لا يعني الانسحاب الأميركي من العراق تراجعًا عن الشرق الأوسط، بل انتقالًا من الاحتلال المباشر إلى إدارة الصراع عن بُعد. فالولايات المتحدة، ككل قوة إمبراطورية، تتحرك وفق مصالحها، وتعيد توزيع أدواتها وأعبائها ضمن استراتيجية أكثر حداثة وأقل كلفة. غير أن هذا التحول لا يبرئ أنظمة المنطقة والقوى العقائدية المتطرفة؛ فهي التي دمّرت دولها، واستبدّت بشعوبها، وأفشلت محاولات الانتقال إلى أنظمة ديمقراطية حديثة، حتى بات التعامل معها يجري بالأدوات التي صنعتها بنفسها.
وتقوم الاستراتيجية الأميركية الجديدة على ستة مستويات مترابطة:
- إنهاء الاحتلال المباشر: سحب الجيوش من الحروب البرية الطويلة التي تستنزف المال والجنود وتثير الرفض الداخلي، من دون التخلي عن النفوذ أو القدرة على التدخل.
- إدارة القوة العسكرية عن بُعد: إعادة تموضع القوات في قواعد إقليمية، والاعتماد على الطيران والمسيّرات والأقمار الصناعية والاستخبارات والضربات السريعة بدل الانتشار البري الواسع.
- نقل مركز النفوذ إلى الاقتصاد والتكنولوجيا: استخدام العقوبات والدولار والاستثمارات والطاقة والرقائق والبيانات والذكاء الاصطناعي والعلاقات الاقتصادية، بحيث تصبح كلفة مواجهة الإرادة الأميركية أكبر من كلفة التفاهم معها.
- إعادة تدوير القوى العقائدية: تطويع التنظيمات الجهادية القابلة للضبط، وإدخالها في مؤسسات الدولة ومنحها أسماء وصفات رسمية. فالدولة تتحول إلى قفص يقيّدها، وغطاء يمنحها الشرعية في الوقت نفسه، لتؤدي وظائف محلية وإقليمية لم تعد واشنطن راغبة في تحملها مباشرة.
- استنزاف الإرهاب بالإرهاب: مواجهة القوى الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران بقوى سنية متطرفة أُعيد تأهيلها، كما تظهر ملامحه في أفغانستان وسوريا. وبهذا تُضعف واشنطن النفوذ الإيراني، وتستهلك فائض الإرهاب السني في صراع جديد، ثم تتقدم بعد إنهاك الطرفين بوصفها القوة القادرة على ضبط التوازن وفرض التسوية. فهي لا تصنع هذا الصراع من العدم، بل توظف صراعًا مذهبيًا عمره قرون، صنعته قوى المنطقة وواصلت تغذيته.
- مواجهة الصين وروسيا بأدواتهما: فكما عززت موسكو وبكين موقع إيران وأذرعها الإقليمية، تعيد واشنطن تنظيم المجال السني وبناء ثقل مقابل، مع محاولة منع تركيا من الانتقال نهائيًا إلى المحور الروسي–الصيني. ولا تزال أنقرة تتحرك في المنطقة الرمادية بين المعسكرين، مستفيدة من كليهما، فيما يدفعها صراعها مع إسرائيل إلى مزيد من المساومة وإعادة التموضع.
أميركا لا تنسحب من المنطقة، بل تغيّر أدوات نفوذها وتخفّض كلفته. أما أنظمة المنطقة، فباستبدادها وفسادها وعجزها عن بناء دول ديمقراطية، أتاحت للقوى الكبرى أن تدير صراعاتها فوق أرضها وعلى حساب شعوبها.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
30/9/2026 م

