طهران – في خطوة قد تُعيد رسم خريطة النظام المالي العالمي، نقلت شبكة “سي إن إن” (CNN) عن مسؤول إيراني رفيع أن طهران تدرس جدياً فرض الدفع باليوان الصيني على جميع سفن الشحن وناقلات النفط العالمية، كشرط لضمان “المرور الآمن” عبر مضيق هرمز، في ظل التصعيد العسكري والاقتصادي المتواصل في المنطقة.
النفط مقابل اليوان: معادلة جديدة
ووفقاً للمصادر، تأتي هذه الخطوة الإيرانية في وقت يشهد فيه المضيق إغلاقاً جزئياً وارتفاعاً حاداً في مخاطر الملاحة البحرية، حيث تسعى طهران إلى تحويل “قوتها الجغرافية” إلى “نفوذ مالي” يخدم مصالحها ويضعف هيمنة الدولار الأميركي.
ويُعتبر فرض التعامل باليوان الصيني في معاملات عبور النفط عبر هرمز ضربة محتملة لنظام “البترودولار” الذي يهيمن على أسواق الطاقة العالمية منذ عقود، وهو الحلم الذي تسعى إليه كل من الصين وروسيا منذ سنوات لتقليل الاعتماد على العملة الأميركية.
“ممر آمن” بثمن استراتيجي
ويرى محللون أن المقترح الإيراني يحمل ذكاءً تكتيكياً، حيث يقدم للعالم “مخرجاً” من أزمة تأمين ناقلات النفط وضمان تدفق الطاقة، لكن الثمن يكون الانخراط في نظام مالي موازٍ للنظام الذي تقوده واشنطن.
وهذا الوضع يضع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، خاصة الدول الأوروبية التي تجري مفاوضات سرية مع طهران، أمام مفترق طرق صعب: إما قبول التعامل باليوان وضمان مرور نفطهم، أو التمسك بالدولار ومواجهة مخاطر تعطيل إمداداتهم الطاقة.
بكين تضرب عُصفورين بحجر واحد
وإذا ما نُفذ هذا القرار، فإنه سيعني عملياً أن الصين أصبحت “الضامن المالي” للتجارة عبر أهم ممر مائي في العالم، حيث يمر نحو 20% من استهلاك النفط العالمي يومياً.
وبهذا، لا تحمي إيران مصالحها فحسب، بل تقدم لبكين “هدية استراتيجية” كبرى بجعل عملتها الوطنية “العملة السيادية” لمرور النفط العالمي، ما يعزز من مكانة اليوان في الاحتياطيات العالمية ويقلص من هيمنة الدولار.
تحدي مباشر لترامب والولايات المتحدة
وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس، حيث يفرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية وضغوطاً اقتصادية على الصين وأوروبا، فيما تأتي طهران لتقول للعالم بشكل غير مباشر: “الدولار لا يحمي سفنكم، لكن اليوان قد يفعل”.
ويرى مراقبون أن هذه المعركة تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيرة لتصل إلى “جيوب البنوك المركزية”، في حرب اقتصادية من نوع “كسر العظم” قد تُعيد تشكيل التحالفات المالية العالمية.
ردود فعل دولية متوقعة
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من البيت الأبيض أو وزارة الخزانة الأميركية على هذه الأنباء، في حين أن الأسواق المالية العالمية تراقب التطورات بقلق، خشية من أي اضطرابات في إمدادات الطاقة أو تحولات مفاجئة في أسواق الصرف.
من جانبها، لم تؤكد وزارة الخارجية الصينية رسمياً دعمها للمقترح الإيراني، لكن بكين تستفيد استراتيجياً من أي خطوة تضعف الدولار وتعزز من دور اليوان في التجارة الدولية.
سيناريوهات مقبلة
ويتوقع محللون عدة سيناريوهات للأيام القادمة:
- سيناريو التنفيذ: إذا طبقت إيران القرار، فقد تشهد أسواق النفط والعملات تقلبات حادة، مع تسارع دولي للبحث عن بدائل للدولار.
- سيناريو التفاوض: قد تستخدم طهران هذا المقترح كأوراق ضغط في مفاوضات غير معلنة مع القوى الدولية.
- سيناريو المواجهة: قد ترد واشنطن بخطوات عقابية أقسى، ما يزيد من خطر التصعيد العسكري في المنطقة.
خاتمة
مهما كان مصير هذا المقترح الإيراني، فإن مجرد طرحه يعكس تحولاً جيوسياً واقتصادياً عميقاً، حيث لم تعد المعارك تُحسم بالسلاح فحسب، بل بالعملات والنفوذ المالي. والعالم اليوم يقف أمام خيار صعب: إما التكيف مع نظام مالي متعدد الأقطاب، أو المخاطرة باضطرابات قد تطال إمدادات الطاقة العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل بوابة قد تُغلق أو تُفتح حسب قواعد اللعبة الجديدة التي تُكتب الآن بحبر اليوان والدولار معاً.

