مسۆلیة المثقف الكوردی; – تحليل نفسیإجتماعی مبسط- د. عبدالباقي مایی

 

لا أرید هنا أن أعرِّف من هو المثقف الكوردی، ولا أقصد فی مقالتی هذه الدخول فی معمعة المصطلحات أو النظريات فی هذا الشأن، بل أعتبر هنا كل من یكتب أو یشرح أو يحلل الأوضاع الراهنة فی كوردستان شخصًا متعلمًا واعيًا ومخلصًا لقضيته، عسی أن أستطیع أن ألخص فی تحليل نفسإجتماعی مبسط دور هذه الشريحة فی عملیة التوعية فی مجتمع كوردستان دون أن أذكر شخصا أو جهة معينة بالإسم والتعريف لكی لا أسبب فی جرح مشاعر أی شخص أو شخصنة أی موضوع.

فی كوردستان یعیش الفرد ویموت فی حسرة ورغبة ومعاناة بسبب الوضع الذی یلد فیه ویعیش إلی أن یأتی إلیه ملك الموت لینهی نصيبه من الحياة. أقصد بكوردستان الأرض الواسعة المتواصلة الممتدة بین الخليج العربی\الفارسی والبحر الأبيض المتوسط والتی كانت تعيش فيها أغلبية كوردیة وفق الخریطة الجغرافية التی عرضت فی أول مؤتمر عالمي بعد الحرب العالمية الأولی حينما إجتمع المنتصرون فی الحرب لتقسيم ممتلكات الدول الخاسرة. رغم إختلاف اللغة والقومية والديانة، عاش الفرد علی أرض كوردستان وهو محروم من التمتع بالحریة والإستقلال وغيرها من حقوقه الإنسانية. وهذا الحرمان مفروض عليه بسبب الظروف السیاسیة المحيطة به وليست موروثة من الوالدين. لذلك ينمو ویترعرع الفرد فی كوردستان مسلوب الحریة و الحقوق ویتعرض منذ نعومة أظافره للذل والخذلان إضافة إلی الحرمان من الحقوق فیتولد لدیه شعور بالإهانة والدونية كلما كبر إلی أن یكون هویته كشخص مستقل فرید من نوعه فتتكون لدیه شخصية ضعيفة نتيجة للتربية المبنية علی الخائات الثلاث “الخوف والخجل والخطیئة” فیصبح شخصا غیر راض عن نفسه و محيطه، یعیش و ینمو مع الخوف والعنف و یستعمل التخویف والعنف كأهم وسيلة للتعامل مع محیطه، ویتعلم علی التراجع والتنازل وعدم الشعور بالمسۆلیة خوفا من التجريح والنقد والتوبيخ والفشل فی علاقاته مع الآخرین، و يحتار حول وجوده علی قید الحياة فیصبح إتكالیا علی الأجنبي المحتل والتسییس الهدام و التدين الصوفي إنتظارا منه للموت كمنقذ له من هذه الحياة التجریبیة آملا بالتعویض فی یوم القيامة.

تحت هذه الظروف، و بالتكییف مع هكذا نمط للحیاة، یعیش الفرد فی كوردستان تحت تأثير الجهل والتعبد والإستغلال من قبل سلطاته المختلفة ابتداءً من السلطة الأبوية فی البيت إلی سلطة رئيس العشیرة أو الشیخ أو الحكومة، و من ثم سلطة الإحتلال. نتيجة لذلك ینجبر الفرد فی كوردستان علی المقاومة منذ طفولته لكی یحافظ علی وجوده فی الحياة كإنسان حی یعرف حقوقه عفویا عن طريق الغرائز والهورمونات الطبیعیة الموروثة من الوالدين، فیسعی للحصول عليها والتمتع بها كلما سنحت له فرصة لذلك. فی البداية كان صراع الفرد فی كوردستان مع أهله فی بيته ومع الطبیعة خارج نطاقه الإجتماعي. وكلما زاد تعليمه أصبح یتعرف علی إمكانياته و يستوعب الشروط والوسائل الملائمة لاستعمال تلك الإمكانيات فی البحث عن التطور والعلم والمعرفة، فيتسع لديه التصور والتفكير حول نفسه و العالم المحيط به كلما تعلم شيئاً جديداً ویصبح الوعي فیه عاملاً لزيادة النضال من أجل التمتع بحقوقه فيصطدم بالعوائق الإنسانية إضافة إلی ما تعلمها من الطبيعة، و تصبح مقاومة التعسف والإستبداد والإحتلال من أهم الأدوات التی يستعملها فی تزايد مستمر كلما زاد وعيه حول نفسه ومحيطه. فتظهر لديه القابليات والمواهب وتنبع فی عقله وخياله أهداف وآمال تجعله يركز الكثير منها للتعبير والتواصل فتتعدد لديه الثقافات وتتنوع فیه اللغات مما یزید من رغباته فی الكتابة والكلام للمناظرة والنقد والتفسیر لكی یكون فی النهاية مثقفاً یناهض المثقفین وينافسهم فی النقد والتقییم.

هكذا یتكون المثقف الكوردی بمثابة نخبة من الأشخاص اللذين يحملون صفة مميزة بالبراعة فی الكتابة والخطابة والتواصل والوعي الإجتماعي بما یۆهلهم للظهور و جلب الإهتمام و قابلیة التأثير علی الناس. ولكن حقیقة بعض المثقفین الكورد النشیطین فی الظهور علی صفحات المیدیا أو فی القنوات التلفزیونیة إنهم إما یندمجون مع فساد الأحزاب السیاسیة أو یعیشون فی أوهام نظریة المۆامرة، وفی كلا الحالتین یساهمون فی زرع الشك فی قلب الكوردی المخلص الساذج و نشر التفرقة بین الأكراد المترددین فی كوردیتهم بسبب الهجوم المدروس من قبل أعداء الكورد و كوردستان فی تنفیذ عملیات الحرب النفسیة و غسل الدماغ الكوردی عن طریقهم بحيث لم تعد هناك حاجة للأعداء بحروب عسكریة ضد الكورد وكوردستان.

یحتاج المثقف فی كوردستان فی هذه المرحلة إلی أن يتمالك نفسه ويراجع ضميره قبل أن يطلق العنان لمشاعره السلبية حول أمور حساسة یخالف فيها الرأی مع غيره، وذلك لكی لا یسرع إلی التصريح والتجریح والتقبيح . من المفید أن ينام المثقف علي فكرته قبل نشرها فتنضج الفكرة فی دماغه لكی یتمكن من إختيار بدائل إیجابیة لأفكاره السلبیة فیۆدی ذلك إلی مشاعر إیجابیة بدلا من الغضب والحقد و الكراهیة. و عندما تصبح المشاعر إیجابیة نتيجة للأفكار الإیجابیة تصبح العبارات أیضاً إیجابیة فتساعد علی تبلور الموضوع وعرضه بشفافية و مهنیة دون تشنج أو شخصنة أو تعميم أو تجريح أو سب أو شتم، و بذلك یدلی المثقف بدلوه صافیا فی موضوعه و تعبیره، وراضیا عن نفسه وفعله وسلوكه، فتترك كلماته أثرًا إیجابیاً في وعي الجماهير.