تحليل: من هو الأقرب لحل القضية الكوردية في تركيا؟ أردوغان أم المعارضة؟نحتاج الى تحالفات كوردية مرنة- هشام عقراوي

القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة التركية، حيث تتشابك فيها عوامل تاريخية، قومية، وأمنية. مع تصاعد التوترات الداخلية في تركيا، ومع اقتراب الانتخابات أو أي تغيير محتمل في السلطة، يبرز السؤال حول أي من القوى السياسية التركية – سواء حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان أو حزب الشعب الجمهوري المعارض – يمكن أن يكون أكثر استعدادًا لتقديم حلول للقضية الكوردية. كما يثار التساؤل حول الاستراتيجيات التي يجب أن تتبعها الأحزاب الكوردية في تركيا وسوريا والعراق لتحقيق مطالبها.


أردوغان وحزب العدالة والتنمية: سياسة متقلبة ولكن مرنة بشكل تكتيكي

في السنوات الأخيرة، شهدت سياسة أردوغان تجاه القضية الكوردية تحولات كبيرة. تاريخيًا، كان أردوغان يعتمد على خطاب قومي صارم ضد الحركات الكوردية المسلحة مثل حزب العمال الكوردستاني (PKK)، الذي يعتبره تنظيمًا إرهابيًا. ومع ذلك، خلال فترات معينة، مثل محادثات السلام بين 2013-2015، أظهر أردوغان استعدادًا للتواصل مع الزعيم الكوردي المسجون عبد الله أوجلان ، مما أعطى انطباعًا بأنه قد يقدم بعض التنازلات إذا كانت في مصلحة النظام السياسي أو الاقتصادي تبعتها المحاولات الاخيرة لقبول مقترحات أوجلان بصدد حل حزب العمال و الدخول في المعترك السياسي بدلا من الحرب.

تغير الخطاب بعد سجن أكرم إمام أوغلو

مؤخرًا، وبعد اعتقال عمدة إسطنبول السابق أكرم إمام أوغلو واندلاع الاحتجاجات الشعبية، بدا أن أردوغان بدأ في تخفيف خطابه القومي الصارم تجاه الكورد. ربما يكون هذا نتيجة للضغوط الداخلية والخارجية، إذ يحتاج إلى دعم أوسع لمواجهة المعارضة. ومن هنا، يمكن أن نرى في هذه المرحلة تحولًا تكتيكيًا نحو تقديم بعض التنازلات الجزئية للكورد، خاصة إذا كان ذلك يعزز موقعه كمفاوض سياسي قادر على تحقيق الاستقرار.

المحفزات لأردوغان

  1. الوضع الداخلي : مع تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية، قد يجد أردوغان نفسه مجبرًا على تقديم تنازلات للكورد لكسب دعمهم في وجه المعارضة.
  2. العلاقات الدولية : تركيا تحتاج إلى تحسين صورتها لدى الغرب، الذي غالبًا ما ينتقد سياساتها تجاه الكورد. تقديم حلول جزئية قد يكون وسيلة لتحقيق ذلك.

حزب الشعب الجمهوري: إصلاحات محدودة لكنها أكثر استدامة؟

على الجانب الآخر، يُعتبر حزب الشعب الجمهوري (CHP) الممثل الرئيسي للمعارضة العلمانية في تركيا. تاريخيًا، لم يكن الحزب قريبًا من الكورد بسبب تبنيه خطابًا قوميًا تركيًا تقليديًا. ومع ذلك، تغيرت هذه الديناميكية في السنوات الأخيرة، حيث بدأ الحزب في التواصل مع الناخبين الكورد كجزء من استراتيجيته لتوسيع قاعدته الانتخابية.

الموقف الحالي

  • رئيس الحزب، كمال كيليتشدار أوغلو ، أكد مرارًا أن حل القضية الكوردية يعتمد على “العدالة الاجتماعية” و”المساواة”، مشيرًا إلى ضرورة إنهاء الصراع المسلح وإطلاق حوار شامل.
  • يبدو أن حزب الشعب الجمهوري أكثر استعدادًا لتقديم إصلاحات طويلة الأمد، مثل تعزيز الحقوق الثقافية واللغوية للكورد، وإنهاء سياسات التمييز التاريخية.

التحديات أمام حزب الشعب الجمهوري

  1. التاريخ القومي : لا يزال هناك مقاومة داخل الحزب من قبل التيارات القومية التي تعارض أي تنازلات للكورد.
  2. الضغط الشعبي : حتى وإن فاز الحزب بالسلطة، فإنه سيواجه ضغوطًا قوية من القوميين الأتراك الذين يعتبرون أي تقارب مع الكورد خيانة.

ما هي أفضل استراتيجية للأحزاب الكوردية؟

داخل تركيا

الأحزاب الكرودية في تركيا، مثل حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، تواجه تحديًا كبيرًا في اختيار التحالف الأنسب:

  • دعم أردوغان : قد يكون هذا الخيار محفوفًا بالمخاطر، لأن أردوغان يميل إلى تقديم تنازلات فقط عندما تكون هناك ضغوط داخلية أو خارجية. ومع ذلك، يمكن أن يكون هناك مجال للتفاوض إذا تم تقديم دعم استراتيجي له.
  • دعم المعارضة : حزب الشعب الجمهوري يبدو أكثر استعدادًا لتقديم إصلاحات مستدامة، لكنه قد يواجه صعوبة في تنفيذها بسبب الضغوط القومية داخل تركيا.

في سوريا والعراق

بالنسبة للأحزاب الكوردية في سوريا (مثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا) والعراق (مثل حكومة إقليم كوردستان):

  • التعاون مع تركيا : قد يكون التعاون مع أردوغان مفيدًا على المدى القصير، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والاقتصادية.
  • التنسيق مع المعارضة : قد يكون هذا الخيار أكثر استدامة على المدى الطويل، خاصة إذا نجحت المعارضة في الوصول إلى السلطة.

من هو الأكثر استعدادًا لمنح الكورد حقوقهم؟

  • أردوغان : قد يكون أكثر استعدادًا لتوفير حلول تكتيكية إذا كان ذلك يخدم مصالحه السياسية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن هذه الحلول ستكون مؤقتة وغير مستدامة.
  • حزب الشعب الجمهوري : رغم التحديات الداخلية، يبدو أن الحزب لديه رؤية أكثر استدامة لحل القضية الكوردية من خلال الإصلاحات القانونية والاجتماعية.

الخلاصة

الوضع الحالي يشير إلى أن أردوغان قد يكون أكثر مرونة في تقديم تنازلات جزئية للكورد في ظل الضغوط الداخلية والدولية. ومع ذلك، فإن هذه التنازلات ستكون مؤقتة ومرتبطة بمصالحه الشخصية. أما حزب الشعب الجمهوري ، فهو الخيار الأكثر استدامة على المدى الطويل، لكنه يواجه تحديات كبيرة في تنفيذ أجندته الإصلاحية.

بالنسبة للأحزاب الكوردية، فإن أفضل استراتيجية هي بناء تحالفات مرنة مع كل من الحكومة والمعارضة، مع التركيز على تحقيق مكاسب طويلة الأمد من خلال الحوار والتفاوض، بدلاً من الاعتماد على تنازلات مؤقتة.

4 Comments on “تحليل: من هو الأقرب لحل القضية الكوردية في تركيا؟ أردوغان أم المعارضة؟نحتاج الى تحالفات كوردية مرنة- هشام عقراوي”

  1. قالها العقلاء: لا أصدقاء للشعب الكردي سوى الجبال.
    فلا يُمكن أن نتوقّع من المستعمرين الترك-المغول أن يعترفوا بالحقوق المتساوية للشعب الكردي مع المستعمرين الترك، إذ إنهم ينظرون إلى الكرد باعتبارهم “أتراك الجبل”.
    ذلك لأنّ فوز الشعب الكردي في أيّ انتخابات تشريعية أو رئاسية يُعدّ هزيمة كبرى للعنصرية الطورانية، التي تخشى أن تتحوّل الأناضول إلى جنوب أفريقيا جديدة، حيث يُحكم المستعمرون بيد ضحاياهم السابقين.
    ولن يحصل الشعب الكردي على حقوقه المتساوية مع الترك إلا بإعادة كتابة دستور جديد، يفرض المساواة الحقيقية والعدالة الكاملة على جميع المواطنين فوق أرض الأناضول، بلا تمييز قومي أو عرقي.
    لا يمكن للشعب الكردي في الأناضول الحصول حق المواطنة الكاملة من الترك المغول سلميا.

    1. تحياتي واحترامي لحضرتكم أخي العزيز أحمد المحترم،

      تحليلكم يعكس وجعاً عميقاً وموقفاً تاريخياً من قضية الشعب الكردي، الذي عانى لقرون من التهميش والإقصاء. بالفعل، الجبال كانت وما زالت شاهدة على معاناة الكورد، لكنها أيضاً رمز صمودهم ونضالهم من أجل حقوقهم المشروعة.

      ما ذكرتموه حول العقلية الطورانية والخوف من المساواة الحقيقية يعكس تحدياً جوهرياً أمام تحقيق العدالة. ومع ذلك، التاريخ يعلمنا أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع، وأن إعادة كتابة الدستور أو أي خطوة نحو المساواة تتطلب نضالاً مستمراً وضغطاً داخلياً ودولياً.

      يبقى الأمل قائماً بأن يتغير هذا الواقع، ليس فقط بالقوة، ولكن بإرادة شعوب المنطقة لتحقيق التعايش والعدالة.

      مع كامل التقدير والاحترام.
      أخوكم هشام عقراوي

  2. الاستاذ القدير هشام عقراوي
    تحياتي وتمنياتي لكم بالصحة التوفيق
    إنها لحق رؤية مستفيضة حول كيفية عكس التغيرات الآنية للواقع التركي على مصلحة القوميات التي تتعايش مع تركيا ومنهم الكورد الأكثر عدداً٠ وتزحزح الأمور بين الواقع الملائم والاحتمالات في إطار المبدأ الكوردي الذي يتأثر بالتنازلات التي تبرئ سياسة تلوث مضمونها بالدم الكوردي عبر مئات السنين ٠ هذه هي السياسة بشكل عام على كوكبنا٠ عسى أن تصب الأمور الى حد مقنع في مصلحة الكورد

    1. تحياتي وتقديري لأستاذتنا الفاضلة السيدة خديجة مسعود كتاني المحترمة و العزيزة على الموقع،

      أشكركم على كلماتكم البناءة وتمنياتكم الطيبة التي أعتز بها. إن ما أشرتم إليه في تعليقكم يعكس فهماً عميقاً للتعقيدات التاريخية والسياسية التي تحيط بالقضية الكوردية في تركيا وفي المنطقة بشكل عام. حقاً، الحديث عن حقوق القوميات، وخاصة الكورد، يتطلب النظر إلى مئات السنين من النضال والتضحيات، حيث تحملت هذه الشعوب عبء تاريخ طويل من التهميش والإقصاء وحتى العنف.

      ما حاولتُ تقديمه في التحليل هو إلقاء الضوء على الواقع الآني والاحتمالات المستقبلية في ظل التغيرات السياسية داخل تركيا، سواء مع حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان أو مع المعارضة بقيادة حزب الشعب الجمهوري وغيره. ولكن كما أشرتم بدقة، فإن التنازلات السياسية غالباً ما تكون مشوبة بتأثيرات الماضي، ومصالح الدول وأحزابها غالباً ما تتجاوز المبادئ الإنسانية الأساسية.

      أتمنى أن يكون التحليل قد نجح ولو جزئياً في تسليط الضوء على الفرص والتحديات أمام تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الكوردي، وأن يتمكن الجميع -سواء في تركيا أو خارجها- من رؤية أهمية التعايش السلمي والعدالة كأساس لأي حل مستدام.

      عسى أن تسير الأمور نحو تحقيق الحد الأدنى من الحقوق التي يستحقها الشعب الكوردي، ليس فقط كاعتراف سياسي ولكن كتكريم لإنسانيتهم وتاريخهم النضالي الطويل.

      مع أطيب التمنيات لحضرتكم ولجميع المتابعين،
      وتقبلوا فائق احترامي.
      أخوكم هشام عقراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *