“الناسخ والمُنسوخ” و التراجع عن الاتفاقيات… كيف يستخدم الجولاني منهجية التدرج الإسلامي لتبرير خيانة الكورد؟.. هشام عقراوي

في قلب الصراع الدائر في غربي كوردستان، لا يكتفي الإرهابي أبو محمد الجولاني بارتكاب المجازر ضد المدنيين الكورد، بل يعمد إلى تكتيكٍ إيديولوجي خطير لشرعنة نقضه للعهود وتمزيقه للاتفاقيات: إنه يُطبّق، بشكل صريح، مبدأ “النَّسخ” الذي ورد في بعض القراءات التقليدية للتشريع الإسلامي — حيث تُلغى آية أو حكم سابق بآية أو حكم لاحق، بحسب تغير الظروف السياسية والقوة العسكرية.

الإسلام المبكر: التدرج في التشريع

في بدايات الدعوة الإسلامية، حين كان المسلمون ضعفاء ومُحاصَرين، نزلت آيات تدعو إلى التعايش والتسامح. ففي سورة الكافرون قال الله تعالى: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»، وفي سورة النساء: «وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا» — دون إكراه أو قسر.
وبخصوص الخمر، لم يُحرَّم فورًا، بل جاء التدرج: أولاً «لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ» (النساء: 43)، ثم بعد أن استقرت الدولة الإسلامية وقويت شوكتها، نزل التحريم الصريح: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ… إِثْمٌ كَبِيرٌ» (المائدة: 90).

هذا التدرّج كان استراتيجية بقاء في مرحلة الضعف، لا مبدأً أخلاقيًّا ثابتًا. لكنه، مع الأسف، أصبح نموذجًا يُستغل اليوم من قبل جماعات متطرفة لتبرير النكث بالعهود متى ما تغيّرت موازين القوى.

الجولاني و”فقه النسخ السياسي”

الجولاني يتبع نفس المنطق — ليس بدافع الإيمان، بل بدافع البراغماتية الإرهابية.
عندما كان ضعيفًا، ومعزولًا دوليًّا، وتحت ضغط عسكري من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقّع في 10 آذار/مارس 2024 اتفاقية تعترف — ولو شكليًّا — بوجود الكورد، وتتعهد بتشكيل ثلاث فرق عسكرية مشتركة، وضمان حقوقهم في الإدارة المحلية.

لكن ما إن بدأت قواته تستعيد قوتها، وانسحب الكورد من غربي الفرات تنفيذًا للاتفاق، حتى “نسَخ” الجولاني الاتفاق الأول، وأصدر اتفاقًا جديدًا يُلغي كل ما سبق. ثم طالب الكورد بالانسحاب من الرقة ودير الزور. وبعد أن تم ذلك، حصر وجودهم في الحسكة والقامشلي وكوباني.

واليوم، وهو يقترب من السيطرة الكاملة على الشمال السوري، يبدأ بإطلاق تصريحات تُنكر وجود الكورد كشعب، ويصف مدنهم بأنها “عربية خالصة” — تمامًا كما فعل والده،الذي أنكر حتى وجود كلمة “كورد” في التاريخ السوري.

منطق القوة، لا منطق العهد

هنا تكمن المأساة: الجولاني لا يرى في الاتفاقيات سوى وثائق مؤقتة، قابلة للإلغاء متى ما تغيّر ميزان القوة.
مثله مثل تلك القراءات السلفية التي تجعل “النسخ” مبدأً سياسياً:

  • في الضعف: تعايش، اعتراف، تفاوض.
  • في القوة: إلغاء، إنكار، تطهير عرقي.

لكن الكورد ليسوا نصًّا يمكن نسخه!
هم شعبٌ حيّ، له جذوره، ولغته، وتاريخه، ودمه الذي سُفِكَ دفاعًا عن الأرض. ولا يمكن لأي “آية” سياسية جديدة أن تمحو وجودهم، مهما تغطرس الجولاني أو تآمر عليه حلفاؤه.

رسالة إلى الكورد: لا تثقوا بالوعود في زمن الضعف!

الدرس الأهم هنا هو: لا تبنِ مستقبلك على اتفاقٍ وقّعه عدوٌّ وهو في حالة ضعف.
الجولاني، ككل الأنظمة التي احتلت كوردستان، لا يعترف بالحقوق إلا تحت الإكراه. وما أن يتحرر من هذا الإكراه، حتى يعود إلى جوهره: القومية العربية المتطرفة، والعداء للهوية الكوردية.

لذا، على الكورد أن يتعلموا من هذه اللعبة الخطيرة.
العهود مع من يؤمن بمنطق “الناسخ والمُنسوخ” ليست عهودًا، بل فخاخًا مؤقتة.
والحل ليس في توقيع المزيد من الاتفاقيات مع من لا يحترم العهد، بل في بناء قوة ذاتية لا تُقهَر — عسكرية، سياسية، ودبلوماسية — تجعل من وجود الكورد في سوريا حقيقة لا يمكن نسخها.

الجولاني قد ينسخ الاتفاقيات،
لكن التاريخ لن ينسخ الكورد.
فشعبٌ صمد أمام الشاه، وصدام، وأردوغان، وداعش…
لن يُمسح بتوقيعٍ على ورقةٍ من إرهابيٍّ يلبس عباءة الدين ليغطي عُقدته القومية.

6 Comments on ““الناسخ والمُنسوخ” و التراجع عن الاتفاقيات… كيف يستخدم الجولاني منهجية التدرج الإسلامي لتبرير خيانة الكورد؟.. هشام عقراوي”

  1. تحية طيبة
    قبل عام وفور سقوط بشار قلت في تعليق أن ليس للكورد أية أوراق رابحة , لقد كان بشار أفضل من يحكم للأقليات , فالربيع العربي هو للعرب فقط وهوية بشار و الدروز معلومة لأصحاب الشأن فهم ليسوا عرباً البتة ولهذا بدأوا به ساعد عناده ضد إسرائيل على نجاح خطة العرب(السعودية والخليج وبدعم تركي الذي يتطلع إلى قيادة الأمة الإسلامية العربية ومن خلالهم تحطيم آمال الكورد وقد نجح تحالفهم إلى أبعد الحدود, والكورد لم يتعرفو على أعدائهم أبداً لا في البدء ولا الختام العشائر العربية كانت معه ضد بشار العلوي الكوردي الأصل, وليس ضد العرب, وقد أسقطوه وهم الذين لا يسمحون بأي تساهل تجاه الكورد وقبل سقوط بشار صرح هيثم المناع بهذا الموقف علناً ولم يفهمه الكورد , لقد كان بيان أوجلان الأخير صفعة قوية للكورد عموماً لكن مظلوم لم يفهم الوضع, إنه لن يحصل على شيء, والأمل الوحيد المتبقي هو في إسرائيل كيف يجرونها إلى المعمعة, وأنا أظن أن لولا ترامب لتدخلت قبل هذا الإنهيار لكن مقيدة بقوة من ترامب وهذا يُلوّح بنهايتها إذا إنتهى الكورد, خاصة إذا تمكن العرب من جر إيران إلى جانبهم , المهم نرجو نهاية مفرحة لكل الكورد

  2. تحياتي لك يا استاذ هشام المحترم و انا لا اتففق معك ان القرآن من عند الله و اما بعد القرآن مكتوب بايادي و الدليل كان محمد يقراء و يكتب و اليس هناك شيء سبت ان محمد نبي و محمد لة تاريخ اسود و اجرام و لهذا قتلو محمد بسم و لك تحياتي يا استاذ هشام المحترم

  3. يا اخ هشام، انت تقول بأن الارهابي ابو محمد الجولاني يتبع نفس المنطق القرآني (المهادن عند حالة الضعف ثم التشدد بعد الشعور بالقوة) ليس إيمانا بل بدافع البراغماتية الإرهابية. وانا اقول لك بل بدافع الإيمان العميق باستراتيجية العمل اسياسي التي وضعها “الله” من خلال آياته المكية(لكم دينكم ولي دين) ونسخ حكمها في المدينة بعد الشعور بالمنعة والقوة (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله..) الاية 29 من سورة التوبة. يا استاذ هشام، انت تعيب على سلوك الجولاني المهادن في البداية واستخدام القوة فيما بعد، ولا تعيب على المبدأ نفسه؟؟ وتصف صاحب هذا المبدأ الميكيافيللي بعبارة (قال الله تعالى) !! في رأيك، هل هذا السلوك اللااخلاقي في التعامل مع الاخرين هو سلوك إله حقيقي الذي اصبح دستورا مقدسا عند الإرهابيين؟؟

  4. البدء دائماً بالأسهل ثم بالأكثر صعوبة ( لكي يتم التفرغ له ) أو الأخطر وبعد ذلك الأقل خطراً ولا أعرف لماذا يتم حشر الدين والقرآن في مواضيع مثل هذه …… الآن يتم الكلام نحنُ لسنا بوظيفة ( سَجانين ) للعالم ( سجون الدواعش ) …في البداية أستلمتم الأسلحة والرواتب وذهبتم أبعد من ذلك بقتال أرذل المجرمين من كل أنحاء العالم ، من وظفكم بهذه الوظيفة وطلب منكم ؟؟؟؟ وقُتِلَ وجرح خيرة المقاتلين من شباب وشابات دمهم في رقبتكم ….. أصلا قضية داعش الأكراد لم تكن أولوية لها ولكن خيالات من يتباكى ويلوم ويطلب العون والنصرة الآن هو سببها

  5. ** من ألأخر …؟
    ١: لا تستعجلو الحكم على الاحداث لأن ألأمور بخواتمها؟

    ٢: ما جرى حركة مدروسة من قبل الثاني (ترامب ونتياهو) للتخلص ليس فقط من الدواعش السنة المسجونين في سوريا بنقلهم إلى أحضان من يحبونهم بجنون (الشيعة) بل ولقلب الطاولة على المُلا المزيف أردوغان ودعدوشه الجولاني حيث أججو بها ليس فقط كورد تركيا بل والعالم كله ضدهم ، وما تحذير الرئيس ترامب للجولاني في الهاتف الذي جرى بينهما وتحذير السناتور لندسي كراهام صدقوني لما أبقو كوردياً أو علوياً أو درزياً واحداً في سوريا ، وإعلمو أن ماحدث لقسد أكبر لما يجري في سوريا والمنطقة ؟

    ٣: قول الاخ العزيز “حاجي ملو” في محله ، فبيان السيد أوجلان كان صفعة قوية لكل الحركات الكوردية في المنطقة والعالم (فمن يأمر بإلقاء ألسلاح ليس مفاوضاً بل مستسلماً) والتي أراد من خلاله أردوغان كسب ود لملايين الكُورد البسطاء بل والآخطر ود دواعشهم في حربه المقبلة مع اسرائيل والآتية لا محالة ، ولقد رأينا كيف قلب الساحر اليهودي نتياهو السحر على السحرة المسلمين بحركة ، حيث أجج بها ليس فقط الشارع الكوردي والعالم كله ضدهم؟

    ٣: واهم من يعتقد بأن ترامب ونتياهو لابل والغرب كله سيسمحون للارهابي أردوغان ودواعشه بفعل ما يريدون ، وسترون قريباً ستقطع رؤوسهم ويبادون ، سلام؟

  6. أخي مارفين الجولاني هو يطبق القرأن 100% أولاً كما تفضل الأستاذ الناسخ والمنسوخ إستخدمه القرأن قبل كل البشر, كل أمرٍ جديد ينسخ كل ماسبق هكذا كان صدام يصدر المراسيم ( يعمل بهذا المرسوم فوراً, يلغى كل أمرٍ يُناقض مضمون هذا المرسوم) في القرآن سورة الأعلى ( ولاتهنوا وأنتم الاعلون) أي لا إلتزام بشي عندما تكون لكم القوة, فالإلتزام بالعهد هو إستعداد لما يأتي وحالما تتم إستعداداته هجم لا عهد ولا إئتمان فمثلاً تعاهد مع اليهود في صحيفة مدونة لكنه بعد عام هجم عليهم وفي صلح الحديبية هدنة تامة لعشر سنوات لكنه أكمل إستعداده في عامين فهجم, مدعياً أنه يسير إلى الطائف وحالما غقترب من مكة أخذ ينزل سورت البقرة 191 وهي تهيئة النفوس لمهاجمة المدينة المقدسة ,

Comments are closed.