الحياة حيث المقبرة.. حنين آل ماجد: وليد الأسطل

يقف النص المعنون “الحياة حيث المقبرة” الذي كتبته الأستاذة حنين آل ماجد منذ بدايته في منطقة رمزية كثيفة: المقبرة. ليست المقبرة هنا مجرد مكان للموت، ولكن فضاء للحقيقة العارية، حيث تتلاشى الزينة التي يلبسها الإنسان لنفسه في الحياة. المقبرة هي المكان الذي تمحى فيه الفوارق، وتُختزل فيه السرديات الكبرى للإنسان إلى حقيقة أولية: جسد كان، ثم صار ترابا.
ومن هنا تبدو السيدة الواقفة بين القبور كأنها ليست شخصية فردية بقدر ما هي صوت الوجود ذاته، أو ضمير البشرية حين يتجرد من أوهامه. خطواتها الهادئة وثوبها الذي يسير خلفها “كالقافلة” يوحيان بأن ما يتحرك ليس جسدا واحدا، وإنما تاريخا طويلا من التجربة البشرية، كأن هذا الثوب يحمل آثار من سبقوا، أو يحمل أثقال الزمن نفسه.
ليس نداؤها المتكرر: “انهض يا ابن آدم” نداء بيولوجيا إلى إنسان محدد، إنه استدعاء للوعي. كأن نص حنين آل ماجد يقترح أن الإنسان، رغم أنه حي، يعيش نوعا من النوم الوجودي. لذلك فإن النداء هنا ليس لإحياء الجسد، وإنما لإيقاظ البصيرة. غير أن المفارقة تظهر فورا في الجمع بين “ابن آدم” و”ابن الخطيئة”. هنا يتردد صدى التراث الديني، حيث الإنسان كائن بين كرامة الخلق وسقوط الخطيئة. لكن النص لا يعرض هذه الثنائية بوصفها عقيدة جاهزة، وإنما بوصفها توترا داخليا في تعريف الإنسان لنفسه. هل الإنسان مكرّم أم مدان؟ مخلوق سماوي أم خطأ كوني؟ وربما السؤال الأعمق: لماذا يميل الإنسان دائما إلى تضخيم ذاته رغم هشاشته الوجودية؟
حين تقول السيدة: “جئت من عدم، وعشت في اللامعنى، ونهايتك قاسية”، فإن النص يقترب من نبرة وجودية واضحة. هنا يكاد القارئ يسمع صدى تساؤلات الفلسفة الحديثة: ماذا لو لم يكن للحياة معنى سابق علينا؟ ماذا لو كان المعنى مجرد بناء يصنعه الإنسان ليحتمي من الفراغ؟ ومع ذلك، لا يستقر نص حنين آل ماجد تماما في العدمية. إنه يضع القارئ أمام حافة الهاوية الفكرية دون أن يدفعه إليها بشكل نهائي. فالسؤال يبقى معلقا: هل الحياة بلا معنى فعلا، أم أن المعنى شيء يولد من الألم نفسه؟
يتعمق التوتر حين تحذر الإنسان من “تقديس نفسه”. هذه الجملة الصغيرة تحمل نقدا حضاريا واسعا. فالإنسان المعاصر بنى حول ذاته أسطورة ضخمة: أسطورة السيطرة، المعرفة المطلقة، التقدم غير المحدود. لكن النص يذكره فجأة بأنه “ظل جسد ضل عنه الضوء”. الصورة هنا شديدة القسوة: ليس جسدا مضيئا، بل ظلا لجسد. أي أن الإنسان نسخة ناقصة حتى عن ذاته. وهذا يفتح سؤالا فلسفيا عميقا: هل وعي الإنسان بذاته هو مصدر قوته، أم هو مصدر اغترابه؟
ثم تأتي لحظة التحول الأكثر صدمة في النص: تمزيق الثوب. ليس هذا الفعل مجرد انكشاف جسدي، وإنما انكشافا رمزيا. كأن الحقيقة لا يمكن أن تقال وهي مغطاة. يتمزق الثوب الذي كان يسير خلفها كالقافلة، فتظهر الأمومة العارية: الحليب، الرحم، العرق. هنا ينتقل نص حنين آل ماجد فجأة من فضاء المقبرة إلى فضاء الولادة. من الموت إلى الأصل. وكأن الرسالة تقول إن فهم الموت يمر دائما عبر فهم الولادة.
حين تقول: “عشت في جسدي يا آدم المسكين”، يتحول الصوت إلى صوت الأم الكونية. ليس آدم الفرد، وإنما الإنسان كله. هنا يذكّر النص الإنسان بأنه قبل أن يكون مفكرا أو باحثا عن الخلود، كان جنينا ضعيفا يعيش على جسد آخر. ليست هذه العودة إلى الجنينية مجرد تذكير بيولوجي، وإنما تذكير وجودي بالاعتماد الأصلي للإنسان. فهل ننسى هشاشتنا الأولى حين نبني هوياتنا المتعالية؟ وهل محاولة الإنسان الدائمة لتجاوز نفسه ليست في جوهرها محاولة للهروب من تلك الهشاشة؟
يطرح النص سؤالا عن الحب أيضا، لكن بطريقة قاسية وغير رومانسية. ليس الحب هنا خلاصا وإنما مصدر شقاء. إنه يولد “كائنات صغيرة ينعكس قبحها على ملامحك”. قد يبدو هذا الحكم متطرفا، لكنه يفتح باب تأمل عميق: هل الحب فعل تضحية أم فعل تكاثر للألم؟ وهل الإنسان يحب لأنه قادر على الحب، أم لأنه يخشى الوحدة؟
أما فكرة الخلود فتُواجه بسخرية شبه مأساوية. يريد الإنسان الخلود، لكن النص يعيده إلى أصل ترابي بسيط: “لم تُخلق من الثرى إلا لتعود إليه”. ومع ذلك، ليس في هذه الجملة مجرد تقرير ديني تقليدي، وإنما نوع من التذكير الكوني بدورة المادة. هنا يبدو الإنسان كجزء صغير من حركة أكبر بكثير منه. فهل الخلود الذي يبحث عنه الإنسان هو خلود الجسد أم خلود الأثر؟ وهل البحث عن الخلود تعبير عن الكبرياء أم عن خوف عميق من الفناء؟
اللافت أيضا أن النص لا ينتهي بإدانة الإنسان ولكن بدعوته إلى نوع من المصالحة: “لتسامح نفسك قبل أن تأكلك أخطاؤك”. هذه الجملة ربما هي المفتاح الأخلاقي في رؤية حنين آل ماجد للنص كله. فبعد كل القسوة، يعود الصوت ليقترح أن النجاة الوحيدة الممكنة ليست في الهروب من الخطأ وإنما في الاعتراف به. وكأن الإنسان لا ينهزم بسبب خطاياه بقدر ما ينهزم بسبب عجزه عن التصالح مع ذاته.
يعيدنا المشهد الأخير إلى الجسد المتعب الجالس في المقبرة. الثوب الممزق، الجسد الهزيل، المعبد القديم الذي شوهته خيوط العناكب… كلها صور تشير إلى الزمن الذي ينهش كل شيء. لكن المفاجأة تأتي في الجملة الأخيرة: “أنا ابنة آدم، أنا ابنة حواء، أنا لست لقيطة ولا خطيئة، أنا خلق الإله”. هنا ينقلب الخطاب فجأة من توبيخ الإنسان إلى استعادة الكرامة الإنسانية. بعد كل التشكيك في الإنسان، يصر نص حنين آل ماجد في نهايته على أن هذا الكائن، بكل ضعفه وأخطائه، ليس حادثا بلا أصل، وإنما هو جزء من فعل الخلق.
وهنا يترك النص القارئ أمام مفارقة فكرية عميقة: كيف يمكن للإنسان أن يكون في الوقت نفسه كائنا هشا، مخطئا، عابرا… ومع ذلك مخلوقا ذا قيمة؟ هل الكرامة الإنسانية تأتي من الكمال، أم من القدرة على النهوض رغم النقص؟ وهل الحقيقة التي تكشفها المقبرة هي عبث الحياة، أم قدسيتها؟
ربما السؤال الأشد إلحاحا الذي يتركه نص حنين آل ماجد خلفه هو هذا: إذا كان الإنسان يعرف أنه سيموت، ويعرف هشاشته الأولى، ويعرف أنه ليس إلها… فلماذا يصر على أن يعيش كما لو أن له معنى لا يمكن التنازل عنه؟ وربما هنا بالذات يكمن سر الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *