الإدارة الرصينة.. العمود الفقري لبناء الدولة- بقلم: صبيح الكعبي

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

صدق الله العظيم

لا شك في أن نهضة الدول وازدهارها لا يقعان صدفةً، بل هما ثمرة حتمية لإدارة رصينة تشكّل العمود الفقري لأي نظام مؤسسي سليم؛ إدارة تضبط إيقاع العمل عبر قوانين صارمة وأنظمة محكمة. وتتحمل الدولة، باعتبارها الراعية الأولى للمجتمع والضامنة لاستقراره، المسؤولية التاريخية في رعاية هذه المنظومة، وتبنّي قادة يمتلكون سيرة علمية، وتأهيلًا أكاديميًا، وخبرات تراكمية صقلتها الدورات التأهيلية، ووسمتهم بقدرة ميدانية على متابعة مقاليد الأمور. وحين يتفاعل هذا القائد مع كوادره بروح الفريق الواحد، وينسج شراكات واعية مع الخبرات المحلية والعالمية، يتحول الأداء الوظيفي اليومي إلى طاقة إنتاجية متجددة تسند ركائز الدولة.

ولنا في تجارب الأمم عبر التاريخ أسوة حسنة؛ فسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان لم تتحول من بلدان نامية أو مدمرة بفعل الحروب إلى قمم الاقتصاد العالمي، إلا عبر تخطيط استراتيجي وإدارة حكومية حكيمة، تجلّت ملامحها في:

  • نظام الجدارة 01: ترسيخ مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب، واستئصال الفساد بلا هوادة، كما فعلت سنغافورة بقيادة لي كوان يو.
  • بيئة الاستثمار الذكية 02: تحويل الجغرافيا والتحديات إلى مراكز مالية ولوجستية عالمية، تسهّل الأعمال وتطوّر البنية التحتية.
  • الاستثمار في الإنسان 03: اتخاذ العنصر البشري المورد الأساسي والأسمى، متجاوزين ندرة الموارد الطبيعية بالتعليم والتدريب المتقن.

لكننا حين نلتفت إلى واقعنا المحلي، نصطدم بمعضلة جوهرية تتمثل في غياب الرؤية الإحصائية والدقة الإدارية؛ إذ يعاني جهازنا الحكومي من فجوة معرفية واضحة، تنعكس في غياب الإحصاء الدقيق لعدد الموظفين الحقيقي، وتخبّط في حصر تحصيلهم الدراسي، وتخصصاتهم الدقيقة، وخبراتهم العملية، ومدى فاعلية دوراتهم التدريبية وتأثير شخصياتهم في بيئة العمل. إن هذا الفراغ المعلوماتي جعل طاقات هائلة من الكوادر البشرية معطلة ومُهدرة، بلا بوصلة توجهها لخدمة الصالح العام، وبلا رؤية وطنية توظف خبراتها في مفاصل الدولة الحيوية.

من هنا، فإن الواجب الوطني يحتم على الدولة، من موقع مسؤوليتها السيادية والرعائية، قيادة قاطرة التغيير لمغادرة التخبط والتيه الإداري، والانطلاق نحو بناء علمي رصين يعتمد على:

قاعدة بيانات استراتيجية شاملة 01: توثيق رقمي دقيق للطاقات والكفاءات، وحصر شامل لمستوياتهم العلمية والمهنية، لضمان التوزيع العادل والمثمر.

  • التأهيل المستمر والممنهج 02: إخضاع الكوادر لدورات مركزية نوعية داخل البلاد وخارجها، واستنساخ التجارب العالمية الناجحة بما يلائم الهوية الوطنية.
  • التخطيط الاستراتيجي المتكامل 03: صياغة خطط تنموية واضحة، قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى، ترسم ملامح المستقبل، وتلتزم الحكومات المتعاقبة بتنفيذها.

إن بناء الدولة ليس شعارًا يُرفع، بل هو هندسة إدارية دقيقة وإرادة سياسية حازمة. ومتى ما امتلكت الدولة الشجاعة والإرادة لإصلاح منظومتها الإدارية، وتوظيف طاقات إنسانها بالشكل الأمثل، سنصنع وطنًا تلتئم فيه خيوط السياسة والاقتصاد والأمن، ويسير الجميع فيه نحو هدف مشترك.

بالعلمِ والمالِ يَبني الناسُ مُلكَهُمُ
لم يُبنَ مُلكٌ على جهلٍ وإقلالِ

هاتوا الرجالَ وهاتوا المالَ واحتشدوا
رأيًا لرأيٍ ومِثقالًا لمِثقالِ

— أحمد شوقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *