تعيش المنطقة لحظة توتر مركّب، تتداخل فيها الدبلوماسية مع التهديد العسكري، والتسريبات الصحفية مع الحشود الميدانية. في هذا المناخ، برز ما نشره موقع بوليتيكو الأمريكي حول نقاش داخل محيط الرئيس الأمريكي يفترض سيناريو قد تبدأ فيه إسرائيل بضربة أولى ضد إيران في حال تعثّر المسار التفاوضي. لا يكمن ثقل هذا الطرح في احتماله العسكري فحسب، بل في دلالته السياسية: نقل “شرارة البداية” إلى طرف ثالث يمنح واشنطن موقعًا دفاعيًا بدل صورة المبادر بالهجوم.
وفقًا للتقرير، فإن بعض الدوائر ترى أن ضربة إسرائيلية قد تستفز ردًا إيرانيًا يطال مصالح أمريكية، ما يسهل لاحقًا تبرير التدخل أمام الرأي العام والكونغرس بوصفه ردًا مشروعًا. هذا التفكير يعكس حساسية داخلية أمريكية تجاه الحروب المفتوحة، خصوصًا في ظل إرث العراق وأفغانستان، وتردد قطاعات من الناخبين تجاه انخراط عسكري واسع جديد.
في المقابل، جاءت تقارير واشنطن بوست ووول ستريت جورنال لتسلّط الضوء على البعد العسكري–العملياتي. فقد أشارت الصحيفتان إلى تحفظات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية تتعلق بالكلفة والاستنزاف، وبضغط المخزون العسكري بعد دعم أوكرانيا وإسرائيل. كما أُثيرت مخاوف من أن حربًا واسعة مع إيران قد تؤثر في الجاهزية الاستراتيجية للولايات المتحدة في مواجهة تحديات أكبر، وعلى رأسها الصين. هذه المعطيات لا تعني ضعفًا أو عجزًا، لكنها تكشف أن القرار العسكري ليس معزولًا عن الحسابات العالمية، وأن أي مواجهة في الشرق الأوسط ستُقاس بمدى تأثيرها في التوازن الدولي الأوسع.
إذا انتقلنا إلى البعد الإسرائيلي، فإن قدرة تل أبيب على تنفيذ ضربة بعيدة المدى ليست موضع شك من حيث المبدأ. إسرائيل تمتلك خبرة في الضربات الاستباقية، ولديها تفوق تقني معتبر. غير أن الحالة الإيرانية تختلف عن تجارب سابقة؛ فالمنشآت موزعة ومحميّة، والجغرافيا أوسع، والرد المحتمل أكثر تعقيدًا. لذلك، حتى لو نجحت ضربة أولى في إلحاق ضرر، فإن السؤال لا يتعلق بالضربة بحد ذاتها، بل بسلسلة الردود التي قد تليها.
إيران لا تبني استراتيجيتها على التكافؤ التقليدي، بل على الرد غير المتماثل. قدرتها على استخدام الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب امتداداتها الإقليمية، تجعل من أي مواجهة احتمالًا لتعدد الساحات. وهنا يصبح خطر “الانتشار الأفقي” قائمًا: من جبهة إسرائيل إلى ساحات أخرى، ومن مواجهة ثنائية إلى دينامية إقليمية.
إدخال إسرائيل في واجهة البداية – كما افترض سيناريو بوليتيكو – يعني أن الصراع لن يُقرأ كصدام أمريكي–إيراني فحسب، بل كشبكة تفاعلات ثلاثية أو رباعية. في مثل هذه المعادلات، يصبح التحكم في الإيقاع أصعب، لأن كل طرف يتصرف وفق حسابات ردعه الخاصة. خطأ في التقدير أو رد يفوق التوقعات قد يدفع التصعيد إلى مستوى لم يكن مقصودًا في الأصل.
العراق يقف في قلب هذا المشهد. موقعه الجغرافي، ووجود مصالح أمريكية، وارتباط قوى داخلية بمحاور إقليمية، كلها عوامل تجعل من الصعب عزله عن تداعيات أي ضربة. أي تصعيد قد يعيد إلى الواجهة معادلة “حرب الوكلاء”، أو يضع الحكومة العراقية تحت ضغط مزدوج بين الحفاظ على علاقاتها الدولية ومنع تحوّل أراضيها إلى ساحة رسائل. وحتى إذا لم يقع اشتباك مباشر على أرضه، فإن توتر الإقليم سينعكس على اقتصاده واستقراره السياسي.
اقتصاديًا، قد يرتفع سعر النفط، لكن ذلك لا يلغي مخاطر اضطراب طرق التصدير أو تراجع الثقة الاستثمارية. أجواء الحرب لا تنتج استقرارًا، حتى لو زادت الإيرادات مؤقتًا. أما سياسيًا، فقد يتجدد خطاب الاصطفاف الحاد بين المحاور، ما يضعف أي مسار وطني يسعى إلى التوازن.
إقليميًا، لن تبقى المسألة في حدود إيران وإسرائيل. دول الخليج ستواجه معضلة الموازنة بين الشراكة الأمنية والخشية من الانتقام. لبنان وسوريا قد يتحولان إلى ساحات ضغط. وكلما زادت الأطراف، تقل القدرة على ضبط النزاع.
أن ما نشرته بوليتيكو وما كشفته واشنطن بوست ووول ستريت جورنال لا يشير إلى قرار نهائي بالحرب، بل إلى لحظة مراجعة عميقة داخل مراكز القرار. هي لحظة تتصارع فيها الرغبة في الحفاظ على الردع مع الخشية من الاستنزاف. والشرق الأوسط، بحساسيته المزمنة، يبقى ساحة تتأثر حتى بالاحتمال قبل الحدث.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: هل تضرب إسرائيل أولًا؟ بل: هل تستطيع المنطقة احتواء ما بعد الضربة؟ ففي بيئة تتجاور فيها الحسابات السياسية والاعتبارات العسكرية، قد تكون الشرارة أسهل من إطفاء الحريق.
في النهاية، ليست المسألة مجرد حسابات عسكرية أو توازنات ردع، بل اختبار لإرادة العقل السياسي في لحظة يغري فيها منطق القوة صانعي القرار. الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا برغبة شاملة فيها، بل أحيانًا بتراكم سوء تقدير، وبافتراض أن الطرف الآخر سيتراجع عند الخطوة التالية. الشرق الأوسط اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع؛ حيث تتقاطع المفاوضات مع التهديدات، وتتجاور الخطابات الحادة مع الحسابات الباردة. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجدية ليس من يملك القدرة على إطلاق الضربة، بل من يملك الشجاعة لإيقاف سلسلة

