یعید نشره لأهمیة الموضوع حالیا:
أكملت ثورة شباب كردستان العراق شهرها الثاني في تظاهراتها اليومية في ساحة الحرية (سه راي ئازادي) في مدينة السليمانية وهي مستمرة في الإلتزام بنهجها السلمي البناء دون تردد أو كلل وذلك من أجل مكافحة الفساد ومطالبة السلطة باجراء اصلاحات أجتماعية اعترف جميع المعنيين بأنها مطالب عادلة, من ضمنهم رؤساء الأقليم والحكومة والبرلمان في كردستان. وهي ثورة أصيلة بناءة فجرها الشباب الواعي في كردستان نتيجة انتشار الفساد في السلطة وفشل الكبار في مكافحتها كما ورد في التحليل النفسي-الاجتماعي الذي نشرته في مقالتي الأولى تحت عنوان “ثورة الشباب بداية لتطور سليم” المنشورة في شبكة صوت كردستان بتأريخ 6/3/2011 , و بعد ذلك في تجمع 20 شباط بتأريخ 4/4 /2011 .
وعندما قمت بزيارتي لساحة (سه راي ئازادي) في 19 آذار سنة 2011 للتعبير عن دعمي وتأييدي لثورة الشباب تبين لي بأن شباب الثورة قد فسح المجال أمام الكبار والمسنين في أحزاب المعارضة لكي تتنفس عن كربها وتعبر عن انتقاداتها تجاه السلطة بصورة حرة شفافة لأول مرة في كردستان, الأمر الذي أدى الى ازدياد خطورة تسييس هذه الحركة الإجتماعية المسالمة و محاولة احتوائها من قبل أحزاب السلطة والمعارضة للأستفادة منها في الصراع التقليدي فيما بينهم. وقد حذرت من مخاطر هذه الظاهرة في مقالتي الثانية تحت عنوان “ثورة الشباب…زيارة ل سةراي ئازادي” التي نشرت في شبكة هاولاتي في 4/4/2011
والآن بعد أن استمرت ثورة الشباب في مسارها السلمي المتصاعد لعدم قناعتها بتصريحات السلطة ووعودها, وزادت محاولات تسييس الثورة نتيجة تفاوض السلطة مع أحزاب المعارضة بدلا من الالتفات المباشر لمفجري الثورة الأصليين وعدم الالتزام بوعودها لهم, أخذت ثقة الشباب الثائر تتزعزع بالسلطة تدريجيا”مما ادى الى تشديد غضبهم وتفعيل نقمتهم على السلطة فزاد استياؤهم و اتسعت مساحة الثورة يوما” بعد يوم لتشمل قصبات ومدن أخرى في كردستان العراق ورفعت الجماهير الثائرة من سقف مطالبها الى حد المطالبة باسقاط النظام مبررة ذلك منطقيا” بفشل السلطة في الاستجابة لمطالبها. فلم تعد ثورة الشباب تكتفي بساحة ئازادي و مدينة السليمانية مسرحا” لفعالياتها التظاهرية المنظمة ونهجها الإنتقادي المسالم ومطالبها الأصلاحية العادلة, وأصبحت مظاهرات التأييد والتضامن تنتشر في مدن وقصيبات عديدة أخرى. كما ارتفعت أصوات الدعم والتأييد في محافظتي أربيل و دهوك أيضا” ولكن بتحفظ وحذر لكي لا تخاطر بالتعرض للعنف من قبل قوات السلطة التي فرضت حظرا للتجمع والتظاهر في هاتين المحافظتين. فقد أعلنت هذه الجماهير تأييدها لثورة الشباب على شكل بيانات صدرت من مجاميع تشكلت لهذا الغرض مثل مجموعة “لن نبقى ساكتين” في دهوك, و “مجموعة من المثقفين” في سيميل و “مجموعة من نساء دهوك” وغيرها من محاولات الدعم والتأييد رغم التعتم الاعلامي لها نتيجة لتصاعد وتيرة التسييس والتحزب في عملية تعامل أحزاب السلطة و المعارضة مع هذه الأزمة. فقد اتخذت تظاهرات الطلاب ودعوات الإصلاح في محافظتي أربيل و دهوك أشكالا” من التعبير والتنفيس تختلف عن المظاهرات التي تحدث في السليمابية لكي تتجنب العنف و تسلم من اتهام السلطة لها بتنفيذ برامج و شعارات معادية. هكذا اصبحت ثورة الشباب ولا تزال تترنح تحت كوابيس التسييس التقليدي في المجتمع الكردستاني و محاولات التحزب سواءا” كانت تمارس من قبل أحزاب السلطة أوالمعارضة لإحتواء ثورة الشباب ذات الطابع الإصلاحي الإجتماعي المختلف تماما” عن النهج التقليدي للأحزاب السياسية في الساحة.
هكذا وجدت طليعة ثورة الشباب نفسها تتعرض في عقر دارها لهجمات التسييس والتحزب منذ أيامها الأولى, وأخذت تقاوم بعزم و ثبات محاولات التشكيك والتفكيك حتى قبل أن تتبلور الأفكار الثورية الجديدة في شكلها المتكامل بالرغم من وضوح أهدافها الإصلاحية المبنية على أسس جديدة للتعامل مع السلطة تتمركز في المطالبة بحرية الفرد واسقلاليته بعيدا” عن السياسة الدارجة والتعصب الرجعي والتقاليد البالية, و معتمدة على وسائل التكنولوجيا الحديثة البعيدة عن متناول العنف والفساد. فبدأ تأثير القوى والحركات السياسية على سير المظاهرات يظهر للعيان منذ أن وقعت أحداث العنف المؤسفة التي أدت الى استشهاد عدد من الشباب الأبرياء ليكونوا أولى ضحايا ثورة الشباب في كردستان نتيجة استعمال بعض الأشخاص للوسائل التقليدية لحل الخلافات المبنية على العنف و استعمال السلاح وهم متأثرون بروح التحزب والتسييس سواء” كانوا من قوات السلطة أومن بين المتظاهرين. فهذه الأحداث المؤسفة تثبت شذوذها عن طبيعة ثورة الشباب المبنية على قيم السلم والديمقراطية وحقوق الأنسان. من هنا يجب أن نميز شهداء ثورة الشباب لكونهم وقعوا ضحية تدخل القوى والقيم التقليدية المتميزة بالتطرف الحزبي والعنف السياسي وبرامجها التي تختلف تماما” عن أهداف و وسائل ثورة الشباب السلمية والحضارية المبنية على أسس الحوار المتمدن و العدالة الأجتماعية. وكلما طال انتظار الشباب لإستجابة السلطة ازداد غضبهم وانتشر استياءهم وتضخمت نقمتهم على السلطة يوما بعد يوم ناهيك عن يأس محاولات حل الأزمة بوسائل العنف والقمع والتهميش التي لابد للسلطة أن تقتنع بعدم جدواها وأن تعي تأثيراتها السلبية على مجمل الأحداث وأن تدرك عواقبها الوخيمة وأضرارها الجسيمة على قيادة السلطة نفسها ومن ثم على تأريخ ومستقبل الشعب والوطن.
لكي لا يقع شباب اليوم فريسة للتسييس التقليدي والتحزب المتطرف مثلما فعل الكثيرمن شباب الأجيال السابقة علينا جميعا” الإلتفاف حولهم لدعمهم في مطالبهم العادلة وتأييد نهجهم السلمي وتزويدهم بما لدينا من خبرات لكي يستفيدوا منها ما شاوْوا دون أن نملي عليهم بوعوظنا و نصائحنا أو أن نفرض عليهم اراداتنا فنثقل كواهلهم الفتية بأعبائنا الثقيلة و حاجاتنا الدائمة للاطاعة والولاء. علينا الإنطلاق من حاجاتهم وليس من حاجاتنا عندما نتفاوض ونتحاور معهم. فتلبية رغباتهم و توفير مستلزمات حياتهم هي التي تهيء طاقات بشرية خلاقة لبناء المستقبل وهي التي تكفل للمجتمع كوادر ناضجة و سليمة لتكون في خدمة الشعب والوطن بدلا من أن نكيل عليهم الاتهام بالتهور والعمالة فنخسرهم اذا وقعوا في مكائد الأعداء والمفسدين لاسمح الله. ليس من منطق الحكمة والعقل أن نبقى متعصبين في انتمائاتنا الحزبية المتطرفة ولا أن نكون متصلبين على أفكارنا البالية عندما نتعامل مع ثورة الشباب الداعية الى الإصلاح و التطور والتغيير والرافضة للفساد و العنف و التهميش. و ليس من المنطق أن نبقى نحن الكبار متطرفين بينما ندعو الشباب الى الإلتزام بالصبر و السلم والحوار.
ان من أخطر ما تواجهه ثورة الشباب في كردستان اليوم هي محاولات تسييسها و صهرها في بودقة التحزب المتطرف المبني على المبدأ القائل بأن كل من لا يشاركني الرأي هوعدو لي. ولكي نثبت أصالة هذه الثورة و برائتها من الإتهامات وخلوها من عناصر البلبلة والتخريب علينا أن نعمل جميعا” على حماية هذه الثورة من التسييس والتحزب وأن ندعوا قيادة السلطة متمثلة برئاسات الأقليم والبرلمان والحكومة الى رفع جميع اجراءات القمع والتسلط والعنف ضد هذه الثورة وفتح باب الحوار المباشر مع ممثليها دون وكيل أو وسيط لكي لا تدخل ثورة الشباب في معمعة الصراع السياسي الذي يدور بين أحزاب السلطة والمعارضة. فثورة الشباب بطبيعتها ليست حركة سياسية ويجب التعامل معها على هذا الأساسس دون اللجوء الى جرها الى مخانق التسييس التقليدي ومهالك التحزب المتطرف. فهي بريئة من تلك الأحداث المؤسفة التي أدت الى أعمال العنف و سقوط الشهداء. ولا بد لسلطة القانون والمحاكم أن تكشف يوما” عن تلك الأوليات التي أدت الى استعمال العنف و السلاح لا لمعاقبة المذنبين فقط بل لاثبات براءة ثورة الشباب أيضا” و لترسيخ هذا النموذج الجديد للتحول النوعي البناء في أساليب الثورة والكفاح السلمي لتحل محل الوسائل التقليدية الهدامة المبنية على العنف واستعمال السلاح, وان غدا لناظره قريب.
د. عبدالباقي مايي
نشرت فی صوت كوردستان لأول مرة بتأریخ ٢٣/٤/٢٠١١

