حسن الشيوعي وحسن الاسلامي حكاية وطن في اسمين على شمس الحرية- حسام عبد الحسين

 

 

لم اكن اتخيل ان يعيدني مسلسل عراقي الى طفولتي البعيدة، حيث كنت ابتعد عن الدراما العراقية لشعور بانها لا تشبهني، لا تشبه وجعي ولا احلامي. لكن مسلسل “اسمي حسن” كان مختلفا. جلست امام شاشة اليوتيوب اتابع حكاية كتبت بدم العراقيين.

في زمن الحديد والنار عام ١٩٨٢، تنمو قصة حب بين فاطمة وحسن. هي قصة عشق عادية لو انها حدثت في زمن عادي، لكنها استثنائية لأنها حدثت في زمن استثنائي. حسن شيوعي يؤمن بوطن حر وشعب سعيد، وفاطمة فنانة في الرسم وابنة رجل اسلامي يختلف معه في الفكر لا في الانسانية.

المشهد الدرامي هنا لا يقدم صراعا أيديولوجيا بقدر ما يقدم مأساة وطن مزقته الدكتاتورية، فجعلت من الاختلاف الفكري ذريعة للفرقة والاقتتال.

ما اذهلني في المسلسل انه استعاد للانسان الشيوعي جزء من صورته الحقيقية، تلك الصورة التي شوهتها سلطات القمع لعقود. حسن ليس كافرا كما روجت له آلة الدعاية البعثية، ولا ارهابيا كما صورتهم السلطات المستبدة. حسن انسان كامل، شجاع، مناضل، يحب ويعشق ويحلم بوطن يسع الجميع. في مشهد لا ينسى، يصرخ حسن امام قاضي التحقيق “سنمضي الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد”. انها ليست مجرد كلمات، بل خلاصة فكر انساني يؤمن ان الحرية حق للجميع، وان الشعب يستحق حياة كريمة.

لكن المسلسل في جودته الفنية، لم يجعل من الاسلامي نقيضا شريرا. حسن الاسلامي المنتمي لحزب الدعوة، كان مخلصاً لمبادئه، شجاعا في مواقفه، انسانيا في تعاطفه. المشهد الختامي حيث يصعد الحسنان معا الى المشنقة، يتكاتفان في لحظة الموت، كان ابلغ رسالة عن وحدة العراقيين الحقيقية التي حاولت الدكتاتورية تفتيتها. انها لحظة سينمائية خالدة تقول ان العراقيين كانوا وسيبقون ابناء وطن واحد، مهما حاول الطغاة تمزيقهم.

المسلسل وثق بدقة جريمة النظام البعثي في اعتقال النساء والاطفال والشيوخ، وفي انتزاع الاعترافات بقوة التعذيب. لقد أعاد الينا ذاكرة الالم التي حاول النظام طمسها، وجعلنا نرى كيف تحولت بيوت العراقيين من أماكن للطمأنينة الى اوكار خوف ورعب، حيث “كان للحيطان اذان والكلمة قد تكلف حياة عائلة بأكملها”.

 

النقد:

كان بامكان المسلسل، وأتمنى في اجزاء قادمة، ان يشرح المبادئ الشيوعية بشكل اعمق. فكثيرون ما زالوا يخلطون بين الشيوعية كفكر اقتصادي اجتماعي وبين الالحاد الذي لا يمثل جوهرها. الشيوعية في العراق حملت راية الدفاع عن حقوق الفقراء والكادحين، وناضلت من اجل عدالة اجتماعية حقيقية، ودافعت عن حقوق المرأة والطفل. هذه المبادئ غائبة عن وعي كثير من العراقيين، ليس بسبب رفضهم لها، بل بسبب فقرهم المعرفي الناتج عن عقود من التجهيل والتضليل.

كان يمكن من خلال حوارات حسن مع فاطمة او مع رفاقه، أن نتعمق أكثر في فهم لماذا اختار هذا الشاب الطريق الشيوعي. ما هي أحلامه للعراق؟ كيف يفهم الحرية والعدالة الاجتماعية؟ تلك التفاصيل كانت سترفع المسلسل من التوثيق السياسي الى التحليل الفكري، ومن سرد المأساة الى تفسير جذورها.

لكن هذا لا ينتقص من قيمة العمل الذي استطاع بأداء مذهل من تحسين داحس (حسن الشيوعي) وأمير احسان (حسن الاسلامي) وسامية الرحماني (فاطمة) ، ان يعيد للدراما العراقية تشويقها، وان يجعل في اعيننا لمعة امام الشاشة ونحن نبحث عن ذاتنا المفقودة في زحام النسيان.

شكرا لحامد المالكي الذي استلهم فكرته من وثائق الامن العامة التي كشفت عن اعتقال ٩٠ شخصا يحملون اسم حسن للبحث عن متهم واحد.

ان الانسان حين يؤمن بقضية عادلة، يصبح اسمه عنوانا للأمل. وحين يحمل اسم “حسن”، أيها الدكتاتور لا يمكنك أن تلغي وجوده، لأن الحسنى ستبقى، مهما حاولت تشويهها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *