أنفاس بغداد المسمومة: التكنولوجيا النظيفة كطوق نجاة أخير . بقلم صبيح الكعبي

في كل مرة يحل فيها المساء على عاصمتنا الحبيبة، يفرض التلوث الكبريتي حصاراً دخانياً خانقاً يلاحق تسعة ملايين مواطن في عقر دارهم. كمشاهد يرصد هذه المعاناة، أرى أن أزمة الهواء في بغداد لم تعد مجرد تقارير دولية، بل قضية وجودية تمس حق الإنسان الأساسي في استنشاق هواء نقي، والهدف هو تسليط الضوء بموضوعية على هذه المأساة، ومناشدة الجهات المعنية للتحول نحو تكنولوجيا الغاز الطبيعي لإنقاذ الأرواح.

يقول الله تعالى في محكم كتابه: “وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ”. إن المتأمل للواقع البيئي يدرك أن هذا الإفساد والهواء المسموم المستوطن في سماء المدينة هو نتاج مباشر لتداخل الأنشطة الصناعية مع التجمعات السكنية، وهنا تبرز مسؤولية الجهات التنفيذية؛ فوزارة البيئة مطالبة بتشديد أدواتها الرقابية، بينما يقع على عاتق وزارتي الكهرباء والنفط، وبإشراف الأمانة العامة لمجلس الوزراء، مراجعة السياسات التشغيلية لمنشآت كمصفى الدورة ومحطات التوليد التي ما زالت تعتمد على النفط الأسود الثقيل، فالكلفة الاقتصادية للطاقة لا يمكن أن تُدفع أبداً من صحة الأطفال وسلامة رئاتهم.

هذا التهاون المؤسساتي تؤكده قراءات واقعية قاتمة؛ إذ تسجل محطات الرصد مستويات من الجسيمات الدقيقة تتجاوز مئة وسبعين ميكروغراماً لكل متر مكعب، وهو ما يمثل أحد عشر ضعفاً للمحددات الآمنة لمنظمة الصحة العالمية، مما يتسبب في نحو سبعة بالمئة من الوفيات السنوية في البلاد واكتظاظ المستشفيات بآلاف حالات الاختناق الحاد. في مقابل ذلك، تبرهن الدراسات أن إحلال الغاز الطبيعي كبديل كامل سيحقق قفزة فورية؛ تتمثل في تراجع انبعاثات أكاسيد الكبريت بنسبة تسعة وتسعين بالمئة، وانخفاض الجسيمات الدقيقة بنسبة خمسة وتسعين بالمئة، وتقليص البصمة الكربونية بنسبة خمسين بالمئة.

ختاماً، إن الكتابة عن بيئة بغداد هي صرخة هادئة من واقع المعايشة المعمقة لمعاناة أهلنا، والانتقال التكنولوجي نحو استثمار الغاز النظيف واستخدام فلاتر العزل الذكية يمثل الخيار الفيصل لإنهاء هذه الحقبة الزمنية. الأرواح التي تُزهق بصمت تستحق من الجهات الحكومية قراراً شجاعاً يوقف حرق الوقود الثقيل، ويعيد لبغداد عافيتها وسماءها النقية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *