلاق والسياسة، ويجعل الفعل النضالي امتدادًا طبيعيًا لمنظومة قيمية جمعية راسخة.</p>
<h3><strong>خاتمة</strong></h3>
<h3>تكشف هذه المقاربة أن قصيدة &#8220;احتفاء&#8221; ليحيى السماوي تنهض بوصفها نصًّا شعريًا مركّبًا يعيد إنتاج القيم السياسية والأخلاقية ضمن بنية جمالية–دلالية راسخة. فالاحتفاء في القصيدة ليس ثناءً مناسباتيًا، بل فعل تأويلي يعيد تعريف الإنسان المناضل بوصفه مركز القيمة، حيث:</h3>
<ul>
<li>تتحوّل العدالة من شعار سياسي إلى ضرورة كونية وشرط للحياة.</li>
<li>يُعاد تعريف الجمال من خلال عرق الجباه واحتراق التنور وعطاء الجسد.</li>
<li>تُفكَّك لغة الفردية لصالح معجم جماعي قوامه &#8220;خذوا&#8221; ونفي &#8220;أعطني&#8221;.</li>
<li>يتداخل البعد الروحي بالبعد الوطني، فلا انفصال بين التوجّه إلى الله والانحياز للوطن والشعب.</li>
<li>يُدمَج التاريخ الشخصي والجمعي في حركة كونية (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) تمنح النضال بعدًا من الاستمرار والثبات.</li>
</ul>
<p>وبذلك، تُغدو قصيدة &#8220;احتفاء&#8221; فضاءً لتجسيد يوتوبيا إنسانية تتقاطع فيها الاستعارة مع السياسة، والجسد مع التاريخ، والرمز مع الوعي الجمعي، في أفق مفتوح على إمكان دائم لتجدّد الحلم وإعادة كتابة المعنى الإنساني بلغة الشعر.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية–سيميائية–نفسية  &#8211;  في رباعيات يحيى السماوي- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/03/24/%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b3%d8%af-%d8%a8%d9%88%d8%b5%d9%81%d9%87-%d8%b0%d8%a7%d9%83%d8%b1%d8%a9-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%8a%d8%a9-%d8%b3%d9%8a%d9%85%d9%8a%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 24 Mar 2026 18:37:12 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105258</guid>

					<description><![CDATA[&#160; المقدّمة تندرج رباعيات يحيى السماوي ضمن كتابة شعرية مكثّفة تُنتج معناها عبر اقتصاد لغوي وتوتر دلالي عالٍ، فلا تُقرأ بوصفها بوحًا ذاتيًا محضًا، ولا خطابًا مباشرًا عن الواقع، بل &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>المقدّمة</p>
<p>تندرج رباعيات يحيى السماوي ضمن كتابة شعرية مكثّفة تُنتج معناها عبر اقتصاد لغوي وتوتر دلالي عالٍ، فلا تُقرأ بوصفها بوحًا ذاتيًا محضًا، ولا خطابًا مباشرًا عن الواقع، بل ممارسة شعرية تُعيد تنظيم التجربة المعاشة في صيغ رمزية قابلة للتأويل. ففي هذه الرباعيات، يتقاطع الذاتي بالجمعي، ويتحوّل الاعتراف الفردي إلى أفق دلالي أوسع يلامس الوعي الجمعي، من دون أن يفقد النص طابعه الجمالي أو ينزلق إلى المباشرة.</p>
<p>تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن رباعيات السماوي تتحرّك ضمن جدلٍ واضح بين وعيٍ ذاتيٍّ مراجِعٍ للماضي، ووعيٍ جمعيٍّ يلتقط أثر البنى الاجتماعية والسياسية في الجسد والذاكرة واللغة. ولا يُقدَّم الماضي في هذه النصوص بوصفه ملاذًا تعويضيًا، بل يُعاد تفكيكه نقديًا، فيما يُستدعى الحاضر بوصفه مجالًا للإنهاك والاختبار الأخلاقي، لا مجرد لحظة زمنية عابرة.</p>
<p>وتعتمد الدراسة قراءةً نقديةً أدبيةً ذات طابع جدلي–تأويلي، مدعومة بأدوات التحليل البنيوي والسيميائي والنفسي، مع تركيز خاص على آليتي الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية بوصفهما آليتين مركزيتين في إنتاج المعنى. وانطلاقًا من طبيعة الرباعية بوصفها بنية شعرية مكثّفة، تعتمد القراءة منهجًا بؤريًا يقوم على تحليل أبيات مختارة تمثّل نواة دلالية قادرة على كشف البنية العميقة للنص، دون الوقوع في التعميم أو الاستطراد.</p>
<p><strong> </strong><strong>عرض</strong> <strong>الرباعيتين</strong></p>
<p>(1)<br />
عـتـبْـتُ عـلـيَّ لا خـمـري وكـأسـي<br />
لـِخـذلانـي غـدي  بـفـتـون ِ أمــسي</p>
<p>أنـبـتُ عـن الـبـصيـرة ِ فـي شــبابي<br />
دُجـى بَـصـري فـكـنتُ عـدوَّ نـفـسي</p>
<p>وأوْهَـمَـنـي الـصِّـبـا  أنَّ  الأمـانـي<br />
رهـيـنـة ُ رغـبـتي ويـدي وغـرسي</p>
<p>فـحـمـدا ً لـلـيـقـيـن ِ أضـاءَ  روحـي<br />
وطـهَّـرَ روضـتي من وحْـلِ رجـس ِ</p>
<p>(2)<br />
عـيـنـايَ مـائدتـان ِ &#8230; والـجُـلاسُ<br />
قـلـمٌ عـصـيُّ الشّـدو ِ والـقـرطـاسُ</p>
<p>إنْ أظلمـتْ مُـقـلي وحاصَـرَ جـفـنهـا<br />
وسَــنٌ  وأوشــكَ أنْ يـكـرُّ  نـعـاسُ</p>
<p>حَـشَّـمْـتُ ماضي الـذكرياتِ يـزورني<br />
طـيـفـا ً فـيـنـدى بالـحـبـور يَـبـاسُ</p>
<p>ما قـوَّسَـتْ ظهـري السـنـون وإنـما<br />
مـا يـشـتـكـيـهِ في الـعـراق ِ الـنـاسُ</p>
<p><strong>تحليل</strong> <strong>الأبيات</strong><strong> (</strong><strong>على</strong> <strong>المستوى</strong> <strong>الدلالي</strong> <strong>والفكري</strong><strong>) </strong></p>
<h3><strong>1. </strong><strong>صورة</strong> <strong>العتاب</strong> <strong>الذاتي</strong><strong>: </strong><strong>إزاحة</strong> <strong>اللوم</strong> <strong>من</strong> <strong>الخارج</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الداخل</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>عتبتُ عليّ لا</strong> <strong>خمري</strong> <strong>وكأسي</strong><strong> / </strong><strong>لخذلاني</strong> <strong>غدي</strong> <strong>بفتون</strong> <strong>أمسي</strong><strong>&#8220;</strong><strong>  </strong></p>
<p>تتشكّل صورة العتاب بوصفها لحظة وعي نقدي، حيث تُنجز إزاحة دلالية تنقل مركز اللوم من الموضوع الخارجي (الخمر والكأس) إلى الذات. فالخمر لا تُقرأ هنا بوصفها مادة حسية، بل بوصفها رمزًا للإغواء، فيما يُعاد تعريف (الأمس) بوصفه قوة فاعلة في تعطيل المستقبل. وبهذا، يتحوّل العتاب من تبرير سلوكي إلى مساءلة أخلاقية، ويغدو الماضي مجالًا لإنتاج الوهم لا زمنًا بريئًا.</p>
<h3><strong>2. </strong><strong>صورة</strong> <strong>العمى</strong> <strong>والبصيرة</strong><strong>: </strong><strong>من</strong> <strong>الإدراك</strong> <strong>الحسي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>الوعي</strong> <strong>المعرفي</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>أنبتُ عن</strong> <strong>البصيرة</strong> <strong>في</strong> <strong>شبابي</strong><strong> / </strong><strong>دجى</strong> <strong>بصري</strong> <strong>فكنتُ عدوّ نفسي</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تقوم الصورة على استعارة مفهومية تُقابل بين النور والظلمة، حيث لا يُقدَّم العمى بوصفه نقصًا حسيًا، بل بوصفه غيابًا للبصيرة بوصفها قيمة معرفية–أخلاقية. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل العمى من مستواه الفيزيائي إلى مستوى الوعي، فيتحوّل الظلام إلى أثر لالتباس الرؤية الداخلية. وهنا تتشكّل الذات بوصفها خصمًا لنفسها، لا بفعل قهر خارجي، بل نتيجة تورّطها في صناعة وهمها والانخداع به.</p>
<h3><strong>3. </strong><strong>صورة</strong> <strong>الصبا</strong> <strong>والأماني</strong><strong>: </strong><strong>تفكيك</strong> <strong>وهم</strong> <strong>الإرادة</strong> <strong>الفردية</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>وأوهمني</strong> <strong>الصِّبا</strong> <strong>أن</strong> <strong>الأماني</strong><strong> / </strong><strong>رهينة</strong> <strong>رغبتي</strong> <strong>ويدي</strong> <strong>وغرسي</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تُبنى الصورة على تفكيك وهم السيطرة الفردية المطلقة. فالصبا يُعاد تعريفه بوصفه حالة وعي ناقص تُغفل تعقيد البنى الاجتماعية والسياسية، فيما تتحوّل (اليد) و(الغرس) إلى رمزين لاعتقاد زائف بالتحكّم في المصير. وتعمل الإزاحة هنا على نقل المسؤولية من الخارج إلى بنية الوعي نفسها، كاشفةً عن محدودية الإرادة الفردية أمام شروط الواقع.</p>
<h3><strong>4. </strong><strong>صورة</strong> <strong>التطهير</strong> <strong>واليقين</strong><strong>: </strong><strong>الاستعارة</strong> <strong>المعرفية</strong> <strong>للتحوّل</strong> <strong>الداخلي</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>فحمداً لليقين</strong> <strong>أضاء</strong> <strong>روحي</strong><strong> / </strong><strong>وطهّر</strong> <strong>روضتي</strong> <strong>من</strong> <strong>وحل</strong> <strong>رجس</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تتشكّل صورة تطهيرية تقوم على استعارة مفهومية ترى أن التحوّل يبدأ من الداخل. فـ«الروح» تُضاء، و&#8221;الروضة&#8221; تُطهَّر، في معادلة معرفية تجعل الوعي شرطًا لأي أفق تغييري. ولا يُقدَّم اليقين بوصفه حالة إيمانية مجردة، بل بوصفه وعيًا نقديًا يُعيد تنظيم العلاقة بين الذات وواقعها.</p>
<h3><strong>5. </strong><strong>صورة</strong> <strong>العين</strong> <strong>والمائدة</strong><strong>: </strong><strong>الشعر</strong> <strong>بوصفه</strong> <strong>شهادة</strong> <strong>أخلاقية</strong></h3>
<p>في الرباعية الثانية، يقول:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>عيناي</strong> <strong>مائدتان</strong><strong>… </strong><strong>والجلاس</strong><strong> / </strong><strong>قلمٌ عصيّ الشدو</strong> <strong>والقرطاس</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تُبنى هنا استعارة ممتدّة تُحوّل العين إلى موضع شهادة، والمائدة إلى فضاء استقبال للواقع، فيما يُقدَّم القلم بوصفه ذاتًا أخلاقية مقاومة للتزييف. وتُنجز الصورة إزاحة دلالية تنقل الشعر من كونه أداة تعبير جمالي إلى ممارسة نقدية تُواجه الواقع بدل تجميله.</p>
<h3><strong>6. </strong><strong>صورة</strong> <strong>تحطيم</strong> <strong>الذاكرة</strong><strong>: </strong><strong>فشل</strong> <strong>الحنين</strong> <strong>الاستعادي</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>حشّمتُ ماضي</strong> <strong>الذكريات</strong> <strong>يزورني</strong><strong> / </strong><strong>طيفًا</strong> <strong>فيندى</strong> <strong>بالحبور</strong> <strong>يباس</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تتشكّل صورة عنف رمزي موجّه ضد الذاكرة، حيث يتحوّل الماضي إلى طيف عاجز عن الإحياء. وتعمل الاستعارة هنا على كشف فشل النوستالجيا بوصفها آلية تعويضية، إذ لا تعود الذاكرة قادرة على إنتاج المواساة، بل تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك.</p>
<h3><strong>7. </strong><strong>صورة</strong> <strong>الجسد</strong> <strong>المنحني</strong><strong>: </strong><strong>الإزاحة</strong> <strong>من</strong> <strong>البيولوجي</strong> <strong>إلى</strong> <strong>السياسي</strong></h3>
<p>في قوله:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>ما</strong> <strong>قوّستْ ظهري</strong> <strong>السنون</strong> <strong>وإنما</strong><strong> / </strong><strong>ما</strong> <strong>يشتكيهِ في</strong> <strong>العراق</strong> <strong>الناس</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>تُنجز الصورة إزاحة دلالية حاسمة تنقل سبب الانحناء من الزمن البيولوجي إلى الواقع الاجتماعي–السياسي. فيتحوّل الجسد الفردي إلى علامة على ثقل المعاناة الجمعية، ويغدو الظهر المنحني نصًا دلاليًا يختزن تاريخًا من الخيبات.</p>
<h3><strong>خلاصة</strong> <strong>تحليل</strong> <strong>الصور</strong></h3>
<p>تكشف هذه الصور، مجتمعة، أن الشاعر لا يقدّم الألم بوصفه تجربة فردية معزولة، بل بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود الذات. فكل صورة تُسهم في توسيع أفق الاعتراف الذاتي ليغدو مساءلة جماعية، حيث يتقاطع الذاتي بالجماعي، ويتحوّل الألم إلى علامة على وعي مثقل بتاريخ من الخيبات، ممّا يمهّد للانتقال إلى الخاتمة التي تستكمل هذا المسار التأويلي.</p>
<h3><strong>التحليل</strong> <strong>البنيوي</strong> <strong>والسيميائي</strong> <strong>والنفسي</strong></h3>
<p><strong>المستوى</strong> <strong>البنيوي</strong></p>
<p>تنتظم الرباعيتان ضمن مسار جدلي ينتقل من الاعتراف الفردي إلى الوعي الجمعي، ومن تفكيك الوهم إلى اكتساب بصيرة نقدية. وتمنح هذه الحركة النص طابع &#8220;السيرة الجمعية&#8221;، حيث تتجاوز التجربة حدود الذات لتغدو تمثيلًا لمعاناة أوسع، لا تُختزل في البعد الشخصي.</p>
<p><strong>المستوى</strong> <strong>السيميائي</strong></p>
<p>يؤسّس النص شبكة من العلامات التي تُعاد شحنها دلاليًا عبر الإزاحة، فتتحوّل عناصر مألوفة إلى أدوات في بناء رؤية نقدية للعالم. وتؤدي الاستعارة المفهومية دورًا مركزيًا في هذا السياق، إذ تُنقل المعاناة السياسية والاجتماعية من مستوى التصريح المباشر إلى مستوى العلامة الشعرية، بما يتيح للنص توسيع أفقه التأويلي.</p>
<p><strong>المستوى</strong> <strong>النفسي</strong></p>
<p>يتشكّل الخطاب الشعري بوصفه ممارسة اعترافية واعية، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تسعى إلى تفكيك آلياته الداخلية. فاللوم الذاتي لا يُقرأ بوصفه جلدًا للذات، بل بوصفه لحظة اكتساب بصيرة تُدرك فيها الأنا دورها في إنتاج الوهم أو التواطؤ معه. وتعمل الإزاحة هنا كآلية دفاع نفسي تسمح بنقل الانفعال من موضوعه المباشر إلى صور رمزية، فتغدو الاستعارة وسيلة لحماية الذات وهي تُسمّي الحقيقة دون انكسار. وفي هذا الإطار، لا يظهر العمى بوصفه حالة وجودية، بل بوصفه خللًا في الممارسة العملية، حيث يؤدّي غياب النقد الذاتي إلى إعادة إنتاج الخراب على المستويين الفردي والجماعي. كما يكشف فشل الحنين الاستعادي عن عجز الذاكرة عن أداء وظيفة تعويضية، إذ تُعيد إنتاج الإحساس بالإنهاك بدل التخفيف منه، مما يفتح الوعي النفسي على أفق جمعي يتقاطع فيه الذاتي بالجماعي.</p>
<h3><strong>ملخّص</strong></h3>
<p>وهكذا يتّضح أن مستويات القراءة الثلاثة—البنيوي والسيميائي والنفسي—لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتشابك لتشكّل رؤية متكاملة لطبيعة الوعي في الرباعيات. فالبنية الجدلية التي تنتقل من الفردي إلى الجمعي، وشبكة العلامات التي تُعاد شحنتها عبر الإزاحة والاستعارة، والوعي النفسي الذي يكشف آليات الألم والدفاع والتواطؤ، كلها تتضافر لتجعل التجربة الشعرية أكثر من مجرد تعبير ذاتي. إنها بنية معرفية تُعيد مساءلة الواقع، وتحوّل التجربة الفردية إلى مدخل لفهم أعمق للشرط الإنساني والاجتماعي، ممّا يجعل الانتقال إلى الخاتمة امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار.</p>
<p><strong>الخاتمة</strong></p>
<p>تكشف قراءة رباعيات يحيى السماوي، في ضوء المقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، عن نصّ يتجاوز حدود الاعتراف الفردي ليؤسّس رؤية نقدية تُعيد مساءلة العلاقة بين الذات وواقعها السياسي والاجتماعي. فالألم لا يُقدَّم بوصفه تجربة شخصية معزولة، بل بوصفه أثرًا جمعيًا يتجسّد في الجسد المنحني، الذي يتحوّل إلى علامة على ثقل التاريخ ووطأة الخيبات المتراكمة. وهكذا يغدو الجسد نصًا موازيًا، يفضح ما لا تقوله اللغة صراحة، ويكشف عن عمق التصدّع الذي يعيشه الفرد بوصفه امتدادًا لخرابٍ أوسع.</p>
<p>وفي هذا الإطار، لا يعمل الشعر كخطاب وجداني فحسب، بل بوصفه ممارسة معرفية تُعيد تنظيم العلاقة بين الذات والعالم عبر الإزاحة الدلالية والاستعارة المفهومية. فقول الشاعر:</p>
<p><strong>&#8220;</strong><strong>ما</strong> <strong>قوّستْ ظهري</strong> <strong>السنون</strong> <strong>وإنما</strong><strong> / </strong><strong>ما</strong> <strong>يشتكيهِ في</strong> <strong>العراق</strong> <strong>الناس</strong><strong>&#8220;</strong></p>
<p>يمثّل لحظة انزياح حاسمة، تنتقل فيها العلّة من الزمن إلى الواقع، ومن الشيخوخة إلى المعاناة الجمعية، ليغدو انحناء الجسد علامة على انهيار البنية الاجتماعية والسياسية التي تُثقل كاهل الإنسان.</p>
<p>ومن هذا المنظور، تقدّم الرباعيات نموذجًا لشعرية واعية بدورها النقدي؛ شعرية لا تكتفي بفضح الوهم، بل تكشف أيضًا تورّط الذات في إعادة إنتاجه، وتعرّي البنى التي رسّخته. إنها شعرية تُحوّل الخذلان السياسي والاجتماعي إلى وعي أخلاقي حادّ، يدعو إلى مراجعة جذرية للوعي، وإلى إعادة التفكير في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الجسد والسياسة، وبين الذاكرة والمستقبل.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة المناهج في قصيدة عبد الستار نورعلي &#8220;اليانكيز عادوا…&#8221; سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/03/19/%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d9%8a%d9%8f%d8%ad%d8%a7%d9%83%d9%8e%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ae%d8%a7%d8%b7%d9%8e%d8%a8-%d9%82%d8%a8%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%88%d8%b1%d9%8a/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 19 Mar 2026 20:55:23 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105141</guid>

					<description><![CDATA[حين يعود التاريخ بوجهه القديم  في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا التكرار التاريخي. ليست القصيدة &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1></h1>
<p><strong>حين يعود التاريخ بوجهه القديم<br />
</strong> في زمن تتشابك فيه خرائط النفوذ وتعود القوى الكبرى لتتدخل في مسارح أمم أصغر، تبرز قصيدةُ اليانكيز عادوا… كنص يواجه هذا التكرار التاريخي. ليست القصيدة مجرد تعليق سياسي صارخ، بل خطاب مقاوم يعيد طرح سؤال العلاقة بين المركز والهامش، ويجعل من الذاكرة وسيلة للاحتجاج على <strong>التواطؤ</strong>.</p>
<p><strong>ملاحظة افتتاحية عن النداء الأول<br />
</strong> من السطر الأول يضعنا الشاعر أمام نداء معلق: «إلى الذين…؟»؛ هذا النداء المبتور ليس تفصيلًا ثانويًا بل يمثل بوابة داخلية للقراءة، لأنه يسبق العنوان في تحديد مخاطَبه. في الشعر السياسي، يكون المخاطَب محورًا للخطاب، وهنا يتحقق اختبار وعيه عبر علامة استفهام تضعه في موضع المساءلة.</p>
<p><strong>العنوان: «اليانكيز عادوا…» وتأويل الإطار<br />
</strong> العنوان يضع الإطار العام للنص لكنه لا يحدد موقع القارئ بداخله. كلمة «اليانكيز» ليست محايدة — هي تسمية محملة بدلالات استعمارية وحضور قهري — وفعل &#8220;عادوا&#8221; يؤشر إلى أن الهيمنة دورة تعود كلما سمحت الظروف. علامات الحذف في النهاية تشتغل كتهديد مفتوح: العودة ليست حدثًا مغلقًا بل استمرارًا يقتضي اليقظة.</p>
<h2><strong>مقدمة نظرية</strong></h2>
<p>نقترح قراءة النص من تقاطع ثلاث مناهج: البنيوي، التداولي، وما بعد الكولونيالي. هذا المزيج يساعد على فهم القصيدة كخطاب مضاد للهيمنة، حيث يصبح الشعر أداة لتفكيك السلطة الرمزية والخطاب الذي يدعمها — ما يتقاطع مع مقاربات تربط بين الثقافة والهيمنة، وبين إنتاج الخطاب والسلطة، وبين آليات تمثيل الذات المهيمنة.</p>
<h2><strong>نص القصيدة</strong></h2>
<p>اليانكيز عادوا&#8230;</p>
<p>إلى الذين&#8230;؟:</p>
<p>انا لم أثِقْ يوماً بيانكيزَ ولا:</p>
<p>راياتِهمْ،</p>
<p>أصدائِهِمْ،</p>
<p>ميثاقِهمْ،</p>
<p>و&#8221;الخيلُ والليلُ والبيداءُ&#8221;</p>
<p>لم تثِقِ.</p>
<p>همْ في الخباثةِ مِلَّةٌ</p>
<p>وحشيَّةٌ</p>
<p>ولدى الهزيمةِ..</p>
<p>همْ غزالُ.</p>
<p>فاسألْ بـ(ميكونغَ)</p>
<p>واسألْ بـ(توربورَ)</p>
<p>واسألْ بـ(مظلوم)*</p>
<p>وعليهِ خُذْ مَثَلاً!!!</p>
<p>فاهجرْ عقيرتَكمْ</p>
<p>عن نهجِ سيرتِهمْ،</p>
<p>واحفظْ عجيزتَكمْ</p>
<p>عنْ مقعدٍ خَرِقِ</p>
<p>في السَّفحِ والزَّلَقِ،</p>
<p>والْحَقْ بمُنطلِقِ</p>
<p>في ساحة الفَلَقِ</p>
<p>بالفيلقِ الطَلِقِ،</p>
<p>&#8220;وأعدِّوا ما اسْطعْتُمْ&#8230;&#8221;!</p>
<p>*ميكونغ: نهر في فيتنام</p>
<p>تورابورا: سلسلة جبال في أفغانستان</p>
<p>مظلوم: مظلوم عبدي</p>
<p>17 آذار/مارس 2026</p>
<p><strong>العتبة الداخلية: قراءة بنيوية ودلالية لإشكالية &#8220;إلى الذين…؟&#8221;<br />
</strong> البيت الافتتاحي يبدو بسيطًا لكنه بنيويًا معقّد: جملة ناقصة تقطع بناءً نحويًا ودلاليًا. حرف الجر «إلى» يتوقع جهة محددة، لكن الاسم الموصول &#8220;الذين&#8221; يبقي على عمومية معطوفة بعلامة استفهام تُجهض الاكتمال. هذه الناقصة ليست هفوة بل تقنية مقصودة: الشاعر يمتنع عن تسمية المخاطَب ليجعل الفراغ نفسه ساحة مساءلة، ويحوّل صيغة الإهداء إلى امتحان أخلاقي وسياسي يضع المخاطَب أمام مرآة موقفه.</p>
<p><strong>تفكيك رموز السلطة: الرايات والأصداء والميثاق<br />
</strong> عبر تفكيك الشاعر لمنظومة السلطة إلى &#8220;رايات&#8221;، &#8220;أصداء&#8221;، و&#8221;ميثاق&#8221;، يبرز النص مستويات متعددة للهيمنة: القوة المادية، الخطاب الإعلامي، والشرعية القانونية. هذا التفكيك يؤكد أن السلطة لا تقتصر على القمع المادي بل تمتد إلى شبكات تنتج المعنى وتفرض قراءاته.</p>
<p><strong>قلب الرموز التراثية<br />
</strong> الفصل بين &#8220;الخيل والليل والبيداء&#8221; ودلالته البطولية التقليدية يمثل إزاحة قوية: الشاعر يفصل الرمز عن معناه التاريخي ويعيد توظيفه داخل مشهد سياسي معاصر، محذرًا من خطر استعمال الرموز الثقافية لتبرير تحالفات غير متكافئة.</p>
<p><strong>الاستعارة الأخلاقية وبنية العنف<br />
</strong> وصفُ الشاعر للآخرين بأنهم &#8220;ملة وحشية في الخباثة&#8221; يشيع تجريد الفعل السياسي إلى حكم أخلاقي يطال منظومة كاملة. بهذا يُحمّل النص الكيان السلطوي مسؤولية عنف منظّم، في خط قراءة ترى السلطة كنسق يمارس العنف ويبرّره باسم النظام أو الحضارة.</p>
<p><strong>التقليل من قداسة القوة: تشبيه الغزال<br />
</strong> تحويل صورة القوة إلى &#8220;غزال عند الهزيمة&#8221; يعمل سخريةً تهدّم عباءة القوة المطلقة. هذه الصورة تعيد تشكيل وعي القارئ بفضح التناقض بين الخطاب الذي يروّج للقوة ووقائع الانكسار التي تكشف هشاشتها.</p>
<p><strong>التاريخ كذاكرة مضادة<br />
</strong>بأسماء مثل (ميكونغ) و(تورابورا) و(مظلوم)، لا يستدعي الشاعر التاريخ بوصفه أرشيفًا للأحداث، بل بوصفه ذاكرة حيّة. تتحول هذه الأسماء إلى علامات دلالية تختزن تجارب الهزيمة، وتكشف عن التواطؤ الكامن فيها، حيث يُعاد إنتاج الخيانة في كل مرة تحت صيغ مختلفة. وبهذا، لا يكتفي النص باستحضار الوقائع، بل يعمل على قلب السردية المهيمنة، عبر إعادة كتابتها من موقع الضحية لا المنتصر، كاشفًا ما تُخفيه من تناقضات وانكسارات.</p>
<p><strong>نقد اللغة الموالية والتحرر عبر القطيعة<br />
</strong> دعوةُ الشاعر لترك &#8220;عقيرتكم&#8221; عن نهجهم تشكّل نداءً لقطع الوصل اللغوي مع خطاب القوة. فاللغة التي تستعملها الأنظمة تصبح ناقلًا لرؤيتها، والقطع معها خطوة أولى نحو التحرر السياسي والمعرفي.</p>
<p><strong>الجسد كموقع سياسي معرض للخطر<br />
</strong> صور مثل &#8220;عجيزتكم&#8221; والمقعد الخَرِق تُجسد هشاشة الجماعة المتحالفة وتكشف تعرّض أجسادها للانكشاف والتحكم بسبب تحالفات هشّة. الجسد هنا يتحول إلى خريطة السياسة التي تُعرّض المتبوعين لصالح قوى أكبر.</p>
<p><strong>اقتراح البديل: الفيلق الطلق واستعادة الفاعلية<br />
</strong> الانتقال من التشخيص إلى اقتراح &#8220;الفيلق الطلق&#8221; يصوّر فكرة قوة مستقلة غير مرتهنة — استعادة للقدرة على الفعل التاريخي من موقع الذات. هذه ليست دعوة إلى العنف بقدر ما هي دعوة لاستعادة الفعالية السياسية والكرامة الجماعية.</p>
<p><strong>المرجعية الأخلاقية الختامية<br />
</strong> استدعاء العبارة القرآنية &#8220;وأعدّوا ما استطعتم&#8230;&#8221; لا يتجه إلى الوعظ بل يمنح الخطاب شرعية أخلاقية تتجاوز اللحظة الآنية. بهذا يضع النص المقاومة في إطار أخلاقي واسع يربط بين الوعي والالتزام المسئول بدل الانفعال اللحظي.</p>
<p><strong>الخاتمة: الشعر كفعل مقاوم<br />
</strong> تُظهر القصيدة قدرة الشعر على التحول من وصف سياسي إلى ممارسة نقدية تفكك خطاب الهيمنة من الداخل. عبر عتبة &#8220;إلى الذين…؟&#8221; تصبح المحاكمة داخلية: الشاعر يضع المخاطَب في موضع المساءلة قبل أن يُقوِّض الإمبراطورية نفسها. النص لا يكتفي بتسمية العدو، بل يعمل على زعزعة شروط إنتاج الخطاب ذاته، معلنًا أن التحرر يبدأ باستعادة اللغة والذاكرة وموقع الفاعلية في التاريخ.</p>
<p>&nbsp;</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>حلبجة: صرخة من السليمانية &#8211; سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/03/18/%d8%ad%d9%84%d8%a8%d8%ac%d8%a9-%d8%b5%d8%b1%d8%ae%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%b3%d9%87%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%a7%d9%88%d9%8a/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/03/18/%d8%ad%d9%84%d8%a8%d8%ac%d8%a9-%d8%b5%d8%b1%d8%ae%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%b3%d9%87%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%a7%d9%88%d9%8a/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 17 Mar 2026 21:49:33 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[سياسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=105102</guid>

					<description><![CDATA[&#160; حلبجة.. ليست مجرد مدينة، بل هي جرح في ضمير الإنسانية، وصرخة مدوية ضد الظلم. تمر علينا الذكرى الأليمة لفاجعة حلبجة، لنجدد العهد والوفاء لدماء الشهداء الزكية. المجد والخلود لشهداء &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>حلبجة.. ليست مجرد مدينة، بل هي جرح في ضمير الإنسانية، وصرخة مدوية ضد الظلم.</p>
<p>تمر علينا الذكرى الأليمة لفاجعة حلبجة، لنجدد العهد والوفاء لدماء الشهداء الزكية. المجد والخلود لشهداء 16/3/1988، الذين دفعوا حياتهم ثمناً لهويتهم ووجودهم. إن هذه الجريمة النكراء تذكرنا دائماً بضرورة التصدي للفكر الفاشستي والاستبدادي أينما وُجد. إن مكان هؤلاء المجرمين الذين أمروا ونفذوا هذه الإبادة الجماعية هو مزبلة التاريخ، محملين بأوزار آلاف الضحايا، بينما تبقى حلبجة حية في ذاكرة العالم، دليلاً صارخاً على وحشية النظام البائد وعدالة قضية شعبنا.</p>
<p>كنتُ أعيش في الخفاء بمدينة السليمانية، حيث كانت أخبار حلبجة الجريحة تتوالى عليّ، كل نبأ يختنقني وكأن غاز الخردل قد وصل إلى حلقي تماماً. شعرتُ بعجزٍ مطبق، وبغصةٍ في الحلق تمنعني من فعل أي شيء لبلسمة جروحهم الغائرة، ولو بأقل القليل.</p>
<p>لكن بعد أربعة أيام ثقيلة، وتحديداً في العشرين من آذار، قبيل عيد نوروز، انفجر الصمت. انتفض أهالي السليمانية، متحدين سطوة السلطات الجائرة، واحتشدوا في شارع توي ملك الشهير، في مشهدٍ مهيب من التحدي.</p>
<p>&nbsp;</p>
<p>هنا، اتخذت منظمة حزبنا الشيوعي في السليمانية قراراً جريئاً ومصيرياً. قضى القرار بإرسال ثلاث مفارز مسلحة خاصة، تحت قيادة الرفيق دلير جلال (المعروف بدلشاد)، في مهمة محفوفة بالمخاطر: توزيع آلاف البيانات التي تدين الجريمة الشنعاء وتفضح الفاشية، على الجماهير المحتشدة في ثلاث نقاط حيوية على امتداد شارع توي ملك &#8211; في بدايته، ووسطه، وعند نهايته.</p>
<p>وما أن بدأت المفارز مهمتها حتى هاجمت القوات الأمنية التابعة للسلطة الفاشية الحشود الغاضبة محاولةً تفريقها واعتقال من بادر. لكن بفضل شجاعة الأبطال وتصميم الجماهير، تمكن رفاقنا من الإفلات من قبضة السلطات، تاركين وراءهم أثراً عميقاً ببيانات الحزب التي كانت صرخات حقٍ مدوية. عادت المفارز الثلاثة سالمة غانمة، بعد أن أوصلت رسالة المقاومة والرفض، لتسجل صفحة أخرى من صفحات التحدي والصمود في وجه الطغيان.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/03/18/%d8%ad%d9%84%d8%a8%d8%ac%d8%a9-%d8%b5%d8%b1%d8%ae%d8%a9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%b3%d9%87%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%87%d8%a7%d9%88%d9%8a/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران؟- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/03/10/%d8%a7%d8%b2%d8%af%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%8a%d9%8a%d8%b1-%d9%88%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d9%88%d8%b0-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 10 Mar 2026 17:48:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مختارات]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=104886</guid>

					<description><![CDATA[&#160; يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في لحظة تبدو فيها الدبلوماسية أكثر هشاشة من أي وقت &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوتر مع تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، في لحظة تبدو فيها الدبلوماسية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. فمع تعثر المسارات التفاوضية وتزايد الضربات المتبادلة والتهديدات المتصاعدة، يتقدم منطق القوة على حساب منطق الحوار، لتعود المنطقة مجدداً إلى دائرة صراعات النفوذ المفتوحة.</p>
<p>في الخطاب الغربي الرسمي، يُقدَّم هذا التصعيد باعتباره دفاعاً عن &#8220;الأمن الدولي&#8221; و&#8221;حماية لحقوق الإنسان&#8221;. غير أن قراءة متأنية للوقائع تكشف أن ما يجري يتجاوز هذه العناوين المعلنة، ليعكس صراعاً جيوسياسياً عميقاً على النفوذ وموازين القوة في الشرق الأوسط، حيث تُستدعى القيم الإنسانية في كثير من الأحيان بوصفها أدوات خطابية تُستخدم انتقائياً وفقاً لحسابات المصالح لا لمعايير القانون الدولي.</p>
<p>حقوق الإنسان… بين المبدأ والاستخدام السياسي</p>
<p>منذ عقود، يشكل ملف حقوق الإنسان أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ولا سيما في التعامل مع خصومها الاستراتيجيين. وفي الحالة الإيرانية، يجري تسليط الضوء بشكل مكثف على قضايا القمع السياسي وتقييد الحريات، وهي قضايا حقيقية لا يمكن التقليل من أهميتها أو إنكارها.</p>
<p>لكن الملاحظة اللافتة أن تصاعد هذا الخطاب غالباً ما يتزامن مع لحظات التوتر السياسي أو تعثر المفاوضات حول الملف النووي الإيراني. هذا التزامن يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت حقوق الإنسان تُطرح كقضية مبدئية مستقلة، أم تُستدعى في لحظات معينة كورقة ضغط سياسية لتبرير العقوبات أو التصعيد العسكري.</p>
<p>ويزداد الجدل تعقيداً حين يُطرح مفهوم &#8220;الضربات الاستباقية&#8221; كخيار محتمل في مواجهة إيران، وهو مفهوم يثير إشكاليات قانونية واسعة، نظراً لتعارضه مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تحظر استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية إلا في حالات الدفاع المشروع عن النفس وفق شروط محددة.</p>
<p>مفارقة الخطاب الإسرائيلي</p>
<p>في المقابل، تبرر إسرائيل هجماتها المتكررة على أهداف مرتبطة بإيران باعتبارها إجراءات دفاعية تهدف إلى منع تهديدات مستقبلية. غير أن هذا الخطاب يصطدم بمفارقة واضحة يصعب تجاهلها، تتمثل في استمرار تجاهل الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها حق تقرير المصير الذي أكدت عليه قرارات الأمم المتحدة.</p>
<p>هذا التناقض يضعف الحجة الأخلاقية للتحالف الغربي في نظر كثير من المراقبين، ويعزز الانطباع بوجود ازدواجية في تطبيق مبادئ القانون الدولي، حيث تُقدَّم الاعتبارات الأمنية على الحقوق الإنسانية عندما يتعلق الأمر بحلفاء استراتيجيين.</p>
<p>إيران: بين خطاب المقاومة وممارسة النفوذ</p>
<p>غير أن اختزال المشهد في مواجهة بين &#8220;قوة معتدية&#8221; وأخرى &#8220;مدافعة&#8221; لا يعكس حقيقة التوازنات القائمة في المنطقة. فإيران، التي تقدم سياستها الإقليمية تحت عنوان “المقاومة” ومواجهة الهيمنة الغربية، رسّخت خلال العقود الماضية حضوراً سياسياً وعسكرياً واسعاً في عدد من دول الشرق الأوسط.</p>
<p>وقد تجسد هذا الحضور في دعم قوى محلية مسلحة في عدة دول، وهو ما يرى منتقدون أنه أسهم في إضعاف سيادة بعض الدول وتعميق الانقسامات الداخلية فيها. وتشير تحليلات سياسية عديدة إلى أن هذا التمدد لا يمكن فهمه فقط بوصفه رد فعل دفاعياً، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى توسيع النفوذ الإيراني وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.</p>
<p>صراع النفوذ… والخاسر الدائم</p>
<p>من زاوية إنسانية، تبدو شعوب المنطقة هي الخاسر الأكبر في هذا الصراع المتشابك. فالتصعيد العسكري، سواء عبر الضربات الإسرائيلية أو عبر الصراعات المرتبطة بنفوذ القوى الإقليمية، أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير البنى التحتية، وتعميق الأزمات السياسية والاجتماعية في عدة دول.</p>
<p>ولهذا، يصعب الحديث عن “طرف عادل” في هذا الصراع بقدر ما يمكن الحديث عن تنافس بين مشاريع نفوذ دولية وإقليمية، تتقاطع مصالحها فوق أرض تعاني أصلاً من هشاشة سياسية واقتصادية مزمنة.</p>
<p>إعادة رسم خريطة المنطقة</p>
<p>في هذا السياق، يرى عدد من الباحثين في مراكز الدراسات الدولية أن التصعيد الحالي لا يقتصر على ردود فعل أمنية متبادلة، بل يرتبط برؤية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط، وهي رؤية يُشار إليها في بعض الأدبيات السياسية بمشروع &#8220;الشرق الأوسط الجديد&#8221;.</p>
<p>وتقوم هذه الرؤية على إعادة تشكيل المعادلات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، بما يفتح المجال لاصطفافات جديدة، ويعيد تعريف أولويات الصراعات القائمة، أحياناً على حساب القضايا المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.</p>
<p>العراق… بين الجغرافيا والسيادة</p>
<p>وسط هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يقف العراق في موقع بالغ الحساسية. فموقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية يجعلان منه ساحة محتملة لتداعيات أي تصعيد واسع.</p>
<p>لذلك، تصبح حماية السيادة الوطنية أولوية لا تحتمل التردد، وهو ما يقتضي موقفاً واضحاً يرفض استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في أي عمليات عسكرية، ويؤكد أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى بيد المؤسسات الدستورية للدولة وحدها.</p>
<p>فالعراق، الذي دفع أثماناً باهظة في صراعات العقود الماضية، لا يحتمل أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين.</p>
<p>ما وراء العناوين</p>
<p>في النهاية، لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران بمعزل عن صراع النفوذ الدائر في الشرق الأوسط. فبين الشعارات المعلنة والاعتبارات الجيوسياسية، تتقاطع مشاريع الهيمنة الدولية والإقليمية في منطقة لا تزال تبحث عن الاستقرار.</p>
<p>ويبقى التحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو حماية قرارها السيادي وتجنب الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالح شعوبها، والعمل على إعادة الاعتبار للدبلوماسية والحلول السياسية قبل أن تدفع المنطقة ثمناً جديداً من أمنها واستقرارها.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/02/28/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%aa%d9%85%d8%ab%d9%91%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%85/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 28 Feb 2026 08:27:06 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=104532</guid>

					<description><![CDATA[المدخل تُعدّ الومضة الشعرية من أبرز الأشكال التعبيرية في الشعر العربي الحديث، لما تنطوي عليه من تكثيف لغوي وقدرة عالية على شحن المشهد البسيط بدلالات رمزية وإنسانية عميقة. فهي لا &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1></h1>
<h2><strong>المدخل</strong></h2>
<p>تُعدّ الومضة الشعرية من أبرز الأشكال التعبيرية في الشعر العربي الحديث، لما تنطوي عليه من تكثيف لغوي وقدرة عالية على شحن المشهد البسيط بدلالات رمزية وإنسانية عميقة. فهي لا تكتفي بتقديم صورة خاطفة، بل تعمل على اختزال تجربة كاملة في لحظة لغوية مشحونة بالتوتر والانزياح، قادرة على فتح أفق تأويلي واسع رغم قصرها الشديد. وفي هذا الإطار، يبرز الشاعر العراقي يحيى السماوي بوصفه أحد الأصوات الشعرية التي نجحت في توظيف الومضة بوصفها أداة احتجاج جمالي وإنساني، حيث تتقاطع في نصوصه اليوميات البسيطة مع أسئلة القهر، والاقتلاع، والوجع الجمعي، عبر لغة موحية، وصور مكثفة، ونبرة هادئة تخفي توترًا داخليًا عميقًا.</p>
<p>تنطلق هذه الدراسة من قراءة إحدى ومضاته الشعرية، ساعية إلى تقديم تحليل أكاديمي متكامل يشتغل على مستويات متعددة، تشمل البنية، والدلالة، والسيمياء، والانزياح، والبعد النفسي والسياسي. وتركّز الدراسة على كيفية اشتغال الاستعارة و الانزياح الدلالي في بناء عالم شعري يبدو في ظاهره بسيطًا ومألوفًا، لكنه يحترق من الداخل، كاشفًا عن واقع إنساني مأزوم تُدان فيه الحياة اليومية عبر الصورة، لا عبر الخطاب المباشر.</p>
<h1><strong>نص الومضة</strong></h1>
<p>هـذا الـصـوتُ الـمـنـبـعـثُ مـن الـتـنُّـورِ</p>
<p>لـيـس حـواراً بـيـن الـمـحـراثِ والـجـمـر ..</p>
<p>إنـه : أنـيـنُ الـحـطـبِ الـمـقـطـوعِ</p>
<p>من الــشــجــرة !</p>
<p>وهـذا الـمـتـصـاعـدُ نـحـو الأعـلـى :</p>
<p>لـيـس دخـانـاً ..</p>
<p>إنـه : هـديـلُ الـحـمـامـةِ الـمـفـجـوعـةِ بـعُـشِّـهـا ..</p>
<p>فـلا عـجـبَ لـو تـفـحَّـمَ رغـيـفُ الـخـبـز !</p>
<h1><strong>أولاً: القراءة الدلالية المباشرة </strong></h1>
<h3><strong>1. الصوت الذي ليس صوتاً</strong></h3>
<p>ظاهر الومضة يقدّم صوتاً يخرج من التنور، لكن الشاعر ينفي أن يكون هذا الصوت حواراً بين أدوات العمل والنار.</p>
<p>المعنى العميق:</p>
<p>ما نسمعه في الحياة اليومية ليس صوت عمل طبيعي، بل صوت <strong>ألمٍ خفيّ</strong> يختبئ خلف تفاصيل العيش.</p>
<h3><strong>2</strong><strong>. أنين الحطب المقطوع</strong></h3>
<p>الصوت ليس احتراقاً، بل <em>أنين الحطب المقطوع من الشجرة</em>.</p>
<p>المعنى الرمزي:</p>
<p>الحطب هو الإنسان المقتلع من جذوره، من أرضه، من بيته، من حياته الطبيعية.</p>
<p>إنه صوت المقهورين، صوت الذين قُطعت صلتهم بأصلهم.</p>
<h3><strong>3</strong><strong>. الدخان الذي ليس دخاناً</strong></h3>
<p>ما يتصاعد نحو الأعلى ليس دخاناً.</p>
<p>المعنى:</p>
<p>ما يعلو من بيوت الناس ليس مجرد أثر احتراق، بل <strong>شحنة روحية وإنسانية</strong>.</p>
<h3><strong>4. هديل الحمامة المفجوعة</strong></h3>
<p>الدخان يتحوّل إلى <em>هديل حمامة فقدت عشّها</em>.</p>
<p>المعنى الرمزي:</p>
<p>إنه نواح الأم، الوطن، الضحية التي فقدت بيتها وأمانها.</p>
<p>إنه بكاء الناس على خراب بيوتهم وأحلامهم.</p>
<h3><strong>5. الرغيف المتفحّم</strong></h3>
<p>ليس غريباً أن يحترق رغيف الخبز.</p>
<p>المعنى:</p>
<p>في واقع مملوء بالقهر والفقد والخراب، حتى أبسط مقومات الحياة – الخبز – تُشوَّه وتحترق.</p>
<p>الظلم يمتد حتى إلى لقمة العيش.</p>
<h3><strong>خلاصة القراءة المباشرة</strong></h3>
<p>السماوي يحوّل مشهد التنور والخبز والحطب والدخان إلى <strong>رموز للعراقي المقتلع من جذوره، وللوطن المكلوم</strong>.</p>
<p>الصوت اليومي يتحوّل إلى أنين جماعي، والدخان إلى نواح، والرغيف إلى ضحية.</p>
<h3><strong>البنية التحويلية في الومضة: النفي وإعادة التسمية</strong></h3>
<p>يقوم النص على بنية تحويلية واضحة تُدار عبر ثلاث مراحل متتابعة: <strong>تعيين أولي</strong><strong> → </strong><strong>نفي</strong><strong> → </strong><strong>إعادة تسمية</strong>. هذه الآلية لا تعمل بوصفها حيلة أسلوبية فحسب، بل بوصفها محركاً دلالياً ينقل القارئ من اليومي المألوف إلى جوهر مأساوي كثيف.</p>
<p><strong>التعيين الأولي</strong> يقدّم معطى حسياً محايداً:</p>
<p>«هذا الصوت المنبعث من التنور» / «وهذا المتصاعد نحو الأعلى».</p>
<ul>
<li>هنا يُستدعى المشهد اليومي كما هو، دون شحنة رمزية مباشرة.</li>
</ul>
<p><strong>النفي</strong> يفرّغ هذا المعطى من دلالته الاعتيادية:</p>
<p>«ليس حواراً بين المحراث والجمر» / «ليس دخاناً».</p>
<ul>
<li>وظيفة النفي ليست الإنكار، بل <strong>تعليق المعنى</strong> وفتح فراغ دلالي يُمهّد للتحويل.</li>
</ul>
<p><strong>إعادة التسمية</strong> تعيد كتابة الواقع بلغة وجدانية مأساوية:</p>
<p>«إنه أنين الحطب المقطوع من الشجرة» / «إنه هديل الحمامة المفجوعة بعشّها».</p>
<ul>
<li>هنا يحدث الانزياح الدلالي الكامل: يتحول الصوت إلى أنين، والدخان إلى هديل، أي من مظهر مادي إلى صوت حزن.</li>
</ul>
<p>يتكرّر هذا المسار مرتين، ما يمنح النص <strong>تماسكاً بنيوياً</strong> ويؤسس لتوازي داخلي يخدم الفكرة المركزية: الاحتراق ليس مادياً فقط، بل إنساني ووجودي.</p>
<h3><strong>التوازي البنيوي ودوره الدلالي</strong></h3>
<p>يُبنى النص على شبكة مقابلات دقيقة تُعمّق المعنى عبر مستويات متعددة:</p>
<ul>
<li><strong>الصوت</strong><strong> <img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2194.png" alt="↔" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> </strong><strong>الدخان</strong> — مظهران حسّيان لعملية الاحتراق.</li>
<li><strong>الأنين</strong><strong> <img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2194.png" alt="↔" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> </strong><strong>الهديل</strong> — انتقال من الطبيعي إلى الوجداني، من المادة إلى الصوت الإنساني.</li>
<li><strong>الحطب</strong><strong> <img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2194.png" alt="↔" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> </strong><strong>الحمامة</strong> — ضحيتان من مستويين مختلفين: مادة وكائن حي، بما يوسّع دائرة الألم.</li>
<li><strong>الشجرة</strong><strong> <img src="https://s.w.org/images/core/emoji/17.0.2/72x72/2194.png" alt="↔" class="wp-smiley" style="height: 1em; max-height: 1em;" /> </strong><strong>العش</strong> — الأصل، الجذر، مكان الانتماء والملاذ.</li>
</ul>
<p>هذا التوازي لا يزيّن النص، بل <strong>ينظّم دلالته</strong>: فالفقد يتدرّج من اقتلاع المادة (الحطب/الشجرة) إلى فجيعة الكائن الحي (الحمامة/العش)، وصولاً إلى النتيجة المنطقية في الخاتمة: <strong>تفحّم رغيف الخبز</strong> بوصفه ذروة الاحتراق اليومي للحياة نفسها.</p>
<p>بهذا، تتكامل البنية التحويلية مع التوازي البنيوي لتنتج نصاً محكماً، حيث يخدم الشكل المعنى، ويقود الانزياح الدلالي القارئ من المشهد العادي إلى مرثية إنسانية شاملة.</p>
<p><strong>السيميائيات: الأشياء بوصفها علامات:</strong></p>
<h3><strong>التنور</strong></h3>
<p>يُقرأ التنور بوصفه بيتًا ووطنًا ومصدرًا للدفء، غير أنّ توسيع دلالته ليغدو «موقد الحياة» ومركز صناعة القوت اليومي يمنح العلامة عمقًا إضافيًا. فالتنور يتحول هنا إلى نقطة التقاء بين العمل والاحتراق، بين الاستمرار والألم، ليغدو فضاءً تتكثف فيه دورة العيش بكل ما تحمله من جهد ومعاناة. وبهذا المعنى، ينسجم حضوره مع منطق النص الذي ينقل المشهد اليومي المألوف إلى أفق مأساوي أوسع، حيث تتداخل تفاصيل الحياة البسيطة مع وجعها العميق.</p>
<h3><strong>الحطب المقطوع</strong></h3>
<p>قراءته كـ<strong>إنسان مقتلع من جذوره</strong> دقيقة، وتوسيعها لتشمل <strong>الفلّاح والإنسان العراقي والشجر والبشر معًا</strong> يحوّل العلامة من فردية إلى <strong>جمعية</strong>. هذا التماهي بين مصير الطبيعة ومصير الإنسان يخدم الرؤية الكلية للومضة ويعزّز بعدها الإنساني‑السياسي.</p>
<h3><strong>الحمامة المفجوعة</strong></h3>
<p>تفسيرها كـ<strong>سلام مكسور</strong> موفّق، غير ان توسيع دلالتها بوصفها <strong>الأم الثكلى أو الروح الجماعية الجريحة</strong> لا تخرج عن السياق، بل تضيف بعدًا وجدانيًا أعمق. الحمامة هنا علامة مركّبة تجمع البراءة والسلام والأمومة والروح الجمعية، وتعدّدها الدلالي جزء من قوتها السيميائية.</p>
<h3><strong>العش</strong></h3>
<p>فهمه كوطن مهدّم دقيق، وتوسيعه ليشمل <strong>بيت العائلة أو الحلم الجماعي</strong> ينسجم مع التوازي البنيوي في النص. العش يتحول إلى فضاء أمان مفقود، سواء أكان وطنًا أو بيتًا أو حلمًا مشتركًا.</p>
<h3><strong>الرغيف المتفحّم</strong></h3>
<p>قراءته كرمز لـ<strong>حياة يومية غير صالحة للعيش</strong> قوية، و لمعاني <strong>فساد لقمة العيش وضياع ثمار الكدح</strong> تعزّز الذروة الدلالية. الرغيف هنا لا يرمز إلى الجوع فقط، بل إلى <strong>انكسار العلاقة بين العمل والنتيجة</strong>، بين الجهد والعيش الكريم.</p>
<p><strong>الانزياح الدلالي التحويلي والاستعارة التشخيصية</strong></p>
<p>يقوم الانزياح الدلالي في النص على تحويل تحويلي لا يكتفي بتغيير وظيفة الأشياء، بل يهدم هويتها الأولى ويعيد تأسيسها داخل أفق مأساوي جديد. فالصوت لا يعود مجرد أثر احتراق، بل يتحول إلى أنين، والدخان لا يبقى ظاهرة طبيعية، بل يغدو هديل فجيعة، فيما يتحول الرغيف من نتاج يومي للعمل إلى ضحية نهائية للاحتراق.</p>
<p>هذا التحويل ينسجم مع المسار البنيوي‑السيميائي الذي ينتقل فيه النص من التنور والحطب والدخان والحمامة والرغيف بوصفها عناصر يومية مألوفة، إلى الوطن والإنسان المقتلع والألم الجماعي والسلام المكسور والحياة غير الصالحة للعيش. وبهذا، لا يغيّر الشاعر دلالة الأشياء فحسب، بل يعيد كتابة العالم من داخل احتراقه، في إطار رؤية تقوم على القهر الجمعي والاحتراق الشامل.</p>
<p>وتتكامل هذه البنية مع الاستعارة والتشخيص، حيث يئنّ الحطب بوصفه إنسانًا أو شجرًا يتألم، ويهدل الدخان متحوّلًا من مادة إلى صوت حزن حيّ، ويحترق الرغيف لا بوصفه مادة غذائية فحسب، بل بوصفه رمزًا لانكسار لقمة العيش والحياة نفسها. وهكذا يتحول المشهد الريفي البسيط إلى مرثية وجودية تتجاوز حدود المكان لتعبّر عن خراب إنساني أوسع.</p>
<p>البعد النفسي: الوجع المكبوت وإسقاط الألم</p>
<p>يُكتب النص بنبرة وصفية هادئة تخلو من الصراخ والمباشرة، غير أنّ هذه السكينة الظاهرية تخفي توترًا داخليًا عميقًا. فالصور التي يستدعيها الشاعر – أنين الحطب، هديل الحمامة المفجوعة، والرغيف المتفحّم – مشحونة بطاقة عالية من الألم، ما يكشف عن آلية نفسية قائمة على الكبت، حيث يُحتوى الوجع بدل أن يُفجَّر لغويًا.</p>
<p>ويتجلّى هذا الكبت في اعتماد النص على إسقاط الألم على عناصر الطبيعة. فالحطب يئنّ، والدخان يتحوّل إلى هديل حزن، والرغيف يغدو ضحية، في عملية إسقاطية تنقل المعاناة من الذات إلى الأشياء المحيطة بها. هنا لا تتكلم الذات الجريحة عن نفسها مباشرة، بل تجعل الطبيعة وسيطًا نفسيًا للتعبير عن القهر، فتغدو الأشياء حاملةً لثقل الألم الإنساني.</p>
<p>ويتعزّز هذا البعد النفسي بما يمكن تسميته الوجع الصامت، حيث يغيب الصراخ المباشر ويحلّ محله تعبير موارب، يتوافق مع بنية النفي وإعادة التسمية التي يقوم عليها النص. فالألم لا يُقال صراحة، بل يُعاد تشكيله عبر الصور، كما أنّ حضور الضحية يقابله غياب شبه كامل للجلاد، ما يجعل المشهد يُروى من زاوية المعاناة وحدها. وبهذا، يتحول النص إلى شهادة نفسية على عجز الإنسان عن الصراخ في واقع خانق، فيكتفي بأن يجعل الأشياء تنطق بما يعجز هو عن قوله.</p>
<h3><strong>البعد السياسي: الإدانة عبر الصورة لا عبر الشعار</strong></h3>
<p>يحضر البعد السياسي في النص حضورًا غير مباشر، بعيدًا عن الخطاب الصريح أو التسمية المباشرة للسلطة أو الفاعل السياسي. فالشاعر لا يذكر حزبًا أو نظامًا أو جهة بعينها، لكنه يقدّم إدانة عميقة للواقع السياسي من خلال شعرية الصورة وتحويل اليومي إلى علامة على القهر.</p>
<p>يُقرأ قطع الشجرة بوصفه أكثر من فعل مادي، إذ يتحول إلى رمز لاقتلاع الإنسان من جذوره: من أرضه، وهويته، وذاكرته الجمعية. إنه تمثيل لسياسات القمع والحروب والتهجير التي لا تكتفي بإيذاء الجسد، بل تستهدف الأصل والانتماء، فتجعل الإنسان شبيهًا بالحطب المقطوع، صالحًا للاحتراق لا للحياة.</p>
<p>أما فجيعة الحمامة، فلا تقتصر دلالتها على تهجير شعب أو تدمير بيت، بل تمتد لتشمل تحطيم فكرة السلام ذاتها. فالحمامة، بوصفها رمزًا تقليديًا للسلام والاستقرار، تتحول هنا إلى كائن مفجوع، ما يعني أن السلام نفسه صار ضحية، وأن الاستقرار لم يعد ممكنًا في واقع تحكمه الفجيعة.</p>
<p>وتبلغ الإدانة السياسية ذروتها في صورة تفحّم رغيف الخبز، الذي لا يرمز فقط إلى الفقر أو الجوع، بل إلى فشل الدولة في أبسط وظائفها: حماية لقمة العيش وضمان حياة كريمة لمواطنيها. فاحتراق الرغيف يعني فساد العلاقة بين العمل ونتيجته، وبين الجهد والعيش، ويكشف عن واقع سياسي يعجز عن صون أبسط مقومات الحياة اليومية.</p>
<h3><strong>اللغة بوصفها حاملة للألم: قراءة صرفية‑دلالية</strong></h3>
<p>تُظهر الأفعال المختارة في النص وعيًا دقيقًا بوظيفة اللغة في إنتاج المعنى، إذ لا تأتي بوصفها أدوات سردية محايدة، بل بوصفها حوامل دلالية تكشف عن طبيعة الفعل الإنساني في واقع مأزوم. فالفعل «ينبعث» يوحي بحركة غير إرادية، لا تصدر عن اختيار أو قصد، ما يعكس حالة قهر تُفرض على الأشياء كما تُفرض على الإنسان. الصوت لا يُنتَج، بل يخرج قسرًا، كما يخرج الألم من داخله دون قدرة على كبحه.</p>
<p>ويأتي الفعلان «يئنّ» و«يهدل» ليؤكدا هذا البعد، فهما فعلان صوتيان داخليان، لا يحملان طابع الصراخ أو المواجهة، بل يشيران إلى ألم مكبوت وحزن خافت. الأنين والهديل هنا لا يعبّران عن احتجاج صريح، بل عن معاناة صامتة، ما ينسجم مع البعد النفسي للنص القائم على الكبت والوجع غير المعلن.</p>
<p>أما الفعل «تفحّم»، فيحمل دلالة الاكتمال والنتيجة النهائية، لا مجرد حدوث الاحتراق. فالرغيف لا يحترق عرضًا، بل يصل إلى حالة نهائية من التلف، ما يجعل الفعل علامة على انسداد الأفق وانهيار دورة الحياة اليومية. بهذا، تتحول الأفعال من توصيف لحركة مادية إلى مؤشرات على واقع مسلوب الفعل، حيث تسود الأفعال غير الإرادية، وتغيب القدرة على الفعل الحر.</p>
<p>وتتكامل هذه البنية الصرفية مع الصور البلاغية المركزية في النص، التي تقوم على نقل الفعل من مستواه الطبيعي إلى مستواه الوجداني. فالاحتراق لا يُقدَّم بوصفه عملية مادية فحسب، بل يُعاد تشكيله عبر الأنين والهديل والتفحّم، لتغدو اللغة نفسها مساحة يتجسّد فيها الألم. وبهذا، لا تكون الأفعال مجرد عناصر لغوية، بل أدوات تكشف عن عالم فقد توازنه، وصار الاحتراق فيه هو القاعدة، لا الاستثناء.</p>
<h3><strong>الخاتمة</strong></h3>
<p>تُظهر هذه الومضة الشعرية قدرة يحيى السماوي على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات كاشفة عن وجع جمعي عميق. فمن خلال بنية محكمة تقوم على الانزياح، والاستعارة، وإعادة التسمية، تتجاوز الأشياء وظيفتها المألوفة لتغدو حوامل دلالية لمعاناة إنسانية تتخفّى خلف مشهد هادئ في ظاهره، محتدم في جوهره.</p>
<p>لقد تضافرت المستويات البنيوية والسيميائية والنفسية والسياسية، إلى جانب التحليل الصرفي‑الدلالي للغة، لتشكّل نصًا «يحترق من الداخل»، حيث لا يُقال الألم مباشرة، بل يُسقَط على الطبيعة، فتغدو الشجرة، والحمامة، والرغيف، شهودًا صامتين على القهر والاقتلاع وانكسار دورة الحياة اليومية. وبهذا، لا تعود الومضة مجرد صورة شعرية خاطفة، بل تتحول إلى مرآة مكثفة لواقع إنساني مأزوم، تُدان فيه السلطة والخراب عبر الصورة لا عبر الشعار.</p>
<p>إنها ومضة صغيرة في حجمها، لكنها كثيفة في دلالتها، تختزل وطنًا كاملًا في لحظة احتراق، وتؤكد أن الشعر، حتى في أقصر أشكاله، قادر على حمل الذاكرة، وفضح القهر، وتحويل اليومي العابر إلى شهادة جمالية على الألم الجمعي.</p>
<p><strong> </strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title> تفكيك روژآفا وإعادة هندسة الدولة: &#8211;  سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/02/26/%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d9%83-%d8%b1%d9%88%da%98%d8%a2%d9%81%d8%a7-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%87%d9%86%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%b3%d9%87/</link>
					<comments>https://sotkurdistan.net/2026/02/26/%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d9%83-%d8%b1%d9%88%da%98%d8%a2%d9%81%d8%a7-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%87%d9%86%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%b3%d9%87/#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 25 Feb 2026 21:21:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<category><![CDATA[مقالة اليوم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=104462</guid>

					<description><![CDATA[&#160; كيف تُدار القضية الكردية على طاولة الاستقرار الأمريكي؟ لا يمكن قراءة «اتفاق الاندماج الكامل» بين حكومة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية بوصفه تسوية داخلية سورية فحسب. ما يجري هو &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p><strong>كيف تُدار القضية الكردية على طاولة الاستقرار الأمريكي؟</strong></p>
<p><strong>لا يمكن قراءة «اتفاق الاندماج الكامل» بين حكومة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية بوصفه تسوية داخلية سورية فحسب. ما يجري هو إعادة ترتيب إقليمي &#8211; دولي لملف شمال وشرق سوريا، تُدار فيه القضية الكردية باعتبارها تكلفة جانبية لاستقرارٍ تُعرّفه واشنطن على مقاس أولوياتها الأمنية.</strong></p>
<p><strong>الاتفاق، الذي جاء بعد تصعيد عسكري في الشيخ مقصود والحسكة ومحاصرة كوباني، يُقدَّم كخطوة نحو «توحيد مؤسسات الدولة». لكنه في جوهره عملية تفكيك ممنهجة لأدوات القوة الكردية &#8211; العسكرية والإدارية &#8211; وإعادة احتواء القضية داخل دولة مركزية لم تُختبر بعد في احترام التعددية.</strong></p>
<h3><strong>نزع القوة باسم الاندماج</strong></h3>
<p><strong>دمج مقاتلي قسد كأفراد في الجيش، ودمج الأسايش في الشرطة، وتسليم الحدود والمعابر وملف داعش لدمشق، ليست تفاصيل تقنية. إنها نزع للطابع السياسي والعسكري عن وجودٍ تشكّل على الأرض خلال الحرب على داعش، وتحويله إلى حضور فردي داخل مؤسسات مركزية. وعلى المستوى الإداري، يعني حلّ الإدارة الذاتية والسيطرة على الموارد واعتماد المنهاج الموحد إغلاق تجربة حكم محلي كانت &#8211; برغم عيوبها &#8211; أول اختبار فعلي لإدارة متعددة في سوريا.</strong></p>
<h3><strong>حقوق بلا حماية</strong></h3>
<p><strong>الاعتراف باللغة الكردية، حلّ مكتومي القيد، التمثيل «العادل»، النوروز، والعفو العام—كلها بنود غير مسبوقة. لكنها وعود بلا أسنان ما لم تُحصَّن بدستور وآليات تنفيذ وضمانات دولية. في تاريخ سوريا، الحقوق التي لا تحميها بنية قانونية تُسحب عند أول تبدّل في ميزان القوى.</strong></p>
<h3><strong>الاستراتيجية الأمريكية: الاستقرار أولًا</strong></h3>
<p><strong>في الخلفية، تقف الاستراتيجية الأمريكية كعامل حاسم. واشنطن، التي أعادت تموضعها في إقليم كردستان العراق، تبدو راضية عن دولة سورية مركزية واحدة تضبط الحدود، تدير ملف داعش، وتتحكم بالموارد. أما الملف الكردي، فيُدار عبر ترقيع حقوقي–ثقافي يصلح للخطابات، لا للحماية الميدانية. بهذا المعنى، جرى تحويل القضية الكردية من مشروع سياسي–إداري قائم إلى ملف داخلي منخفض الكلفة على صانع القرار الأمريكي.</strong></p>
<h3><strong>ميونخ 2026: سياسة بلا ضمانات</strong></h3>
<p><strong>دعوة مظلوم عبدي إلى مؤتمر ميونخ للأمن ولقاؤه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شكّلا إشارة سياسية مهمّة. الرسالة الفرنسية كانت واضحة: رفض «الاجتثاث» السياسي أو الأمني لقسد حتى ضمن مسار الدمج. لكن ميونخ لم يكن فرنسيًا فقط؛ لقاءات مع مسؤولين أمريكيين وسعوديين، واجتماع مع وزير الخارجية السوري حول «خطوات الدمج»، كشفت محاولة قسد الانتقال من لاعب عسكري إلى فاعل تفاوضي.</strong></p>
<p><strong>غير أن الفجوة تبقى بين الرمزية السياسية والضمانات الفعلية. أوروبا تحاول ألا تترك الملف بالكامل لواشنطن ودمشق وأنقرة، لكنها تفتقر لأدوات فرض. والولايات المتحدة تُدير المخاطر ولا تُقدّم التزامات.</strong></p>
<h2><strong>من النقد إلى الالتزام: نحو حكمٍ ذاتي أو دولةٍ فيدرالية قابلة للمساءلة</strong></h2>
<p><strong>إذا كان الاتفاق قد فتح نافذة سياسية حسّاسة، فإن قيمته لا تُقاس بنيّاته، بل بقدرته على التحوّل إلى نصوص دستورية مُلزمة وآليات تنفيذ خاضعة للرقابة. وعليه، فإن المطلوب اليوم من النخب الكردية ومنظمات المجتمع المدني هو توحيد الجهد حول حزمة مطالب واضحة، قابلة للتحقق والقياس، وفق ما يلي:</strong></p>
<h3><strong>أولًا: ضمانات دستورية صريحة</strong></h3>
<ul>
<li><strong>نصّ دستوري يعترف بالتعدد القومي واللغوي، ويُقرّ باللغة الكردية لغةً مُعترفًا بها في التعليم والإدارة المحلية في المناطق ذات الغالبية الكردية، مع جدول زمني مُلزم للتطبيق.</strong></li>
<li><strong>إقرار الحكم الذاتي أو الدولة الفيدرالية بنصّ دستوري واضح، على غرار نموذج إقليم كردستان العراق، يحدّد صلاحيات حصرية للإقليم/الإدارة الذاتية في مجالات التعليم، الصحة، الخدمات، التخطيط العمراني، والأمن المحلي، ويمنع سحب هذه الصلاحيات بقرار تنفيذي منفرد.</strong></li>
<li><strong>إنشاء محكمة دستورية مستقلة، مخوّلة بالنظر في أي انتهاك لحقوق المكوّنات أو تجاوز لصلاحيات الحكم الذاتي/الفيدرالية.</strong></li>
</ul>
<h3><strong>ثانيًا: آليات تنفيذ ومساءلة</strong></h3>
<ul>
<li><strong>قانون تنفيذ انتقالي يحدّد جداول زمنية (6–12 شهرًا) لتحويل البنود السياسية إلى قوانين نافذة، مع نشر تقارير ربع سنوية علنية عن التقدّم.</strong></li>
<li><strong>هيئة رقابة مشتركة تضم ممثلين منتخبين محليًا، وخبراء قانونيين، ومراقبين مستقلين، تتمتع بحق الاطلاع على الموازنات والقرارات التنفيذية في مناطق الحكم الذاتي/الإقليم.</strong></li>
<li><strong>آلية شكاوى فعّالة تُمكّن الأفراد والهيئات من الطعن في القرارات الإدارية أمام قضاء إداري مستقل خلال مدد محدّدة.</strong></li>
</ul>
<h3><strong>ثالثًا: تقاسم عادل للموارد</strong></h3>
<ul>
<li><strong>نصّ قانوني لتوزيع عائدات الموارد الطبيعية يحدّد نسبة مُعاد استثمارها داخل مناطق الحكم الذاتي/الإقليم، مع نشر دوري لبيانات الإيرادات والإنفاق.</strong></li>
<li><strong>موازنة إقليمية/محلية مُقرّة قانونًا، تضمن حدًا أدنى من الإنفاق الخدمي، وتخضع لتدقيق سنوي مستقل.</strong></li>
</ul>
<h3><strong>رابعًا: الحقوق والحريات</strong></h3>
<ul>
<li><strong>قانون أحزاب وانتخابات عادل يضمن تمثيلًا متوازنًا ويمنع الإقصاء الإداري، مع دوائر انتخابية تراعي الخصوصية السكانية للإقليم/مناطق الحكم الذاتي.</strong></li>
<li><strong>ضمان حرية الإعلام والتنظيم، بما في ذلك الترخيص العادل لوسائل الإعلام باللغة الكردية، ومنع الملاحقات ذات الطابع السياسي.</strong></li>
</ul>
<h3><strong>خامسًا: ضمانات دولية داعمة (غير وصائية)</strong></h3>
<ul>
<li><strong>ربط أي مساعدات أو برامج دعم دولية بتقارير امتثال واضحة لحقوق الأقليات ونظام الحكم الذاتي/الفيدرالية</strong></li>
<li><strong>دعوة بعثة مراقبة مستقلة لرفع تقارير دورية علنية حول التنفيذ.</strong></li>
</ul>
<p><strong>مبادئ عمل للنخب والمجتمع المدني:  </strong></p>
<p><strong>توحيد الخطاب حول مطالب قانونية محدّدة بدل شعارات عامة؛ التحالف مع قوى مدنية سورية أوسع لتأطير المطالب ضمن مشروع وطني للفيدرالية والمواطنة المتساوية؛ تحويل كل تعهّد سياسي إلى نصّ مكتوب بمدد زمنية—ما لا يُكتب لا يُنفَّذ، وما لا يُقاس لا يُحاسَب—مع الحفاظ على السلم الأهلي وتغليب أدوات القانون والضغط المدني المنظّم.</strong></p>
<h3><strong>خاتمة</strong></h3>
<p><strong>إنّ الاندماج الحقيقي لا يتحقق بإذابة الخصوصيات، بل بإدماجها في دولة قانون عبر حكمٍ ذاتي أو نظامٍ فيدرالي واضح المعالم، يحمي الحقوق ويحدّد الصلاحيات ويؤسّس لمساءلة فعّالة. بهذا فقط يتحوّل الاتفاق من تسوية ظرفية إلى استقرار مستدام يخدم جميع السوريين.</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://sotkurdistan.net/2026/02/26/%d8%aa%d9%81%d9%83%d9%8a%d9%83-%d8%b1%d9%88%da%98%d8%a2%d9%81%d8%a7-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d9%87%d9%86%d8%af%d8%b3%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%b3%d9%87/feed/</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>عودة المالكي في زمن الأزمة: هل يحتمل العراق إعادة تدوير الماضي؟- سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2026/01/31/%d8%b9%d9%88%d8%af%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a-%d9%81%d9%8a-%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d9%87%d9%84-%d9%8a%d8%ad%d8%aa%d9%85%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b9/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 31 Jan 2026 08:33:21 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[البيانات و النشاطات]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=103650</guid>

					<description><![CDATA[&#160; في لحظة اقتصادية واجتماعية شديدة الهشاشة، يعود اسم نوري المالكي إلى واجهة النقاش السياسي بوصفه أحد الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء. هذا الطرح لا يبدو اليوم خيارًا سياسيًا عابرًا، بل &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p>&nbsp;</p>
<p>في لحظة اقتصادية واجتماعية شديدة الهشاشة، يعود اسم نوري المالكي إلى واجهة النقاش السياسي بوصفه أحد الأسماء المطروحة لرئاسة الوزراء. هذا الطرح لا يبدو اليوم خيارًا سياسيًا عابرًا، بل يُقرأ على نطاق واسع كإشارة محتملة إلى استعادة نموذج حكم ارتبط في الذاكرة العامة بمرحلة إخفاقات بنيوية عميقة، في وقت يواجه فيه العراقيون ضغوطًا معيشية غير مسبوقة وانسدادًا واضحًا في الأفق الاقتصادي والاجتماعي.</p>
<p>اقتصاد هش تحت وطأة الأرقام الكبيرة</p>
<p>يمرّ الاقتصاد العراقي بمرحلة حرجة تتقاطع فيها أزمات بنيوية مع ضغوط ظرفية. فمعدلات البطالة، خصوصًا بين الشباب، ما تزال عند مستويات مرتفعة، فيما تستمر القدرة الشرائية بالتآكل بفعل التضخم وضعف الخدمات الأساسية. يعتمد أكثر من 90% من إيرادات الدولة على النفط، ما يجعل المالية العامة رهينة لتقلبات الأسعار العالمية.</p>
<p>بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 280 مليار دولار في عام 2024، وهو رقم يبدو كبيرًا على الورق، لكنه يخفي هشاشة عميقة: غياب قاعدة إنتاجية حقيقية، توسّع القطاع الحكومي على حساب القطاع الخاص، واعتماد واسع على التوظيف الريعي بدل التشغيل المنتج. في هذا السياق، يصبح أي استحقاق سياسي مرتبطًا مباشرةً بسؤال الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا بتفاهمات حزبية ضيقة.</p>
<p>إرث اقتصادي مثقل بالهدر والفرص الضائعة</p>
<p>لا يمكن فصل الجدل حول عودة المالكي عن التجربة الاقتصادية خلال سنوات حكمه بين 2006 و2014، وهي فترة تزامنت مع واحدة من أعلى موجات ارتفاع أسعار النفط في تاريخ العراق الحديث. فقد تجاوزت الإيرادات النفطية آنذاك 700 مليار دولار، ووصل متوسط سعر البرميل في بعض الأعوام إلى أكثر من 95 دولارًا.</p>
<p>ورغم هذه الوفرة، لم تُترجم الأموال إلى إصلاحات اقتصادية مستدامة أو تنويع فعلي للاقتصاد. توسّع الإنفاق التشغيلي، تضخم الجهاز الحكومي، تراجع الاستثمار في الزراعة والصناعة، وتصاعد الفساد، كلها سمات جعلت الاقتصاد أكثر هشاشة، بحيث انهار سريعًا مع أول صدمة نفطية بعد 2014. ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة مسار لم يُصحَّح جذريًا.</p>
<p>النظام الطائفي: الجذر البنيوي للأزمة</p>
<p>غير أن الأزمة لا يمكن اختزالها في السياسات الاقتصادية وحدها، بل تعود جذورها إلى النظام الطائفي الذي تأسس بعد 2003، والذي أعاد تعريف الدولة والسلطة على أساس الهويات لا المواطنة. هذا النظام لم يكن نتاجًا عراقيًا خالصًا، بل تشكّل في سياق الاحتلال الأميركي، الذي أعاد بناء النظام السياسي وفق منطق المحاصصة الطائفية والإثنية.</p>
<p>اعتمدت الولايات المتحدة نموذجًا يقوم على توزيع السلطة وفق الهويات، ما أضعف مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وحوّل الطائفة إلى أدوات تمثيل سياسي وقنوات للوصول إلى السلطة. ومع الانسحاب الأميركي عام 2011، تُركت دولة غير مكتملة البناء، ومؤسسات أمنية هشة، ما شكّل أحد الشروط الموضوعية لصعود داعش لاحقًا.</p>
<p>في المقابل، لم تُنشئ إيران هذا النظام، لكنها استثمرت فيه بذكاء، عبر نفوذ تراكمي داخل بنية سياسية هشّة أصلًا، معتمدة على علاقات مع قوى محلية. لم يكن هذا الدور مشروعًا لبناء دولة أو اقتصاد، بل نفوذًا داخل نظام ريعي، ما عمّق منطق الدولة الضعيفة، وأضعف فرص الإصلاح.</p>
<p>في ظل هذا النظام، تحوّلت الموازنة العامة إلى أداة لتوزيع الغنائم، وتعطّلت المحاسبة، وأصبح الفساد جزءًا بنيويًا من آلية الحكم. إعادة تدوير هذا النظام، عبر إعادة تدوير رموزه، تعني عمليًا الإبقاء على الجذر الحقيقي للأزمة.</p>
<p>استقطاب سياسي ومخاطر اجتماعية</p>
<p>يعيش العراقيون اليوم حالة متقدمة من فقدان الثقة بالمؤسسات. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن نحو نصف السكان لا يحصلون على خدمات صرف صحي مُدارة بشكل آمن، رغم الإنفاق الحكومي الضخم. في هذا المناخ، تبدو أي عودة إلى نموذج حكم ارتبط بالهدر وسوء الإدارة رسالة سلبية إلى الشارع، تعمّق الإحباط بدل فتح أفق جديد.</p>
<p>الاقتصاد والسياسة: حلقة لا تنفصل</p>
<p>سجّل العراق في عام 2024 تدفقات استثمار أجنبي مباشرة سالبة تعادل نحو 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه الأرقام تعكس أزمة ثقة سياسية قبل أن تكون اقتصادية. فغياب الاستقرار، واستمرار منطق الصفقات، يعوق أي إصلاح حقيقي، ويجعل أي حكومة امتدادًا للماضي في موقع ضعيف أمام المستثمرين والشركاء الدوليين.</p>
<p>البعد الدولي: تحفظ أميركي وثمن يدفعه المواطن</p>
<p>رغم الخطاب الأميركي الداعم لاستقرار العراق، ما يزال البلد خاضعًا لقيود مالية ورقابة مشددة، مع غياب تسهيلات اقتصادية حقيقية. هذا التحفظ، المرتبط بعدم الثقة بالنظام السياسي، لا يطال النخب بقدر ما ينعكس على حياة المواطنين اليومية، عبر ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الاستثمار. إعادة طرح شخصيات ارتبطت بتوتر العلاقات مع واشنطن قد تزيد من هذا الجمود.</p>
<p>إقليم كردستان: أزمة سيولة فوق حقل ألغام سياسي</p>
<p>يعاني إقليم كردستان من أزمة مالية حادة، واعتماد كبير على التحويلات الاتحادية. إعادة إنتاج نموذج سياسي اتسم تاريخيًا بالتجاذب مع الإقليم قد تعني عودة أزمات الرواتب والاستثمار، ما يضيف عبئًا جديدًا على اقتصاد هش أصلًا.</p>
<p>إلى أين؟ سؤال المستقبل لا سؤال الأشخاص</p>
<p>في المحصلة، لا يدور الجدل الحقيقي حول شخص المالكي وحده، بل حول قدرة النظام السياسي العراقي على كسر حلقة تدوير النخب، والانتقال من دولة الريع والمحاصصة إلى دولة المواطنة والتنمية. ما يحتاجه العراق اليوم ليس عودة إلى الماضي، بل مشروع اقتصادي‑سياسي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.</p>
<p>في زمن الأزمة، لا يكفي تبديل الوجوه إذا بقيت السياسات على حالها. السؤال الأخطر الذي يواجه العراق اليوم ليس من يحكم، بل كيف يُحكَم البلد وإلى أي مشروع يُقاد.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الزمن المؤجَّل واكتمال الوجود &#8211; سهيل الزهاوي</title>
		<link>https://sotkurdistan.net/2025/12/19/%d8%a7%d9%84%d8%b2%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a4%d8%ac%d9%8e%d9%91%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%83%d8%aa%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%88%d8%af-%d8%b3%d9%87%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84/</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[sotkurdistan]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 18 Dec 2025 21:11:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[ثقافية و أدبية]]></category>
		<category><![CDATA[سهيل الزهاوي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://sotkurdistan.net/?p=101904</guid>

					<description><![CDATA[قراءة نقدية في قصيد &#8220;يومان في الفردوس أم لحظتان&#8221; ليحيى السماوي &#160; مقدمة تنهض قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» للشاعر يحيى السماوي بوصفها تجربة شعرية مكثّفة، تُعيد مساءلة مفهوم &#8230; ]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<h1></h1>
<h2><strong>قراءة نقدية في قصيد &#8220;يومان في الفردوس أم لحظتان&#8221; ليحيى السماوي</strong></h2>
<p>&nbsp;</p>
<h2><strong>مقدمة</strong></h2>
<p><strong>تنهض قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» للشاعر يحيى السماوي بوصفها تجربة شعرية مكثّفة، تُعيد مساءلة مفهوم الزمن من خلال مفارقة دلالية تقوم على تعارض الامتداد واللحظة. فالقصيدة لا تتعامل مع الزمن بوصفه قياسًا خطيًا، بل بوصفه تجربة وجودية تتشكّل في فضاء رمزي تتقاطع فيه الأضداد، حيث يتعطّل القياس الزمني لصالح كثافة الحضور.</strong></p>
<p><strong>ومن هذا المنطلق، يتجاوز النص البنية الغزلية التقليدية ليقارب أسئلة تتعلّق بالزمن والاكتمال والهوية الإنسانية في مواجهة الفناء. فالعشق لا يُقدَّم بوصفه تجربة عاطفية فحسب، بل يتحوّل إلى أفق تأويلي يُعاد من خلاله تعريف الزمن والمكان والجسد، ضمن رؤية شعرية تنفتح على أبعاد صوفية ووجودية دون أن تنغلق في خطاب عقائدي مباشر. كما تستثمر القصيدة شبكة من العلامات الرمزية التي تُحيل إلى الامتداد الإنساني، وتستدعي الطفولة بوصفها حالة وجودية تتجاوز حدود العمر الزمني.</strong></p>
<p><strong>تنطلق هذه الدراسة من قراءة نقدية متعددة المقاربات، تجمع بين التحليل الكينوني، والقراءة السياقية غير التصريحية، والمقاربات البنيوية والسيميائية والنفسية، إضافة إلى الأفق الصوفي، بهدف الكشف عن البنية الدلالية العميقة التي يقوم عليها النص. وتُظهر القراءة أن الزمن في القصيدة لا يُقاس بالامتداد الكمي، بل بكثافة اللحظة وامتلائها الوجودي، حيث تتحوّل اللحظة إلى معادل رمزي للفردوس.</strong></p>
<p><strong>كما تكشف الدراسة عن حضور الطفولة بوصفها حالة كينونية وروحية، لا مرحلة عمرية، وعن الجسد بوصفه فضاءً للخصب والخلق، لا موضعًا للخطيئة. وتُبرز القراءة الصوفية العشق باعتباره تجربة كاشفة تُعلّق الزمن وتُعيد وصل الأضداد، في حين توضّح  والمقاربات البنيوية والسيميائية كيف تُبنى القصيدة على شبكة من الثنائيات والعلامات المنزاحة التي تُنتج المعنى عبر التفاعل لا الفصل.</strong></p>
<p><strong>وتخلص الدراسة إلى أن القصيدة تمثّل تجربة شعرية مركّبة، ترى في العشق فعلًا لمقاومة الفناء، وفي اللحظة المكتملة شكلًا من أشكال الخلود، بما يجعل النص مفتوحًا على مستويات متعددة من التأويل، ويؤكّد ثراءه الدلالي والجمالي.</strong></p>
<h2><strong>أولًا: سؤال الزمن وكثافة اللحظة</strong></h2>
<p><strong>يفتتح الشاعر نصه بسؤال ظاهره الاستفهام وباطنه التفكيك: «يومان في الفردوس؟ أم لحظتان؟»</strong></p>
<p><strong>لا يبحث هذا السؤال عن إجابة عددية، بل يزعزع مفهوم الزمن الخطي القائم على الامتداد والقياس. فالزمن في القصيدة لا يُقاس بطوله، بل بكثافته الكينونية؛ إذ تصبح اللحظة المكتملة معادلة لعمر كامل، بينما يفقد الامتداد الفارغ قيمته. وهنا ينتقل الزمن من كونه إطارًا خارجيًا إلى كونه تجربة معيشة، تُقاس بالامتلاء لا بالعدّ.</strong></p>
<h2><strong>ثانيًا: اللازمان واللامكان – تعليق الكينونة</strong></h2>
<p><strong>تستند القصيدة إلى ثنائية اللازمان واللامكان بوصفها آلية شعرية لتعليق شروط الوجود المألوف. فاللازمان لا يعني نفي الزمن، بل تعطيله بوصفه سلطة قاهرة، وتحويله إلى حضور خالص. أما اللامكان، فهو نفي للتثبيت الجغرافي، بما يجعل التجربة العشقية حالة وجودية لا تُؤرشف ولا تُستعاد، بل تُعاش في لحظتها.</strong></p>
<h2><strong>ثالثًا: الطفولة بوصفها حالة وجودية</strong></h2>
<p><strong>تتكرر صورة الطفولة في القصيدة بوصفها استعارة مركزية، لا تحيل إلى عمر بيولوجي، بل إلى حالة وجودية تتسم بالعفوية، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة هنا ليست حنينًا إلى الماضي، بل عودة إلى الحضور الخالص، حيث تُعاش اللحظة دون خوف من الفقد أو القلق من الامتداد.</strong></p>
<h2><strong>رابعًا: الجسد بين الخصب والقداسة</strong></h2>
<p><strong>يقدّم السماوي الجسد بوصفه فضاءً للخلق لا للخطيئة. فالرموز الزراعية المتكررة، مثل المحراث، والتنّور، والقمح، تحيل إلى دورة الحياة والخصب والاستمرار، لا إلى الشهوة المجردة. الجسد في هذا السياق لا يُعرّى، بل يُنير، ولا يُستهلك، بل يُثمر، ليغدو العشق فعلًا كونيًا يشارك في إعادة إنتاج المعنى.</strong></p>
<h2><strong>خامسًا: العشق بوصفه صلاة موازية</strong></h2>
<p><strong>في لحظة مفصلية، يلتقي العشق بالمقدّس، لا بوصفه نقيضًا له، بل بوصفه امتدادًا وجوديًا له. فالدعاء الذي يسبق الأذان لا يُطلب فيه الخلاص الأخروي، بل تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل. العشق هنا يتحوّل إلى طقس وجودي، لا يناقض الإيمان، بل يعيد تعريفه بوصفه حضورًا ممتلئًا.</strong></p>
<h2><strong>سادسًا: قراءة سياقية غير تصريحية – الطفل بوصفه حضورًا دلاليًا خفيًا</strong></h2>
<h2><strong>لا تُقدّم القصيدة الطفل بوصفه شخصية نصيّة سردية مكتملة، ولا تُقيم حوله مشهدًا حكائيًا مباشرًا، على الرغم من حضور لفظي صريح لصورة «الطفلين». غير أنّ البنية الدلالية للنص تتيح قراءة سياقية تستند إلى ما يمكن تسميته بـ«الحضور غير التصريحي»، حيث يتحوّل الطفل من كيان سردي إلى علامة رمزية تُحيل إلى لحظة كينونية يتقاطع فيها استرجاع الطفولة مع وعي الشيخوخة، بما يتجاوز التفسير الغزلي المحض، ويفتح أفقًا تأويليًا أعمق يتصل بسؤال الامتداد والاكتمال.</strong></h2>
<p><strong>يتجلّى هذا الحضور في الإلحاح على تعليق الزمن، وفي استدعاء مفردات الخريف، والخصب، والقمح، وهي علامات تعبّر عن وعيٍ ما بعد اكتمالي يرى في الحياة سلسلة متصلة لا لحظة منفصلة. فالزمن في هذا السياق لا يُستعاد بوصفه ماضيًا، بل يُعاد تشكيله بوصفه حضورًا ممتدًا، تتداخل فيه البداية والنهاية ضمن رؤية وجودية واحدة.</strong></p>
<p><strong>وفي هذا الإطار، يمكن تأويل صورة «الطفلين» بوصفها تمثيلًا مزدوجًا: طفلٍ يحضر بوصفه رمزًا للحياة المتجددة والامتداد الإنساني، وذاتٍ ناضجة تستعيد طفولتها عبر هذا الحضور، لا عبر الحنين أو الاسترجاع العاطفي. فالطفولة هنا ليست مرحلة زمنية، بل حالة كينونية  تُحرّر الذات من ثقل الحساب الزمني، وتعيدها إلى دهشة الوجود الأولى.</strong></p>
<p><strong>وبهذا المعنى، لا يغدو الطفل عنصرًا سرديًا داخل النص، ولا إحالة سيرية مباشرة، بل يتحوّل إلى قوة دلالية محرّكة، تُعيد صياغة علاقة الشاعر بالزمن والمعنى، وتمنح القصيدة عمقها الوجودي، دون أن تُقحمها في إطار تأويلي مغلق أو قراءة سِيَرية قسرية.</strong></p>
<h2><strong>سابعًا: النصفان المستجمعان – اكتمال الكينونة</strong></h2>
<p><strong>تُختتم القصيدة باستعارة حبة القمح، بوصفها رمزًا للاكتمال المشروط بالانقسام. فالإنسان بلا نصفه الآخر وجود ناقص، بلا معنى، يتحوّل إلى ما يشبه الدخان. العشق هنا ليس إضافة عاطفية، بل شرط اكتمال وجودي، يعيد الكائن إلى صورته الأولى، حيث لا فردية معزولة، بل وحدة مزدوجة.</strong></p>
<h2><strong>ثامنًا: تفسير الأبيات في ضوء البنية الدلالية</strong></h2>
<h3><strong>1. حسام الشوق وغصن البان</strong></h3>
<p><strong>السيف هنا هو «حسام الشوق»، أي طاقة العشق المكبوتة التي تتحوّل إلى فعل. والكرّ باللثم على غصن البان يترجم اندفاعًا لا افتراسًا، حيث تتحوّل لغة الحرب إلى لغة قبلة.</strong></p>
<h3><strong>2. زيق القميص والفرقدان</strong></h3>
<p><strong>الانكشاف عبر زيق القميص لا يُقدَّم كفضيحة، بل كإشراق، إذ يشعّ الضحى من الجسد كما يشعّ الفرقدان في الدجى.</strong></p>
<h3><strong>3. المحراث والتنّور وجمر المغان</strong></h3>
<p><strong>رموز الخصب تؤكد أن العشق فعل خلق واستمرار، حيث الجسد أداة إثمار لا استهلاك.</strong></p>
<h3><strong>4. العصفورتان في الغيث</strong></h3>
<p><strong>صورة البراءة والهشاشة، حيث الشيخ يستعيد طفولته عبر هذا الارتجاف.</strong></p>
<h3><strong>5. محراب الصلاة والحان</strong></h3>
<p><strong>الجمع بين المقدّس والدنيوي، حيث العشق طقس وجودي لا ينفي الإيمان.</strong></p>
<h3><strong>6. النصفان المستجمعان وحبة القمح</strong></h3>
<p><strong>اكتمال الكينونة عبر الآخر، حيث يصبح الإنسان بلا امتداد وجودًا ناقصًا.</strong></p>
<h2><strong>تاسعًا: القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا</strong></h2>
<h2><strong>تاسعًا: قراءة بنيوية للقصيدة</strong></h2>
<h2><strong>تقوم البنية الداخلية للقصيدة على نظام من الثنائيات المتقابلة التي تُنتج المعنى عبر التوتر لا عبر السرد. فالعنوان نفسه يؤسس لهذا البناء البنيوي القائم على المفاضلة بين الامتداد الزمني («يومان») والكثافة الوجودية («لحظتان»)، وهو تقابل يتكرّر في مختلف مستويات النص.</strong></h2>
<p><strong>على المستوى الدلالي، تتوزع القصيدة على حقول متقابلة:</strong></p>
<ul>
<li><strong>الزمن/اللازمن</strong></li>
<li><strong>الطفولة/النضج</strong></li>
<li><strong>المقدّس/الدنيوي</strong></li>
<li><strong>الماء/النار</strong></li>
</ul>
<p><strong>ولا تعمل هذه الثنائيات بوصفها تناقضات حادّة، بل بوصفها عناصر متجاورة داخل بنية واحدة، حيث يُعاد إنتاج المعنى من خلال الجمع لا الفصل. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يتجاور معه، كما لا تُلغى الصلاة بالاشتهاء، بل يُعاد تعريفهما داخل وحدة دلالية واحدة.</strong></p>
<p><strong>أما على المستوى التركيبي، فتتسم القصيدة بحركة دائرية تبدأ بالسؤال وتنتهي بالاكتمال الرمزي (حبة القمح)، بما يمنح النص بنية مغلقة نسبيًا، تُحيل النهاية إلى البداية، وتؤكد أن الاكتمال لا يتحقق بالامتداد الخطي، بل بالعودة إلى الجوهر.</strong></p>
<p><strong>وتُسهم الصور المتكررة ذات الطابع الزراعي والكوني في تثبيت هذه البنية، إذ تعمل بوصفها وحدات دلالية متوازنة، تتكرر بصيغ مختلفة دون أن تفقد وظيفتها البنيوية، مما يمنح النص تماسكًا داخليًا قائمًا على التكرار التحويلي لا التكرار اللفظي.</strong></p>
<p><strong>وبذلك، يمكن القول إن القصيدة تُبنى بنيويًا على جدلية الأضداد المتآلفة، حيث لا يُنتج المعنى من عنصر واحد، بل من العلاقة التي تنشأ بين العناصر داخل النسق النصي.</strong></p>
<p><strong>عاشرًا: القراءة السيميائية للقصيدة </strong><strong> </strong></p>
<p><strong>تقوم البنية السيميائية للقصيدة على تحويل العلامات من معناها التداولي المباشر إلى معنى رمزي مركّب، حيث لا تعمل الصورة الشعرية بوصفها وصفًا، بل بوصفها علامة دلالية تُنتج المعنى عبر الانزياح والتراكب.</strong></p>
<p><strong>يُعدّ العنوان نفسه علامة سيميائية مركزية، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للقياس، و«اللحظة» بوصفها وحدة وجودية غير قابلة للعدّ. هذا التقابل لا يُحسم لصالح أحد الطرفين، بل يُبقي المعنى معلّقًا، بما ينسجم مع رؤية القصيدة لتعليق الزمن وإعادة تعريفه.</strong></p>
<p><strong>وتتجلّى السيميائية بوضوح في العلامات الزراعية المتكررة، مثل المحراث، التنّور، القمح، التي تنزاح من دلالتها المادية إلى دلالة وجودية، حيث تتحوّل إلى رموز للخصب، والاستمرار، والاكتمال. فـ«حبة القمح» لا تُقرأ بوصفها عنصرًا غذائيًا، بل بوصفها علامة على الكينونة المكتملة المشروطة بالانقسام، إذ لا تتحقق دلالتها إلا عبر نصفها الآخر.</strong></p>
<p><strong>كما تعمل العلامات الكونية، مثل الليل، الضحى، الفرقدان، بوصفها إشارات إلى الانتقال من العتمة إلى الكشف، ومن الغياب إلى الحضور. وهي علامات لا تؤدي وظيفة وصفية، بل تؤسس لمسار دلالي يُعيد ترتيب العلاقة بين الجسد والنور، وبين العشق والمعرفة.</strong></p>
<p><strong>أما ثنائية المحراب والحان، فتُعدّ من أكثر العلامات السيميائية كثافة، إذ تُنتج معناها من الجمع بين المقدّس والدنيوي، لا من الفصل بينهما. فالمحراب لا يُلغى بالحان، بل يُعاد تعريفه داخله، لتتحوّل العلامة الدينية إلى علامة وجودية، والعشق إلى طقس دلالي موازٍ للصلاة.</strong></p>
<p><strong>وفي هذا السياق، تكتسب صورة &#8220;الفرقدين&#8221; كثافة سيميائية خاصة، إذ تنزاح من دلالتها اللغوية بوصفها نجمين يُستدلّ بهما على الثبات والاهتداء، إلى إحالة جسدية–كونية تُعيد شحن العلامة بمعنى الخصوبة والجذب والامتلاء. فالفرقدان لا يحضران بوصفهما عنصرًا فلكيًا وصفيًا، بل يتحوّلان إلى قطبين دلاليين يُعيدان تنظيم العلاقة بين الجسد والنور، حيث يغدو الجسد مركزًا للهداية لا نقيضًا لها، وتتحوّل العلامة السماوية إلى رمز وجودي يربط العشق بالكشف، لا بالاشتهاء العابر.</strong></p>
<p><strong>وبذلك، تُبنى القصيدة سيميائيًا على شبكة من العلامات المنزاحة، التي لا تُحيل إلى مدلول واحد ثابت، بل تُنتج معناها عبر التفاعل بين الحقول الدلالية المختلفة، مما يجعل النص مفتوحًا على تعدد التأويل، دون أن يفقد تماسكه الداخلي.</strong></p>
<p><strong>أ<em>حدَ عشرَ</em>: التحليل النفسي للقصيدة    </strong><strong>                                                                                                                   وتنفتح هذه القراءة، إلى جانب مقارباتها البنيوية والسيميائية والأنطولوجية، على أفق نفسي–وجودي، ويتجلّى هذا البعد النفسي–الوجودي في استدعاء الطفولة لا بوصفها زمنًا منقضيًا، بل حالة شعورية تستعاد في لحظة العشق، حيث يتقاطع الحنين مع وعي الفناء، ويغدو الزمن تجربة داخلية مشحونة بالتوتّر بين الرغبة في الاكتمال والخوف من الانطفاء.                                                                                                                                   </strong></p>
<h2><strong><em>الثاني عشرَ</em></strong><strong>:</strong><strong> القراءة الصوفية – العشق بوصفه كشفًا روحيًا</strong></h2>
<p><strong>تنهض القصيدة على رؤية صوفية للعشق بوصفه كشفًا </strong><strong>روحيًا</strong> <strong>لا تجربة عاطفية عابرة. فالعشق هنا ليس غاية في ذاته، بل طريق إلى تجاوز الزمن، وتعليق القياس، والدخول في لحظة حضور مطلق، وهي لحظة تتقاطع مع مفهوم «الوقت» في التجربة الصوفية، حيث لا يُقاس الزمن بالامتداد، بل بالامتلاء.</strong></p>
<p><strong>يؤسس العنوان نفسه لهذا الأفق الصوفي، إذ يقيم مفاضلة بين «اليوم» بوصفه وحدة زمنية قابلة للعدّ، و«اللحظة» بوصفها زمن الكشف. فاللحظة في التصوف هي لحظة الفتح، حيث يتكثّف الوجود، ويذوب الامتداد، ويغدو الزمن حالة شعورية لا إطارًا خارجيًا. ومن هنا، يصبح السؤال: «يومان أم لحظتان؟» سؤالًا عن طبيعة الوجود لا عن مدته.</strong></p>
<p><strong>وتتجلّى الصوفية بوضوح في ثنائية «المحراب والحان»، التي لا تُطرح بوصفها تضادًا أخلاقيًا، بل بوصفها وحدة وجودية. فالمحراب لا يُلغى بالحان، كما لا يُلغى الحان بالمحراب، بل يلتقيان في نقطة واحدة هي العشق بوصفه طقسًا كونيًا. وهذا الالتقاء يعكس الرؤية الصوفية التي ترى أن الطريق إلى المطلق لا يمرّ عبر نفي الجسد، بل عبر تطهيره وتحويله إلى وسيلة للمعنى.</strong></p>
<p><strong>كما تحضر ثنائية الماء والنار بوصفها رمزًا صوفيًا مركزيًا، حيث لا تعمل العناصر بوصفها متناقضات، بل بوصفها قوى متكاملة. فالنار هنا ليست إحراقًا، بل شوقًا، والماء ليس إطفاءً، بل صفاءً. وبهذا، يتحوّل العشق إلى حالة توازن بين الاحتراق والسكينة، وهي من سمات التجربة الصوفية العميقة.</strong></p>
<p><strong>أما صورة الطفولة، فتُقرأ صوفيًا بوصفها عودة إلى الفطرة الأولى، حيث البراءة، وغياب الحساب، والتحرّر من ثقل الزمن الاجتماعي. فالطفولة ليست مرحلة عمرية، بل حالة روحية يسعى المتصوف إلى استعادتها عبر الفناء في المحبوب، والانعتاق من الأنا.</strong></p>
<p><strong>وفي هذا السياق، يصبح تعليق الزمن، وسجن الساعات، ومنع الثواني من التسلّل، تعبيرًا عن الرغبة في الخروج من الزمن الدنيوي إلى زمن الكشف، حيث لا بداية ولا نهاية، بل حضور دائم. وهكذا، تتحوّل القصيدة إلى تجربة وجدانية تقترب من خطاب العشق الصوفي، الذي يرى في الحب طريقًا إلى المعرفة، وفي الجسد معبرًا إلى الروح، وفي اللحظة الفردوس الحقيقي.</strong></p>
<h3><strong>خلاصة صوفية</strong></h3>
<p><strong>تقدّم القصيدة رؤية صوفية للعشق بوصفه حالة فناء في الحضور، لا علاقة عابرة، حيث يتجاوز الإنسان الزمن، ويتصالح مع الأضداد، ويستعيد دهشته الأولى. وبذلك، لا يكون الفردوس مكانًا مؤجّلًا، بل لحظة مكتملة تُعاش خارج القياس، في قلب العشق ذاته.</strong></p>
<h2><strong>خاتمة</strong></h2>
<p><strong>تقدّم قصيدة «يومان في الفردوس أم لحظتان» رؤية شعرية عميقة ترى في العشق مقاومة للزمن، وتعليقًا للفناء، واستعادة للوجود الأصيل. فالزمن لا يُقاس بعدد الأيام، بل بقدرة اللحظة على أن تكون فردوسًا. وهكذا، لا تغدو القصيدة احتفاءً بلحظة عشق فحسب، بل فعل نجاة وجودية، حيث تصبح الشيخوخة قابلة للتجاوز عبر الامتلاء بالحياة في أكثر صورها صفاءً، سواء تجلّت في العشق، أو في الامتداد الإنساني الذي يعيد للذات دهشتها الأولى. كما تُظهر القراءات الصوفية والبنيوية–السيميائية أن النص مفتوح على مستويات متعددة من التأويل، مما يؤكد ثراءه وعمقه، ويجعل منه تجربة شعرية تتجاوز الغزل إلى أفق فلسفي وروحي ودلالي متكامل.</strong></p>
<p><strong>نص القصيدة </strong></p>
<p><strong>يـومـان ؟ أم لـحـظـتـان  ؟</strong></p>
<p><strong> </strong></p>
<p><strong>يَـومـانِ فـي الـفـردوسِ  ؟</strong></p>
<p><strong>أمْ  لـحـظـتـانْ ؟</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>عـشـنـاهـمـا طـفـلـيـنِ</strong></p>
<p><strong>فـي الـلازمـانْ ؟</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>مَـرّا كـمـا الأحـلامُ  فـي مُـقـلـةٍ</strong></p>
<p><strong>أدمـنـتِ الـسـهـادَ فـي اللامـكـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>فـي جَـنَّـةٍ أرضـيَّـةٍ عَـرضُـهـا</strong></p>
<p><strong>عـشـرةُ أنـهـارٍ وبَـحـرا أغـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>مـا وطـأتْـهـا قـدمٌ قـبـلَـنـا</strong></p>
<p><strong>ولا اخـتـلـى فـي فـيـئِـهـا عـاشـقـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>طـفـلـيـنِ  لـم يَـدَّخِـرا لُـعـبـةً</strong></p>
<p><strong>إلآ  ومـن لَـذّاتِـهـا يـنـهـلانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>يَـسـتـجـديـانِ الـليـلَ لا يـنـجـلـي (*)</strong></p>
<p><strong>والـصـبـحَ أنْ يـبـقـى حَـبـيـسَ الأوانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>نـامـا ـ ومـا نـامـا ـ وإنْ أطـبَـقَـتْ</strong></p>
<p><strong>جـفـونَـهـا مـن خَـدَرٍ  مُـقـلـتـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>تَـبَـتَّـلا </strong></p>
<p><strong>واسـتَـمـطـرا غـيـمـةً  ..</strong></p>
<p><strong>وابتهلا</strong></p>
<p><strong>قُـبـيـلَ صَـوتِ الأذانْ :</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>أنْ  تُـسْـجَـنَ الـسـاعـاتُ فـي حُـجـرَة</strong></p>
<p><strong>صَـمّـاءَ</strong></p>
<p><strong>لا تـنـفـذ مـنـهـا  الـثـوانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>شَـمَّـرَ عـن خـريـفِـهِ حـاسِـرًا</strong></p>
<p><strong>عـن شَـبَـقِ الـربـيـعِ  للأقـحـوانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>سَــلَّ حـسـامَ الـشـوقِ مـن غِـمـدِهِ</strong></p>
<p><strong>وكَـرَّ بـالـلـثـمِ عـلى</strong></p>
<p><strong>غُـصـنِ بـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>وشَـعَّ مـن زيـقِ الـقـمـيـصِ الـضـحـى</strong></p>
<p><strong>كـمـا يـشـعُّ فـي الـدُّجـى  الـفرقـدانْ (** )</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>راوَدَهـا عـن خـبـزِ تـنُّـورِهـا</strong></p>
<p><strong>فـأطـعَـمَـتْ  ..</strong></p>
<p><strong>فـكـانَ  نَـهـمًـا .. وكـانْ ..</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>فـاسـتـيـقـظَ الـمـحراثُ مـن نـومِـهِ</strong></p>
<p><strong>وشَـبَّ فـي الـتـنُّـورِ جَـمـرُ</strong></p>
<p><strong>الـمَـغـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>تـنـاولا ألـذَّ مـا يُـشـتـهـى ..</strong></p>
<p><strong>وارتَـشَـفـا  مـن الـرَّحـيـقِ</strong></p>
<p><strong>الـدِّنـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>ِمَـكَّـنـهـا مـن حُـضـنِـهِ  فـاغـتـدَتْ</strong></p>
<p><strong>مـشـكـاتَـهُ والـبـدرَ  والـشـمْـعَـدانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>ومَـكَّـنـتْـهُ مـن فـراديـسِـهـا</strong></p>
<p><strong>يـقـطـفُ مـن قـاصٍ خـبـيءٍ</strong></p>
<p><strong>ودانْ </strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>مـا اسْــتـَـفـتَـيـا غـيـرَ سـريـرِ الـهـوى</strong></p>
<p><strong>ولا سـوى نـشـوتِـهِ يـطـلـبـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>ألـبَـسَـنـا الـلـيـلُ  : الـدُّجـى ..</strong></p>
<p><strong>والـضـحـى</strong></p>
<p><strong>دَثَّـرَنـا : صَـبَّـًا مَـشـوقـًا</strong></p>
<p><strong>بِـثـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>وقـامَ بَـردٌ فـارتـجَـفـنـا كـمـا</strong></p>
<p><strong>تَـبَـلَـلـتْ فـي الـغـيـثِ</strong></p>
<p><strong>عـصـفـورتـانْ  (***)</strong></p>
<p><strong>** </strong></p>
<p><strong>ألـبَـسـتُـهـا مِـنْ قُـبَـلٍ بُـردة  ..</strong></p>
<p><strong>وألـبَـسَـتـنـي مِـعـطـفـًا مـن جُـمـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>كـيـفَ الـتـقَـيـنـا يـاسـريـرَ الـمُـنـى</strong></p>
<p><strong>مـاءٌ ونـيـرانٌ  ..</strong></p>
<p><strong>وأُنـسٌ وجـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>إنْ  عَـطِـشـا</strong></p>
<p><strong>صَـبَـا بـكـأسَــيـهِـمـا</strong></p>
<p><strong>سُــلافـةَ الـلـثـمِ</strong></p>
<p><strong>ويَـسـتَـطـمِـعـانْ :</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>بِـشَـمِّ زهـرِ الـلـوزِ فـي روضـةٍ</strong></p>
<p><strong>أنـدى مـن الـرَّيـحـانِ  والـزُّعـفـرانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>ويـقـطِـفـانِ مـنْ جِـنـى واحـةٍ</strong></p>
<p><strong>مـا لـمْ تـنَـلْـهُ مـن قـطـوفٍ يَـدانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>يـومـانِ فـي الـفـردوسِ ؟</strong></p>
<p><strong>أمْ لـحـظـتـانْ</strong></p>
<p><strong>مـا بـيـنَ مـحـرابِ صـلاةٍ</strong></p>
<p><strong>وحـانْ !</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>تَـشـابـهـا</strong></p>
<p><strong>حـتـى كـأنْ لـم يـكـنْ</strong></p>
<p><strong>بـيـنـهـا فـرقٌ</strong></p>
<p><strong>كـمـا تـوأمـانْ :</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>كـلاهـمـا  يـسـعـى الـى حَـتـفِـهِ</strong></p>
<p><strong>عـشـقـًـا  ..</strong></p>
<p><strong>هـمـا  :</strong></p>
<p><strong>نِـصـفـانِ  مُـسـتَـجْـمَـعـانْ</strong></p>
<p><strong>*</strong></p>
<p><strong>كـ&#8221; حَـبَّـةِ الـقـمـحِ &#8221; : (****)</strong></p>
<p><strong>بـلا نـصـفِـهـا</strong></p>
<p><strong>تُـصـبـحُ كـاللاشـيءِ</strong></p>
<p><strong>صـنـوَ الـدخـانْ</strong></p>
<p><strong>*** </strong></p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
