حلبجة… الجريمة التي اختبرت صمت العالم – محمد ديب أحمد

في السادس عشر من آذار عام 1988، وبينما الحرب بين العراق وإيران كانت مشتعلة على مقربة من الحدود ، كانت حلبجة مدينة كردية هادئة نائمة على سفح جبال هورمان ،
لم تكن قاعدة عسكرية ،
 ولم تكن جبهة قتال ،
ولم يكن سكانها طرفاً في ذلك الصراع الذي التهم المنطقة آنذاك .
لكن في حسابات الأنظمة الشمولية ، لا تحتاج المأساة إلى سبب حقيقي .
 يكفي أن تكون مدينة بلا حماية سياسية ، وأن يكون سكانها من المدنيين العزّل .
هكذا بدأت مجزرة حلبجة في السادس عشر من آذار واستمرت حتى الثامن عشر منه . خلال ثلاثة أيام تحولت المدينة إلى مختبر بشري مفتوح لأسلحة كيماوية ، قرر نظام صدام حسين أن يختبرها على المدنيين .
النتيجة معروفة اليوم :
خمسة آلاف إنسان قُتلوا في ساعات ؛
أطفال ونساء وشيوخ سقطوا في الشوارع أو على الأبواب داخل بيوتهم .
مدينة كاملة خُنقت بالغاز …
لكن المفارقة أن المأساة لم تكن في السلاح وحده ، بل في ما تبعه من صمت .
العالم لم يكن يجهل ما حدث .
والأخبار وصلت ،
والصور انتشرت ، والشهادات وثّقت كل شيء .
 ومع ذلك ، لم يتحرك الضمير الدولي بالسرعة نفسها التي تحرك بها الغاز في شوارع المدينة …
يومها اكتشف الكرد درساً سياسياً قاسياً :
أن الجرائم الكبرى لا تحتاج فقط إلى طغاة ، بل تحتاج أيضاً إلى صمتٍ دولي مريح  ؛!؟
في البيانات الرسمية كان هناك الكثير من “ القلق ”،  وكثير من الأسف ، وربما بعض الإدانات اللفظية …
 لكن حلبجة لم تكن تحتاج إلى بلاغات دبلوماسية باردة ،
 بل إلى موقف يضع حداً لجريمة كانت واضحة كالشمس .
غير أن السياسة الدولية ، كما يبدو كانت يومها أكثر اهتماماً بموازين القوى من اهتمامها بحياة المدنيين .
وهكذا ،
 بينما كانت الأمهات يحتضنّ أطفالهن في لحظات الموت الأخيرة ،
 كانت الدبلوماسية العالمية تكتفي بتدوين الملاحظات ؛
ربما كان أكثر ما يكشف قسوة تلك اللحظة أن المدينة لم تكن حتى هدفاً عسكرياً ذا قيمة استراتيجية .
 لم يكن فيها جيش ،
 ولا مصانع سلاح ،
ولا مواقع قتال .
كانت مجرد مدينة يعيش أهلها حياتهم اليومية .
لكن في منطق الأنظمة القمعية ، قد تتحول المدن أحياناً إلى رسائل سياسية .
وحلبجة كانت تلك الرسالة …؟
رسالة تقول إن القوة تستطيع أن تفعل أي شيء عندما يغيب الرادع ، وإن الضحية قد تُترك لمصيرها إذا لم تكن ضمن حسابات المصالح الكبرى .
ومع ذلك ، فإن ما لم يدركه من ارتكبوا الجريمة هو أن الأسلحة الكيماوية تستطيع أن تقتل الأجساد ،
لكنها تعجز عن قتل الذاكرة .
بعد ثمانية وثلاثين عاماً ، ما تزال حلبجة حاضرة في الوعي الكردي لا بوصفها مأساة فقط، بل بوصفها درساً سياسياً أيضاً . درساً يقول إن الشعوب التي لا تحمي نفسها بالوعي والتجربة قد تجد نفسها ضحية مرة أخرى .
الكرد اليوم لا يستحضرون ذكرى حلبجة بحثاً عن الحزن فقط ، بل بحثاً عن العبرة .
فالذاكرة ليست بكاءً دائماً ، بل أداة لفهم التاريخ .
لهذا يخرج الكرد في كردستان وفي الشتات كل عام للوقوف دقائق صمت على أرواح الضحايا .
 ليس لأن الزمن توقف عند تلك اللحظة ، بل لأن الذاكرة لا تقبل أن تتحول الجريمة إلى مجرد سطر في كتب التاريخ .
لقد علمت حلبجة أبناءها درساً واضحاً :
أن السياسة قد تتأخر في العدالة ، وأن الضمير الدولي قد ينام طويلاً ، لكن ذاكرة الشعوب لا تنام .
ولهذا السبب بالذات ، لم تكن حلبجة مجرد مدينة ضحية ، بل أصبحت رمزاً .
رمزاً لبراءة المدنيين حين يواجهون جنون السلطة ،
ورمزاً لدرسٍ سياسي لا يزال حاضراً حتى اليوم .
فالتاريخ قد يكتب أحياناً بالحبر ،
لكن في حلبجة كُتب بالغاز والدم .
وما كُتب بهذه الطريقة لا يمكن أن يُنسى .
محمد ديب أحمد
كاتب وباحث في الشأن السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *