الواقع العراقي اليوم يثبت أن الفساد لم يعد مجرد انحراف أو تجاوز، بل تحوّل إلى نهجٍ صريح في إدارة الدولة، تُمارسه القوى المتنفذة على أعلى المستويات، وتُحصّنه بالقوانين، وتُحميه بالخطاب السياسي والإعلامي. ولهذا السبب تحديدًا تباطأت خطوات السيد الزيدي في محاربته، إذ اقتصرت حملته على أقزام الفساد وتركت الحيتان تواصل نهب المال العام بلا رقيب.
على مدى 23 عامًا، جرى تهريب مليارات الدولارات إلى ملاذات آمنة حول العالم، بعضها مرتبط بتمويل شبكات إقليمية، وبعضها الآخر مرتبط بحسابات شخصية لقادة سياسيين. وقد كشفت الصحافة العراقية والعالمية مرارًا محاولات تهريب ضخمة، كان آخرها ما نُسب إلى فالح الفياض حين أبلغته قطر بأنها غير مستعدة لحماية أمواله أكثر، وأن عليه نقلها إلى مكان آخر. ورغم أن هذه المعلومات لم تُثبت بأدلة دامغة، إلا أنها غير مستبعدة إطلاقًا في بلد تحوّل فيه نهب المال العام إلى ممارسة يومية.
الغالبية العظمى من رجال السلطة مارسوا عمليات تهريب مشابهة، ونجحوا في إخفاء آثارها، لكن حجم السرقات ترك وراءه ما يكفي من الأدلة ليعرقل أي محاولة جدية لمحاربة الفساد. ولهذا نراهم يخرجون بتصريحات وبيانات توهم الناس بأنهم ضد الفساد، بينما هم في الحقيقة يمارسون ضغطًا مباشرًا على الزيدي في اجتماعات الإطار لوقف أي خطوة تتجاوز الخطوط الحمراء التي تحمي مصالحهم.
ولما وجدوا أن الضغط الخفي لم يعد كافيًا، بدأوا يخرجون علنًا على الفضائيات، يهاجمون خطط مكافحة الفساد، ويبررون السرقات، ويطالبون بنسيان الماضي. عددا من المعممين الذين انتفخت بطونهم بالمال العام، قالوا صراحة إ ما يقوم به الزيدي من عمليات اعتقال ضد الفاسدين ليس من صلاحياته ، بل أنها صلاحيات المهدي المنتظر وذهب حيدر العبادي ، رئيس الوزراء العاقي الأسبق أكثر من هذا قائلا إن “تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية.” ثم دعا إلى نسيان ما سُرق، واقترح بدلًا من المحاسبة أن نكتفي بـ”مراقبة الفساد بالكاميرات كما في أوروبا”.
يا رجل… المسروقات ليست دجاجة ولا نعجة. إنها تريليونات. تريليونات قادرة على إنهاء الفقر في العراق، وبناء دولة حديثة من الصفر، وتوفير الخدمات التي يحلم بها الإنسان، وحماية كرامة المواطن التي تتاجرون بها في كل مناسبة. تريليونات قادرة على منع الهجرة، وإعادة أبناء العراق الذين يعيشون على إعانات اجتماعية في بلدان المهجر.
هذا التصريح ليس مجرد رأي؛ إنه إدانة صريحة لنظامكم، واعتراف بحجم فسادكم، وإقرار بأن العملية السياسية القائمة ليست سوى منظومة لصوصية تستنزف العراق وتسرق قوت الشعب.
ويبقى السؤال: هل يمكن محاربة الفساد بأدوات الفاسدين؟
إضافات معلوماتية دقيقة (يمكن إدراجها داخل النص أو في الهامش)
وفق تقديرات خبراء اقتصاديين عراقيين، كلفة الفساد منذ 2003 تجاوزت تريليون دولار.
- هيئة النزاهة أعلنت أن عدد ملفات الفساد المفتوحة يفوق 50 ألف ملف، لكن نسبة المحاسبة الفعلية لا تتجاوز 1%.
- البنك الدولي صنّف العراق ضمن الدول الأكثر فسادًا في المنطقة، مع تراجع مستمر في مؤشرات الحكم الرشيد.
- تقارير دولية تشير إلى أن ما بين 250–300 مليار دولار هُرّبت إلى الخارج خلال العقدين الماضيين.
- الفساد في العراق ليس ماليًا فقط، بل سياسيًا وإداريًا، ويشمل بيع المناصب، شراء الولاءات، وتمويل الميليشيات.
كيف نتصدى لهذه التصريحات؟ (صياغة جاهزة للرد الإعلامي)
- كشف التناقض عندما يقول مسؤول إن مكافحة الفساد تهدد العملية السياسية، فهذا يعني أن العملية السياسية مبنية على الفساد أصلًا.
- إعادة تعريف المشكلة الفساد ليس حدثًا فرديًا بل منظومة متكاملة، وبالتالي لا يمكن مكافحته عبر لجان شكلية أو إجراءات انتقائية.
- ربط الفساد بالمعاناة اليومية كل تصريح يبرر الفساد يجب أن يُربط مباشرة بالفقر، البطالة، انهيار الخدمات، الهجرة، وانعدام الكرامة.
- فضح الخطاب الديني المبرّر للنهب عندما يستخدم رجل دين خطابًا يبرر السرقة، يجب الرد بأن الدين لا يحمي اللصوص، وأن الأخلاق ليست أداة سياسية.
- المطالبة بالشفافية الكاملة أي حديث عن مكافحة الفساد دون كشف الذمة المالية للمسؤولين هو مجرد ضحك على الناس.
- التأكيد أن المحاسبة لا تهدم الدولة بل تبنيها الدول التي حاربت الفساد نهضت، والدول التي تواطأت معه انهارت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية
ناظم ختاري
لم يعد الفساد في العراق ظاهرة طارئة أو سلوكًا فرديًا يمكن عزله أو محاصرته. ما يجري على الأرض منذ عام 2003 يؤكد أن الفساد تحوّل إلى بنية حاكمة داخل الدولة، وإلى نهجٍ سياسي تتقوّى به القوى المتنفذة، لا مجرد سرقة أموال عامة. ولهذا السبب تحديدًا تباطأت خطوات رئيس الوزراء السيد الزيدي في محاربته، إذ اقتصرت حملته على الأطراف الهامشية، بينما بقيت “الحيتان” تواصل نهب المال العام بلا توقف.
على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، جرى تهريب مليارات الدولارات إلى الخارج عبر شبكات مالية معقدة، بعضها مرتبط بتمويل أذرع إقليمية، وبعضها الآخر مرتبط بحسابات شخصية لمسؤولين كبار. وقد كشفت الصحافة العراقية والعالمية مرارًا محاولات تهريب ضخمة، كان آخرها ما نُسب إلى فالح الفياض حين أُبلغ بأن إحدى الدول لم تعد مستعدة لحماية أمواله، وأن عليه نقلها إلى مكان آخر. ورغم أن هذه المعلومات لم تُثبت بأدلة قاطعة، إلا أنها تنسجم تمامًا مع نمط الفساد السائد في البلاد.
الغالبية العظمى من رجال السلطة مارسوا عمليات مشابهة، ونجحوا في إخفاء آثارها، لكن حجم السرقات ترك وراءه ما يكفي من الأدلة ليعرقل أي محاولة جدية لمكافحة الفساد. ولهذا نراهم يخرجون بتصريحات وبيانات توحي بأنهم جزء من معركة الإصلاح، بينما هم في الحقيقة يمارسون ضغطًا مباشرًا على رئيس الوزراء في اجتماعات الإطار لوقف أي خطوة تتجاوز الخطوط الحمراء التي تحمي مصالحهم.
ولما لم يعد الضغط الخفي كافيًا، انتقل بعضهم إلى العلن. لكبح جماح عملية محاربة الفساد، إذ صاروا يخرجون علنا على الفضائيات ويطلقون حملات لرفض هذه الخطط ، بدأها بعض المعممين الذين تضخمت ثرواتهم و انتفخت بطونهم بالمال العام حتى وصلت إلى عند حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الأسبق، الذي هدد بالقول، أن “تطبيق مكافحة الفساد على الجميع يعني انهيار العملية السياسية” ويدعو في مقابلة تلفزيزنية، لنسيان ما سرق من الأموال، ونسيان السراق أيضا، بدلا من المحاسبة، واستدرك قائلا، يكفي “مراقبة الفساد بالكاميرات كما في أوروبا”.
هذا التصريح ليس مجرد رأي، إنه اعتراف صريح بأن العملية السياسية القائمة تستند إلى الفساد، وأن أي محاولة جادة لمكافحته ستكشف هشاشتها. وهو أيضًا إدانة مباشرة للنظام السياسي الذي يربط بقاءه باستمرار النهب، ويعتبر المحاسبة تهديدًا وجوديًا.
فالمال المنهوب ليس دجاجة أو نعجة يمكن التغاضي عنها. إنه تريليونات الدولارات؛ مبالغ كفيلة بإنهاء الفقر في العراق، وبناء دولة حديثة من الصفر، وتوفير الخدمات الأساسية، وحماية كرامة المواطن التي تُستخدم ورقةً للمزايدات السياسية. هذه الأموال كانت قادرة على منع الهجرة، وعلى إعادة آلاف العراقيين الذين يعيشون اليوم على إعانات اجتماعية في بلدان المهجر.
إن التصريحات التي تبرر الفساد أو تدعو إلى نسيانه تكشف حقيقة النظام السياسي القائم: منظومة لصوصية تستنزف موارد الدولة وتسرق قوت الشعب، وتخشى المحاسبة لأنها تهدد وجودها.
والعملية السياسية التي تستند على الفساد، ما أهمية بقاءها ؟ ماذا جنى الشعب العراقي من هذه العملية التي أفقرت الشعب ، وأفقدت العراق قراره السيادي.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل عراقي: هل يمكن محاربة الفساد بأدوات الفاسدين؟ أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ فقط عندما يدرك الشعب أن حماية مستقبله تتطلب تغييرًا جذريًا في بنية السلطة، لا مجرد لجان شكلية أو حملات انتقائية؟

