عندما تكون التعزية موقفا نفسإجتماعیا- د. عبدالباقي مایی

 

١٤\٣\٢٠٢٦

 

أعجبني الیوم النص التالي فی موقع فيسبوك لأحد أصدقائی الأعزاء حین یصف مشاركة شخصيات كوردیة مشهورة من القسم التركي من كوردستان فی مراسیم تعزية أحد المناضلين الكورد فی مدينة “كوبانی” فی القسم السوري من كوردستان:

 

“وصول تونجەر باكرهان وليلى زانا برفقة وفد من الشخصيات السياسية الكوردية، إلى كوباني للمشاركة في مراسم تشييع صالح مسلم ليس حدثاً عادياً يمكن قراءته كزيارة بروتوكولية فحسب، بل يحمل دلالة سياسية واضحة.

فالرجل الذي اعتبرته تركيا لسنوات ضمن “قاموس الإرهاب”، يُشيَّع اليوم بحضور شخصيات سياسية كوردية بارزة جاءت علناً إلى مدينة كوردية خارج حدودها. هذه الصورة بحد ذاتها تحمل رسالة عميقة: فالتصنيفات السياسية لا تستطيع أن تمحو الرمزية التي يصنعها التاريخ، ولا أن تقطع الروابط بين الكورد عبر الحدود.

إن حضور هذه الشخصيات إلى كوباني يقول بوضوح إن الذاكرة السياسية للشعوب لا تُكتب في بيانات الأمن، بل في الميدان وبين الناس. وما تعتبره الدول تهديداً قد يراه شعبٌ آخر جزءاً من تاريخه ونضاله”.

 

أول ما يكشفه هذا المشهد هو جسارة اتخاذ التعزية موقفاً شعبياً. ففي منطقة تتشابك فيها الحسابات الأمنية مع الصراعات القومية، يصبح الحضور في جنازة شخصية مثيرة للجدل فعلاً يتجاوز حدود التعاطف الإنساني. إنه إعلان موقف ضمني يقول إن الذاكرة السياسية للشعوب لا يمكن ضبطها بقرارات رسمية أو تصنيفات أمنية. فالرجل الذي ظل لسنوات يُدرج في الخطاب الرسمي التركي ضمن “قاموس الإرهاب”، يُشيَّع اليوم بحضور شخصيات سياسية كوردية بارزة جاءت علناً إلى مدينة كوردية خارج حدودها. هذا التناقض بين التصنيف الرسمي والرمزية الشعبية يوضح الفجوة القائمة بين روايات الدول وروايات المجتمعات.

التعزية هنا لم تكن مجرد مشاركة في لحظة حزن، بل تحولت إلى فعل سياسي هادئ لكنه واضح: الاعتراف برمزية شخصية في سياق الذاكرة الكوردية، بغض النظر عن الطريقة التي تصفها بها المؤسسات الرسمية. وهذه هي إحدى مفارقات السياسة في الشرق الأوسط؛ فالشخصيات التي تُختزل في لغة الأمن قد تستمر في الذاكرة الشعبية كجزء من سردية النضال والهوية.

أما الدلالة الثانية فتتجسد في رمزية كوباني نفسها. فهذه المدينة لم تعد مجرد نقطة جغرافية على الخريطة السورية، بل أصبحت في المخيال السياسي الكوردي مساحة رمزية تلتقي فيها العلاقات الكوردية العابرة للحدود. حضور شخصيات سياسية من خارجها للمشاركة في حدث اجتماعي وسياسي يؤكد أن الحدود التي رسمتها الدول لم تستطع أن تفكك الروابط الثقافية والسياسية بين الكورد.

كوباني، التي عُرفت عالمياً بوصفها رمزاً للصمود، تظهر مرة أخرى بوصفها مساحة للالتقاء السياسي الكوردي. ففي لحظة التشييع، بدت المدينة وكأنها تستعيد دورها الرمزي: مكان يجتمع فيه الكورد من جغرافيات مختلفة، لا لبحث الملفات السياسية الكبرى، بل لمشاركة لحظة إنسانية تعكس في جوهرها عمق الروابط بينهم.

وهنا تكمن الرسالة الأعمق للمشهد. فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات الرسمية أو المؤسسات السياسية، بل تتشكل أيضاً في لحظات الذاكرة المشتركة. وما جرى في كوباني يذكّر بأن السياسة لا تُكتب فقط في بيانات الحكومات، بل تُكتب أيضاً في الميدان وبين الناس.

لهذا، فإن صورة الوفد الكوردي وهو يشارك في مراسم التشييع في كوباني ليست مجرد لقطة عابرة. إنها تعبير عن شجاعة سياسية في اتخاذ التعزية موقفاً، وعن مدينة تحولت، مرة أخرى، إلى رمز لوحدة الشعور الكوردي عبر الحدود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *