حين تتحول السياسة إلى نبوءة:أسطورة مطاردة أمريكا للإمام المهدي- د. مالك الجبوري

مع كل صاروخ يسقط في الشرق الأوسط، ومع كل تصعيد عسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، لا تقتصر المعركة على السماء والبحر والقواعد العسكرية فقط، بل تمتد أيضًا إلى العقول والخيال الشعبيففي لحظات الحروب الكبرى لا تتحرك الجيوش وحدها، بل تتحرك أيضًا الروايات والأساطير والتفسيرات الغيبيةوفي العراق تحديدًا عاد الحديث بقوة عن قرب ظهور الإمام المهدي، وكأن الحرب الدائرة في المنطقة ليست صراعًا بين دول ومصالح واستراتيجيات، بل فصل أخير في قصة كونية كبرى تمهد لحدث غيبي ينتظره المؤمنون منذ قرون.

وبينما تتحدث مراكز الدراسات العسكرية عن موازين القوى والصواريخ والتحالفات الدولية، ينتشر في المجال الشعبي خطاب مختلف تمامًا يفسر الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، بل وحتى الحرب مع إيران، باعتبارها جزءًا من خطة دولية لمحاصرة الأرض ومنع ظهور الإمام المنتظرهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقيمتى تتحول العقيدة الدينية من إيمان روحي مشروع إلى أداة سياسية تُستعمل لتفسير الحروب وصناعة نظريات المؤامرة؟

الإيمان بظهور الإمام المهدي ليس فكرة هامشية في التاريخ الإسلاميفهو جزء من الموروث العقائدي لدى ملايين المسلمين، وخاصة في الفكر الشيعي الاثني عشري حيث يشكل المهدي الغائب عنصرًا مهمًا في البناء العقائديلكن هذا الاعتقاد ظل عبر قرون طويلة في إطار ديني وروحي يرتبط بفكرة العدالة الإلهية وعودة الحق في نهاية الزمن.

المشكلة تبدأ عندما يخرج هذا الإيمان من فضائه الديني ليصبح جزءًا من الخطاب السياسي اليوميعند هذه اللحظة يتحول المهدي من رمز ديني ينتظره المؤمنون إلى عنصر في خطاب تعبوي يُستعمل لتفسير الواقع السياسيوهنا تبدأ الروايات الغيبية في تفسير كل شيءالحروب، القواعد العسكرية، التكنولوجيا، وحتى المشاريع الاقتصادية العالمية.

في السنوات الأخيرة ظهرت في العراق روايات تقول إن الولايات المتحدة جاءت إلى المنطقة ليس من أجل النفط أو المصالح الاستراتيجية، بل للبحث عن الإمام المهدي نفسه أو لمحاولة القبض عليهبل إن بعض الشخصيات السياسية والدينية ذهبت إلى حد القول إن لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية ملفًا خاصًا عن الإمام المهدي، وإن هذا الملف ينقصه فقط صورة له.

هذه الروايات تبدو للبعض مجرد قصص شعبية أو خرافات سياسية، لكنها في الواقع تكشف ظاهرة أعمق بكثيرظاهرة تحويل المعتقد الديني إلى أداة تفسير سياسي شامل لكل ما يحدث في العالم.

فالسياسة الدولية في الواقع تقوم على حسابات القوة والمصالح والاقتصاد والجغرافيا الاستراتيجيةوجود قواعد عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط يمكن تفسيره في إطار حماية المصالح الاستراتيجية، وتأمين طرق الطاقة، وموازنة النفوذ الإيراني، وضمان أمن الحلفاءلكن عندما يجري تفسير هذه القواعد باعتبارها جزءًا من خطة لمحاصرة الإمام المهدي، فإننا لا نكون أمام تحليل سياسي، بل أمام انتقال كامل من عالم السياسة إلى عالم الأسطورة.

البيئة السياسية العراقية بعد عام 2003 ساهمت بشكل كبير في انتشار هذا النوع من التفكيرفالدولة الضعيفة، والصراع الطائفي، وانتشار السلاح خارج إطار المؤسسات، وظهور إعلام حزبي تعبوي، كلها عوامل خلقت بيئة مناسبة لازدهار نظريات المؤامرة.

في مثل هذه البيئات يصبح من السهل تفسير كل حدث كبير بوصفه جزءًا من مؤامرة كبرىالاحتلال مؤامرة، الاحتجاجات مؤامرة، الانتخابات مؤامرة، وحتى الخلافات السياسية الداخلية يمكن تفسيرها بوصفها جزءًا من مخطط خارجي.

وفي هذا السياق وجدت بعض الفصائل السياسية والمسلحة أن الخطاب المرتبط بفكرة المهدي يوفر أداة تعبئة فعالة للغايةفهو خطاب قادر على إثارة العاطفة الدينية، وعلى تحويل الصراع السياسي إلى صراع عقائدي، وعلى خلق جمهور يعيش في حالة تعبئة دائمة.

عندما يُقدَّم الصراع مع الولايات المتحدة أو مع إسرائيل بوصفه صراعًا عاديًا بين دول ومصالح، يمكن للناس أن يناقشوا أسبابه ونتائجه بعقلانيةلكن عندما يُقدَّم الصراع بوصفه معركة ضد مشروع عالمي يريد منع ظهور الإمام المهدي، فإن النقاش يصبح شبه مستحيل، لأن أي اعتراض يمكن تفسيره بوصفه موقفًا ضد العقيدة نفسها.

بهذه الطريقة يتحول الدين من مصدر للقيم الأخلاقية إلى وسيلة لإغلاق النقاش السياسي.

والأخطر من ذلك أن هذه السرديات لا تبقى مجرد قصص متداولة في المجتمع، بل تتحول أحيانًا إلى جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي لبعض الفصائلوعندما يحدث ذلك، يصبح من الصعب الفصل بين العقيدة الدينية وبين الصراع السياسي، لأن الخطابين يندمجان في خطاب واحد يخلط بين الغيب والسياسة.

التاريخ السياسي مليء بالأمثلة التي تُظهر كيف يمكن للأساطير الدينية أو القومية أن تتحول إلى أدوات تعبئة سياسيةلكن الفرق في الحالة العراقية هو أن هذه الأساطير ترتبط بعقيدة حية ومؤثرة في الوعي الشعبي.

عندما يجري ربط الأحداث السياسية اليومية بعلامات الظهور، يصبح كل تطور عسكري أو سياسي جزءًا من قصة كبرىومع مرور الوقت تتحول هذه القصة إلى إطار ذهني يفسر العالم كله.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقيةفبدل أن يسأل المواطن عن أسباب الفساد أو فشل الدولة أو سوء الإدارة، يجري تحويل النقاش إلى معركة كونية بين الخير والشروبدل أن تُطرح الأسئلة حول المسؤولية السياسية للنخب الحاكمة، يجري الحديث عن المؤامرات العالمية التي تستهدف العقيدة.

بهذا المعنى تصبح نظرية المؤامرة أداة لحماية الفشل السياسي، لأنها تنقل المسؤولية من الداخل إلى الخارج.

النقاش حول هذه القضية يجب أن يكون واضحًا ومتوازنًا في الوقت نفسهفالإيمان بظهور الإمام المهدي شأن ديني شخصي، ومن حق أي إنسان أن يؤمن به أو ينتظره بوصفه جزءًا من معتقده الروحي.

لكن هذا لا يعني أن من المقبول تحويل هذا الاعتقاد إلى وسيلة لتفسير السياسة الدولية أو إلى أداة للتحريض والتعبئة أو لنشر الجهل.

إن احترام الإيمان الديني لا يعني تعليق العقل، كما أن الدفاع عن العقل لا يعني السخرية من العقائد.

المشكلة ليست في الإيمان نفسه، بل في استعماله كأداة سياسية.

في النهاية، ليس السؤال ما إذا كان الإمام المهدي سيظهر أم لا، فذلك شأن إيماني يخص المؤمنين بهالسؤال الحقيقي هولماذا تتحول كل أزمة في الشرق الأوسط إلى فرصة لإحياء الروايات الغيبية بدل أن تكون لحظة لمواجهة الواقع كما هو؟ فالحروب في منطقتنا لا تفسرها النبوءات، بل تفسرها المصالح والصراعات على السلطة والنفوذ.

وعندما يتحول الدين إلى عدسة نقرأ بها كل حدث سياسي، فإننا لا نفهم العالم بل نهرب منهإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يؤمن بالغيب، بل أن يستبدل التفكير بالغيب، وأن يحوّل العقيدة إلى تفسير جاهز لكل فشل وكل حرب وكل أزمة.

عندها لا تبقى السياسة مجالًا للنقاش والعقل، بل تتحول إلى انتظار دائم لمعجزة لن تأتي، أو إلى خوف دائم من مؤامرة لا تنتهي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *