هل تبدأ المواجهة بضربة إسرائيلية؟ قراءة في حسابات الحرب والتوقيت الإقليمي- د. مالك الجبوري

تعيش المنطقة لحظة توتر مركّب، تتداخل فيها الدبلوماسية مع التهديد العسكري، والتسريبات الصحفية مع الحشود الميدانيةفي هذا المناخ، برز ما نشره موقع بوليتيكو الأمريكي حول نقاش داخل محيط الرئيس الأمريكي يفترض سيناريو قد تبدأ فيه إسرائيل بضربة أولى ضد إيران في حال تعثّر المسار التفاوضيلا يكمن ثقل هذا الطرح في احتماله العسكري فحسب، بل في دلالته السياسيةنقل “شرارة البداية” إلى طرف ثالث يمنح واشنطن موقعًا دفاعيًا بدل صورة المبادر بالهجوم.

وفقًا للتقرير، فإن بعض الدوائر ترى أن ضربة إسرائيلية قد تستفز ردًا إيرانيًا يطال مصالح أمريكية، ما يسهل لاحقًا تبرير التدخل أمام الرأي العام والكونغرس بوصفه ردًا مشروعًاهذا التفكير يعكس حساسية داخلية أمريكية تجاه الحروب المفتوحة، خصوصًا في ظل إرث العراق وأفغانستان، وتردد قطاعات من الناخبين تجاه انخراط عسكري واسع جديد.

في المقابل، جاءت تقارير واشنطن بوست ووول ستريت جورنال لتسلّط الضوء على البعد العسكري–العملياتيفقد أشارت الصحيفتان إلى تحفظات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية تتعلق بالكلفة والاستنزاف، وبضغط المخزون العسكري بعد دعم أوكرانيا وإسرائيلكما أُثيرت مخاوف من أن حربًا واسعة مع إيران قد تؤثر في الجاهزية الاستراتيجية للولايات المتحدة في مواجهة تحديات أكبر، وعلى رأسها الصينهذه المعطيات لا تعني ضعفًا أو عجزًا، لكنها تكشف أن القرار العسكري ليس معزولًا عن الحسابات العالمية، وأن أي مواجهة في الشرق الأوسط ستُقاس بمدى تأثيرها في التوازن الدولي الأوسع.

إذا انتقلنا إلى البعد الإسرائيلي، فإن قدرة تل أبيب على تنفيذ ضربة بعيدة المدى ليست موضع شك من حيث المبدأإسرائيل تمتلك خبرة في الضربات الاستباقية، ولديها تفوق تقني معتبرغير أن الحالة الإيرانية تختلف عن تجارب سابقة؛ فالمنشآت موزعة ومحميّة، والجغرافيا أوسع، والرد المحتمل أكثر تعقيدًالذلك، حتى لو نجحت ضربة أولى في إلحاق ضرر، فإن السؤال لا يتعلق بالضربة بحد ذاتها، بل بسلسلة الردود التي قد تليها.

إيران لا تبني استراتيجيتها على التكافؤ التقليدي، بل على الرد غير المتماثلقدرتها على استخدام الصواريخ والمسيّرات، إلى جانب امتداداتها الإقليمية، تجعل من أي مواجهة احتمالًا لتعدد الساحاتوهنا يصبح خطر “الانتشار الأفقي” قائمًامن جبهة إسرائيل إلى ساحات أخرى، ومن مواجهة ثنائية إلى دينامية إقليمية.

إدخال إسرائيل في واجهة البداية – كما افترض سيناريو بوليتيكو – يعني أن الصراع لن يُقرأ كصدام أمريكي–إيراني فحسب، بل كشبكة تفاعلات ثلاثية أو رباعيةفي مثل هذه المعادلات، يصبح التحكم في الإيقاع أصعب، لأن كل طرف يتصرف وفق حسابات ردعه الخاصةخطأ في التقدير أو رد يفوق التوقعات قد يدفع التصعيد إلى مستوى لم يكن مقصودًا في الأصل.

العراق يقف في قلب هذا المشهدموقعه الجغرافي، ووجود مصالح أمريكية، وارتباط قوى داخلية بمحاور إقليمية، كلها عوامل تجعل من الصعب عزله عن تداعيات أي ضربةأي تصعيد قد يعيد إلى الواجهة معادلة “حرب الوكلاء”، أو يضع الحكومة العراقية تحت ضغط مزدوج بين الحفاظ على علاقاتها الدولية ومنع تحوّل أراضيها إلى ساحة رسائلوحتى إذا لم يقع اشتباك مباشر على أرضه، فإن توتر الإقليم سينعكس على اقتصاده واستقراره السياسي.

اقتصاديًا، قد يرتفع سعر النفط، لكن ذلك لا يلغي مخاطر اضطراب طرق التصدير أو تراجع الثقة الاستثماريةأجواء الحرب لا تنتج استقرارًا، حتى لو زادت الإيرادات مؤقتًاأما سياسيًا، فقد يتجدد خطاب الاصطفاف الحاد بين المحاور، ما يضعف أي مسار وطني يسعى إلى التوازن.

إقليميًا، لن تبقى المسألة في حدود إيران وإسرائيلدول الخليج ستواجه معضلة الموازنة بين الشراكة الأمنية والخشية من الانتقاملبنان وسوريا قد يتحولان إلى ساحات ضغطوكلما زادت الأطراف، تقل القدرة على ضبط النزاع.

 أن ما نشرته بوليتيكو وما كشفته واشنطن بوست ووول ستريت جورنال لا يشير إلى قرار نهائي بالحرب، بل إلى لحظة مراجعة عميقة داخل مراكز القرارهي لحظة تتصارع فيها الرغبة في الحفاظ على الردع مع الخشية من الاستنزافوالشرق الأوسط، بحساسيته المزمنة، يبقى ساحة تتأثر حتى بالاحتمال قبل الحدث.

السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقطهل تضرب إسرائيل أولًا؟ بلهل تستطيع المنطقة احتواء ما بعد الضربة؟ ففي بيئة تتجاور فيها الحسابات السياسية والاعتبارات العسكرية، قد تكون الشرارة أسهل من إطفاء الحريق.

في النهاية، ليست المسألة مجرد حسابات عسكرية أو توازنات ردع، بل اختبار لإرادة العقل السياسي في لحظة يغري فيها منطق القوة صانعي القرارالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا برغبة شاملة فيها، بل أحيانًا بتراكم سوء تقدير، وبافتراض أن الطرف الآخر سيتراجع عند الخطوة التاليةالشرق الأوسط اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع؛ حيث تتقاطع المفاوضات مع التهديدات، وتتجاور الخطابات الحادة مع الحسابات الباردةوالسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بجدية ليس من يملك القدرة على إطلاق الضربة، بل من يملك الشجاعة لإيقاف سلسلة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *