كيف تمتد تداعيات الصراع بين إسرائيل وإيران إلى أطراف المنطقة ؟ – محمد ديب أحمد

حروب المركز وقلق الهوامش
في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى الحروب داخل حدودها الأصلية . فكل مواجهة بين القوى الإقليمية الكبرى سرعان ما تبحث عن جغرافيا أوسع تمتد إليها ، وعن ساحات جديدة تُرسل عبرها الرسائل السياسية والعسكرية .
ومع تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران ، لم يعد الصراع محصوراً بين طرفيه المباشرين ، بل بدأت تداعياته تتسلل تدريجياً إلى مناطق أخرى في المنطقة ، لتصبح بعض الجغرافيا الهامشية جزءاً من معادلة الردع المتبادل .
في هذا السياق برز اسم إقليم كردستان في أكثر من محطة توتر إقليمي ،
سواء عبر تهديدات سياسية أو من خلال صواريخ ومسيّرات تسعى إلى إيصال رسائل تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية .
 غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط لماذا يحدث ذلك ، بل ما الذي يعنيه تحويل منطقة نجحت نسبياً في الحفاظ على قدر من الاستقرار إلى ساحة رسائل في صراع إقليمي معقد .
يقع الإقليم في موقع جغرافي حساس داخل العراق ، وعلى تماس مع توازنات إقليمية متشابكة ؛
وفي منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع حسابات الدول المجاورة ، تصبح بعض المناطق عرضة لأن تتحول إلى مساحات غير مباشرة لتبادل الرسائل السياسية والعسكرية .
وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف من هذه الرسائل تحقيق مكاسب ميدانية بقدر ما يكون إعادة رسم حدود الردع أو إرسال إشارات إلى أطراف متعددة في وقت واحد .
عندما تتصاعد التوترات بين القوى الإقليمية ، تميل بعض الدول إلى توسيع هامش المناورة عبر نقل التوتر إلى ساحات أخرى …
 وبدلاً من أن يبقى الصراع محصوراً في مركزه الأساسي ، يجري توزيعه على أطراف مختلفة بهدف تخفيف الضغط المباشر أو إعادة صياغة معادلات القوة .
هذه الاستراتيجية معروفة في السياسة الدولية ، لكنها في الشرق الأوسط تأخذ طابعاً أكثر تعقيداً بسبب تداخل الجغرافيا مع الهويات السياسية والقومية .
ومن هذا المنظور يمكن فهم بعض الاستهدافات التي تطال مناطق في إقليم كردستان بوصفها جزءاً من لعبة رسائل أوسع  …
والقذائف أو المسيّرات التي تعبر الحدود لا تحمل دائماً أهدافاً عسكرية مباشرة بقدر ما تحمل إشارات سياسية مفادها أن الصراع الإقليمي قادر على التمدد نحو هوامش جغرافية جديدة إذا ما تصاعدت المواجهة بين القوى الرئيسية في المنطقة .
لكن قراءة هذه التطورات لا تكتمل من دون النظر إلى البعد الداخلي داخل إيران نفسها. فالدولة التي تضم تنوعاً قومياً وثقافياً واسعاً — من الأكراد في مناطق روجهلات أو كردستان الشرقية ، إلى الأذريين والعرب والبلوش وغيرهم — تنظر بحساسية إلى أي تطورات قد تمنح الجغرافيا القومية طابعاً سياسياً عابراً للحدود .
ومن هنا قد تحمل بعض هذه العمليات رسائل تتجاوز بعدها الإقليمي لتصل أيضاً إلى الداخل الإيراني .
فربط الضربات العسكرية بخطاب يتحدث عن تهديدات قادمة من خارج الحدود قد يكون جزءاً من محاولة تأكيد قدرة الدولة على ضبط المجال الجغرافي والسياسي المحيط بها ، وإرسال إشارة إلى مختلف المكونات الداخلية بأن الحدود السياسية القائمة تبقى الإطار الذي تُدار داخله التوازنات .
غير أن تحويل مناطق مستقرة نسبياً إلى ساحات رسائل عسكرية يحمل مخاطر واضحة . فالمناطق التي نجحت في الحفاظ على قدر من الاستقرار تصبح فجأة عرضة لتوترات ليست جزءاً من حساباتها السياسية الداخلية ؛
وهذا ما يثير القلق عندما تمتد تداعيات الصراعات الإقليمية إلى مناطق مثل إقليم كردستان التي حاولت خلال السنوات الماضية الحفاظ على مسافة من صراعات المنطقة .
كما أن المقارنة بين الساحات المختلفة في الشرق الأوسط تظهر بوضوح أن لكل ساحة خصوصيتها السياسية. فبعض المناطق أصبحت جزءاً من الصراع الإقليمي بحكم توازناتها الداخلية ، بينما تحاول مناطق أخرى أن تبقى خارج هذه الدوامة قدر الإمكان . ولهذا فإن تحويل كل جغرافيا مستقرة إلى ساحة جديدة للرسائل العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الأمن ، بل قد يفتح أبواباً جديدة للتوتر وعدم الاستقرار .
في نهاية المطاف ، تكشف تجارب الشرق الأوسط أن توسيع ساحات الصراع لا يؤدي إلى حل الأزمات بقدر ما يزيد من تعقيدها . فكلما امتدت الحروب إلى جغرافيا جديدة ، ازدادت احتمالات الانزلاق إلى مواجهات يصعب احتواء تداعياتها .
إن تحويل مناطق مستقرة نسبياً مثل إقليم كردستان إلى ساحة رسائل عسكرية لا يغيّر طبيعة الصراع القائم بقدر ما يضيف إليه طبقة جديدة من التوتر في منطقة تعاني أصلاً من فائض الأزمات . وربما يكون الدرس الأهم في كل ما يجري أن الشرق الأوسط لا يفتقر إلى ساحات الحرب بقدر ما يفتقر إلى مساحات الاستقرار ،
 وحماية هذه المساحات تبقى مصلحة مشتركة للجميع ، واتساع رقعة الحرائق لا يطفئ الأزمات ،
بل يجعل الخروج منها أكثر صعوبة .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *