مستقبل التغيير في العراق: أداء القسم واختبار الأثر الأخلاقي- بقلم صبيح الكعبي

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾

بألمٍ يعتصر القلوب غصّت به صدور العراقيين لسنوات، ظلّ الوطن ينزف وثرواته تُستباح في مشهدٍ يوميٍّ مرير؛ حيث تحوّل المال العام إلى غنيمة مستباحة للمتنفذين، وأُفرغت خزائن الدولة لتمويل مصالح ضيقة عبر استغلال مفرط للمناصب في تعيينات المحسوبية، والاستحواذ الجائر على المقاولات، وتمرير صفقات “الكومشنات” المسرطنة. هذا الهدر المنظم لم يكتفِ بإفقار الحاضر، بل أغرق مستقبل الأجيال بمديونية خانقة أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني، ورغم سقوط بعض الأقنعة وكشف عدد من الفاسدين، فإن جذور الفساد بقيت متغلغلة تعيق حلم الاستقرار.

ومن وسط هذا الركام الممتد وبقايا الثقة المفقودة، برزت ملامح حازمة بدأت بـ “صولة الفجر” المباركة، التي رفعت لواء تصفية بؤر العبث واسترداد هيبة الوطن، وتلاها تحرك شجاع لإنهاء فوضى السلاح وحصره بيد الدولة وحدها كركيزة أولى للسيادة، بالتوازي مع صياغة طرق وأساليب علمية حديثة لبناء اقتصاد إنتاجي حقيقي يغادر عشوائية الماضي. وفي ذروة هذا الحراك التصحيحي ولضمان ديمومته، جاء مشهد أداء “قسم الشرف” الذي رددته الكابينة الوزارية أمام رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ليكون العهد الأخلاقي الأسمى الذي يربط المسؤول بضميره وشعبه، معلناً بداية عهد يضع النزاهة في صلب العقيدة التنفيذية.

إن هذا المشهد لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي تفرضه الآليات الدستورية، بل جاء بمثابة تدشين لمرحلة جديدة تضع “الأثر الأخلاقي” في صلب فلسفة الحكم، وهو ما عبّر عنه الزيدي بوضوح تام حينما أكّد أن هذه الحكومة يجب أن تثبت نزاهتها عملياً لتغيير النظرة السائدة عن النظام السياسي. وبناءً على ذلك، فإن المأزق التاريخي الذي واجهه العراق طوال العقود الماضية لم يكن مأزقاً قانونياً أو غياباً للخطط الإستراتيجية، بل كان في جوهره أزمة ثقة مستعصية بين الشارع ومؤسسات الدولة. من هنا، يكتسب القسم الأخلاقي وزنه النوعي؛ فهو محاولة لكسر هذه السردية السلبية، وإرساء عقيدة إدارية تقوم على الشفافية والمسؤولية المباشرة. وحينما يمتد هذا الإلزام الأخلاقي ليشمل المحافظين ورؤساء الهيئات المستقلة والمديرين العامين، فإن الحكومة تسعى لإنشاء جبهة حوكمة مترابطة، لا تترك للفاسد فرصة الإساءة للجهد الجماعي.

ولكن، كيف يضمن هذا الأثر الأخلاقي نجاح حكومة الزيدي ومستقبلها؟

الإجابة تكمن في القدرة على تحويل الالتزام المعنوي إلى عقيدة عمل ميدانية؛ فمستقبل هذه الحكومة محكوم بمدى نجاحها في فك الارتباط بين “المحاصصة السياسية” والأداء التنفيذي. النجاح هنا لا يُقاس ببلاغة اليمين، بل بالنتائج على الأرض: في ملاحقة هدر المال العام، وتحسين الخدمات، والأهم من ذلك كله، في معركة حصر السلاح بيد الدولة وفرض سلطة القانون والسيادة.

وفي الختام، تظل الضمانة الحقيقية لاستمرار واستقرار حكومة الزيدي في ظل تحديات إقليمية واقتصادية استثنائية هي “الحاضنة الشعبية”. وعندما يلمس المواطن العراقي أن “قسم الشرف” قد تُرجم إلى نزاهة حقيقية وإصلاح مؤسسي يعيد للدولة هيبتها، ستتحول الثقة الأخلاقية إلى جدار صد سياسي يحمي الحكومة ويمدها بالزخم اللازم لإكمال مشوار التنمية المستدامة؛ فقد وضعت الحكومة نفسها تحت مجهر التقييم الأخلاقي الصارم، والشعب بانتظار النتائج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *