إقصاء البرلمان المنتخب وتأسيس مجلس بديل: عصا موسى لحلّ الأزمات أم إدمانٌ على السلطة وحبّ البقاء فيها؟ – رضوان فارس 

كما يقول الشاعر في عتاب قومه: ما أشبه الليلة بالبارحة… فلنغُص في أعماق التاريخ، ولنستعد ذاكرة الجزيرة العربية؛ فالأخطاء التاريخية كثيرًا ما تتكرر رغم قرون الفارق الزمني.
يمكن النظر إلى الإسلام بوصفه ثورة سياسية واجتماعية، بغضّ النظر عن جانبها الصلواتي والديني. ففي القرن السابع، استطاع النبي محمد توحيد يثرب ومكة تحت قيادة مركزية، مستفيدًا من تشتت القبائل العربية التي لم تستطع توحيد صفوفها. وقد تمكّن المهاجرون والأنصار بذلك من فرض ضريبة على خيرات البادية والأراضي الزراعية باسم الزكاة، في تجربة سياسية يمكن وصفها بـ”الحداثة العبودية”، حيث أُعيد توزيع الثروة والقوة لصالح نخبة محدودة، بينما ازداد فقر القبائل البدوية الأصيلة.
وما إن توفي النبي حتى تمردت القبائل العربية وامتنعت عن دفع الزكاة، ليندلع صراع دموي واسع في الجزيرة العربية عُرف لاحقًا في كتب التاريخ باسم حروب الردة. وكان ذلك دليلاً على أن التوحيد السياسي الذي يقوم على القوة دون بناء مؤسسات عادلة ومشاركة حقيقية من المجتمع غالبًا ما يولّد مقاومة وانقسامات عميقة.
وها نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين، في عصر التغيرات العظيمة، نعيش أخطاءً تشبه إلى حد بعيد ما حدث قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
فبعد أن ينتفض الشعب ويحرر أرضه، يظهر من المنفى من يدّعي الوصاية على الحاضر والمستقبل، ويقدّم نفسه صاحب القضية وصانعها. ثم يسيطر على زمام الأمور، ويبدأ بتقسيم الخيرات والواردات على الموالين له من العائدين من المنفى والمشاركين معه في الصراعات الداخلية، في مشهد يذكّر بتقسيم الغنائم بين المهاجرين والأنصار.
وفي المقابل، تُترك قطاعات واسعة من أبناء الشعب الذين صنعوا الانتفاضة خارج دائرة القرار السياسي والاقتصادي، بلا مشاركة حقيقية في إدارة شؤونهم أو رسم مستقبلهم.
أما المعارضة، المتشتتة والمفتقرة إلى أدوات النضال السياسي وأساليب المقاومة السلمية المنظمة، فقد ساهم ضعفها في جعل المشهد السياسي أكثر تعقيدًا، وأقرب إلى إعادة إنتاج أخطاء الماضي بدل تجاوزها.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن إقصاء البرلمان المنتخب وتأسيس مجلس بديل بذريعة حل الأزمات؟ وهل يمكن لمثل هذا المجلس أن يتحول إلى ما يشبه “عصا موسى” القادرة على حل المشكلات المستعصية بضربة واحدة؟ أم أن الأمر في حقيقته ليس سوى تعبير عن نزعة قديمة في السياسة، هي إدمان السلطة والرغبة في البقاء فيها بأي وسيلة؟
إن التجارب التاريخية والسياسية تؤكد أن تجاوز المؤسسات المنتخبة أو الالتفاف عليها لا يؤدي إلى حل الأزمات، بل غالبًا ما يفاقمها. فالدول لا تُبنى بالقرارات الفوقية ولا بالمجالس المؤقتة التي تُنشأ خارج الإرادة الشعبية، بل تُبنى عبر مؤسسات دستورية راسخة تقوم على الشرعية والتمثيل الحقيقي للمجتمع.
فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلم منه. والشعوب التي لا تبني مؤسسات قوية وشفافة، ولا تؤسس برلمانات حقيقية تمثل إرادة المواطنين، محكوم عليها بأن تعيد أخطاء الماضي مرة بعد مرة.
إن العدالة في توزيع السلطة والثروة، واحترام إرادة الشعب، وبناء دولة المؤسسات، ليست مجرد شعارات سياسية، بل هي الضمان الوحيد لمنع تكرار المآسي التاريخية.
ولعلّ من الإنصاف أن نقرّ بأن المقارنة ليست متطابقة تمامًا؛ فالصراع العنيف في الجزيرة العربية آنذاك أدى في النهاية إلى توحيد القبائل تحت راية واحدة، وأسهم لاحقًا في تشكّل هوية سياسية وثقافية جامعة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل يملك أصحاب فكرة المجلس البديل القدرة والقوة على بناء مشروع سياسي جامع وتحرير المجتمع من أزماته؟
أم أن ما نعيشه اليوم قد يتحول، بعد عقود أو قرون، إلى مجرد فصل جديد في كتاب التاريخ الطويل، عنوانه:
كيف يكرر البشر أخطاء الماضي حين يظنون أن تجاوز إرادة الشعب يمكن أن يكون طريقًا لحل الأزمات.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *