مظاهرات تركيا ومفاوضات “روژئاڤا”- د. عبدالباقي مایی

 

بعد الإتفاق المشهور بین “مظلوم عبدی” قائد قوات سوريا الدیموراطیة “قسد” و “أحمد الشرع” رئيس الدولة الموقتة فی سوريا فی ١٠ آذار ٢٠٢٥ ، الذی تم تخطيطه وتصویره ونشره بصورة مهنية مبدعة، إتخذ “نموذج روژئاڤا” خطوة جديدة نحو تجاوز الأزمات بما فيها الصراع بین الأطراف المختلفة فی المجتماعات الدینیة والعنصرية والطائفية المختلفة لیس فی تركيا وسوريا فحسب بل بین شعوب منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة، بعيدا عن المبادئ والسياسات والقوی المتصارعة فی خارج المنطقة وداخلها. لأن إصطدام المتصارعين علی دفة الحكم فی كل من سوريا و تركیا ما هو  إلا تعبير للقلق والخوف والهلع لدی الأطراف المتصارعة فی الداخل من ترك و كورد وعرب إلی مسلم سنی و شیعی و علوی ودرزی و مسیحی سریانی أو كلداني أو آثوری أو یزیدی بأصالته الكوردیة ودیانته العریقة التی إعتبرته خلافة الدولة الإسلامية السلفية الأولى فی التأريخ المعاصر “داعش” عدوها الأول عند تكوينها لخلافتها فی مدينة “الموصل” مركز نینوی العریق واتخاذه مدينة “رقة “ عاصمة عملية له، تلك المدینة التي حررتها قسد فی بداية عملياتها العسكرية التي نجحت فی كسر داعش لتكون القوة الأولى والوحيدة فی تحقیق النصر علی داعش والتى لاتزال تحتفظ بالسلطة الشعبية والنفوذ الإجتماعی فیها بعد فشل داعش ولحد الآن. كانت شعوب هذه المنطقة ولازالت تنعم بالحرية والإستقلال عندما تعيش فی تفاهم وأمان بتعدديتها المعترفة بها عالميا فی التأريخ القديم والجدیث وكذلك تعايشها السلمي بقبول الإختلاف دون خلاف وتكملتها وتآلفها فی السراء والضراء.

شعب “روژئاڤا” المختلط وفق ما ذكر أعلاه،  والمستمر علی نهجه الدیموقراطی الأصیل المبنی علی فلسفة “به‌رخودان ژیانه‌ = المقاومة هی الحیاة” تحت شعار “ژن – ژیان – آزادی = المرأة – الحیاة – الحریة”، والمتربی علی نظریات علمیة حدیثة مثل “منبع الصحة \ أنتونوڤسكی” و “الشخصیة السلیمة\ أوجلان” كون نموذجه من هذا الخلیط الغنی المتشابك من مختلف الثقافات العرقية والدینیة علی مر العصور منذ حضارات “الهلال الخصيب” و “مابين النهرين”، تلك الحضارات التي جعلت الخبراء والعلماء حتی يومنا هذا يسمون المنطقة “مهد الحضارات“ حیث نزلت فيها الأديان السماویة وهزمت فيها أكبر الإمبراطوریات ولازالت زراعتها تثبت قمة مقاییس الصحة والعافية، هذا الشعب الذی وجد الفرد فیه یتحول بین ليلة و ضحاها من مضطهد مقسم محتل إلی مقاوم شرس جبار یعتز بأمجاده العریقة وثقافاتها المتعددة وفلسفتها الحدیثة ليكون منها نموذجا عابرا للأزمات و جالبا للانتباه فی لداخل والخارج ومنتصرا علی أكبر جيوش العالم تطورا وشراسة، فأخذ الفرد فی هذا النموذج یری فی المقاومة حرية واستقلالا ومعني للحياة تستحق أن تكون مركزا یقصدها البعيد لیصبح قريبا والعدو ليكون صديقا والمخالف ليكون متفقا معه فی العيش والمصلحة والبناء فی سلم وأمان.

تكون نموذج روژئاڤا بإدارة ذاتیة بنيت علی أكتاف هؤلاء الأفراد اللذين تربوا منذ طفولتهم علی هذه الفلسفة الحدیثة التي تستخلص السعادة فی إعتبار المقاومة هی جوهر الحياة، والفهم وسيلة للقناعة والشعور بالمسۆۆلیة وإتخاذ القرار المناسب، بوضع الحجر الأساس فی تكوین شخصية سليمة منذ تكوین الطفل فی بطن أمه إلی أن يبلغ سن الرشد لیصبح شخصا محبا للحریة والإستقلال، ذكرا كان أم أنثى، مسلما شیعیا كان أو سنیا أو علویا، أو مسیحیا، عربا كان أو كوردا أو تركا أو أثوریا، فیجد وحدة شعبه فی تعدديته، وسعادته فی خدمة شعبه ووطنه، فلا یرضخ لأی غاصب محتل ولایخاف من أی عدو جائر ولا یعیش من أجل ما بعد الموت بل یقابل الموت بالفرح والغبطة عندما یشارك مجتمعه بالأغاني والرقصات فی التناوب علی الدفاع عن “سد تشرین” أو المشاركة فی إسعاف المرضى والمهجرين من “عفرين” والمتظاهرين فی شمال كوردستان وجنوبه وشرقه الذی أصبح يسلك درب الغرب “روژئاڤا” لنشر نموذج روژئاڤا وترسيخه لیس فقط فی كوردستان بل فی الشرق الأوسط عامة وفی العالم أجمع لكی يسود السلم والأمان. هذا ما نراه فی نموذج روژئاڤا وهو ينتقل من نصر إلی نصر سواء كان فی صراع علني ضد الإحتلال أو فی مظاهرات عارمة تعبر عن مقاومة سلمية تذهل العدو ذو الأسلحة الفتاكة وتبهر العين السليمة التي تلهف إلیه بالتعاطف والتضامن فتركض للتفاوض معه علنا أو خلف الكواليس.

١ نيسان ٢٠٢٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *