ليس التاريخ حكاياتٍ تُروى في المقاهي، ولا صفحاتٍ صفراء تُحفظ في الأرشيفات، بل هو دمٌ سُفك، وأوطانٌ ضاعت، وفرصٌ ضاعت بين التردد والانقسام. لقد مرّ الشعب الكوردي بمحطاتٍ تاريخية حاسمة، كان يمكن أن تغيّر مصيره، لكن أخطاء القيادات، وسوء تقدير اللحظات التاريخية، وأحياناً الخيانات، جعلت من تلك اللحظات مفترق طرقٍ قاد إلى تمزيق كوردستان.
يقول الفيلسوف والمفكر الاسباني الامريكي جورج سانتايانا
“من لا يتعلم من التاريخ محكوم عليه أن يكرره.”
وهذا القول لم يكن يوماً أقرب إلى الحقيقة كما هو في تاريخ الكورد.
في الحرب العالمية الأولى، حين كانت خرائط الشرق الأوسط تُرسم من جديد، أخطأ الشيخ سعيد في قراءة موقعه وموقع الشعب الكوردي في تلك اللحظة التاريخية. لم يكن الخطأ مجرد قرار سياسي عابر، بل كان خطأً دفع ثمنه شعبٌ كامل، وساهم في ترسيخ تقسيم كوردستان بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية.
لقد كانت تلك اللحظة فرصة تاريخية ضائعة، لأن العالم كان يعيد تشكيل نفسه بعد انهيار الإمبراطوريات. لكن حين يغيب الوعي السياسي وتضعف الرؤية القومية، تتحول الفرص إلى خسارات.
ولم تكن المأساة الوحيدة. حتى في الحرب العالمية الثانية، لم تتوقف سلسلة الأخطاء والانقسامات، بل ظهرت الخيانة مرة أخرى، إلى أن وقع الشهيد قاضي محمد أسيراً. وكأن التاريخ كان يعيد نفسه بطريقة أكثر قسوة، ليؤكد أن الشعوب التي لا تتوحد حول قضيتها، تبقى رهينة صراعات الآخرين.
وكما يقال:
“التاريخ لا يرحم من يضيّع فرصه.”
واليوم، ومع اندلاع صراع إقليمي جديد بين إيران والولايات المتحدة، يقف الكورد مرة أخرى أمام لحظة تاريخية قد تعيد تشكيل المنطقة. وهنا يبرز السؤال المصيري: هل سيتعلم الكورد من أخطاء الماضي، أم سيقعون في الفخ ذاته مرة أخرى؟
إن التحدي الحقيقي ليس في قوة الدول الكبرى، بل في وعي الشعوب الصغيرة. فإذا لم يتعلم الكورد من دروس الحربين العالميتين، فقد يجدون أنفسهم مرة أخرى وقوداً لصراعات الآخرين.
لقد أثبت التاريخ أن الانقسام أخطر على الشعوب من أعدائها، وأن الخطأ في قراءة اللحظة التاريخية قد يضيع فرصة لا تتكرر لقرون.
إن المستقبل لن يُصنع بالشعارات، بل بالوعي والوحدة والإدراك العميق لدروس الماضي. وعلى الكورد اليوم أن يفهموا أن العالم لا يمنح الحقوق مجاناً، وأن من لا يحدد موقعه في لحظة التحولات الكبرى، سيجد الآخرين قد رسموا مصيره بدلاً عنه.
إن التاريخ يصرخ في وجوهنا:
تعلموا من الماضي… قبل أن يعيد نفسه مرة أخرى.

