إنها حرب وجود لو كنتم تعلمون. – نجاح محمد علي

 

صحافي استقصائي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية  –

أصبح جلياً القول بعد “طوفان الأقصى ” وتداعياتها الإقليمية والدولية إننا نواجه حملة  صليبية جديدة ظهرت ملامحها حتى قبل تلك العملية النوعية الفارقة بين الحق والباطل،  وبذلك تبرز أيضاً بشكل أقوى خارطة الصمود وأبعاد المواجهة التي يتبناها محور المقاومة .

فقد اكدت عملية “طوفان الأقصى” أن المقارنة بين الحملات الصليبية والحروب الأمريكية الحديثة ليست مجرد طرح نظري، بل هي تحليل لسياقات تأريخية واستراتيجيات متشابهة تتجلى بأشكال متجددة. كان شعار “ديوس فولت” الذي رفعه الصليبيون في القرن الحادي عشر تعبيرًا عن حرب دينية مقدسة ضد الشرق الإسلامي، تمامًا كما يستخدم اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة اليوم خطاب “الحرب المقدسة ضد الإرهاب”، مدمجًا المفاهيم الدينية لتبرير سياسات استعمارية حديثة.

وبالفعل ، شكلت إدارة ترامب نقطة تحول في هذا المسار، حيث احتضنت شخصيات مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي نقش على ذراعه وزير الدفاع، وشما لكلمة “كافر” بالعربية وفوقه كلمة باللاتينية “ديوس فولت” Deus Vult” التي تعني “الرب يريد أو إن شاء الله ذلك” و التي كانت صرخة حماسية للحملة الصليبية الأولى ضد المسلمين ورمزا لها.

هيغسيث صرّح في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” (2020) بأن الهدف الأساس للسياسة الأمريكية هو إخضاع العالم الإسلامي ثقافيًا وعسكريًا. لكن الأكثر لفتًا للانتباه هو أن هذا الخطاب لم يقتصر على التيار المحافظ، بل امتد إلى ديمقراطيين مثل جو بايدن، الذي أعلن في أثناء رئاسته بعد الانسحاب من أفغانستان أن “أمريكا ستُعيد ترتيب أوراقها لمواجهة تهديدات أكثر خطورة”، في إشارة واضحة إلى محور المقاومة والصين.

في العموم، تعتبر الأدبيات الغربية، خاصة تلك الصادرة عن مراكز أبحاث مرتبطة بالتيار الصهيو صليبي، دليلًا واضحًا على استراتيجية “الاحتواء الشامل” للإسلام المقاوم. كتاب هيغسيث يربط صراحة بين “الحرب على الإرهاب” وضرورة فرض الهيمنة الأمريكية على العالم الإسلامي، معتبرًا أن الغرب يعيش لحظة تأريخية مشابهة للحروب الصليبية. هذا الخطاب يتقاطع مع أفكار وثائق صهيونية كلاسيكية مثل “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي تسعى إلى إبقاء العالم الإسلامي في حالة انقسام دائم. ويُعد تقرير معهد أطلانتا الصهيوني (2023) مثالًا صارخًا، حيث يدعو إلى “تفكيك الدولتين السورية والعراقية كمدخل للسيطرة على طرق نقل الطاقة الإسلامية”، مما يفسر التركيز الغربي على زعزعة استقرار هاتين الدولتين.

وبينما يعتمد المشروع الصهيوني-الأمريكي على فرضية أن أي دولة في المنطقة تمتلك مقومات القوة يجب استنزافها عسكريًا واقتصاديًا ، مثلت سوريا نموذجًا لهذا الاستهداف، حيث كشفت وثائق ويكيليكس أن السفيرة الأمريكية آن باترسون رأت أن “إسقاط الأسد سيقطع خط الإمداد الإيراني لحزب الله، مما يمهد لصفقة سلام تخدم الاحتلال الإسرائيلي”.  وتحولت الدول المطبعة مع كيان الاحتلال إلى أدوات في هذه الحرب، كما يُظهر تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي (2021) الذي يمدح “اتفاقات أبراهام” لدورها في “إضعاف الروح الجهادية لدى الفلسطينيين عبر الحصار الاقتصادي والنفسي”.

لا يقتصر محور المقاومة على تحالف سياسي أو عسكري، بل يرتكز على رؤية عقائدية ترفض الهيمنة الغربية بشكل مطلق. خطاب الإمام الخميني قدس سره في 1979 وضع الأساس النظري لهذا المحور، مؤكدًا أن “الاستكبار العالمي لن يتوقف إلا بمواجهة مقاومة صلبة”. تحرير جنوب لبنان عام 2000 كان أولى ثمار هذه العقيدة، حيث حطم حزب الله أسطورة الجيش {الإسرائيلي} الذي لا يُقهر، وهو ما تكرر في حروب غزة بفرض الفصائل الفلسطينية لقواعد اشتباك جديدة.
فامتداد محور المقاومة إلى العراق واليمن شكل تهديدًا استراتيجيًا للهيمنة الأمريكية، حيث تصدى الحشد الشعبي في العراق لمشاريع التقسيم، بينما قلبت صواريخ أنصار الله موازين القوى في البحر الأحمر، وفق وثيقة للبنتاغون (2022).

و إذ لم يعتمد محور المقاومة على الأدوات العسكرية فحسب، فقد استخدم أدوات إعلامية وثقافية لكسر الهيمنة الغربية على الوعي الجمعي.
ويمكن ملاحظة تقرير “راند كوربوريشن” (2023) الذي يحذر من “تأثير خطاب المقاومة المتزايد بين الشباب الأوروبي، خاصة في الجامعات، بسبب فضح ازدواجية المعايير الغربية”. فالغرب الذي يتغنى بالديمقراطية هو نفسه الذي دعم أنظمة استبدادية لخدمة مصالحه، كما يكشف مايكل هدسون في كتابه “الإمبراطورية الأمريكية الجديدة”، حيث أصبحت حقوق الإنسان مجرد ذريعة للتدخلات العسكرية. بينما يكشف تصريح القس جيري فالويل على فوكس نيوز (2020) بأن “دعم إسرائيل واجب ديني لتمهيد عودة المسيح” الجذور الدينية للسياسات الأمريكية.

نعم ، بات واضحاً منذ سنوات كيف تتحول السياسات الأمريكية إلى أدوات تنفيذية للمخططات الصهيونية،  ويؤكد تصريح رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إيهود باراك (2018) بأن “الدول العربية المطبعة ستكون قواعد متقدمة لحماية إسرائيل”. وبذلك يعيد الغرب إنتاج الحملات الصليبية بأدوات عصرية، من القواعد العسكرية في سوريا والعراق إلى الحرب الثقافية عبر خطاب “السلام” المزيف، والعقوبات الاقتصادية التي تخنق الشعوب.
لكن التأريخ يعلمنا أن الحملات الصليبية لم تسقط بالمفاوضات، بل بالمقاومة، كما وثق ذلك المؤرخون.
وهاهو اليوم محور المقاومة ، يعيد من طهران إلى بيروت وصنعاء رسم معادلة الردع، مؤكدًا كلمات السيد حسن نصر الله: “سنسقط طائراتكم.. نبيع ملابسنا ونقاتل”. فهذا الصراع ليس تنافسًا سياسيًا عابرًا، بل حرب وجودية على الإسلام المقاوم، تتطلب موقفًا حاسمًا بكل الوسائل الممكنة.

إنها حرب وجود لو كنتم تعلمون.

نجاح محمد علي صحافي استقصائي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية

أصبح جلياً القول بعد “طوفان الأقصى ” وتداعياتها الإقليمية والدولية إننا نواجه حملة  صليبية جديدة ظهرت ملامحها حتى قبل تلك العملية النوعية الفارقة بين الحق والباطل،  وبذلك تبرز أيضاً بشكل أقوى خارطة الصمود وأبعاد المواجهة التي يتبناها محور المقاومة .

فقد اكدت عملية “طوفان الأقصى” أن المقارنة بين الحملات الصليبية والحروب الأمريكية الحديثة ليست مجرد طرح نظري، بل هي تحليل لسياقات تأريخية واستراتيجيات متشابهة تتجلى بأشكال متجددة. كان شعار “ديوس فولت” الذي رفعه الصليبيون في القرن الحادي عشر تعبيرًا عن حرب دينية مقدسة ضد الشرق الإسلامي، تمامًا كما يستخدم اليمين المسيحي المتطرف في الولايات المتحدة اليوم خطاب “الحرب المقدسة ضد الإرهاب”، مدمجًا المفاهيم الدينية لتبرير سياسات استعمارية حديثة.

وبالفعل ، شكلت إدارة ترامب نقطة تحول في هذا المسار، حيث احتضنت شخصيات مثل وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي نقش على ذراعه وزير الدفاع، وشما لكلمة “كافر” بالعربية وفوقه كلمة باللاتينية “ديوس فولت” Deus Vult” التي تعني “الرب يريد أو إن شاء الله ذلك” و التي كانت صرخة حماسية للحملة الصليبية الأولى ضد المسلمين ورمزا لها.

هيغسيث صرّح في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية” (2020) بأن الهدف الأساس للسياسة الأمريكية هو إخضاع العالم الإسلامي ثقافيًا وعسكريًا. لكن الأكثر لفتًا للانتباه هو أن هذا الخطاب لم يقتصر على التيار المحافظ، بل امتد إلى ديمقراطيين مثل جو بايدن، الذي أعلن في أثناء رئاسته بعد الانسحاب من أفغانستان أن “أمريكا ستُعيد ترتيب أوراقها لمواجهة تهديدات أكثر خطورة”، في إشارة واضحة إلى محور المقاومة والصين.

في العموم، تعتبر الأدبيات الغربية، خاصة تلك الصادرة عن مراكز أبحاث مرتبطة بالتيار الصهيو صليبي، دليلًا واضحًا على استراتيجية “الاحتواء الشامل” للإسلام المقاوم. كتاب هيغسيث يربط صراحة بين “الحرب على الإرهاب” وضرورة فرض الهيمنة الأمريكية على العالم الإسلامي، معتبرًا أن الغرب يعيش لحظة تأريخية مشابهة للحروب الصليبية. هذا الخطاب يتقاطع مع أفكار وثائق صهيونية كلاسيكية مثل “بروتوكولات حكماء صهيون”، التي تسعى إلى إبقاء العالم الإسلامي في حالة انقسام دائم. ويُعد تقرير معهد أطلانتا الصهيوني (2023) مثالًا صارخًا، حيث يدعو إلى “تفكيك الدولتين السورية والعراقية كمدخل للسيطرة على طرق نقل الطاقة الإسلامية”، مما يفسر التركيز الغربي على زعزعة استقرار هاتين الدولتين.

وبينما يعتمد المشروع الصهيوني-الأمريكي على فرضية أن أي دولة في المنطقة تمتلك مقومات القوة يجب استنزافها عسكريًا واقتصاديًا ، مثلت سوريا نموذجًا لهذا الاستهداف، حيث كشفت وثائق ويكيليكس أن السفيرة الأمريكية آن باترسون رأت أن “إسقاط الأسد سيقطع خط الإمداد الإيراني لحزب الله، مما يمهد لصفقة سلام تخدم الاحتلال الإسرائيلي”.  وتحولت الدول المطبعة مع كيان الاحتلال إلى أدوات في هذه الحرب، كما يُظهر تقرير مجلس الأمن القومي الأمريكي (2021) الذي يمدح “اتفاقات أبراهام” لدورها في “إضعاف الروح الجهادية لدى الفلسطينيين عبر الحصار الاقتصادي والنفسي”.

لا يقتصر محور المقاومة على تحالف سياسي أو عسكري، بل يرتكز على رؤية عقائدية ترفض الهيمنة الغربية بشكل مطلق. خطاب الإمام الخميني قدس سره في 1979 وضع الأساس النظري لهذا المحور، مؤكدًا أن “الاستكبار العالمي لن يتوقف إلا بمواجهة مقاومة صلبة”. تحرير جنوب لبنان عام 2000 كان أولى ثمار هذه العقيدة، حيث حطم حزب الله أسطورة الجيش {الإسرائيلي} الذي لا يُقهر، وهو ما تكرر في حروب غزة بفرض الفصائل الفلسطينية لقواعد اشتباك جديدة.
فامتداد محور المقاومة إلى العراق واليمن شكل تهديدًا استراتيجيًا للهيمنة الأمريكية، حيث تصدى الحشد الشعبي في العراق لمشاريع التقسيم، بينما قلبت صواريخ أنصار الله موازين القوى في البحر الأحمر، وفق وثيقة للبنتاغون (2022).

و إذ لم يعتمد محور المقاومة على الأدوات العسكرية فحسب، فقد استخدم أدوات إعلامية وثقافية لكسر الهيمنة الغربية على الوعي الجمعي.
ويمكن ملاحظة تقرير “راند كوربوريشن” (2023) الذي يحذر من “تأثير خطاب المقاومة المتزايد بين الشباب الأوروبي، خاصة في الجامعات، بسبب فضح ازدواجية المعايير الغربية”. فالغرب الذي يتغنى بالديمقراطية هو نفسه الذي دعم أنظمة استبدادية لخدمة مصالحه، كما يكشف مايكل هدسون في كتابه “الإمبراطورية الأمريكية الجديدة”، حيث أصبحت حقوق الإنسان مجرد ذريعة للتدخلات العسكرية. بينما يكشف تصريح القس جيري فالويل على فوكس نيوز (2020) بأن “دعم إسرائيل واجب ديني لتمهيد عودة المسيح” الجذور الدينية للسياسات الأمريكية.

نعم ، بات واضحاً منذ سنوات كيف تتحول السياسات الأمريكية إلى أدوات تنفيذية للمخططات الصهيونية،  ويؤكد تصريح رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إيهود باراك (2018) بأن “الدول العربية المطبعة ستكون قواعد متقدمة لحماية إسرائيل”. وبذلك يعيد الغرب إنتاج الحملات الصليبية بأدوات عصرية، من القواعد العسكرية في سوريا والعراق إلى الحرب الثقافية عبر خطاب “السلام” المزيف، والعقوبات الاقتصادية التي تخنق الشعوب.
لكن التأريخ يعلمنا أن الحملات الصليبية لم تسقط بالمفاوضات، بل بالمقاومة، كما وثق ذلك المؤرخون.
وهاهو اليوم محور المقاومة ، يعيد من طهران إلى بيروت وصنعاء رسم معادلة الردع، مؤكدًا كلمات السيد حسن نصر الله: “سنسقط طائراتكم.. نبيع ملابسنا ونقاتل”. فهذا الصراع ليس تنافسًا سياسيًا عابرًا، بل حرب وجودية على الإسلام المقاوم، تتطلب موقفًا حاسمًا بكل الوسائل الممكنة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *