الكردستانيون والانتخابات البرلمانية الاتحادية في العراق- إعداد: بيكەس بەرواری – باحث ومراقب سياسي

١. المقدّمة والإطار العام

رغم كل التحوّلات الكبرى التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة – من الحرب الروسية الأوكرانية، إلى أحداث ٧ تشرين الأول/أكتوبر وهجمات حماس على إسرائيل وما تبعها من ردود عسكرية إسرائيلية مدمرة على غزة وحزب الله وبعض الدول العربية – دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التوترات السياسية والأمنية والتغيّرات البنيوية في موازين القوى.

في سوريا تغيّرت مراكز النفوذ، وتحوّلت بعض القوى المتشددة إلى أدوات مرحلية، بينما حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري في روجآفا (شمال وشرق سوريا) وعلى دعمها للقوى الكردية هناك. وفي المقابل، يستمر الاشتباك غير المباشر بين إسرائيل وإيران، بالتوازي مع مسارات تفاوضية في شمال كردستان (تركيا) ومحاولات إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، ومن ضمنها موقع العراق الاتحادي بين المحاور الشيعية والسنية والكردية.

في العراق، تداخلت عوامل عدّة:

  • النفوذ الإيراني عبر الفصائل المسلحة المتحالفة معه،
  • احتمال تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع مباشر أو غير مباشر بين إيران وإسرائيل،
  • التحديات الاقتصادية والمالية،
  • واستهداف بعض قيادات الحشد الشعبي وتقليص قبضة طهران على القرار العراقي.

كل ذلك يجري إلى جانب حوارات سياسية واستراتيجيات إقليمية ودولية “خلف الكواليس”، سواء في إطار ما يُعرف بمسار دايفيد أو “اتفاقات أبراهام” والتحوّلات المتوقعة في الشرق الأوسط. العالم والمنطقة في حالة تغيّر سريع ومتواصل.

ومع ذلك، لا تزال السياسة الدولية، وخصوصًا سياسة المنظمات والكيانات العالمية كالأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، والولايات المتحدة وروسيا، تستند – من الناحية الرسمية – إلى مبادئ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، كما تنص مواثيق الأمم المتحدة.

في هذا الإطار، تبقى إقليم كردستان – جنوب كردستان جزءًا معترفًا به من الدولة العراقية الاتحادية وفقًا للدستور العراقي والشرعية الدولية. وهذا يفرض على الكردستانيين أن يبلوروا سياساتهم وخططهم للمستقبل في ضوء هذه الحقائق القانونية والسياسية، وفي ضوء الظروف الدولية والإقليمية الراهنة.

من هنا تبرز مسألة مشاركة أو عدم مشاركة الكردستانيين في الانتخابات البرلمانية الاتحادية في العراق – وبخاصة في المناطق المتنازع عليها (المناطق المُسمّاة “متنازع عليها” أو “مستقطعة”) – بوصفها قضية استراتيجية ترتبط مباشرةً:

  • بالحقوق القومية والوطنية،
  • بواقع الديمقراطية والشراكة بين الإقليم والحكومة الاتحادية،
  • وبسير عملية تنفيذ المادة ١٤٠ من الدستور في تلك المناطق.

تزداد أهمية هذا السؤال في مناطق مثل كركوك، خانقين، شنكال (سنجار)، ومخمور، التي لا تزال رسميًا تحت إدارة الحكومة الاتحادية، ولكنها تاريخيًا وقوميًا تُعدّ جزءًا من كردستان.

٢. الخلفية التاريخية والسياسية

بعد سقوط نظام صدام حسين عام ٢٠٠٣، وبفعل إقرار النظام الاتحادي والدستور العراقي الدائم، حصل الكرد على شراكة سياسية وقانونية معترف بها في إطار الدولة العراقية.

إنّ مشاركة الكردستانيين في الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية (المحافظات) في الدورات السابقة أدّت إلى:

  • تعزيز موقع إقليم كردستان في المعادلة العراقية،
  • ترسيخ الشراكة الدستورية بين بغداد وأربيل،
  • فرض الحضور الكردي في مؤسسات صنع القرار.

لكن في المقابل، بقيت مشكلة المادة ١٤٠ والمناطق المتنازع عليها دون حلّ حقيقي، بل جرى – في فترات معينة – تجاهلها أو تهميشها سياسيًا. هذا التأجيل المستمر أدّى إلى حالة من الإحباط واللايقين لدى شريحة واسعة من سكان هذه المناطق، وكذلك لدى الكرد الساعين إلى حماية الحقوق القومية والتاريخية لكردستان.

٣. الأساس القانوني والمادة ١٤٠ من الدستور

تنص المادة ١٤٠ من الدستور العراقي الاتحادي على آلية دستورية لمعالجة قضية “المناطق المتنازع عليها”، وتتكوّن من ثلاثة مراحل أساسية:

  1. التطبيع (Normalization):
     إزالة آثار سياسات التعريب والتغيير الديمغرافي، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سياسات النظام السابق، وضمان حقوق السكان الأصليين وإرجاع المُرحَّلين إلى مناطقهم.
  2. الإحصاء (Census):
     إجراء تعداد سكاني دقيق وشفاف في تلك المناطق، لتثبيت الواقع الديمغرافي الحقيقي بعيدًا عن أي تلاعب.
  3. الاستفتاء (Referendum):
     تنظيم استفتاء ديمقراطي يقرّر من خلاله سكان تلك المناطق – بحرية – تبعية مناطقهم:
  • إما إلى الحكومة الاتحادية في بغداد،
  • أو إلى إقليم كردستان.

من الناحية النظرية، تبدو المادة ١٤٠ خطوة متقدّمة دستوريًا، لكنها في التطبيق العملي جوبهت بعوائق سياسية وإدارية وأمنية. ومع أن الكثير من الكرد كان يطمح إلى إيجاد بدائل أعمق وأكثر جذرية، إلا أن الواقع الحالي يجعل من هذه المادة – رغم نواقصها – الإطار العملي الوحيد المطروح لمعالجة ملف المناطق المتنازع عليها.

٤. دوافع المشاركة الكردية (الإيجابيات)

إن مشاركة الكردستانيين في الانتخابات الاتحادية تحمل في طياتها عدّة فوائد استراتيجية، أبرزها:

  1. حماية الحقوق السياسية والقومية:
    المشاركة تمنح الكرد صوتًا رسميًا ودستوريًا في مفاوضات حلّ القضايا العالقة، وفي مقدمتها قضية المناطق المتنازع عليها.
  2. تعزيز الشراكة بين الإقليم والحكومة الاتحادية:
    المشاركة الفاعلة في البرلمان والحكومة الاتحادية تُعتبر تجسيدًا عمليًا لمبدأ الشراكة، وتُضعف الحجج التي تتهم الكرد بالانسحاب أو الانفصال عن المسار الاتحادي.
  3. تمثيل فعّال لسكان المناطق المتنازع عليها:
    وجود نواب كرد أقوياء عن كركوك، خانقين، شنكال، مخمور وغيرها، يوفّر قناة رسمية لنقل مطالب السكان وحماية حقوقهم في مؤسسات الدولة.

٥. سلبيات المشاركة غير المنضبطة

المشكلة لا تكمن في مبدأ المشاركة بحدّ ذاته، بل في طريقة المشاركة. فإذا شارك الكردستانيون في الانتخابات بأسلوب:

  • غير منسّق،
  • مفكّك حزبيًا،
  • قائم على المصالح الضيقة أو الشخصيات غير المؤهَّلة،

فإن النتيجة ستكون:

  • إضعاف الموقف الكردي داخل البرلمان،
  • إضعاف قيمة المؤسسة البرلمانية في نظر الشارع الكردستاني،
  • وتعميق فجوة الثقة بين الشعب والقوى السياسية.

بمعنى آخر، المشاركة بدون رؤية واستراتيجية يمكن أن تتحوّل إلى استمرار لسياسات ضعيفة وغير منتجة، بل وربما إلى تكريس واقعٍ مجحف بحق الكرد.

٦. مخاطر عدم المشاركة

في المقابل، فإن مقاطعة الانتخابات أو عدم المشاركة تحمل مخاطر جدّية، منها:

  1. إضفاء شرعية ضمنية على النتائج:
    عدم المشاركة يعني – بحكم الأمر الواقع – القبول مسبقًا بالنتائج، حتى وإن كانت غير شفافة أو مجحفة بحق الكرد، لأن الدستور والمؤسسات الدولية ستتعامل مع البرلمان المنتخب باعتباره “ممثّلًا شرعيًا”.
  2. إضعاف وحدة الصف الكردي:
    الانسحاب من العملية السياسية يفتح المجال لانقسامات أوسع، وقد يخلق تصدّعات بين القوى الكردية نفسها حول “منهج التعامل” مع بغداد.
  3. خسارة التأثير في البرلمان لصالح قوى أخرى:
    في حال غياب التمثيل الكردي الفاعل، سيُفسح المجال للقوى الشيعية والسنية وغيرها لملء الفراغ في المناطق المتنازع عليها، وقد يتحوّل “التعريب” والتغيير الديمغرافي إلى أمرٍ واقع يُشرعن عبر القوانين والقرارات البرلمانية.

٧. التقييم الاستراتيجي

  1. المشاركة الواعية والمنسّقة:
    الخيار الأفضل للكردستانيين هو مشاركة استراتيجية، قائمة على:
  • توحيد الصفوف،
  • اختيار المرشحين الأكفأ والأكثر تمثيلًا للمصالح القومية والوطنية،
  • وربط المشاركة بمشروع سياسي واضح يخدم سكان الإقليم والمناطق المتنازع عليها.
  1. عدم المشاركة كخيار تكتيكي مشروط:
    في حالات محدّدة، قد تتحوّل “المقاطعة” إلى ورقة ضغط تكتيكية، بشرط:
  • أن تكون منسّقة كرديًا،
  • وأن تحظى بدعم وتفهّم دولي،
  • وأن تُقدَّم في إطار مشروع واضح لحلّ الخلافات بين بغداد وأربيل، وليس كهروب من المعادلة السياسية.
  1. سياسة ناعمة، وطنية، لا شوفينية:
    في كل الأحوال، يجب أن تبقى السياسة الكردستانية ضمن:
  • إطار ديمقراطي وسلمي،
  • بعيدًا عن التعصّب القومي والشوفينية،
  • مع التركيز على التاريخ والجغرافيا وواقع التنوّع القومي في كردستان وبلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)،
    بحيث تكون كردستان نموذجًا للتعايش بين مكوّنات مختلفة لا مشروع إقصاء لأي طرف.

٨. التوصيات

  1. تعزيز التواصل والوحدة بين الأحزاب الكردية قبل وبعد الانتخابات:
    لتشكيل موقف موحّد، وخارطة طريق مشتركة، وبرنامج سياسي واضح يمثّل الكردستانيين بشكل مسؤول في بغداد.
  2. تأسيس تحالفات وأطر برلمانية مشتركة:
    إنشاء كتل وتحالفات كردية موحّدة وفاعلة داخل البرلمان العراقي، قادرة على الدفاع عن ملفات كردستان والمناطق المتنازع عليها، وخاصةً المادة ١٤٠.
  3. ربط المشاركة بالملف الدستوري للمادة ١٤٠:
    يجب أن يكون تنفيذ المادة ١٤٠، وحقوق سكان المناطق المتنازع عليها، في صلب البرنامج الانتخابي الكردستاني، وأن يُطرح ذلك بوضوح أمام الناخبين وأمام المجتمع الدولي.
  4. تفعيل القنوات الدولية:
    العمل على كسب دعم المنظمات الدولية والدول المؤثرة لفكرة:
  • حماية النظام الاتحادي في العراق،
  • ضمان حقوق إقليم كردستان الدستورية،
  • وتسريع خطوات تطبيع الأوضاع، والإحصاء، والاستفتاء في المناطق المتنازع عليها.
  1. إعداد خطط قصيرة وطويلة الأمد:
    سواء تم اختيار المشاركة أو المقاطعة التكتيكية، فإن الكردستانيين بحاجة إلى:
  • خطط وبرامج زمنية واضحة،
  • رؤية استراتيجية لمستقبل علاقتهم ببغداد،
  • وخارطة طريق تضمن ألّا يكون “عراق المستقبل” مجرد نسخة من “عراق الماضي”.

بێکەس بەرواری
باحث ومراقب سياسي
ستوكهولم – ٢٠٢٥