حين لا يكون الأمن صدفة: كوردستان ومعنى الدولة الحديثة- د. مالك الجبوري

ليست الدولة نصوصًا دستورية ولا موارد مالية، بل قدرة فعلية على تنظيم الحياة اليومية وضبط المجال العامحيثما يُطبَّق القانون بلا تفاوض، ويتراجع العنف غير المشروع، ويُعاد تعريف السلطة بوصفها خدمة منضبطة لا امتيازًا، تبدأ الدولة في الظهور كواقع لا كشعارتجربة إقليم كوردستان، بما لها وما عليها، تطرح سؤالًا فلسفيًا لا سياسيًا فقطهل الفوضى قدر اجتماعي، أم نتيجة مباشرة لسلطة اختارت التعايش مع الهيمنة بدل تفكيكها؟ هذا النص محاولة لقراءة الدولة من حيث تُمارَس، لا من حيث تُعلَن.

لا يمكن فهم تجربة إقليم كوردستان داخل العراق إلا بوصفها اختبارًا حيًّا لمعنى الدولة بوصفها ممارسة يومية للسلطة، لا مجرد كيان دستوري أو خطاب سياديفالمقارنة بين الإقليم وبقية المحافظات لا تكشف اختلافًا في الموارد أو الطبيعة الاجتماعية بقدر ما تكشف اختلافًا في نمط إنتاج النظامهل تُدار السلطة بوصفها قدرة على الضبط العادل، أم بوصفها تفاوضًا دائمًا مع قوى موازية تُقايض القانون بالولاء؟

في مدن مثل أربيل والسليمانية ودهوك، لا يظهر الأمن كاستجابة طارئة للأزمات، بل كشرط سابق لإمكان الحياة المدنيةهذا الأمن لا يُنتج عبر عسكرة الفضاء العام، بل عبر تفكيك مصادر العنف غير المشروع وإخراجها من المجال اليوميهنا لا يُترك الفرد ليُدير خوفه ذاتيًا، ولا تُطالَب الجماعة بابتكار آليات حماية بديلة، بل تُعاد صياغة العلاقة بين الفرد والسلطة على أساس قانون نافذ لا يقبل التفاوض الاجتماعي.

ما يلفت في هذه التجربة ليس انخفاض منسوب الجريمة بحد ذاته، بل تحوّل الأمن إلى حالة نفسية مستقرةفالضبط هنا لا يعمل فقط عبر العقوبة، بل عبر إنتاج توقع اجتماعي واضحما هو المسموح، وما هو الممنوع، وما هي كلفة الانتهاكهذا الوضوح هو جوهر الدولة الحديثة، لأنه ينقل المجتمع من منطق الاحتمال إلى منطق التوقع، ومن إدارة الخطر إلى إدارة السلوك.

العمران والنظافة وتنظيم الفضاء العام ليست، في هذا السياق، مظاهر تجميلية، بل أدوات ضبط رمزية ومادية في آن واحدحين تُحمى الأرصفة، وتُزال التجاوزات فورًا، وتُفرض الغرامات دون وساطة، يتحول المجال العام من مساحة صراع إلى مساحة استخدامهذا التحول لا ينتج مواطنًا “أكثر أخلاقية”، بل مواطنًا أكثر انضباطًا، يدرك أن القاعدة ليست قابلة للتأويل الشخصيهنا تتجسد السلطة بوصفها قدرة على تنظيم اليومي، لا على السيطرة الخطابية.

الفارق الحاسم يظهر في موقع القانون داخل بنية الهيمنةففي الإقليم، ورغم كل النواقص، يُمارس القانون بدرجة أعلى من العمومية، ولا يُختزل إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء وتُعطّل أمام الأقوياءهذا ما ينتج شكلًا من الردع العقلاني الذي لا يقوم على الخوف وحده، بل على انكسار وهم الإفلات من العقابالدولة، بهذا المعنى، لا تطلب الطاعة بوصفها فضيلة، بل تفرضها بوصفها شرطًا للانتماء إلى المجال العام.

وتزداد دلالة هذا النموذج حين ننتقل إلى علاقة السلطة بالمؤسسة الدينيةفالدين في الإقليم لم يُقصَ من المجتمع، لكنه خضع لعملية تأطير مؤسسي حدّت من تحوّله إلى سلطة سيادية موازيةرجل الدين يحتفظ بدوره الرمزي والأخلاقي، لكنه لا يحتكر تعريف الصالح العام، ولا يملك حق تعطيل القرار السياسيهذا الفصل النسبي لا يعكس علمانية أيديولوجية، بل براغماتية سلطوية واعية بأن تسييس المقدس هو أحد أخطر أشكال الهيمنة، لأنه يخلط بين الطاعة السياسية والواجب الأخلاقي.

اقتصاديًا، تفضح تجربة الإقليم وهمًا مركزيًا في الخطاب العراقيأن وفرة الموارد كافية لبناء الدولةفالمدن الغنية بالنفط لم تنتج نظامًا مستقرًا، لأنها لم تنتج سلطة قادرة على الضبطفي المقابل، نجح الإقليم، رغم محدودية الموارد وأزماته المالية، في خلق بيئة أقل ابتزازًا وأكثر قابلية للتنبؤما ينتجه هذا النموذج ليس ازدهارًا كاملًا، بل استقرارًا وظيفيًا يسمح للفرد بالتخطيط لحياته دون خوف دائم من الانقطاع أو الانهيار.

انجذاب العراقيين إلى العيش أو العمل في الإقليم لا يمكن قراءته بوصفه تفضيلًا ثقافيًا، بل بوصفه سلوكًا عقلانيًا في سياق دولة مختلّةإنه اختيار لصالح الضبط على حساب السيولة، ولصالح القانون على حساب الحماية العشائرية أو الحزبيةهذا الاختيار لا يحمل في طياته رفضًا للمدن الأصلية، بل إدانة صامتة لنموذج حكم جعل الفوضى نمطًا مستقرًا باسم التوازن أو الواقعية السياسية.

ما تكشفه تجربة إقليم كوردستان، في جوهرها، هو أن أزمة العراق ليست في غياب النصوص ولا في نقص الكفاءات، بل في غياب قرار سيادي حاسم بإعادة احتكار السلطة والهيمنة داخل إطار الدولةالدولة لا تُبنى عبر التوافق الدائم مع مصادر الفوضى، بل عبر إخضاعهاوحين تفشل السلطة في فرض القانون، لا تنتج حيادًا، بل تنتج هيمنة مضادةمن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان نموذج الإقليم مثاليًا، بل لماذا يبدو الاستثناء الوحيد القادر على تحويل القانون من خطاب إلى ممارسة.