بمناسبة خليجي 27- حكاية من ذلك الزمان-  بقلم: محمـد الكحـط

 

 

الزمان: الجمعة 30 آذار 1979.

المكان: معسكر التاجي كتيبة استطلاع النصر.

كان الحدث مباراة العراق والكويت في خليجي 5، التي أقيمت في بغداد حيث فاز العراق 3-1 سجل الأهداف فلاح حسن، هادي أحمد، مهدي عبد الصاحب.

لكن حكايتي مع تلك المباراة لم تكن مجرد ذكرى رياضية، بل كانت لها قصة أخرى، بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم. كان لقبي العسكري آنذاك (ج. م. خ)، وهي أحرف كان العسكريون القدامى يعرفون معناها جيدًا: (جندي مكلف خريج). وكان البعض، من باب الدعابة، يحورها إلى عبارة (جندي ماكل خ….)، في تلك الفترة، كان الخريجون من غير البعثيين يؤدون خدمة العلم كجنود عاديين، بينما كان البعثيون يُرسلون إلى كلية الضباط الاحتياط. وكنت أنا جنديًا في هذه الوحدة العسكرية.

 

في ذلك اليوم، كنت ضمن أفراد حرس سجن الوحدة العسكرية. كنا نحو ستة جنود، وكان المفروض معنا آمر حرس السجن، الذي طلب مني أن أنوب عنه وأتولى مسؤولية الحراسة لحين عودته ليلًا، لارتباط خاص لديه. وكان يوم الجمعة، بطبيعة الحال، مناسبة يستغلها البعض لإنجاز بعض المهام الشخصية، وكانت مثل هذه الأمور عادية تجري أحيانًا بين الجنود.

تسلّمنا حراسة السجن، وكان يتكون من قاعتين، إحداهما صغيرة والأخرى كبيرة، ويضم نحو خمسين إلى ستين سجينًا من أفراد الكتيبة.

وقبل بدء المباراة بساعات، بدأ السجناء يتوددون إلينا ويتوسلون بأن نخرجهم إلى قاعة الحانوت أو النادي، حيث كان يوجد جهاز تلفزيون، حتى يتمكنوا من مشاهدة المباراة.

رفضت في البداية، لكن إصرارهم وتوسلاتهم، وربما طيبتنا نحن أيضًا، جعلتنا نقرر إخراجهم، ولكن تحت حراسة مشددة.

وهكذا، وقبل بدء المباراة بدقائق، أخرجناهم في مسيرة نظامية إلى القاعة، وتوزعنا عند الباب والنوافذ، ونحن نتأبط رشاشاتنا. جرى كل شيء بهدوء ومن دون أي مشاكل، فقد شاهد السجناء المباراة، وفرحوا وفرحنا معهم بفوز العراق، ثم أعدناهم إلى قاعات السجن. شكرونا بالطبع، وانتهى الأمر وكل شيء عادي.

في الليل عاد آمر السجن الأساسي، وأكملنا واجبنا وسلّمنا المهمة إلى الوجبة التي كانت ستخلفنا، وغادرنا بهدوء، ونحن نظن أن الحكاية انتهت عند هذا الحد.

لكنها لم تنتهِ!

في صباح يوم السبت، وبعد التعداد الصباحي والاستعراض، نودي بأسمائنا نحن حراس السجن في اليوم السابق. خرجنا من الطابور، واقتادونا إلى آمر الكتيبة، وقدّمونا أمامه كمذنبين.

كان آمر الكتيبة رجلًا شديدًا ومتزمتًا في الأمور العسكرية، وكنت أنا أول من دخل عليه.

أديت التحية العسكرية، فسألني:

  • حضرتك خريج؟
  • أجبته: نعم، سيدي.
  • فقال: حضرتك بالأمس صرت آمر الكتيبة بدلًا مني؟؟
  • قلت مستغربًا: عفوًا سيدي، كيف هذا؟
  • فقال بغضب: كيف تخرج المساجين من السجن إلى النادي؟
  • حاولت أن أشرح له: سيدي، توسلوا بنا، ووعدونا بالانضباط. وكانت مشاعر وطنية، فتفاعلنا معهم، وكل شيء جرى من دون مشاكل أو خروقات.
  • لكنه ازداد عصبية وقال: هل تعرف أن بين هؤلاء المساجين أشخاصًا قد يكونون خطرين، وعليهم أحكام ومحاكم؟ أنا آمر الكتيبة وليس لدي صلاحية بإخراجهم، فكيف تجرأتم على إخراجهم؟
  • لم أجد ما أقوله سوى الاعتذار، وبعد النقاش صدر الحكم علينا: ثلاثة أيام توقيف، مع حلاقة الرأس على درجة الصفر.

 

بعدها ذهبت إلى إداري سريتنا، الملازم الأول عناد عبد السلام، الذي أصبح لاحقًا نقيبًا أثناء وجودي في الكتيبة، وكان صديقًا عزيزًا لي.

ذهبت إليه متوسلًا أن يفعل شيئًا لإصلاح الوضع، فقال لي، بلهجته العراقية: (يا مصخّم، هاي سوايتك! محد مسويها، شلون ما فكرت؟، وبعد قليل قال لي: أنا ما راح أنشر العقوبة، لكن بالنسبة للحلاقة، روح للحلاق وقل له الملازم عناد يقول حلاقة عادية، وليس صفر.

وهكذا انتهت الواقعة الغريبة التي تسببت بها مباراة العراق والكويت في خليجي 5.

 

ومع ذلك، ورغم العقوبة والموقف المحرج، كنت سعيدًا في داخلي؛ لأنني ساهمت، ولو بطريقة بسيطة، في إدخال الفرحة إلى قلوب عدد من العراقيين الذين كانوا في ظرف صعب، وأرادوا أن يعبّروا عن تضامنهم وفرحتهم بفريق وطنهم.

لكن هذه الحادثة أجهضت أيضًا استعدادي للاحتفال، بشكل سري، بعيد الحزب الذي صادف يوم السبت 31 آذار/مارس 1979.

وهكذا بقيت مباراة العراق والكويت في خليجي 5 في ذاكرتي لسبب مختلف تمامًا عن أسباب بقية العراقيين… فقد شاهدنا المباراة، وفرحنا بفوز العراق، رغم أنني دفعت ثمن تلك الفرحة وحلاقة رأس كادت أن تكون على (الصفر).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *