العقلانية النقدية بين محمد عابد الجابري ويورغن هابرماس- إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

     تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر ، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية .

     وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران : مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935_ 2010 ) ، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929_ 2026 ) .

     وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما ، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري ، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع .

     ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي ، وتُراثِه المعرفي ، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية ، ومُحاولة تصحيح مسارها . ومعَ ذلك ، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية ، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة ، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص ، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية .

     ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي ، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية ، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب .

     يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية :

     1_ البيان : وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة .

     2_ العِرفان : وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن .

     3_ البُرهان : وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة .

     ومِنْ خِلال تحليله لهذه الأنظمة ، يَخلُص الجابري إلى أنَّ هيمنة البيان والعِرفان أدَّتْ إلى إضعاف العقلِ البُرهاني في الثقافة العربية ، مِمَّا جَعل التفكيرَ النقدي محدودًا، لذلك يَدعو إلى إعادة الاعتبار للعقلِ البُرهاني، بوصفه أساسًا لإقامة عقلانية نقدية حديثة .

     العقلانية عِند الجابري لَيست مُجرَّد استخدام للعقل ، بَلْ هي مُمارسات نقدية للتُّراث ، فهو يَرفض القطيعةَ التَّامَّة مع التراث ، كما يَرفض أيضًا التقديسَ المُطْلَق له . وبدلًا من ذلك ، يقترح منهجًا يقوم على قراءة التراث قراءة تاريخية إبستمولوجية تكشف بُنياته المعرفية وحدوده . والإبستمولوجيا: هي فَرْع من فُروع الفلسفة يدرس طبيعةَ المعرفة وحدودها ، وكيف نحصل عليها .

     بهذا المَعنى ، فإنَّ العقلانية النقدية عند الجابري هي مشروع إعادة بناء للعقل العربي من الداخل ، عَبْر تفكيك أنظمته المعرفية ، وإعادة ترتيبها ، بما يَسمح بظهور عقل حديث قادر على إنتاج المعرفة ، والتفاعل مع العَصْر .

     ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت ، وهي المدرسة الفلسفية التي انشغلتْ بنقد المجتمع الرأسمالي الحديث ، ونقدِ أشكالِ الهَيمنة في الثقافة والسياسة .

     في عمله الفلسفي الكبير: نظرية الفِعْل التواصلي ، يطرح هابرماس مفهوم العقلانية التواصلية، بوصفه بديلًا عن العقلانية الأداتية التي سيطرتْ على الحداثة الغربية . فالعقلانية الأداتية تَختزل العقلَ في قُدرته على السيطرة التقنية ، وتحقيقِ الأهداف ، بَينما تُهمل البُعدَ التواصلي للحياة الإنسانية .

     يَرى هابرماس أنَّ الإنسان كائنٌ تواصلي بطبيعته، وأنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة لنقل المعلومات، بَلْ هي فضاء للتفاهم ، وبناءِ المعنى المُشترك . وَمِنْ هُنا تنشأ فِكرة الفِعل التواصلي ، الذي يقوم على الحِوار الحُر بين الأفراد بهدف الوصول إلى اتفاق عقلاني .

     تقوم العقلانية النقدية عند هابرماس على عِدَّة مبادئ أساسيَّة :

     1_ الحِوار العقلاني بدل الإكراه والسُّلطة .

     2_ الفضاء العُمومي بوصفه مجالًا للنقاش الديمقراطي الحُر .

     3_ نقد الأيديولوجيا التي تُشوِّه التواصلَ بين الأفراد .

     4_ تحرير العقل من الهَيمنة التقنية والسياسية .

     وعلى الرغم من اختلاف السِّياق الحضاري بين المفكرَيْن ، يُمكن رصد عدد مِن نقاط التقارب بين مشروعَيْهِما :

     1_ مركزية النقد: كِلا المشروعَيْن يقوم على فِكرة النقد . الجابري يُمارس نقدًا للعقل التُّراثي، بَينما يُمارس هابرماس نقدًا للعقل الأداتي في الحداثة الغربية .

     2_ تحرير العقل مِن الهَيمنة : يَسعى الجابري إلى تحرير العقل العربي مِن سُلطة التقليد غَيْر المفحوص ، بَينما يَسعى هابرماس إلى تحرير العقل مِن هَيمنة البيروقراطية والتقنية والرأسمالية .

     3_ إعادة تأسيس العقلانية : كِلاهما لا يرفض العقلانية ، بَلْ يسعى إلى إعادة تعريفها . الجابري يُؤَسِّس عقلانية بُرهانية نقدية ، بَينما يُؤَسِّس هابرماس عقلانية تواصلية ديمقراطية .

     4_ العلاقة بين المعرفة والمجتمع: يَرى المُفكِّران أنَّ الفِكر لَيس معزولًا عن الواقع الاجتماعي والسِّياسي، بَلْ هو جُزء من عملية تاريخية تتداخل فيها المعرفة مع السُّلطة والثقافة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *