أيها الواقفون على تخوم الذاكرة والتاريخ، إن ما يُدار اليوم في محراب الجغرافيا السياسية الكوردية ليس صراع حدود ولا إعادة ترتيب نفوذ فحسب، بل عملية معقّدة لهندسة الوعي، وإدارة النقص، ومنع اكتمال المعنى. فالقوى المهيمنة، وفي مقدمتها الدولة التركية، لا تسعى إلى اجتثاث الأدوات دفعة واحدة كما يُشاع، بل تعمل ببرودة أعصاب على إعادة تدويرها داخل المجتمع الكوردي نفسه، لتتحول من قوى نفوذ إلى وسطاء ضبط، ومن شعارات تحرر إلى حراس يمنعون، بوعي أو بدونه، ولادة مشروع قومي حقيقي.
في هذا السياق، لا يبدو تفكيك قسد، أو حصرها في جغرافيا كوردية ضيقة، هدفًا نهائيًا، بقدر ما هو خطوة ضمن مسار أوسع يضمن بقاء التيار الأوجلاني حاضرًا، لا بوصفه قوة مواجهة، بل كأداة توزيع قرار، تُبقي الإرادة الكوردية مشدودة بخيوط غير مرئية. فتركيا لا تخشى النفوذ بحد ذاته، بل تخشى اكتماله، لأن الاكتمال يعني معنى، والمعنى يولّد مطالبة، والمطالبة خطر لا يمكن ضبطه بسهولة.
ومن هنا، يصبح الضغط على الجولاني، ومنحه أدوارًا محسوبة، جزءًا من مسرح سياسي أكبر، لا يقوم على التحالف أو القناعة، بل على توظيف بنى خالية من أي مشروع وطني كوردي جامع، ورافضة لأي أفق كوردستاني مستقل. هذه البنى، التي لا تحلم، تصلح لأن تكون وسيط السيطرة المثالي، لأن من لا يحلم لا يطالب، ومن لا يطالب لا يهدد، وهنا تكمن العبقرية القاتلة لهذا التدبير.
إن أخطر ما تواجهه القوى المهيمنة ليس المقاومة المسلحة، ولا الاحتجاجات العابرة، بل الفراغ السياسي. فالفراغ يفتح الباب أمام ولادة قيادة حقيقية، أو خطاب تحرري يخرج من رحم الألم لا من مكاتب الوصاية. لذلك يجري ملء الساحة مسبقًا، بقوى لا تمثل الناس، ولا تنطق بلغتهم العميقة، ولا ترى في الحقوق سوى عبء تفاوضي، فتتحول السياسة إلى إدارة تقنية، ويُفرّغ الفعل العام من روحه، ويُعاد إنتاج الحاضر بوصفه قدرًا.
الغاية النهائية ليست إدارة الأمن، بل هندسة الوعي، إبقاء الكورد داخل معادلة لا تهدد المركز، ولا تعيد تعريف الذات. وهكذا يُستبدل التحرر بالاستقرار المراقَب، والمستقبل بإعادة تدوير حاضر مأزوم، في دورة محكمة تُفرغ السياسة من معناها، وتحوّل المجتمع إلى كتل بشرية مُدارة، لا تُقمع بعنف مباشر، بل تُحتوى بعقلانية زائفة.
ما يحدث هو قمع ناعم، تُشوَّه فيه الأحلام، وتُكبح الذاكرة، حتى يبدو الاستسلام حكمة، والمطالبة مغامرة، وكأن الحرية خطأ حسابي يجب تصحيحه باستمرار. لكن الوعي، مهما حُوصر، لا يُدار إلى الأبد. فالسياسة حين تنفصل عن الأخلاق تموت، والروح الحرة، مهما أُحيطت بفخاخ الوصاية، تعود دائمًا لترتيب السؤال الصحيح.
من هنا يبدأ الفعل التحرري الحقيقي، لا من كسر القيود الحديدية فقط، بل من تحرير القرار، ومن مقاومة هذا الإخضاع الهادئ، لأن شمس الكورد لا يمكن أن تُدار من خلف الوعي، ولا أن تُرسم إلا بإرادة تعرف ماذا تريد، وترفض أن تُختصر في دور، أو تُعاد تدويرها داخل مشروع لا يشبهها.
بوتان زيباري
السويد
01.02.2026

