الدينونة: قصة قصيرة- محمد صخي العتابي

الشيء الوحيد الذي لم يغادر الغرفة، كان الصدى. ليس صدى الأصوات، بل صدى الأماكن. كان الرجل يجلس في الزاوية ذاتها، على الكرسي الذي تذكر رائحة جسده أكثر مما تذكر هيئته. كل صباح، يفتح النافذة على شارع يبدو كشرايين مقطوعة. لا أحد يمر. حتى الظل كان يتثاءب قبل أن يزحف على الجدار المقابل.
هذا الصباح، كان الضوء يتسلل خجولاً كمتسول يطرق باباً لا يعرف صاحبه. مسح الرجل الغبار عن إطار الصورة الوحيدة على الطاولة. الصورة لم تعد تحتفظ بملامحها، صارت شبيهة بذاكرة رجل طاعن في النسيان، ضبابية، باهتة، لكنها ثقيلة. ثقيلة كحجر القبر.
طرق خفيف على الباب. لم يتفاجأ. كان ينتظر طرقاً كهذا منذ زمن. قال بصوت يشبه حفيف الأوراق اليابسة:
ادخل الباب غير مقفول.
دخلت امرأة.. عباءتها السوداء كانت تغطي كل شيء إلا عينين واسعتين، كبئرين عميقتين، رأى فيهما انعكاسه هو.. لا، ليس انعكاس وجهه، بل انعكاس ذلك الخواء الذي يسكنه. تقدمت خطوتين، ثم توقفت.. نظرت إلى الغرفة التي لا تحوي إلا طاولة وكرسيين وسريراً حديدياً وحائطاً عليه أثر مسمار وحيد. نظرت إلى الرجل، كانت عيناه تحدقان فيها دون أن تراهما. نعم، كان يرى من خلالهما.
قالت وهي تخلع عباءتها:
أنا التي كتبتِ إلي.
لم يحرك ساكناً.. راح يحدق بالعباءة التي ألقتها على طرف السرير. عباءة سوداء. كل شيء في هذا العالم يبدأ بالأسود وينتهي به.
أردفت:
وصلتني رسالتك بعد سنتين. وصلتني قبل ثلاثة أيام. قرأتها أربعين مرة. ثم جئت.
أشار بيده إلى الكرسي الآخر. جلست. كان هناك صمت طويل، من النوع الذي لا يملأه إلا رنين الذباب. نظرت حولها، إلى الأركان التي تأكلها الرطوبة، إلى السقف المتصدع، إلى النافذة المطلّة على ذلك الشارع الميت.
لم تذكر في رسالتك أنك تعيش هكذا.
سأل بهدوء:
كيف؟
وحيداً. معزولاً.
قال مبتسماً ابتسامة لم تصل إلى عينيه:
الوحدة يا سيدتي، ليست في المكان. الوحدة أن ترى وجهك في مرآة، فلا تعرفه. أما أنا، فأعرف جيداً من في هذه الغرفة.
نظرت إليه. رأت يده اليمنى ترتعش قليلاً على ركبته. رأت عروقاً زرقاء بارزة مثل خرائط لأنهار جفت. رأت بقايا رجل كان شامخاً ذات يوم. قالت:
في رسالتك، قلت إنك تعرف ابني.
توقف ارتعاش اليد فجأة. ثم عاد. قال:
كنت أعرفه. نعم. كان جندياً مثلي. في الحرب نفسها. في الخندق نفسه. في الليلة نفسها.
سألت بصوت خافت يكاد لا يسمع:
كيف مات؟
لم يرد مباشرة. نهض بصعوبة، كأن مفاصله تصدأت، واتجه نحو النافذة. أدار ظهره لها. قال وهو ينظر إلى الفراغ:
كيف يموت جندي في الحرب؟ كزهرة برية تحت حذاء ثقيل. فجأة. دون مقدمات. دون أن يودع أحداً.
نهضت من مكانها، واقتربت خطوة منه. قالت:
لقد كتبت إليّ يا أبو خليل. كتبت إلي تبحث عني. لماذا؟ بعد كل هذه السنين؟
استدار ببطء. نظر إليها. للمرة الأولى، رأت في عينيه شيئاً يشبه الحياة، شيئاً يشبه الألم الحي، النازف. قال:
لأنني مدين له.
مدين؟ كيف؟
في تلك الليلة، كانت السماء تمطر ناراً. كنا عشرة في الخندق. كنا خائفين. كنا صغاراً. كنا نظن أن الشجاعة هي ألا تخاف. كنا أغبياء. في الليلة نفسها، جاء الأمر بالتقدم. رفضت. نعم، رفضت. تجمدت مكاني. لم أستطع تحريك ساقي. كان ابناك، هو الذي دفعني.
ساد صمت. ثقيل. قاتل. همست:
دفعك؟
دفعني بكتفه. صرخ في وجهي: تحرك يا جبان.. إما أن نموت واقفين، أو نعيش لنروي الحكاية.. تحركت. تقدمت خمس خطوات.. ثم سمعت الانفجار. خلفي. حيث كان واقفاً.
أغمضت عينيها. ترنحت. كادت تسقط لولا أنها تشبثت بحافة الطاولة. فتحت عينيها. كانت تدمع، لكن الدموع لم تسقط. تمسكت بها، كأنها لا تريد أن تمنحه إياها. قالت بصوت مبحوح:
إذاً، أنت سبب موته؟
هز رأسه:
أنا سبب حياتي أنا. هو من أعطاني إياها. بدل حياته. هذه هي الدينونة يا سيدتي. أن تعيش، وتعرف أن غيرك كان يستحق الحياة أكثر.
جلست على الكرسي. وضعت وجهها بين كفيها. مرت دقائق. الرجل ما زال واقفاً عند النافذة، ظهره لها، كتمثال منسي في ساحة مهجورة. ثم قالت فجأة:
أكان يخاف؟
استدار نحوها:
ماذا؟
أكان ابني يخاف في تلك اللحظة؟
اقترب منها. جلس على الكرسي المقابل. حك لحيته البيضاء. قال:
كان خائفاً. مثلي. مثلنا جميعاً. لكنه كان يخاف بطريقة مختلفة. كان خوفه… نبيلاً. كان خائفاً ألا يكون عند حسن الظن. خائفاً أن يخذل رفاقه. ليس خائفاً من الموت. الموت كان هناك، في كل زاوية، لكنه لم يكن يشغله. كان يشغله كيف سيكون وجهه عندما يواجهه.
رفعت رأسها. دموعها الآن تسيل بلا مقاومة. قالت:
كنت دائماً أتخيله يموت وحيداً. خائفاً. يصرخ باسمي.
هز الرجل رأسه بقوة:
لا.. لم يكن وحيداً. كنت أنا معه. كنا جميعاً معه. قبل أن ينفجر كل شيء، التفت إلي.. التفت إلي وابتسم. ابتسامة غريبة. كأنه يقول: لقد فعلتها.. لقد جعلتك تتحرك.. ثم ذهب.
مسحت دموعها بكمها.. سألت:
لماذا لم تأتِ من سنين؟ لماذا الآن؟
نظر إلى الأرض. قال بصوت خفيض:
كنت جباناً. كنت خائفاً من النظر في عينيك. كنت أرى وجهه في كل امرأة في الشارع. كنت أظن أنك ستلعنينني.. ستقولين: أنت من أرسله ليموت. لكن الرسالة… كتبتها لأنني سمعت أنك مريضة. سمعت أنك قد ترحلين قريباً.. لم أستطع أن أحمل هذا الدين إلى الأبد. أردت أن أخبرك. أردت أن تعرفي أن ابنك لم يمت عبثاً. وأنه كان شجاعاً. وأن أحداً لا يزال يتذكره.
نظرت إليه طويلاً. طويلاً جداً. كان الصمت بينهما الآن مختلفاً. لم يكن ثقيلاً. كان شبيهاً بالصلاة. نهضت. مشت إليه. جلست على الأرض قبالة كرسيه. مدت يدها المرتجفة، ووضعتها على يده المرتجفة. قالت:
لقد جئت لألعنك. نعم. جئت ومعي كل آيات اللعن. كنت أتمنى أن أراك في أسوأ حال. وأن أشتمك. وأن أبصق في وجهك.
سكتت لحظة. تنفست بعمق:
لكنني الآن لا أستطيع.
لماذا؟ سأل بصوت طفل:
لأنني رأيت وجهه في عينيك.. رأيت ذلك الخوف النبيل الذي تحدثت عنه. أنت تحمله.. أنت حارسه الآن. كيف ألعن حارس ابني الوحيد؟
بكى الرجل.. لأول مرة منذ سنين.. بكى بلا صوت.. بلا رفعة.. بكاء ينبع من عمق البئر الذي كان يراه في عينيها. كان جسده ينتفض، وكأنه يخرج من تحت أنقاض ثقيلة.
أخرجت من حقيبتها الصغيرة ناياً خشبياً. قديماً. مشققاً. وضعته على الطاولة. قال الرجل وهو ينظر إليه:
ما هذا؟
هذا نايه. كان يعزف عليه كلما عاد في إجازة. كان يجلس على سطح الدار 
يعزف. والناي يبكي. كانت أمه تقول إن الناي لا يعزف، بل يبكي نيابة عنه. احتفظت به. أردت أن تعطيه إياه… أنت الآن أحق به مني.
نظر الرجل إلى الناي. رفع يده المرتجفة، لكنه لم يلمسه. قال:
لماذا أعطيتنيه؟
لكي تعزف له. في لياليك الوحيدة. لكي ترد له الدين.. دين الناي.
أمسك الرجل بالناي أخيراً. كان خشباً ثقيلاً كأنه مصنوع من عظام. وضعه على شفتيه. لم يخرج منه صوت. فقط هواء يتسرب من شقوقه. قال:
لقد مات معه. الناي لا يعزف إلا لأصحابه.
قالت وهي تنهض وتلبس عباءتها:
سيتعلم معك. مع الوقت. كل شيء يتعلم. حتى الناي.
مشت نحو الباب.. وقف هو في مكانه، ممسكاً بالناي، شاردا. قبل أن تغادر، التفتت وقالت:
اسمي أم خليل. ولن أنسى أن لي ابناً اسمه خليل. ولن أنسى أن له صديقاً اسمه أبو خليل.
تركت العبارة معلقة في الهواء، ثم أغلقت الباب وراءها. بقي الرجل واقفاً.. الغرفة عادت إلى صمتها. لكن الصدى كان مختلفاً. لم يعد صدى مكان، بل صدى روحين التقيا فوق قبر واحد. رفع الناي إلى شفتيه مجدداً. حاول. هذه المرة، خرج صوت خافت، متشقق، لكنه كان موجوداً. كان يشبه بكاء رجل تعلم أن الحياة دين، وأن بعض الديون لا تسدد إلا بالناي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *