كوردستان

هنا…
لا تُرى دهوك كما يمرّ بها العابرون على عجل،
ولا كما تختصرها الصور السريعة في ذاكرة الهواتف،
بل كما تبوح بها الجدران المتعبة
حين يثقلها الصمت،
فتتكلم… دون صوت.
هنا،
كلُّ حجرٍ يحملُ سرًّا،
وكلُّ ظلٍّ يعرفُ حكاية،
وكلُّ زاويةٍ تقفُ كأنها على حافة اعترافٍ طويل
لم يجرؤ الزمن أن يسمعه حتى النهاية.
سلالمٌ لا تصعد فقط،
بل تنحدر فيها الذاكرة…
درجةً درجة،
كأنها شلالٌ خجول
ينساب من قلب الأمس،
يبحث عن وجوهٍ مرّت من هنا،
عن أقدامٍ صعدت وهي تضحك،
ونزلت وهي تترك خلفها شيئًا لا يُستعاد.
هذه السلالم
ليست حجارةً مرصوفة،
بل أعمارٌ متراكمة،
كلُّ درجةٍ فيها
تحمل وطأة خطوةٍ…
وحكاية رحيل.
وأعمدةٌ ما زالت واقفة،
لا لأنها لا تعرف السقوط،
بل لأنها تعاند الزمن،
كأنها آخرُ ما تبقّى من كبرياء المكان،
أو آخر شهود الهيبة
في مدينةٍ تعلّمت أن تخبّئ وجعها
تحت طبقاتٍ من الصمت.
تلك الأعمدة
لا تحمل سقفًا فقط،
بل تحمل ذاكرة…
ذاكرة الذين مرّوا،
والذين انتظروا،
والذين ظنّوا أن الأشياء تبقى كما هي…
ثم رحلوا.
وقوسٌ يعلوه صمت الأغصان،
كأن الطبيعة نفسها
انحنت لتُصغي،
أو لتواسي ما تبقّى.
الأغصان لا تهمس،
بل تكتب…
والشتاء فوقها
يسطّر سيرة هذا المكان بلا حبر،
ببردٍ خفيف،
وبحنينٍ لا يُقال.
كأن الفصول وحدها
تفهم لغة هذا الركن،
وتعرف أن بعض الأماكن
لا تحتاج من يرويها،
بل من يشعر بها فقط.
وفي الخلف…
بابٌ حديديٌّ مغلق،
واقفٌ كحارسٍ قديم،
لا لأنه لا يُفتح،
بل لأن ما وراءه
أثقل من أن يُروى.
هناك، خلفه،
تنام حكاياتٌ لم تُكمل جملتها،
ضحكاتٌ انطفأت قبل أن تصل،
وأسماءٌ نُسيت
لكنها ما زالت تُردّد نفسها في الصمت.
ذلك الباب
ليس حدًّا بين داخلٍ وخارج،
بل حدٌّ بين زمنين…
بين ما كان،
وما لم يعد ممكنًا.
وهذه الزاوية…
ليست مجرد مشهدٍ عابر،
ولا لقطةٍ تُلتقط ثم تُنسى،
بل بقايا روح
تقاوم الغياب.
روحٌ
رفضت أن تغادر،
فبقيت هنا…
في حجرٍ،
في ظلٍّ،
في درجٍ لا ينتهي،
وفي صمتٍ
يقول كل شيء.
هنا دهوك…
لا كما تُرى،
بل كما تُحسّ،
وكما تُوجِع…
حين نكتشف
أن المدن لا تموت،
لكنها تتعب…
وتنتظر من يفهم صمتها
الصورة بعدسة الشاعر

