إيران بين توسيع الجبهات وضيق الداخل … والزاوية الكردية الغائبة
في العلوم الاستراتيجية ، يُفترض أن يكون توسيع ساحة المواجهة قراراً محسوباً ، تتخذه الدول عندما تمتلك فائض قوة لا فائض توتر .
غير أن السلوك الإيراني في المرحلة الأخيرة يوحي بمعادلة مختلفة تماماً :
كلما ازداد الغموض في الداخل ، ارتفعت وتيرة التصعيد في الخارج .
الجدل الذي أحاط بموقع المرشد علي خامنئي ، وتداول أسماء بديلة بصورة متسارعة ثم اختفائها من التداول خلال ساعات ، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً عابراً .
بل كان مؤشراً على حساسية لحظة انتقال محتملة ، وعلى قلقٍ من فراغٍ لا يراد له أن يُرى .
وفي السياق ذاته ، برزت إعادة ترتيب مواقع عسكرية وأمنية ، مع تداول اسم أمير ناصر زاده في سياق خلافة عبد الرحيم موسوي .
التبديل السريع في مواقع حساسة يوحي بمحاولة تثبيت صورة الاستمرارية ، حتى لو كانت الأرضية تحتها تهتز .
لكن المفارقة أن تثبيت الداخل جرى بالتوازي مع توسيع الخارج .
ضربات عبر الحدود ، ورسائل نارية في أكثر من اتجاه ، وخطاب سياسي يقدّم تعدد الجبهات بوصفه دليلاً على الهيبة .
غير أن التجربة السياسية في الشرق الأوسط تقول شيئاً آخر :
كثرة الجبهات لا تعني دائماً اتساع النفوذ ، بل قد تعني ببساطة اتساع مساحة القلق .
بالنسبة للكورد ،
لا تبدو هذه التحركات مجرد تطورات عسكرية عابرة .
فالجغرافيا الكردية كانت ، عبر عقود طويلة ، إحدى الساحات التي تُستخدم لإرسال الرسائل الإقليمية عندما تتوتر العواصم .
وجمهورية مهاباد ليست مجرد محطة في الذاكرة السياسية الكردية ؛
إنها رمز لمحاولة مبكرة لبناء كيان سياسي أُعدم قبل أن يكتمل .
كما أن صور أعواد المشانق التي طالت عشرات الناشطين الكرد خلال العقود الماضية — واستمرت حتى اليوم — ليست حادثة عابرة في تاريخ الدولة الإيرانية ، بل فصل طويل من علاقة متوترة بين المركز والهامش .
غير أن ما يتغير اليوم ليس الذاكرة فقط ، بل البيئة السياسية المحيطة بها .
فالقوى الكردية في أكثر من ساحة تتحدث عن توحيد صفوفها السياسية والعسكرية ، في لحظة إقليمية تبدو فيها الحدود أكثر هشاشة من أي وقت مضى .
هذه التحولات لا تتوقف عند حدود إيران .
فتركيا ، التي تراقب أي تغير في ميزان القوى الكردي في المنطقة بدقة ، تدرك أن الجغرافيا الكردية — رغم الحدود — تبقى مترابطة سياسياً ونفسياً .
ولهذا فإن أي توتر في شرق كردستان لا يبقى محصوراً هناك ، بل يرسل ارتداداته السياسية إلى كردستان الشمالية أيضاً .
أنقرة تعرف جيداً أن المسألة الكردية ليست ملفاً أمنياً يمكن إغلاقه بقرار إداري .
إنها قضية تاريخية تتفاعل مع كل تحول إقليمي ، مهما بدا بعيداً في البداية .
وفي هذه المنطقة تحديداً ، يعلم الجميع أن دوام الأحوال بلون واحد هو من المحال .
أما الدولة القلقة فتوسّعه عبر الأمن والردع والرسائل الصاخبة .
لكن التجربة الإقليمية خلال العقود الماضية أثبتت أن المقاربة الأمنية الصرفة في التعامل مع القضية الكردية لم تُنتج استقراراً دائماً ، لا في إيران ولا في جوارها .
بل أنتجت دورات متكررة من التوتر المؤجل .
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم :
هل يجري إعادة إنتاج الحلقة ذاتها تحت عنوان توسيع المواجهة ؟
أم أن اللحظة الراهنة تفرض مراجعة أعمق لما جرى خلال العقود الماضية ؟
الذاكرة ليست ترفاً
في السياسة قد تُنسى التصريحات ،
وقد تتبدّل التحالفات ،
لكن الذاكرة الجمعية لا تُمحى بسهولة .
مهاباد ليست حدثاً من الماضي فقط ،
وأسماء الذين صعدوا إلى أعواد المشانق ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه .
تجاهل تلك الذاكرة ، أو التعامل معها بوصفها صفحة طُويت ، ليس مجرد خطأ سياسي ؛
إنه سوء تقدير استراتيجي .
ونختتم بقول ان فتح الجبهات ليست استعراضاً للقوة .
والقوة الحقيقية في هذه المنطقة لا تُقاس بعدد الصواريخ ، بل بقدرة الدولة على إدارة تنوعها الداخلي دون خوف .
فإذا كان الداخل مستقراً ، لا حاجة إلى ضجيجٍ دائم .
أما إذا كان الداخل قلقاً ، فلن تُخفيه أصوات المدافع طويلاً .
بالنسبة للكرد ،
المسألة ليست في من يرفع السقف ،
بل في من يعترف بالحقوق قبل أن تتحول المطالب مرة أخرى إلى عناوين أمنية .
فالتاريخ في هذه الجغرافيا لا يموت ،
والذاكرة ليست خيانة لأحد ،
بل شرطٌ كي لا تتكرر الحلقة ذاتها .

