تل أبيب – في تحليل سياسي عميق نشرته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، يطرح الكاتب نتنئيل شلوموفيتس إشكاليات جوهرية حول العزلة المتزايدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية، مشيراً إلى الدور المحوري الذي لعبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في جر واشنطن نحو مواجهة عسكرية مع إيران.
ترامب في “فقاعة” ومعزول عن الواقع الأميركي
ويبرز شلوموفيتس في تحليله أن ترامب، بعد 14 شهراً من عودته إلى البيت الأبيض، بات يعيش في عزلة متزايدة عن الواقع الأميركي، محاطاً بدائرة ضيقة جداً من الموالين الذين ينتقون له المعلومات بعناية، مما يحرمه من رؤية الصورة الكاملة.
ويشير الكاتب إلى أن ترامب لم يعد بحاجة لكسب أصوات الناخبين المستقلين بعد فوزه بالولاية الثانية، مما يجعله “غير مبالٍ باستطلاعات الرأي التي تظهر معارضة أغلبية الأميركيين للحرب”، في تحول خطير عن مبادئ المساءلة الديمقراطية.
كما يؤكد التحليل أن اعتماد ترامب الحصري على منصة “تروث سوشيال” للتواصل يعزز تعرضه لتأثير آراء المتشددين من قاعدة “ماغا” فقط، دون الانفتاح على تيارات رأي أخرى قد تقدم له منظوراً أكثر توازناً.
وتعكس تصريحات ترامب الأخيرة، بحسب شلوموفيتس، حول عدم حاجته للقانون الدولي مستنداً إلى “أخلاقه وعقله” كمحدد وحيد لسلطته، نزعة واضحة نحو “الحكم الفردي غير المقيد”، مما يثير قلق مؤسسات الدولة الأميركية التقليدية.
نتنياهو: “الذراع الخفية” والفرصة الضائعة
ويسلط تحليل “هآرتس” الضوء على المقابلة المثيرة للجدل التي أجراها نتنياهو مع مقدم برنامج شون هانيتي في قناة “فوكس نيوز”، والتي يعتقد شلوموفيتس أنها شكلت “نقطة تحول” في الإدراك الأميركي للملف الإيراني.
وقد تضمنت المقابلة، وفق التحليل، “اعترافاً ضمنياً بالتلاعب”، حيث افتخر نتنياهو بالسعي “على مدى عقود” لإقناع رؤساء أميركيين بشن حرب على إيران، مما عزز الرواية التي تصوره كأحد “صقور الحرب” الذين استغلوا عزلة ترامب لدفع أجندتهم.
واستشهد شلوموفيتس بتصريحات لوزير الخارجية الأميركي السابق أنتوني بلينكن، الذي أكد أن نتنياهو اتبع نفس التكتيك مع إدارتي أوباما وبايدن، مهدداً بضربة أحادية الجانب لجر واشنطن وراءه في أي مواجهة مع طهران.
كما استند الكاتب إلى كتاب “The Divider” (2022) الذي يروي كيف حاول نتنياهو الضغط على ترامب في نهاية ولايته الأولى (ديسمبر 2020) لشن هجوم على إيران، قبل أن يثنيه عن ذلك رئيس الأركان آنذاك مارك ميلي بتحذير صريح من التداعيات الكارثية لمثل هذه الخطوة.
تصدعات في الجبهة الداخلية الأميركية
ويظهر التحليل تصدعات واضحة في الجبهة الداخلية الأميركية، حيث بدأ صوت النقد يرتفع حتى من داخل قاعدة ترامب نفسها.
فقد عبر جو روغان، المؤثر الإعلامي الأكبر في أميركا، عن خيبة أمل مؤيدي ترامب، قائلاً: «ترامب رشح نفسه على وعد “لا مزيد من الحروب”، والآن ها نحن في حرب دون هدف واضح».
كما بدأ صحفيون ومعلقون من تيار “ماغا” يصفون الحرب بـ”الكارثة الاستراتيجية”، متهمين الإدارة بالتفريط بالسيادة الأميركية لصالح أجندة إسرائيلية لا تتوافق بالضرورة مع المصالح الأميركية العليا.
وبينما يظل الجمهوريون المتشددون موالين لترامب، يظهر المستقلون والديمقراطيون معارضة ساحقة للحرب، مما يضع الرئيس الأميركي في موقف سياسي هش قد يؤثر على قدرته على إدارة الملفات الداخلية والخارجية في الأشهر القادمة.
قراءة في التداعيات
ويرى محللون أن تحليل شلوموفيتس يحمل عدة رسائل مهمة:
- تحذير من مخاطر العزلة: عزلة القائد عن مصادر المعلومات المتنوعة قد تؤدي إلى قرارات كارثية لا تعكس المصالح الوطنية الحقيقية.
- إشكالية التأثير الأجنبي: الدور الذي تلعبه قيادات أجنبية في تشكيل السياسة الأميركية يثير أسئلة حول حدود هذا التأثير وشفافيته.
- انقسام الرأي العام: تزايد الانقسام حول الحرب يعكس تحدياً كبيراً للقيادة الأميركية في الحفاظ على الوحدة الوطنية.
- دروس من التاريخ: محاولات نتنياهو المتكررة لجر واشنطن لصراع مع إيران تذكر بأن المصالح الوطنية قد لا تتطابق دائماً مع أجندات الحلفاء.

