لم تعد المواجهة مع إيران تقتصر على الصواريخ والضربات الجوية. فمع اتساع الصراع في المنطقة بدأت واشنطن تبحث عن جبهات ضغط داخلية يمكن أن تُربك طهران من الداخل. وفي قلب هذه الحسابات يظهر عامل قديم يعود إلى الواجهة من جديد: المناطق الكوردية في غرب إيران، حيث تتقاطع الجغرافيا القومية مع الاستراتيجيات الدولية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: هل تتحول كوردستان إيران إلى الجبهة الداخلية الجديدة في الصراع مع طهران، أم أن هذه الورقة ستبقى مجرد أداة ضغط سياسية في لعبة القوى الكبرى؟
مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لم يعد الصراع يُدار فقط عبر الضربات العسكرية أو عبر العقوبات الاقتصادية. فالحروب الحديثة غالبًا ما تتحول إلى صراعات مركبة تمتد إلى الداخل السياسي والاجتماعي للدول، حيث تسعى القوى الكبرى إلى استثمار نقاط الضعف الداخلية لخصومها. وفي هذا السياق بدأت تتكشف معطيات تشير إلى أن واشنطن أجرت خلال الفترة الأخيرة اتصالات مكثفة مع القيادات الكوردية في المنطقة، ليس فقط مع جماعات المعارضة الكوردية الإيرانية، بل أيضًا مع قيادات سياسية بارزة في إقليم كوردستان العراق، في محاولة لفهم موقع الأكراد في المعادلة الجديدة للصراع مع طهران.
هذه الاتصالات تعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي تجاه إيران. فبدل الاعتماد فقط على الضربات العسكرية، يبدو أن هناك توجهًا نحو خلق جبهات ضغط داخلية يمكن أن تستنزف الدولة الإيرانية وتربك مؤسساتها الأمنية. والمناطق الكوردية الواقعة غرب إيران تظهر في هذا السياق بوصفها إحدى النقاط الحساسة في البنية الجغرافية والسياسية للدولة.
تعيش في غرب إيران كتلة سكانية كوردية كبيرة تنتشر في محافظات كوردستان وكرمنشاه وأجزاء من أذربيجان الغربية. وعلى مدى عقود ظهرت في هذه المناطق عدة أحزاب كوردية معارضة، بعضها يمتلك أجنحة مسلحة تعمل أساسًا في المناطق الجبلية القريبة من الحدود العراقية. وتشير تقديرات مراكز الأبحاث إلى أن عدد المقاتلين المنتمين إلى هذه التنظيمات يتراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف مقاتل. ورغم أن هذا العدد لا يمثل قوة قادرة على خوض مواجهة تقليدية مع الجيش الإيراني، فإنه يشكل قاعدة كافية لشن حرب عصابات في بيئة جبلية معقدة، وهو نمط من الصراع يمكن أن يشكل عبئًا أمنيًا مستمرًا على الدولة.
السبب الذي يجعل المسألة الكوردية في إيران تحظى بهذه الحساسية الاستراتيجية لا يتعلق فقط بوجود تنظيمات مسلحة، بل بجذور تاريخية تعود إلى بدايات تشكل الدولة الإيرانية الحديثة. فالمناطق الكوردية كانت منذ منتصف القرن العشرين مسرحًا لمحاولات سياسية لتنظيم حكم ذاتي، أبرزها تجربة جمهورية مهاباد عام 1946 التي بقيت في الذاكرة السياسية الإيرانية بوصفها لحظة رمزية حاول فيها الأكراد تأسيس كيان سياسي مستقل. ورغم أن تلك التجربة انتهت سريعًا، فإنها تركت أثرًا عميقًا في تصور الدولة الإيرانية لمسألة القوميات داخل البلاد.
كما أن تجربة الحركات الكوردية في العراق تشكل خلفية مهمة لفهم هذه الحساسية. فمنذ ستينيات القرن الماضي شهد العراق عدة ثورات كوردية قادها الملا مصطفى البارزاني، تحولت فيها المناطق الجبلية في شمال العراق إلى ساحة صراع طويل مع الدولة المركزية في بغداد. وقد أظهرت تلك التجربة أن الجغرافيا الجبلية والامتداد القومي عبر الحدود يمكن أن يمنح الحركات الكوردية قدرة على الاستمرار لسنوات طويلة رغم التفوق العسكري للدولة. وبعد عام 1991 أدت التطورات الإقليمية إلى نشوء كيان سياسي كوردي شبه مستقل في شمال العراق، وهو ما رسخ في الوعي السياسي لدول المنطقة فكرة أن المسألة الكوردية يمكن أن تتحول، في ظروف إقليمية معينة، إلى عامل مؤثر في توازنات الدولة نفسها.
لكن أهمية هذه القوى لا تكمن في عددها فقط، بل في موقعها الجغرافي. فالمناطق الكوردية في إيران تمتد على طول حدود واسعة مع إقليم كوردستان العراق، وهي حدود لطالما شكلت مجالًا لنشاط الأحزاب الكوردية المعارضة. ولهذا السبب فإن أي تحرك لهذه القوى لا يمكن فصله عن موقف حكومة إقليم كوردستان العراق، التي تجد نفسها في موقع شديد الحساسية بين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وبين واقعها الجغرافي والسياسي كجار مباشر لإيران.
تشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن واشنطن أجرت مشاورات مع قيادات كوردية في العراق لمعرفة مدى استعداد الإقليم للتعامل مع أي تطورات قد تحدث في المناطق الكوردية داخل إيران. غير أن حكومة الإقليم تدرك أن الدخول في مواجهة غير مباشرة مع طهران قد يحمل مخاطر كبيرة، خاصة في ظل العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تربط الطرفين، إضافة إلى الواقع الجغرافي الذي يجعل أي توتر أمني على الحدود مسألة تمس الاستقرار الداخلي للإقليم.
أما بالنسبة للقوى الكوردية الإيرانية نفسها، فإن حساباتها تبدو أكثر تعقيدًا. فهي تدرك أن ميزان القوة العسكري داخل إيران يميل بوضوح لصالح الدولة، التي تمتلك مؤسسات أمنية قوية وعلى رأسها الحرس الثوري. ولذلك فإن أي تحرك كوردي مسلح لن يكون قادرًا وحده على إحداث تغيير جذري داخل البلاد. لكن مثل هذا التحرك قد يلعب دورًا مهمًا في فتح جبهة ضغط داخلية تشغل جزءًا من قدرات الدولة الأمنية والعسكرية.
السؤال الأهم هنا يتعلق بتأثير مثل هذه التحركات على الداخل الإيراني الأوسع. فإيران شهدت خلال السنوات الماضية موجات احتجاج واسعة في مدن عديدة مثل طهران وأصفهان ومشهد، وكانت تلك الاحتجاجات ذات طابع اجتماعي واقتصادي أكثر من كونها قومية. وإذا تزامنت أي تحركات مسلحة في الأطراف مع احتجاجات شعبية واسعة في المدن الكبرى، فإن ذلك قد يخلق ضغطًا سياسيًا مزدوجًا على النظام الإيراني.
ومع ذلك، فإن التجربة الإيرانية تشير أيضًا إلى أن الدولة تمتلك قدرة كبيرة على احتواء التمردات المحلية عندما تبقى معزولة جغرافيًا. ولهذا السبب فإن الدور المحتمل للقوى الكوردية لا يكمن في إسقاط النظام بحد ذاته، بل في تغيير طبيعة الصراع عبر فتح جبهة داخلية تضاف إلى الضغوط العسكرية والاقتصادية القائمة.
في النهاية، قد لا تكون المسألة الكوردية في إيران مجرد ملف قومي تقليدي، بل قد تتحول إلى عنصر مهم في توازنات الصراع الإقليمي الدائر اليوم. فالتاريخ السياسي للشرق الأوسط يبين أن التحولات الكبرى كثيرًا ما تبدأ من الأطراف قبل أن تصل إلى مراكز السلطة. وإذا تحولت المناطق الكوردية في غرب إيران إلى ساحة ضغط أمني وسياسي في لحظة تعاني فيها البلاد أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، فإن ذلك قد يفتح مرحلة جديدة من التوتر داخل الدولة الإيرانية نفسها. لكن التجربة التاريخية للحركات الكوردية تعلمنا أيضًا درسًا آخر: في صراعات الشرق الأوسط غالبًا ما تتحول قضايا الشعوب إلى أوراق في لعبة القوى الكبرى. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بقدرة الأكراد على التحرك، بل بمدى استعداد القوى الدولية للاستمرار في دعمهم إذا تحولت هذه الورقة من مجرد أداة ضغط إلى واقع سياسي على الأرض. وفي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، يبقى الفرق دائمًا كبيرًا بين الوعود في لحظة الصراع والالتزامات عندما تتغير موازين القوى


السيد د. مالك الجبوري المحترم.
تحية.
“…الجبال الكوردية…”. الجبال الكردستانية. جبال كردستان.
“…الأكراد…”. الكُرد. على غرار العرب وليس الأعراب.
“…جمهورية مهاباد عام 1946…”. للاطلاع:
الأكراد: شعب الله المحتار
د. عبد الرزاق عبود *.
“لا أظن أن هناك شعبا هضمت حقوقه كالشعب الكردي. ولا يدانيهم في ذلك الا شعب الهنود الحمر في الأمريكيتين. فالشعب الفلسطيني، ضحية الاستعمار الاستيطاني له منظمة تحرير والعالم كله يعترف له ولو بجزء من وطنه التاريخي. وها نحن نشهد إنتهاء حكم التمييز العنصري في جنوب افريقيا وقيام حكم الأغلبية بعد نضال طويل ودامي وبعد 350 سنة من القهر القومي.
أما الشعب الكردي فقسمت أرضه بين أربع دول في الشرق الأوسط: تركيا، ايران، العراق وسوريا. وتوزع شعبه في أجزاء من هذه البلدان والعالم كله. وقسم كبير يعيش في أراضي الاتحاد السوفيتي السابق. في تركيا حرّم عليهم الانتماء لشعبهم ونطق لغتهم وانكر عليهم وجودهم، فهم بالنسبة للسلطات: “أتراك الجبال”. وفي ايران الملكية ظلم وإظطهاد ونكران، بينما تعتبرهم ايران الاسلامية مسلمين فقط، في حين يحق للفارسي التغني بقوميته ولغته وتاريخه. وفي العراق اعتبرهم عفلق: “عربا نسوا أصلهم”. ويعتبر تلاميذه كردستان الجنوبية جزءا لا يتجزأ من العراق في حين ان “العراق جزء لا يتجزأ من الامة العربية”! وفي سوريا نادرا ما تجد كرديا يجرأ على الكلام بلغته علنيا، ومن المحرمات نطق كلمة كردستان. ورغم كل هذا الحيف لا تستحي كل الأحزاب الكردية أن يكون لها مقرا في دمشق.
وابتلى الشعب الكردي بالقتال الداخلي والاحتراب الأخوي وراح الآلاف ضحية حرب الزعامات وتبدل الولاءات. فقادة كردستان الشرقية(ايران) يرتبطون بصلة مع صدام حسين الذي يذبح ويحرق بالكيمياوي أكراد كردستان الجنوبية، وهؤلاء بدورهم يقاتلون اخوتهم هناك ويمدّون يدهم للشاه ومن جاء بعده، متناسين أن الأنظمة هناك حاربت وتحارب الأكراد تحت رايات مختلفة.. أكراد كردستان الشمالية (تركيا) يقتلون يوميا، وبدل الاحتجاج والتضامن- إن صعب القتال- معهم، يتحول البعض الى جندرمة جديدة للعساكر التركية ويلاحقون ويذبحون ويسجنون إخوانهم.. صاروا حراسا للحدود التي مزّقت أرضهم وقسّمت شعبهم.
ومثلما ابتلى الشعب الكردي بتجزئة أرضه ابتلى بقادة بعضهم يرضى رغم كل آلاف الشهداء بحكم ذاتي مسخ، وآخرون يريدون تحرير كردستان بضربة واحدة.. وآخرون يحلمون ويتغنون و- يناضلون – في سبيل “الحقوق الثقافية”، متناسين أنهم شعب وليس أقلية. فمتى يا ترى يأتي “قاضي محمد” جديد يقدّم نفسه ضحية في سبيل مصلحة الشعب الكردي وليس العكس..ومتى يصحو ضمير العالم ويعترف لأكثر من 25 مليون إنسان بحقهم في كيان يضمهم كبقية شعوب الأرض. ”
* سبق وأن نشر هذا المقال في العدد 43 من نشرة “الكلمة” التضامنية في بريطانيا، الصادرة في 9 تموز 1994. هذا وقد ترجمته الى الانجليزية في حينه. هذا وتتوفر الترجمة الى الانجليزية أيضا. المهندس محمد توفيق علي.
محمد توفيق علي
الأستاذ محمد توفيق علي المحترم،
أشكرك على هذا التعليق الغني الذي يعيد التذكير بجانب مهم من التاريخ الكردي الحديث. لا شك أن الشعب الكردي كان من أكثر شعوب المنطقة تعرضًا لتقسيم الجغرافيا وإنكار الهوية القومية، كما أن تجربته السياسية اتسمت بتعقيدات كبيرة نتيجة وجوده موزعًا بين أربع دول ذات أنظمة سياسية مختلفة.
ما تفضلتم به حول الانقسامات الداخلية والصراعات بين القوى الكردية مسألة معروفة في تاريخ الحركة الكردية، وقد لعبت هذه الانقسامات بالفعل دورًا في إضعاف قدرتها على تحقيق مشروع سياسي جامع. لكن في المقابل، يجب أيضًا النظر إلى أن هذا الواقع كان نتيجة طبيعية لوجود الشعب الكردي داخل دول متعددة، ولكل دولة حساباتها الأمنية والسياسية الخاصة.
المقال الذي كتبته لم يكن محاولة للحكم على الحركة الكردية أو تاريخها، بل كان قراءة في لحظة سياسية محددة تتعلق بالتوتر الحالي حول إيران، وبالسؤال المطروح في التحليل الاستراتيجي: هل يمكن أن تتحول المناطق الكردية في إيران إلى عامل ضغط داخلي في ظل الصراع الإقليمي القائم؟
بمعنى آخر، المقال لا يتناول القضية الكردية من زاوية تاريخها الطويل فقط، بل من زاوية موقعها في توازنات الصراع الراهن في المنطقة. ولهذا فإن الإشارة إلى تعقيدات الحركة الكردية أو إلى تاريخها المليء بالانقسامات لا تنفي أن الجغرافيا الكردية تبقى عنصرًا مهمًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية.
مرة أخرى أشكرك على هذا التعليق الذي يثري النقاش، لأن فهم القضية الكردية لا يمكن أن يتم دون العودة إلى تاريخها الطويل وتناقضاتها الداخلية، كما لا يمكن أيضًا فصله عن التحولات السياسية التي تشهدها المنطقة اليوم.
مع خالص التقدير.