هل كانت الاشتراكية غريبة عن العراق؟- جورج منصور

 

كثيراً ما يطرح الحديث عن الاشتراكية في العراق باعتبارها فكرة مستوردة من أوروبا، جاءت مع الكتب المترجمة والأحزاب الحديثة في القرن العشرين. غير أن هذا التوصيف، رغم ما فيه من صحة تاريخية، لا يكشف الصورة كاملة. فالأفكار السياسية لا تنتقل إلى المجتمعات كما تنتقل البضائع عبر الحدود، وإنما تجد  مكاناً لها عندما تصادف تربة اجتماعية وثقافية مهيأة لاستقبالها. ومن هذه الزاوية يمكن التساؤل: هل كانت الاشتراكية حقاً جسماً غريباً عن العراق، أم أنها وجدت في تاريخ دولته المركزية العريق ما جعلها تبدو مألوفة وقابلة للحياة؟

إن المتأمل في تاريخ بلاد الرافدين يلاحظ أن المجتمع العراقي نشأ منذ بداياته داخل إطار دولة قوية ومركزية. فالحضارات السومرية والبابلية والآشورية لم تقم على أساس الفرد المستقل اقتصادياً، كما حدث في بعض المدن التجارية القديمة، بل قامت على إدارة مركزية للمياه والزراعة والعمل.

كانت الأنهار تحتاج إلى تنظيم دائم، وشبكات الري تتطلب سلطة قادرة على الحشد والتوزيع والرقابة. ومن هنا نشأت الدولة بوصفها ضرورة اقتصادية قبل أن تكون مؤسسة سياسية.

في العراق القديم، لم تكن هناك “اشتراكية” بالمعنى الأيديولوجي الحديث، لكن بعض الممارسات الاقتصادية كانت تحمل سمات قريبة من الملكية العامة أو المركزية. ففي حضارات سومر وأكد وبابل، كانت المعابد والقصور تمتلك مساحات واسعة من الأراضي وتدير الإنتاج الزراعي وتوزيع الموارد. كما كانت الدولة أو المؤسسة الدينية تلعب دوراً كبيراً في تنظيم العمل والري وتخزين الحبوب وتوزيعها. لم يكن ذلك قائماً على فكرة المساواة الاجتماعية، بل على سلطة الملك والكهنة؛ ولذلك يصفه المؤرخون عادةً بأنه اقتصاد مركزي أو اقتصاد قصور ومعابد، لا اشتراكية بالمعنى الحديث.

كذلك ظهرت في التاريخ الإسلامي أفكار وممارسات تضمنت التكافل الاجتماعي، منها نظام الزكاة والصدقات والأوقاف، ومسؤولية الدولة عن بعض الخدمات العامة ومساعدة الفقراء، ودعت بعض الحركات الفكرية إلى قدر أكبر من المساواة الاقتصادية.

في هذا السياق، لم تكن الأرض مجرد ملكية خاصة بالمعنى الذي عرفته أوروبا الحديثة، بل كانت جزءاً من نظام أوسع تديره المعابد والقصور والسلطات الحاكمة. وكان الفرد ينتمي إلى شبكة من الواجبات والعلاقات الجماعية التي تتقدم على استقلاله الشخصي. ومن هنا يمكن القول إن العقل الاجتماعي العراقي تشكل تاريخياً في ظل حضور قوي للدولة أو السلطة المركزية، وليس في ظل تقاليد فردية ليبرالية واسعة.

وعلى امتداد قرون طويلة لم يتغير هذا النمط كثيراً. تبدلت الدول وتعاقبت الإمبراطوريات، لكن الدولة ظلت هي الفاعل الأكبر في تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وحتى في الفترات التي ضعفت فيها السلطة المركزية، كان المجتمع يبحث دائماً عن عودتها أكثر مما يبحث عن تقليص دورها. ولهذا السبب لم تكن فكرة تدخل الدولة في الاقتصاد أمراً مستهجناً لدى العراقيين عندما ظهرت النظريات الاشتراكية الحديثة. مع الإشارة إلى أن هذه النظم القديمة لم تقم على إلغاء الملكية الخاصة، وهو عنصر أساسي في كثير من النظريات الاشتراكية الحديثة.

بدأت الأفكار الاشتراكية والماركسية تصل إلى العراق في أوائل القرن العشرين، وأصبح الحزب الشيوعي العراقي (الذي تأسس في ثلاثينيات القرن العشرين) من أبرز القوى التي دعت إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال والفلاحين. وعندما دخلت الاشتراكية إلى العراق، لم تدخل إلى مجتمع رأسمالي صناعي متطور كما حدث في أوروبا، بل دخلت إلى مجتمع يعاني من الإقطاع والتفاوت الاجتماعي وهيمنة الشركات الأجنبية على الموارد النفطية. لذلك بدت شعارات العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة والإصلاح الزراعي وكأنها إجابة طبيعية عن مشكلات واقعية يعيشها الناس يومياً.

لكن الملاحظة المهمة هي أن الاشتراكية العراقية لم تتجذر أساساً من خلال نظرياتها الفلسفية المعقدة، بل من خلال علاقتها بفكرة الدولة القوية. فالكثير من العراقيين لم يكونوا معنيين بالنقاشات الماركسية حول فائض القيمة أو الصراع الطبقي بقدر اهتمامهم بدور الدولة في توفير العمل والتعليم والسكن والخدمات. وهكذا تحولت الاشتراكية تدريجياً من مشروع تحرر اجتماعي إلى مشروع توسع للدولة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: فالاشتراكية في أصلها الأوروبي نشأت أحياناً كحركة احتجاج ضد هيمنة الدولة والطبقات الحاكمة معاً، لكنها في العراق اندمجت بسرعة مع تقاليد السلطة المركزية التاريخية. وبدلاً من أن يصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة شؤونه بنفسه، أصبحت الدولة أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.

شهد العراق في سبعينيات القرن الماضي واحدة من أوسع تجارب تدخل الدولة في الاقتصاد في العالم العربي. كان النفط مؤمماً، والقطاع العام متوسعاً، والتعليم والصحة مدعومين بقوة. وقد حققت هذه السياسات إنجازات حقيقية لا يمكن إنكارها؛ إذ ارتفعت مستويات التعليم، وتحسنت الخدمات، وازداد الحراك الاجتماعي. غير أن الوجه الآخر للتجربة تمثل في تضخم الجهاز البيروقراطي واعتماد المجتمع المتزايد على الدولة كمصدر شبه وحيد للرزق والفرص. ومع مرور الوقت، أصبحت الدولة هي المالك الأكبر، وصاحب العمل الأكبر، والممول الأكبر؛ فتحول المجتمع إلى حد كبير من مجتمع منتج إلى مجتمع ينتظر ما توزعه السلطة من موارد. ولم يكن هذا التحول نتيجة الاشتراكية وحدها، بل نتيجة تزاوجها مع تقاليد تاريخية عميقة تمجد الدولة المركزية وتمنحها دوراً يتجاوز حدود التنظيم والإدارة.

وعندما انهارت كثير من المؤسسات بعد عام 2003، اكتشف العراقيون أن المشكلة لم تكن في وجود الدولة فقط، ولا في غيابها فقط، بل في الاعتماد المفرط عليها. فقد وجدت البلاد نفسها أمام اقتصاد لا يستطيع العمل بكفاءة من دون الدولة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع الدولة وحدها أن تقود التنمية كما كانت تدعي.

من هنا يبدو الجدل التقليدي بين الاشتراكية والرأسمالية في العراق أقل أهمية من سؤال آخر أكثر عمقاً: ما طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة؟ فالعراق، منذ آلاف السنين، لم يكن ساحة صراع بين الفرد والدولة بقدر ما كان ساحة بحث مستمر عن دولة قادرة على إدارة مجتمع شديد التعقيد. ولهذا فإن نجاح أي مشروع اقتصادي مستقبلي لن يتوقف على اسمه الأيديولوجي، بل على قدرته على بناء توازن صحي بين قوة الدولة وحيوية المجتمع.

إن الاشتراكية في العراق لم تكن مجرد نظرية سياسية عابرة، بل كانت تعبيراً حديثاً عن ميل تاريخي أقدم بكثير: الميل إلى اعتبار الدولة محور الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وربما لهذا السبب ازدهرت سريعاً، وربما لهذا السبب أيضاً واجهت حدودها سريعاً. فالدولة القوية تستطيع أن توحد الجهود وتحقق الإنجازات الكبرى، لكنها قد تتحول كذلك إلى عبء عندما تبتلع المجتمع وتضعف قدرته على المبادرة والإبداع.

ولعل الدرس الأهم الذي يقدمه التاريخ العراقي هو أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق عبر السوق وحده، كما لا تتحقق عبر الدولة وحدها. إنها ثمرة توازن دقيق بين الحرية والتنظيم، بين المبادرة الفردية والمسؤولية الجماعية، وبين المجتمع والدولة. وما لم يتحقق هذا التوازن، ستبقى البلاد تتأرجح بين نماذج مختلفة تحمل أسماء متغيرة، بينما تبقى المشكلة الجوهرية واحدة.

إذا أخذنا كلمة الاشتراكية بمعناها الواسع (أي تنظيم المجتمع على أساس الملكية الجماعية أو تدخل الدولة في الاقتصاد لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية)، فيمكن القول إن العراق عرف أشكالاً مختلفة منها عبر العصور، لكن ليس دائماً بالمعنى الحديث الذي ظهر في أوروبا خلال القرن التاسع عشر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *