كیف تبقى كوردستان موحدة فی دول فيدرالية ؟- د. عبدالباقي مایی

 

 

بعد أكثر من قرن، ثبت فشل مشروع سایكس-پیكو فی تقسيم كوردستان بین أربع دول نامية ذات أغلبية تركية فی تركيا، و فارسية فی إيران، و عربية فی كل من العراق و سوریا. هذا الفشل أصبح واضحا لیس للكورد فقط بل لجميع الدول أصحاب العلاقة من قوميات لاتزال تعیش فی دور النمو، و دول ناضجة  ذات موقع متقدم و خبرة طويلة فی الهيمنة الإستعمارية والإمپریالیة.

تُعدّ القضية الكوردية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث یعیش الكورد كأغلبیة فی منطقة متواصلة تسمى كوردستان تتقاسمها أربع دول رئيسية فی المنطقة. وعلى الرغم من الروابط الثقافية واللغوية والتاريخية المشتركة، فإن الحدود السياسية فرضت واقعاً من الانقسام لا يلتزم به الأهالي علی جانبی الحدود. في هذا السياق، يبرز مفهوم الفيدرالية كأحد الحلول المطروحة لإدارة التنوع القومي وتعزيز الاستقرار، مع إمكانية تسهيل العلاقات الكوردية عبر الحدود.

الفيدرالية كإطار لإدارة التنوع:

الفيدرالية هي نظام إداری يقوم على توزيع السلطات بين حكومة مركزية وأقاليم أو ولايات تتمتع بحكم ذاتي. وقد أثبتت نجاحها في دول متعددة القوميات مثل الولايات المتحدة و ألمانيا و سويسرا. في هذه النماذج، ساهمت الفيدرالية في تقليل النزاعات الداخلية عبر منح المكونات المختلفة مساحة للتعبير عن هويتها وإدارة شؤونها.

الواقع الكوردي في الدول الأربع:

منذ تقسيمها، تتعرض منطقة كوردستان لمحاولات التتريك والتفریس والتعریب بشكل متفق عليه من قبل الدول المشتركة فی هذا التقسيم. بالرغم من إنكار هذه الدول لكوردستان وطنا للكورد، و محاولاتها المتكررة فی عمليات إبادة الشعب الكوردی، ألا أن الترابط الطبیعی لأرض كوردستان، و وجود شعب كوردستان فی هذه البقعة المترابطة من الخليج الفارسی\العربی إلی البحر الأبيض المتوسط قبل مجئ القوميات المحتلة لها، ساعدت الشعب الكوردی علی الإحتفاظ بلغته وثقافته وهويته بالرغم من أنه يعاني من تفاوت كبير في أوضاعهم. ففی العراق يتمتع أقليم كوردستان بحكم ذاتي معترف به دستورياً، و فی سوریا ظهرت إدارات ذاتية في شمال وشرق البلاد “روژئاڤا” خلال نزاع و إتفاق مع الحكومة المركزية فی دمشق، وفی تركيا تجري حالیا عملية حل المشكلة الكوردیة بطرق سلمية. و فی إيران تم فی الآونة الأخيرة إنشاء جبهة موحدة بین عدة أحزاب كوردیة، ولكن لا تزال المطالب الكوردية تواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة. هذا التباين يعكس غياب إطار إقليمي موحد بالرغم من أن وحدة أرض و شعب و قوی كوردستان تضمن الحقوق وتعزز التواصل.

الفيدرالية كجسر للعلاقات عبر الحدود:

اعتماد أنظمة فيدرالية في الدول الأربع، تركيا و إيران والعراق و سوریا، يمكن أن يساهم في:

  1. تعزيز التعاون الثقافي عبر دعم اللغة والتعليم والإعلام الكوردي.
  2. تسهيل الحركة والتبادل من خلال سياسات مرنة بين الأقاليم المتجاورة.
  3. تنمية اقتصادية مشتركة عبر مشاريع عابرة للحدود في مجالات الطاقة والتجارة.
  4. تقليل التوترات السياسية لكون الاعتراف بالحقوق يقلل من النزاعات.

التحديات المحتملة:

رغم الإيجابيات، هناك تحديات كبيرة أمام محاولات تطبيق الفیدرالیة فی جميع أجزاء كوردستان، مثلا: مخاوف الدول المحتلة من المحاولات الانفصالية، و عدم فهم بعض السلطات المركزية لفكرة الفدرالية، و تدخلات إقليمية ودولية، و تعقيدات قانونية ودستورية.

آفاق المستقبل:

قد لا تكون الفيدرالية حلاً سحرياً، لكنها تمثل إطاراً واقعياً لإدارة التنوع فی كوردستان. نجاحها يتطلب: إرادة شعبية و ضمانات دستورية و دعم دولي متوازن و حوار داخلي شامل. إن طرح الفيدرالية في كل من تركيا و إيران و العراق و سوريا لا يعني بالضرورة إعادة رسم الحدود، بل يمكن أن يكون وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمكونات القومية، قد يشكل هذا النموذج فرصة تاريخية لتعزيز الروابط عبر الحدود ضمن إطار من الاستقرار والتعايش.

١٧\٣\٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *