محمد توفيق علاوي… الرجل الذي لم يساوم‎- نبيل محمد سمارة 

في زمن تتداخل فيه الأصوات وتتشابك المصالح، يبقى بريق بعض الشخصيات ثابتا لا يخفت، لأن البوصلة لديهم واحدة: العراق أولًا. ومن بين تلك الشخصيات التي حفرت حضورها في الوجدان الوطني، يبرز اسم الدكتور محمد توفيق علاوي؛ السياسي المستقل الذي ظل وفيا لنفسه قبل أن يكون وفيا لأي منصب.
ليس سرا أن علاوي يعد واحدا من أكثر الشخصيات السياسية قبولًا واحتراما لدى شرائح واسعة من العراقيين. فالرجل، الذي عرف بهدوئه واتزانه ونظافة يده، لم ينخرط في لعبة المصالح الضيقة، ولم يسمح بأن يكون جزءا من أي محور أو اصطفاف. ولهذا بالتحديد، رأى فيه الكثيرون نموذج السياسي الذي نحتاجه: وطني، مهني، ومستقلّ القرار.
قبل أربعة أعوام، حين كلف الدكتور محمد توفيق علاوي بتشكيل الحكومة، تنفّس كثير من العراقيين الصعداء. كانوا يأملون بأن رجلاً من هذا الطراز قد يفتح نافذة إصلاح حقيقية. لكن علاوي، وبعد أسابيع من المشاورات، قدّم اعتذاره الصادم. لم يكن القرار هروبا، بل كان رفضا لمعادلة لا تنسجم مع ضميره. فقد أراد أن تكون حكومته مستقلة بالفعل، بعيدة عن الضغوط والمحاصصة، وأن تمنح حرية القرار لخدمة الوطن. وعندما رأى أن شروط النجاح غير متوفرة، فضل الانسحاب على أن يدخل في تسوية تفيّد مشروعه.
هذا الموقف، الذي كلفه الكثير، كان في نظر محبيه دليلًا إضافيا على نقاء الرجل وثبات خياراته. بعدها غادر إلى عمّان، حاملا هم العراق في قلبه، رافضا أن يكون شاهد زور على ما لا يرضاه.
لأن العراق — بعد كل ما مرّ به — بحاجة إلى رجل دولة لا يتردد في اتخاذ القرار الصحيح، ولا يخضع لإملاءات أحد، ولا يقدم مصلحة خاصة على المصلحة العليا. والدكتور محمد توفيق علاوي أثبت بالممارسة قبل القول أنه من هذا الطراز.
ولعل أكثر ما يميز الرجل هو تلك العلاقة العفوية مع الناس: احترام متبادل، وثقة تُبنى على سجله النظيف وهدوئه السياسي. لذلك ليس غريبا أن نسمع كثيرين اليوم يتمنون عودته إلى بغداد ليكون على رأس الحكومة القادمة، وأن يُمنح الفرصة التي حجبت عنه ذات يوم.
ليس الحديث عن الدكتور محمد توفيق علاوي ترويجا لشخص بقدر ما هو بحث عن نموذج. نموذج لرجل دولة يؤمن بالعراق، ويحمل مشروعا وطنيا نظيفا، ويضع الهدف قبل الكرسي. وفي زمن الأزمات، يبحث الناس دائما عن من يشبههم… من يحمل همومهم… ومن لا يساوم على وطن.
ويبقى الأمل أن تمنح المرحلة المقبلة العراق صوتا من هذا النوع: صوتا حرا، مستقلا، نزيها… يشبه الدكتور محمد توفيق علاوي.