ثلاثة محاور أساسية أود أن أضعها أمام القارئ، مما يجري في الكواليس الدبلوماسية الإقليمية والدولية حول سوريا. محاور تتقاطع فيها المصالح وتتصادم فيها الرؤى، حيث تختلط المناورات السياسية بالرهانات الاستراتيجية، وحيث يكشف المشهد السوري عن وجهه الحقيقي كحلبة للصراع على الشرعية والهوية والمصير.
معلومة دبلوماسية هامة عن أحمد الشرع وأسعد الشيباني يجب أن يعرفها الجميع:
1- أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، حصل على الفيزا الأمريكية بوساطة إقليمية، لإلقاء الكلمة في هيئة الأمم المتحدة. لم تُمنح له بصفته رئيس هيئة دبلوماسية رفيعة المستوى، بل قُدمت معاملته إلى السفارة الأمريكية في الأردن، حيث تابعه السفير السوري هناك لمدة ثلاثة أيام إلى أن تمت الموافقة عليها. الفيزا التي حصل عليها هو ووفده مجرد تأشيرة عادية، تمنح لأي مواطن سوري، ولا تحمل أي صفة دبلوماسية أو حصانة رئاسية. وهذا يعني أنّ الولايات المتحدة الأمريكية، لو أرادت، بإمكانها اعتقاله، إذ لا يوجد أي اعتراف رسمي أو دبلوماسي أمريكي بالحكومة السورية الانتقالية حتى الآن. وكل هذه المبادرة تندرج في إطار التمهيد لفتح قنوات بين سوريا وإسرائيل، على قاعدة القبول بالشروط الأمنية الإسرائيلية.
2- – أمّا أسعد الشيباني فقد حصل على الفيزا الأمريكية بوساطة المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان، توماس باراك، وهو الذي يقدّمه اليوم في اللقاءات والتنقل بين المراكز الأمريكية. باراك هو من يقنع الإدارات والمسؤولين الأمريكيين وبعض أعضاء السنت بالجلوس معه، ما يعني أن تحركاته لا تأتي ضمن مستوى العلاقات الدبلوماسية الرسمية، بل هي أقرب إلى دعم شخصي من باراك، مدعومًا من اللوبيين التركي والقطري.
3- بعض الهيئات السياسية الأمريكية لا تجد حرجًا في التعامل مع أي منظمة أو شخصية مصنفة إرهابية عندما لا تشكل تهديدًا مباشرًا لها، وتتعامل مع ذلك من باب محاولة استكشاف احتمالات تغيير المسار، وهذا هو منهجية التعامل مع حكومة أحمد الجولاني. لكن الحقيقة الصادمة التي يجب أن يعرفها الرأي العام الأمريكي هي أن هؤلاء – من “الرئيس” الجولاني وصولًا إلى وزرائه – كانوا جزءًا من جيش أبي مصعب الزرقاوي ثم البغدادي، وأيديهم ملوثة بدماء الجنود الأمريكيين. إنهم السبب في مقتل وإصابة وإعاقة عدد كبير من الجنود الأمريكيين، وعندما تصل هذه الحقيقة إلى عائلات أولئك الجنود، ستتحول إلى أزمة كبرى داخل الولايات المتحدة.
18/9/2025
في أحد أروقة الكونغرس الأمريكي، ومن أمام المصعد تحديدًا، وبالصدفة البحتة، ودون معرفة مسبقة بوجود وزير خارجية ما يُسمّى بـ«الحكومة السورية الانتقالية»، التقت ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية السيدة (سينم محمد) وزميلها السيد بسام إسحاق، بالمبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان (توماس باراك) الذي كان يرافقه الوزير (أسعد الشيباني).
المبادرة التي أقدمت عليها السيدة سينم محمد في تلك اللحظة العفوية كانت مفاجِئة وصادمة لتوماس باراك وأسعد الشيباني على حد سواء. فقد تمكنت، وبحنكة دبلوماسية لافتة، أن تختصر في بضع جمل مكثفة رسالة بالغة الوضوح باسم الإدارة الذاتية وباسم شريحة واسعة من الشعب السوري، أوصلتها مباشرة إلى المبعوث الأمريكي، إنّ الذين تسعون لتمريرهم إلى قاعات الكونغرس لا يمثلون سوريا كلها، بينما نحن نستقبل هنا من قبل أعضاء مجلس الشيوخ والكونغرس دون وساطة، ونمثل لوحة وطنية جامعة تتجسد في حضور الكورد والعرب، والدروز، والعلويين، والمسيحيين. وكان لزميلها من المكون السرياني المسيحي، دلالة رمزية إضافية على شمولية التمثيل واتساع القاعدة الاجتماعية التي تقف وراءها.
وقد التُقطت الرسالة ببلاغتها في الحال، وظهر ذلك جليًا في ازدياد اهتمام المبعوث الأمريكي بعد لحظات قليلة من تقديم السيدة سينم محمد نفسها. وهي كيف في قاعات الكونغرس الأمريكي يتواجد لجنتين يمثلان الشعب السوري؟
أما من تناول لغة الجسد التي رافقت اللقاء، فقد غاب عنه أن ما بدر منها لم يكن سوى دبلوماسية راقية ممزوجة بتواضع حكيم أمام مبعوث الرئيس الأمريكي، لا أمام أسعد الشيباني. ذلك التواضع لم يكن خضوعًا، بل حنكة سياسية مقصودة، خصوصًا وأنها اختارت مخاطبة المبعوث بالإنكليزية مباشرة، موجِّهة كلامها إليه دون التفات إلى اللغة العربية التي كان سيفهمها الآخرون، لتقطع الشك باليقين حول هوية المخاطَب والرسالة المقصودة.
وخارج إطار هذا المشهد، من المهم التنويه إلى أن أسعد الشيباني، ورغم مرافقته لتوماس باراك ولقاءه بعدد من الأعضاء البارزين في مجلس الشيوخ الأمريكي، لم يحظَ بأي طابع دبلوماسي رسمي. فالصدفة وحدها هي التي قادت إلى تقاطع اللقاء مع السيدة سينم محمد، وهو ما يعكس أن ظهوره لم يكن أكثر من مرافقة شكلية لرجل يسعى إلى تحقيق غايات محددة عبر عقد لقاءات مع بعض الأعضاء، دون أن يرتقي ذلك إلى مستوى الاعتراف السياسي أو الدبلوماسي.
غير أن هذا الاهتمام لن يطول في طابعه المموّه، إذ سرعان ما سينكشف أمام الرأي العام الأمريكي الدور الذي لعبته هذه “الحكومة” ورئيسها أحمد الشرع في قتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين في العراق ما بين عامي 2002 و2012، وحينها ستتحول هذه الحقيقة إلى قضية رأي عام داخل الولايات المتحدة لا يمكن التستر عليها.
18/9/2025م
تأكيدًا لما ورد في مقاليّ السابقين حول أحمد الجولاني ووزير خارجيته، يتضح مرة أخرى أنّهما لا يحملان أي سمة دبلوماسية حقيقية، بل مجرد مواطنَين سوريين مدعومَين من المبعوث الأمريكي ومن شبكات اللوبي التركي والقطري وأموالها. فقد أنهى أسعد الشيباني زيارته إلى واشنطن اليوم بعد سلسلة لقاءات مع عدد من أعضاء الكونغرس، جرى تنظيمها وإدارتها بالكامل تحت إشراف توماس باراك، الذي لم يفارقه لحظة، ورافقه في كل جلسة ورتب له كل موعد. وهذه الصورة بحد ذاتها تسقط عن الشيباني أي صفة وزير خارجية؛ فالجميع يعرف كيف تُدار اللقاءات الدبلوماسية، إذ لا يحتاج وزراء الخارجية إلى من يقدّمهم أو يعرّف بهم في أروقة الكونغرس، ولا يتنقلون بين مكاتب الأعضاء بحثًا عن لقاء، بل يُستقبلون على مستوى رسمي يليق بالمقام الدبلوماسي.
لقد انتهت زيارة توماس باراك وأسعد الشيباني إلى واشنطن بخلاصات يجري تداولها في الوسط السياسي الأمريكي، أبرزها:
القضاء على تنظيم داعش والجماعات الإرهابية الأخرى، والانضمام رسميًا إلى التحالف الدولي، أي ذلك التحالف الذي تُشكّل قوات قسد أحد أعمدته الأساسية في المنطقة.
ضمان حقوق الأقليات الدينية والإثنية ومنحها تمثيلًا فعليًا في مؤسسات الدولة.
الحفاظ على علاقات سلمية مع دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، ووقف أي نشاط يهدد أمن الجوار.
منع تمويل أو إيواء أي جماعات أو أفراد يشكلون تهديدًا للأمن القومي الأمريكي أو لحلفائه.
إبعاد جميع المقاتلين الأجانب عن الأجهزة الأمنية والعسكرية السورية.
فتح ملفات حقوق الإنسان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات منذ كانون الأول/ديسمبر 2024.
ومع ذلك، فإنّ عرض هذه الشروط لا يُفهم منه أننا نشمت بشعبنا السوري أو بوطننا جدلاً، الذي أسميه الوطن اللقيط، الذي ما زلنا نأمل أن يرى فجرًا جديدًا. على العكس، كنا نتمنى أن ينهض فيه نظام ديمقراطي، لا مركزي وفيدرالي، تُصان فيه حقوق الشعب الكوردي وسائر المكونات من الموحدين الدروز والعلويين والمسيحيين بكرامة وعدالة، لا أن يُترك مصيره بين يدي حكومة غارقة في الإرهاب والتكفير وثقافة تعود إلى عصور الظلمات، وجيش ما زال يؤمن بالسبي والغزوات كأنّ التاريخ لم يتحرك خطوة إلى الأمام.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
19/9/2025م


الأستاذ د. محمود عباس المحترم.
تحية.
أحسنت تنويرنا نحن القرّاء.
محمد توفيق علي
كل ما قلته صحيح لكن شيء واحد أغفلته فكل شيء وإنفتاح ترامب مع النظام السوري الجديد قد تم شراءه بالمال السعودي إنما الدعم المعنوي من تركيا التي لا تدفع فلساً لأحد , أما الأردن فهو جايجي , ضمناً هو الجولاني نفسه لكن إسراءيل قد أقعدته عن كل حركة إلا أن يدفع العربة أحد الأقوياء مثل أمريكا
لم أستطع تقبّل توماس باراك المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان على الساحة السياسية منذ لحظة ظهوره الأول في لبنان وسوريا، فمظهره لا يوحي بالحزم، وأفعاله لم تمنحني سببًا للثقة به.
يُعد منصب المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان من المناصب الدبلوماسية والسياسية الحساسة، لما له من تأثير مباشر على مسار الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل الأزمات السياسية والأمنية التي تشهدها سوريا ولبنان.
في هذا السياق، يثار الجدل حول مؤهلات السيد توماس باراك لشغل هذا المنصب، ومدى قدرته على إيجاد حلول سياسية فعّالة للمشكلات المعقدة التي تواجهها سوريا، وبخاصة مع الحكم الذي يقوده أحمد الشرع، والذي يوصف بأنه غير واضح المعالم.
توماس باراك هو رجل أعمال أمريكي من أصول لبنانية، اشتهر في الولايات المتحدة كمستثمر ورجل أعمال ناجح، لكنه لا يُعرف عنه امتلاكه خلفية سياسية أو دبلوماسية قوية. لم يتولَّ مناصب دبلوماسية رفيعة أو يشارك في مفاوضات دولية تتعلق بأزمات الشرق الأوسط سابقاً، ما يجعله يفتقر إلى الخبرة السياسية العميقة التي تتطلبها مثل هذه المهام الحساسة.
يتطلب منصب المبعوث الخاص إلى سوريا ولبنان خبرة متراكمة في فهم ديناميات المنطقة، والتعامل مع الأطراف المحلية والدولية، والقدرة على إدارة الأزمات والتفاوض مع أنظمة سياسية معقدة. كما يجب أن يمتلك المبعوث مهارات في بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة، والقدرة على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، مع فهم عميق للثقافة السياسية والاجتماعية في سوريا ولبنان.
في ضوء ما سبق، يبدو أن مؤهلات توماس باراك لا ترقى إلى مستوى السياسي المتمرس القادر على الوصول إلى حلول سياسية لمشاكل سوريا، خاصة في ظل الغموض الذي يكتنف حكم أحمد الشرع. إن افتقاره للخبرة السياسية والدبلوماسية يجعله أقل قدرة على التعامل مع تعقيدات الأزمة السورية، التي تتطلب فهماً عميقاً للمشهد السياسي المحلي والإقليمي، وعلاقات متينة مع الأطراف الفاعلة.
إن اختيار المبعوثين الدوليين للمناصب الحساسة يجب أن يكون مبنياً على الكفاءة والخبرة السياسية والدبلوماسية، وليس فقط على العلاقات الشخصية أو الخلفية التجارية. وفي حالة توماس باراك، فإن مؤهلاته لا تبدو كافية لتمكينه من لعب دور فعّال في حل الأزمات السياسية المعقدة في سوريا ولبنان، خاصة مع وجود حكم غير واضح المعالم مثل حكم أحمد الشرع.
** من ألأخر { ١: الحقيقة أثلجت قلبي بهذه المعلومات المهمة والخطيرة فألف شكر لك ، لأنها تنعي الكثير وهى أن الاعتراف بنظامهم مرهون بمدى ليس فقط بمدى طاعتهم بل وتحقيق أجندتهم؟ ٢: إن كان مجنون كوريا الشمالية ومادورو يسرعون لطلب العفو والحوار مع ترامب خاصة بعد تحويله وزارة الدفاع لوزارة الحرب فما بالك بعصابات تحكم اليوم سوريا ويدعمها ملا مزيف كأردوغان لم يأتوا به إلا لخراب ودمار تركيا وبقاء حكمه بأي ثمن بدليل الصورة أعلاه؟ ٣: يقول السيد المسيح (من يصبر للمنتهى يخلص) وما على الكورد وباقي الاثنيات والقوميات إلا الصبر والصمود ، سلام؟