تصاعدت في الفترة الأخيرة في كثير من دول الاتحاد الأوربي وأستراليا وكندا وتيرة النشاط الحكومي في هذه الدول لوضع قوانين وتعليمات جديدة يشوبها التشدد للتعامل مع الجاليات الإسلامية فيها بحيث بدأ سكانها يتذمرون من كثير من التصرفات التي يمارسها كثير من الإسلاميين الرافضين لإحترام طبيعة الحياة وثقافة هذه المجتمعات ، ساعين الى فرض ما يؤمنون به حتى وإن أدى ذلك الى اختراق قوانين الدولة والخروج على مقومات الثقافة العامة فيها.
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن هنا: لماذا تُستَهدَف الجاليات الإسلامية دون غيرها من الجاليات الأخرى التي تمثل انتماءات دينية وقومية مختلفة وتُعامَل، على العموم، بكل احترام، كما انها تمارس معتقداتها الدينية وتحتفل باعيادها القومية بشكل طبيعي؟
الجواب على هذا السؤال قد يقودنا الى دراسة وتحليل دور الفرد في المجتمع وما يترتب على هذا الدور من سلوكيات تساهم في تحديد موقعه بين الآخرين وتقييم دوره سلباً او إيجاباً
الإدراك الفعلي لدور إنسان ما في المجتمع الذي ينشط فيه لا يمكن تحقيقه من خلال رغبة جامحة وملحة للوصول الى هذا الدور ، ولا من خلال وَهمٍ يداعب الفكر بين الحين والآخر، وحتى ليس من خلال الإطراء الذي قد يسمعه من هذا وذاك ضمن مجتمعه بالذات ، إذ ان هذا الإطراء قد يكون ذو مقاصد مجهولة الهدف.
وعلى هذا الأساس ، ومن خلال سعي الفرد ، تسعى اغلب الأمم والشعوب الى سلوك كل ما يمكن ان يساعدها على احتلال موقع ما في موكب المسيرة العالمية، تحظى من خلاله للمساهمة في دفع هذه المسيرة او استثمار ما تحقق فيها والتجاوب معها في مفردات حياتها اليومية ،على امل ان تظل مواكبة لهذه المسيرة غير متخلفة عنها ، وقد تسعى حتى في دفعها نحو المزيد.
هذا الإستعداد للتواصل مع الحاضر الجديد والنظر من خلاله الى القادم الذي قد يشير الى حداثة اكثر واتخاذ كل ما يمكن اتخاذه لإستيعابه والتفاعل معه، يخلق لدى هذه الأمم والشعوب المساهمة في المسيرة قابلية تتطور مع الزمن تعمل على توسيع مداراتها الفكرية وتحديث مقوماتها الاجتماعية ، دون ان تتنكر لمراحل التخلف التي مرت بها والتي يمكنها ان تستوعبها كإرث ساهم في خلق مقوماتها يوماً ما دون ان يشكل هذا الإرث وسيلةً لما تريد ان تقوم عليه اليوم.
هذا الفهم لفلسفة الحياة انتشر ، بهذه الوتيرة او تلك ، بين كثير من الأمم ، خاصة تلك التي عاشت مآسي حروب كثيرة ساهمت في زيادة الإلحاح على الخروج من الازمات وتبني أساليب جديدة أخرى لمواصلة الحياة بنهج آخر.
إلا ان عالمنا الإسلامي ، العربي وغير العربي منه، خالف نظرة الأمم والشعوب الأخرى في فهم فلسفة الحياة هذه واستنبط ما اعتقده مناسباً له وانبرى فقهاؤه ومفسرو أحلامه يبررون كل ما خالفوا اهل الأرض عليه بإن لنا مكانة خاصة في هذه الدنيا لا تليق بنا التقليد او التشبه بالآخرين لا لشيئ …فقط لأننا مسلمون. فجعلونا نعيش حياة المكابرة التي اباحت لنا مخالفتنا لأمم وشعوب الأرض والتنكر لأساليب حياتها والإستهزاء بمقومات الحداثة التي ابتكرتها عبر أجيال وأجيال لا نريد لها ان تمس كياننا، فنحن الأعلون ونبقى الأعلون … لأننا مسلمون.
إنطلاقاً من هذه الخصوصية التي وضعها الإسلاميون لمجتمعاتهم تبلورت الأفكار والممارسات المرافقة لهذا النهج الذي جعلوا منه واحداً من أسس التدين وركناً هاماً من اركان العبادات. لقد جعلوا من الإختلاف عن الآخرين ومخالفتهم البوصلة التي تحدد وِجهة هذا النهج وبالتالي ممارسة جميع السلوكيات والتصرفات التي تؤكد التمسك بالخصوصية والتعبير عنها على افضل وجه.
لقد جعلوا من الإيمان الديني وما يتعلق به من ممارسات عبادية اساساً لتعاملهم مع الآخرين او انتطار تعامل الآخرين معهم. فحينما يعبرون عن خصوصيتهم هذه بالقول: نحن لم نُخلق من اجل أي شيئ آخر غير عبادة الله الذي اختارنا وحدنا لعبادته ، فنحن خير امة أٌخرجت للناس ، فللعبادة نحيا وعليها نموت ، فهذا يعني مثلاً ان لنا الحق ان نقطع الشوارع العامة لنؤدي الصلاة في اوقاتها سواءً قمنا بذلك افراداً او جماعات، فالتوجه الى الله ليس في المساجد فقط، بل في أي مكان يحل فيه وقت الصلاة إنطلاقاً من إيماننا بالنص القائل : أينما تولون وجوهكم فثمة وجه الله. لا يهم عندهم ما قد يسببه هذا العمل من عرقلة لأعمال الناس ومن إرباك في نمط حياتهم. فلا لوم ، والحالة هذه ، إذا كانت الجاليات الإسلامية التي لم تستطع ان تربي منتسبيها على احترام قوانين الدولة المضيفة ومشاعر الناس، ان تتلقى ، دون الجاليات الاخرى كل إجراءات المراقبة والتشدد في المعاملة، لابل وتلقى حتى الإحتقار للدين ومنتسبيه من كثير من مواطني هذه الدول.
وتكاد تكون ظاهرة تدخل الإسلاميين في شؤون المدارس او رياض الاطفال من الظواهر التي تتكرر حينما يفرضون رغباتهم وافكارهم في كيفية ونوعية الدروس او العلاقات بين الأطفال. فمثلاً اصبحت المطالبة بإلغاء دروس الموسيقى لأولادهم واحداً من الأمور التي قادهم إلى إخراج أولادهم من درس الموسيقى، غير مبالين بكل ما يمكن ان يحدثه هذا التصرف على شخصية ونفسية أولادهم، وكذلك بالنسبة لدرس الدين الذي لا يشمل الدين المسيحي فقط ، في بعض المدارس، بل يجري التعرف على كثير من الأديان الاخرى التي تتواجد لها جاليات دينية في هذا البلد او ذاك. وكذلك الأمر بالنسبة لدروس الرياضة او السباحة التي يرفضونها باعتبارها نوعاً من التعري ، او السفرات الجماعية التي تنظمها المدارس لطلابها معتبرين المشاركة فيها يشكل نوعاً من الإختلاط الممنوع شرعاً.
سيطول بنا الحديث اذا ما اردنا ان ندون كل المخالفات القانونية والتصرفات اللااخلاقية التي يمارسها كثير من الإسلاميين في المجتمعات التي يعيشون على خيراتها مستعملين اقذر الوسائل للتهرب من العمل والمساهمة في الحياة العامة. فالتلاعب بالمخصصات المالية للأولاد القُصَر والتحايل على شركات التأمين ومعاكسة النساء بوصفهن كافرات غير محجبات وإباحة السرقات من المحلات العامة باعتبار أصحابها من الكفار الذين يُسمح باخذ الغنيمة منهم ، واجبار الفتيات الصغيرات في المدارس الإبتدائية على وضع ما يسمونه بالحجاب والمطالبة بمنع الإختلاط بين الطلاب والطالبات حتى في المدارس الإبتدائية ، وما يسمونه بقتل الشرف الذي يمارسونه تخلصاً من بعض الفتيات اللواتي يسعين للإندماج في المجتمع، والكثير الكثير من ذلك الذي لو تجاوزناه فلا نستطيع ان نتجاوز استغلالهم للدين الذي يتبجحون بانسانيته وعدالته ورحمته وانتماءهم اليه باللجوء الى حيلة الطلاق الزائف حينما يلغي الزوجان زواجهما في المؤسسات الرسمية واعتبارهما مطلقين ليحصل كل منهما على شقة خاصة به وليؤجروا احدى هاتين الشقتين بالسوق السوداء ويستعملون الأخرى لسكنهما باعتبرهما متوزجين على الطريقة الإسلامية التي يوثقها واحد من ملالي المساجد والحسينيات التي تقوم بهذه ” الخدمة ” بكل ممنونية ورضى باعتبارها من الواجبات الدينية التي يُكلف بها أئمة المؤسسات الدينية الإسلامية.
وهكذا يستمر متطرفو عصابات الإسلام السياسي واحزابهم بالتبجح والتطاول على كل القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية ، فيبرعون في انتاج الأكاذيب والأساطير والخرافات ، إضافة الى العمل بكل جد واتفان على انحطاط التعليم ، والحط من قيمة ومن اهمية الفنون والآداب ،ويلجأون الى تزوير التاريخ ، ونشر كل أنواع الجهل اجتماعياً وسياسياً واقتصاديا وعلمياً ،واختلاق ممارسات تأنفها اصغر الحيوانات عقلاً ،اصبغوا عليها صبغة تجعل من الإنسان الذي يستمع الى خطاباتهم ويلتزم بفتاواهم ويتبع اوامرهم آلة صماء لا تجيد سوى سير القطيع ولا تنطق بغير سمعنا واطعنا.
المسلمون العقلانيون في هذه المجتمعات يشعرون بالخجل امام تصرفات هؤلاء الذين يضعهم سكنة البلاد الاصليون في سلة واحدة مع الغير فتختلط جرائم الإسلاميين وتصرفاتهم المشينة بالسلوك الطبيعي الذي يسلكه المسلمون الآخرون العاملون في هذه المجتمعات والمتعايشون مع ثقافاتها واسس حضارتها وطبيعة حياتها.
لا احد يطلب من الجاليات على اختلافها ان تتخلى عن هويتها الدينية او أسلوب حياتها الخاص طالما ينسجم ذلك مع القوانين والأنظمة السائدة في البلد المضيف والمتجاوبة مع تحقيق السلام الاجتماعي فيه. إن ما ينتظره المجتمع من اتباع الجاليات المختلفة هو الإندماج في هذا المجتمع وليس الذوبان فيه.والإندماج هذا يعني احترام تقاليد وقوانين وأسلوب حياة الدولة المضيفة حينما تكون خارج منزلك او حينما تتعامل مع مقومات الحياة العامة، اما ما يخص حياتك الخاصة في بيتك وبين عائلتك فلا احد له شأن بذلك.
من اجل ذلك كله يتسائل كل ذي لب عن أسباب استهداف الجاليات الإسلامية دون غيرها من الجاليات الكثيرة المتعددة الاديان والقوميات والتي تنسجم في ممارساتها مع القوانين والأنظمة في المجتمعات التي تستضيفها وتحترمها.

