أحياناً لا تصل الحروب إلى المدن عبر جيوشها، بل عبر نتائجها .
ففي الشرق الأوسط كثيراً ما تنتقل آثار الصراعات من مركزها إلى أطراف بعيدة عنها ، لتجد مدناً ومناطق لم تكن طرفاً مباشراً في تلك المواجهات نفسها أمام تداعياتها السياسية والأمنية .
ذلك أن الصراعات الكبرى في هذه المنطقة نادراً ما تبقى محصورة داخل مسارحها الأولى ، بل تمتد آثارها عبر شبكة معقدة من المصالح والتحالفات لتطال جغرافيات أخرى بعيدة عن مركز الحدث .
خلال العقود الماضية تغيّرت طبيعة الحروب في الشرق الأوسط بصورة ملحوظة .
والصراعات لم تعد تُقاس فقط بحجم المعارك المباشرة بين الجيوش النظامية أو بحدود الجبهات العسكرية التقليدية ، بل أصبحت جزءاً من منظومة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي ؛
وفي مثل هذه البيئة السياسية المعقدة تتحرك النزاعات غالباً عبر مسارات متعددة ، تتداخل فيها الضغوط الدبلوماسية مع الأدوات الاقتصادية ، وتظهر فيها المواجهات العسكرية المحدودة أو الحروب بالوكالة بوصفها وسائل لإدارة الصراع أكثر من كونها محاولات لحسمه …
ومن أبرز ملامح هذه المرحلة أن الصراع لم يعد يتحرك وفق جغرافيا ثابتة ،
فما يبدأ في عاصمة إقليمية أو في حسابات استراتيجية بين قوى كبرى قد يجد صداه لاحقاً في مناطق أخرى بعيدة عن مركز القرار …
وبهذا المعنى تصبح الجغرافيا الإقليمية أشبه بمساحة مفتوحة لتبادل الرسائل السياسية والعسكرية ، حيث تتجاوز آثار الصراع حدوده المباشرة لتصل إلى مدن ومناطق لم تكن جزءاً من لحظة اندلاعه .
وفي كثير من الأحيان تتحول بعض المناطق التي تبدو بعيدة عن الصراع إلى ساحات غير مباشرة له ،
والموانئ وطرق التجارة والمراكز الحضرية الصغيرة قد تتحول فجأة إلى نقاط ضغط في معادلات سياسية أكبر من حجمها الجغرافي ؛
ويعود ذلك إلى طبيعة التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط ، حيث تتشابك مصالح الدول والقوى المختلفة على نحو يجعل من الصعب عزل أي منطقة بشكل كامل عن ارتدادات الأزمات المحيطة بها .
فالصراع حين يتجاوز ساحاته المباشرة لا يتجه دائماً نحو الجبهات التقليدية، بل غالباً ما يبحث عن جغرافيات أقل تحصيناً سياسياً وعسكرياً، حيث يمكن توجيه الرسائل الاستراتيجية بكلفة أقل ومخاطر محسوبة. ولهذا السبب كثيراً ما تظهر ارتدادات الأزمات الإقليمية في مناطق لم تكن تاريخياً مسرحاً للصراعات الكبرى.
وفي قلب هذا المشهد المعقد تقف الجغرافيا الكردستانية بوصفها واحدة من أكثر المناطق حساسية في التوازنات الإقليمية. فهذه الجغرافيا تقع عند تقاطع مصالح عدة قوى إقليمية، وتجاور دولاً تحمل رؤى مختلفة تجاه موقعها ودورها في المنطقة. لذلك فإن أي تغير في طبيعة العلاقات بين هذه القوى ينعكس بصورة أو بأخرى على الاستقرار في هذه المناطق، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.
وخلال السنوات الماضية حاولت العديد من المدن في هذه الجغرافيا بناء قدر من الاستقرار النسبي، والسعي إلى تطوير فضاء مدني يسمح للحياة اليومية بالاستمرار بعيداً عن صخب النزاعات الكبرى. غير أن موقعها الجغرافي ظل يجعلها عرضة لارتدادات الأزمات التي تتفجر في محيطها الإقليمي. فحين تتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، أو حين تتخذ بعض الصراعات مسارات غير مباشرة، تصبح المناطق الواقعة على أطراف تلك الصراعات أول من يشعر بتداعياتها.
وهنا تظهر مفارقة واضحة في طبيعة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط. فمدن تحاول أن تبني حياة طبيعية ومستقرة قد تجد نفسها فجأة ضمن حسابات جيوسياسية لم تكن طرفاً في صياغتها . ذلك أن الحروب، حين تخرج من إطارها المباشر ، لا تبحث دائماً عن المواجهة في خطوط التماس التقليدية ، بل قد تمتد إلى جغرافيات أخرى تصبح جزءاً من معادلة الضغط السياسي أو الرسائل الاستراتيجية بين القوى المتنافسة .
كما أن استمرار العديد من الأزمات المزمنة في المنطقة دون حلول سياسية واضحة يجعل من هذه الظاهرة مرشحة للاستمرار. فكلما طال أمد الصراعات دون تسويات مستقرة ، ازدادت احتمالات انتقال ارتداداتها إلى جغرافيات جديدة .
وهذا يعني أن المدن البعيدة نسبياً عن مراكز القرار قد تبقى عرضة لتداعيات صراعات لا تشارك في صنعها ،
لكنها تجد نفسها مضطرة للتعامل مع نتائجها ؛
ومن هنا يصبح الحفاظ على الاستقرار المحلي مهمة أكثر تعقيداً مما يبدو . فاستقرار المدن الصغيرة أو المناطق الهامشية لم يعد مرتبطاً فقط بقدرتها على إدارة شؤونها الداخلية ،
بل بات يتأثر أيضاً بالتقلبات المستمرة في التوازنات الإقليمية . وبقدر ما تتغير هذه التوازنات ، تتغير معها احتمالات الاستقرار أو الاضطراب في مناطق بعيدة عن مراكز القرار .
في ضوء ذلك تبدو الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط اليوم أقرب إلى شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة ، حيث يصعب عزل أي منطقة عن تداعيات الصراعات التي تدور حولها . فالتشابك العميق بين المصالح الإقليمية وتعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين يجعل انتقال ارتدادات الأزمات أمراً شبه حتمي في كثير من الأحيان .
ولهذا يبقى السؤال مفتوحاً أمام مدن المنطقة عموماً ، والجغرافيا الكردستانية على وجه الخصوص :
كيف يمكن للمناطق التي تسعى إلى بناء حياة مستقرة أن تحافظ على توازنها في بيئة إقليمية تتسع فيها دوائر الصراع باستمرار ؟
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

