في مشهد يبدو مألوفا في العديد من البلدان، تبرز ظاهرة تستحق التأمل والنقد: حكومة تتبنى مفهوما مشوه للنجاح، يقيس التقدم بمؤشرات مادية بحتة، بينما تتجاهل عمدا المؤشرات الانسانية التي تشكل جوهر اي تنمية حقيقية. هذا النموذج من الحكم يعيش في وهم كبير، وهم يغذيه انتصار البناء الكونكريتي على بناء الانسان.
يتمثل هذا الوهم في سلم اولويات مقلوب. فنجاح الحكومة، من وجهة نظرها، يقاس بامتداد الاسمنت والزجاج والفولاذ، بتناثر ناطحات السحاب، واتساع الطرق السريعة، وضخامة المشاريع العقارية؛ هذه كلها مظاهر ملموسة يسهل عرضها والتباهي بها كدليل على “التقدم” و”التحضر”، انها لغة الارقام والصور التي تصلح للدعاية، وتخلق وهم بصري بان الامور تسير على ما يرام، فهذه المشاريع توفر مكاسب سريعة وواضحة، وتعزز اقتصادا قائما على المضاربة والاستهلاك، غالبا ما يكون متشابكا مع مصالح ضيقة.
لكن هذا الصرح المادي الشاهق يقف على ارضية هشة؛ ففي المقابل، يتم تجاهل بناء الانسان بشكل منهجي ومتعمد؛ لماذا؟ لان بناء الانسان عملية بطيئة، صعبة القياس، ولا تأتي ثمارها بين ليلة وضحاها؛ انها استثمار في التعليم الجيد الذي يطلق العقل، وفي الرعاية الصحية التي تحفظ الكرامة، وفي الثقافة والفنون التي تغذي الروح، وفي بيئة تشجع على الابتكار والمشاركة والمساءلة؛ هذه العناصر تنتج مواطنا واعيا، طموحا، قادرا على المساهمة في صنع المستقبل، وهو بالضبط النموذج الذي قد تراه بعض السلطات تهديدا لاستقرارها القائم على التبعية والوصاية.
النتيجة الطبيعية لهذا الاهمال هي صنع مواطن “منغمس في انتظار الراتب”؛ لقد تم اختزال دور الانسان من شريك فاعل في عملية التنمية الى مجرد متلق سلبي؛ همه الاول والاخر هو وصول راتبه في نهاية الشهر- او کل ثلاثة اشهر- ، ليس لانه كسول، بل لان النظام لم يقدر فيه سوى هذه الوظيفة الضيقة؛ لقد قتلت فيه روح المبادرة والابداع، بعد ان ادرك ان الطموح والموهبة لا يجديان نفعا في نظام يكافئ الولاء والانتظار، ولا يقدر الانتاجية والجودة، وهكذا ينسحب الفرد الى دائرة همومه الضيقة، تاركا الشان العام، غارقا في حساباته المادية الشخصية.
تداعيات هذا النموذج لا تقف عند حدود الفرد، بل تمتد لتهدد المجتمع باكمله؛ فهذا الاقتصاد القائم على الوهم العقاري هو اقتصاد فقاعة، قد ينفجر عند اول ازمة، وهو يخلق مجتمع استهلاكي سطحي، تذوي فيه القيم لصالح الماديات، كما انه يدفع باكثر الكفاءات والعقول طموحا الى الهجرة، حيث يقدر عطاؤهم، مما يفقد الوطن اهم رأس ماليه؛ رأس المال البشري، والاخطر، انه يزرع بذور السخط والغضب، الذي ينمو بصمت تحت سطح ذلك البناء الكونكريتي اللامع، حتى يأتي اليوم الذي يدرك فيه الجميع ان ناطحة السحاب لا تطعم جائعا، ولا تعلم جاهلا، ولا تشفي مريضا.
ان اختزال مفهوم التنمية في بعدها المادي فقط هو تشويه لمعناها الحقيقي؛ البناء الحقيقي هو ذلك الذي يضع الانسان في القلب، جاعلا من البنية التحتية وسيلة لخدمته وتمكينه، وليس غاية في حد ذاتها، التحدي الاكبر لأي حكومة تطمح لترك ارث حقيقي هو كسر هذه المعادلة الخاطئة، والانتقال من ثقافة “المواطن المنتظر” الى “المواطن الفاعل”، وذلك عبر استثمار جريء وطويل الامد في الانسان، لانه هو الغاية وهو الوسيلة، وهو الاساس الذي بدونه يظل اي نجاح مجرد وهم من اسمنت.
اقلیم کوردستان
٤-٩-٢٠٢٥

