بين الأسطورة والسياسة: من ملحمة جلجامش إلى مشروع السلام في تركيا
ليست الأساطير القديمة مجرد حكايات عن ملوك وآلهة، بل كثيرًا ما تحمل داخلها صورًا مبكرة للصراع بين السلطة والحرية. ومن بين أقدم هذه النصوص الإنسانية تقف ملحمة جلجامش باعتبارها مرآة لصراع قديم بين قوة الدولة وقوة الإنسان الحر.
في الملحمة يظهر الملك جلجامش حاكم مدينة أوروك كرمز للسلطة المنظمة في المدينة، بينما يظهر أنكيدو كإنسان حر يعيش خارج النظام الحضري، قريبًا من الطبيعة وبعيدًا عن قوانين السلطة. لم يكن أنكيدو مجرد رجل بري، بل كان يمثل قوة قادرة على تحدي الملك نفسه.
لكن السلطة لا تواجه التمرد دائمًا بالقوة المباشرة. في القصة يتم استدراج أنكيدو إلى عالم المدينة عبر المرأة شمحات، فيتحول تدريجيًا من إنسان يعيش خارج النظام إلى جزء منه. هنا تبدأ المرحلة الثانية من القصة: تحويل الخصم إلى حليف.
بعد دخول أنكيدو إلى المدينة يصبح رفيقًا لجلجامش، ويخوض معه مغامرات عديدة. لكن ما يلفت النظر في هذه المغامرات أن الوحوش التي يتم القضاء عليها – مثل الوحش الحارس للغابة – يمكن قراءتها رمزيًا باعتبارها القوى التي كانت تقف في عالم أنكيدو القديم. وكأن هذه المغامرات لم تكن فقط بطولات، بل كانت أيضًا عملية تفكيك تدريجية للعالم الذي جاء منه أنكيدو.
بهذا المعنى يمكن القول إن أصدقاء أنكيدو، أو القوى التي كانت تمثل عالمه الحر، تم القضاء عليهم واحدًا تلو الآخر. وبعد أن انتهى هذا العالم، جاء الدور على أنكيدو نفسه. في النهاية يموت أنكيدو، ويجد جلجامش نفسه يبكي صديقه بكاءً شديدًا.
لكن هذا البكاء يطرح سؤالًا عميقًا:
هل كان بكاء صديق فقد صديقه؟
أم بكاء رجل أدرك أن النصر الذي تحقق لم يكن نصرًا شريفًا بالكامل؟
هذه الفكرة القديمة تعيد طرح نفسها في السياسة المعاصرة. ففي تركيا ظهر مشروع السلام الذي حاول إنهاء الصراع الطويل بين الدولة التركية والحركة الكردية المرتبطة باسم رجب طيب أردوغان و عبد الله أوجلان، وشاركت في مساره شخصيات سياسية مثل برفين بولدان.
كان الهدف المعلن هو إنهاء العنف وفتح باب الحوار. لكن كثيرين رأوا في هذه العملية محاولة لاحتواء التمرد أكثر من كونها حلًا جذريًا له. فالتاريخ السياسي غالبًا ما يظهر نمطًا متكررًا: عندما تعجز السلطة عن القضاء على التمرد بالقوة، تحاول إدخاله إلى داخل النظام السياسي.
في هذه اللحظة يتحول الصراع من مواجهة مفتوحة إلى عملية احتواء بطيئة. ومع مرور الوقت قد يختفي التمرد نفسه أو يفقد قوته. وهنا يعود السؤال القديم الذي طرحته الملحمة قبل آلاف السنين: ماذا يحدث للإنسان الحر عندما يدخل عالم السلطة؟
في قراءة رمزية للملحمة يمكن القول إن موت أنكيدو لم يكن مجرد حدث مأساوي، بل كان نهاية لمرحلة كاملة. لقد مات الإنسان الذي كان يعيش خارج النظام. وبعد موته بقيت المدينة، وبقي الملك، وبقي النظام الذي تمرد عليه في البداية.
لهذا يمكن فهم بكاء جلجامش بطريقة مختلفة: ليس فقط حزنًا على صديق، بل ربما شعورًا ثقيلًا بأن الانتصار تحقق بطريقة لم تكن شجاعة بالكامل.
وهنا تلتقي الأسطورة مع السياسة. فالتاريخ مليء بلحظات تنتصر فيها السلطة، لكنها تدرك في أعماقها أن هذا الانتصار لم يكن نقيًا تمامًا.
وهكذا تبقى قصة أنكيدو تطرح سؤالًا يتكرر في كل زمان:
عندما تنتصر السلطة في النهاية… هل يبقى هناك مكان للإنسان الحر؟

