هل يفتح ترامب مضيق هرمز أم يغرق في امواج الخليج؟- الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 يبدو أن “الكاوبوي” العجوز المقيم في البيت الأبيض قد اكتشف أخيراً أن قيادة العالم لا تشبه أفلام هوليوود، حيث يخرج البطل وحيداً ليفوز في النهاية. اليوم، يقف المجرم ترامب على أعتاب حلفائه القدامى، يحمل في يده “خارطة مضيق هرمز” وفي الأخرى “قبعة التسول”، يرجو من هذا طراداً ومن ذاك كاسحة ألغام، لكن الردود جاءت باردة كشتاء سيبيريا.

لقد بدأ العرض الكوميدي بتوسلات “رقيقة” لباريس، فجاء الرد الفرنسي بـ “إيتيكيت” دبلوماسي متعالٍ: “عذراً مسيو ترامب، نحن مشغولون بترتيب الموائد، ومياه الخليج مالحة جداً على ذوقنا الرفيع”… ولم تكن “لندن” بأفضل حالاً، فبريطانيا التي كانت يوماً “ربّة البحار”، تذرعت بأن سفنها مصابة بـ “الروماتيزم” السياسي، مفضلةً البقاء تحت مظلة الضباب بعيداً عن شمس الهرمز الحارقة... أما ألمانيا، فقد اكتفت بهز رأسها بحذر “ميركلي” قديم، قائلة: “نحن نصنع السيارات يا صديقي، ولا نصنع المعجزات في مضائق يملؤها الحرس الثوري بالهدايا المتفجرة”… وحتى كوريا الجنوبية، التي ظنها العم سام “جيباً خلفياً” مضموناً، اعتذرت بلباقة آسيوية، مؤكدة أن عيونها متجهة نحو الجار الشمالي المشاكس، ولا وقت لديها لمغامرات في مياه “عِند” الإيرانيين.

هكذا يجد “الاحمق ترامب” نفسه وحيداً في الساحة، يلوّح بهراوته في الهواء، بينما الحلفاء يتفرجون من بعيد، وكأن لسان حالهم يقول: “أنت من ورطت نفسك في عُش الدبابير.. فاذكر لنا كيف ستخرج منه دون أن تُلسع!”.

·     هل تبتلع الألغام الإيرانية أحلام القوة الأمريكية؟

تشير التحليلات العسكرية الصادرة عن وكالات عالمية وصحف رصينة مثل رويترز وذا غارديان إلى أن امتلاك الولايات المتحدة للقدرة النظرية على “تطهير” مضيق هرمز وإعادة فتحه بالقوة, وهذا لا يعني بالضرورة أن المهمة ستكون يسيرة أو خاطفة، بل هي عملية استراتيجية معقدة وشديدة الخطورة تمتد لأمد طويل بعيداً عن أوهام الحلول القائمة على “ضغطة زر” واحدة. وتعتمد العقيدة العسكرية الأمريكية في هذا الصدد على تكامل القوتين الجوية والبحرية من خلال شن حملة قصف مركز, تهدف أولاً إلى تحييد منصات الصواريخ الساحلية الإيرانية, الموزعة بذكاء على طول التضاريس الوعرة، واستهداف مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري لقطع أوصال التواصل الميداني.

إلا أن المعضلة الأكبر التي تواجه المخططين في البنتاغون تكمن في “حرب الألغام” البحرية؛ فوفقاً لتقارير فنية دقيقة، تبرز الألغام كعائق استراتيجي قد يعطل الملاحة لأسابيع أو حتى أشهر، خاصة مع وجود فجوة تقنية في الأسطول الأمريكي بعد تقاعد كاسحات الألغام التقليدية الموثوقة واستبدالها بسفن قتالية ساحلية حديثة لم تخضع لاختبارات كافية في بيئة قتالية حقيقية وشرسة كبيئة المضيق، مما يجعل الوعود السياسية بتنظيف الممر المائي “بقوة وبسرعة” تصطدم بواقع تقني ولوجستي مرير يشير إلى استنزاف طويل الأمد, قد يجر المنطقة وكبار القوى الدولية إلى مستنقع مواجهة غير محسومة النتائج.

·     خطة البنتاغون: من حماية القوافل إلى اجتياح الجزر

تشير التحليلات الاستراتيجية الصادرة عن مؤسسات بحثية وصحف عالمية رصينة، مثل مجلس العلاقات الخارجية (CFR) وصحيفة ذا صنداي تايمز البريطانية، إلى أن الخطة العسكرية الأمريكية المحتملة لتأمين مضيق هرمز تتجاوز مجرد الحضور البحري التقليدي نحو استراتيجية متعددة الطبقات تتسم بالمخاطرة العالية.

وتبدأ هذه الخطة بتفعيل “نظام القوافل المحمية”، وهو تكتيك يعيد للأذهان “حرب الناقلات” في الثمانينيات، حيث يتم تجميع ناقلات النفط التجارية في مجموعات محددة تسير تحت حراسة لصيقة من المدمرات والفرقاطات الأمريكية والبريطانية لتوفير مظلة دفاعية ضد الصواريخ والدرونات.

إلا أن التحركات الأكثر جدلاً داخل أروقة البنتاغون تتعلق بالسيطرة الميدانية على الجزر الاستراتيجية المتناثرة في المضيق؛ حيث كشفت التقارير عن نقاشات جادة لنشر قوة تدخل سريع من “المارينز” تقدر بحوالي 2500 جندي للسيطرة على هذه النقاط الحاكمة ومنع الحرس الثوري من استخدامها كمنصات انطلاق للهجمات المباشرة.

وتذهب هذه الاستراتيجية إلى أبعد من ذلك عبر طرح خيار “تأمين الشواطئ”، والذي قد يضطر الولايات المتحدة لنشر قوات برية في عمليات جراحية أو دائمة على طول الساحل الإيراني الممتد، بهدف التدمير المباشر لقواعد الطائرات المسيرة ومرابض القوارب السريعة الانتحارية، وهو خيار تصفه المصادر الغربية بأنه “عالي المخاطر” كونه قد يجر المنطقة إلى مواجهة برية واسعة النطاق تتجاوز حدود الاشتباك البحري المعتاد.

·     ابرز الثغرات المتوقعة في خطة البنتاغون

تُجمع مراكز الأبحاث والدراسات العسكرية الغربية على أن خطة البنتاغون “متعددة الطبقات” تنطوي على ثغرات استراتيجية وتقنية, قد تحولها إلى فخ استنزاف كارثي؛ فمن الناحية التكتيكية، يواجه “نظام القوافل المحمية” معضلة “التشبع الصاروخي”، حيث تمتلك إيران ترسانة ضخمة من الدرونات الانتحارية والصواريخ الجوالة الرخيصة, التي يمكنها استنزاف المنظومات الدفاعية الثمينة للمدمرات الأمريكية في دقائق معدودة، مما يترك الناقلات مكشوفة تماماً أمام موجات الهجوم التالية.

وبالتوازي مع ذلك، تبرز “معضلة الجزر المفخخة” كفخ استدراج واضح، إذ إن نشر قوات المارينز في جزر مثل طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى يضعهم ضمن المدى القاتل للمدفعية الإيرانية من البر الرئيسي، محولاً إياهم من قوة مهاجمة إلى رهائن محاصرين يستدعون حرباً شاملة لإنقاذهم.

وتتعمق الخطورة عند النظر في خيار “تأمين الشواطئ” الذي يصطدم بتضاريس جبلية معقدة وحرب عصابات شرسة تجعل العمليات البرية “المنزلق” الأكثر دموية، خاصة مع احتمالية قيام طهران بإغراق المنطقة بالألغام البحرية الذكية لقطع خطوط الإمداد.

وتكتمل هذه الثغرات بفشل تقني ولوجستي وصفته The Guardian بـ “المخجل”، ويتعلق بضعف كفاءة السفن القتالية الساحلية الحديثة (LCS) في كشف وصيد الألغام تحت الماء، وهو ما يعني فشلاً بنيوياً في تأمين الملاحة فعلياً، مما سيبقي شركات التأمين العالمية في حالة إحجام تام عن إرسال الناقلات، محولاً التفوق الجوي الأمريكي إلى انتصار رمزي لا يحقق أمن الطاقة المنشود.

·     سلاح إيران الخفي الذي يعجز “السونار” الأمريكي عن فك شفرته

تشير التحليلات الاستراتيجية الغربية الصادرة عن مراكز أبحاث مرموقة مثل معهد الدراسات الحربية (ISW) ومؤسسة راند (RAND)، إلى أن العقيدة العسكرية الإيرانية في مضيق هرمز لا تقوم على المواجهة الجبهوية التقليدية, التي تمنح التفوق للأساطيل الأمريكية، بل تعتمد استراتيجية “حرب الاستنزاف البحرية” طويلة الأمد التي تهدف إلى جعل الملاحة “غير آمنة” تجارياً حتى في ظل وجود سيطرة عسكرية أمريكية ظاهرة على السطح.

وتعتمد هذه الرؤية الغربية على قدرة طهران على تنفيذ تكتيكات معينة “العصابات البحرية” باستخدام أسراب من الزوارق السريعة جدا والدرونات الانتحارية, التي تشتت الانتباه الدفاعي، بالتوازي مع خيار “توسيع الصراع” إقليمياً لضرب العمق الاستراتيجي للوجود الأمريكي، حيث تتوقع التقارير الصادرة عن الدراسات الأمنية الدولية أن يشمل الرد الإيراني ضربات صاروخية باليستية دقيقة تستهدف القواعد الأمريكية الحيوية في قطر والإمارات والبحرين.

مع تحريك الحلفاء الإقليميين، لاسيما الحوثيين، لإغلاق مضيق باب المندب، مما يخلق “أزمة طاقة عالمية مزدوجة” تخنق طرق التجارة من الخليج والبحر الأحمر معاً. وتبرز في قلب هذه التوقعات “عنصر المفاجأة” التكنولوجية التي قد تخرج عن السيطرة، حيث تحذر التقارير الفنية من استخدام إيران لجيل جديد من الزوارق الانتحارية الغاطسة وألغام بحرية “ذكية” مصنعة بمواد غير مغناطيسية تصعب كشفها بواسطة السونارات الحديثة، وهو ما قد يؤدي في أي لحظة إلى غرق ناقلة نفط عملاقة تتسبب في كارثة بيئية غير مسبوقة، مما يفرض إغلاقاً قسرياً للمضيق لدوافع بيئية وتقنية تفشل القوة العسكرية الصرفة في معالجتها، محولةً بذلك الانتصار العسكري الأمريكي الافتراضي إلى هزيمة اقتصادية وبيئية عالمية شاملة.

·     الخاتمة:

اخيرا: يتضح أن المغامرة الأمريكية في مضيق هرمز ليست سوى هروب للأمام نحو أفق مسدود، حيث تجد واشنطن نفسها اليوم ضحية لـ “غرور القوة” الذي لم يحسب حساباً لجغرافيا لا ترحم أو حلفاء نفضوا أيديهم من مقامرة غير مأمونة العواقب.

إن الإصرار الشديد على فتح المضيق بالقوة، في ظل غياب كاسحات الألغام الفعالة وتصاعد شبح “حرب العصابات البحرية” الإيرانية، يحول الأساطيل الأمريكية من أداة ردع إلى أهداف استراتيجية محاصرة بين فكي كماشة هرمز وباب المندب، مما يجعل أي انتصار عسكري محتمل مجرد رقم هامشي أمام كارثة اقتصادية وبيئية ستدفع ثمنها الشعوب قبل الجنرالات.

وفي الختام، يظهر المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة تهكمية؛ حيث يقف “الكاوبوي” وحيداً في مواجهة “أشباح البحر” وألغامه الذكية، ليكتشف متأخراً أن كسر إرادة المضائق لا يتم بالهراوات الغليظة ولا بتوسلات الحلفاء، بل بفهم أن زمن الهيمنة الأحادية قد غرق فعلياً تحت مياه الخليج، تاركاً خلفه واقعاً جديداً يثبت أن من يزرع الريح في ممرات الطاقة العالمية، لن يحصد سوى عواصف العزلة والفشل الاستراتيجي المطبق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *