ملحمة أربعة أطفال موكريان من بلدة جوانمرد الى بغداد
كتبت في هذه المنصة صوت كردستان الحر في 22 نيسان/ابريل 2025 مقالة عن عشيرة موكرياني وإبادة سكان بلدة جوانمرد من قبل الجيش الروسي القيصري خلال الحرب العالمية الأولى، وكتبت بأني سأكتب عن رحلة أربعة أطفال موكريان لم يتجاوز عمر أصغرهم 11 عام، انطلقوا من قرية “جوانمرد” قرب مهاباد إلى بغداد، لينجوا من مجزرة الجيش الروسي القيصري خلال الحرب العالمية الأولى.
أن مأساة أجدادي وأقربائي ومعارفنا في بلدة “جوانمرد” ليس إلا واحدة من مئات المآسي للشعب الكردي على مرّ العصور من مآسٍ كثيرة تركت بصماتها العميقة في ذاكرته الجماعية، حيث تعرض للتهميش والتهجير والاضطهاد. فقد شهد الشعب الكردي حملات قمع قاسية، وحرماناً من حقوقهم الثقافية والسياسية، بالإضافة إلى محاولات طمس هويتهم ولغتهم. ومع ذلك، ظل الكردي متمسكاً بأرضه وإرثه، يناضل من أجل الحرية والعدالة، ويواصل السعي نحو مستقبل أفضل مليء بالكرامة والطمأنينة.
- أنا المولود السابع في أسرتي، والثالث بين إخوتي لوالدي، الذي نزح مع أخيه واثنين من أبناء عمّه من بلدة «جوانمرد»، أي «الرجل الجميل» أو «الفتى الشهم» الى بغداد. وفي جذور عائلتي حكايةٌ لا تُروى إلا ويصاحبها صمتٌ ثقيل؛ لأنها ليست مجرد ذكرى، بل جرحٌ قديم سكن ذاكرة أربعة أطفالٍ نجوا من مجزرة الجيش الروسي القيصري في الحرب العالمية الأولى، وشهدوا مقتل والديهم وأقربائهم جميعًا في قرية «جوانمرد» القريبة من مهاباد، ثم عاشوا سنواتٍ طويلة وهم يخفون هذه الفاجعة، إلى أن كشفها والدي لحفيده قبل وفاته. كانت هناك خطط روسية محتملة للتقدم نحو بلاد الرافدين للربط مع البريطانيين (الذين كانوا يتقدمون من الجنوب نحو بغداد والموصل)، لكن الثورة الروسية في 1917 أوقفت كل شيء، وانهار الجيش الروسي تدريجيًا ثم انسحب تمامًا من الجبهة بحلول نهاية 1917 وبداية 1918.
لم تكن روسيا القيصرية بعيدة عن معاهدة سايكس–بيكو (1916)، رغم أن اسمها لا يظهر في عنوان الاتفاقية المتداول. فالاتفاق الذي عُرف إعلاميًا باسم سايكس–بيكو كان في جوهره تفاهمًا سريًا بين بريطانيا وفرنسا لتقسيم مناطق النفوذ في المشرق العثماني، غير أنه جرى إشراك روسيا القيصرية بوصفها طرفًا رئيسيًا في الحلفاء، عبر موافقة رسمية قدّمها وزير خارجيتها سيرغي سازونوف، فيما يُعرف في بعض الأدبيات باسم اتفاق سايكس–بيكو–سازونوف، وقد جاءت موافقة روسيا ضمن حزمة تفاهمات سرية أوسع، تضمنت الاعتراف بمطالبها الاستراتيجية في إسطنبول والمضائق، وأجزاء من شرق الأناضول، قبل أن تُجهض هذه الترتيبات بانهيار النظام القيصري عقب ثورة 1917 وانسحاب روسيا من الحرب.
لقد نجا والدي مع أخيه وأولاد عمه، رحمة الله ورضوانه عليهم جميعا من المآسي التي ارتبطت بزحف الجيش الروسي القيصري خلال الحرب العالمية الأولى. كانوا يومها أطفالًا، لم يتجاوز عمر أصغرهم إحدى عشرة سنة، ومع ذلك وجدوا أنفسهم في قلب زمنٍ لا يعترف ببراءةٍ الأطفال ولا يرحم ضعفًا.
- ساروا الأطفال الأربعة على الأقدام من قرية جوانمرد إلى السليمانية، ثم إلى الموصل، قبل أن يُكملوا رحلتهم عبر نهر دجلة بواسطة زورق لنقل “الگفّة”، حتى وصلوا إلى بغداد.
نقدّر الآن المسافة لرحلة مشي على الأقدام من جوانمرد إلى بغداد، مرورًا بـالسليمانية والموصل، وهي الرحلة التي تمثل مسيرة النجاة الأطفال الأربعة: حوالي 770 – 900 كم.
- المرحلة الأولى: من جوانمرد إلى السليمانية: المسافةتقريبًا 120 كم (خط مستقيم)، والمسار الجبلي يزيدها إلى حوالي 150–160 كم.
- المرحلة الثانية: من السليمانية إلى الموصل: المسافةتقريبًا 200–220 كم حسب الطريق.
- المرحلة الثالثة: من الموصل إلى بغداد (عبر نهر دجلة بزورق “الگفّة”): المسافة عبر النهر: حوالي 400 كم.
لا يمكننا تقدير الزمن؛ لأنه لم يُبلِّغ حفيده تفاصيل تلك الرحلة، رحلة الهروب من الموت إلى الحياة، بعيدًا عن موقع الإبادة، كي لا يستعيدوا ما رأوه.
حاولت ان ادرس واعرف السبب لماذا أخفوا المأساة التي مرو بها لعقود طويلة ولم يبح والدي رحمة الله عليه رضوانه هذه المأساة الا بعد الحاح حفيدهً ليأخذه لزيارة مسقط رأسه وفي كل مرة كان يواجه بالسكوت ولم يرد عليه الى ان أخبره عن مجزرة أهله وأقربائه أمام ناظريه.
جاءني تفسير ذلك وفق أربع مستويات متداخلة:
- تأكيد صحة الحدث حيث وصل الجيش الروسي القيصري الى ضواحي راوندوز وكانوا يبيدون سكان القرى التي يحتلونها بدون رحمة كي يصلوا الى جيوش الحلفاء بريطانيا وفرنسا وفقا لمعاهدة سايكس بيكو.
- الحماية النفسية: إذ يميل الناجون من المجازر إلى تجنّب استحضار الصدمة، لأن تذكرها يعيدهم إلى لحظة الرعب الأولى.
- حماية الأبناء: حيث يخشى الآباء أن ينقلوا الرعب للأبناء، فينشؤوا على الخوف والقلق.
- التحول الاجتماعي: فالنزوح إلى بغداد أو غيرها من المدن يفرض على النازح أن يعيد بناء حياته، وقد يرى أن الماضي سيعيقهٌ عن الاندماج.
كلمة أخيرة:
- هل آن الأوان أن تعترف الدول القومية العنصرية بالشعب الكردي، كتركيا والقوميين العرب، الذين تخلّوا عن الخلافة الإسلامية، بتوجيهٍ من الصهيونية والاستعمار البريطاني، بأنهم حصروا قضية فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، أول قبلةٍ ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلوا قبة الصخرة رمزًا قوميًّا عربيًّا، بدل أن تكون القضية قضيةً إسلاميةً جامعة؛ الأمر الذي مهّد لإقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور: بتاريخ 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، وهو رسالة رسمية من وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، روتشيد كان من العائلة المصرفية اليهودية الشهيرة، تعهّدت فيها الحكومة البريطانية بدعم إقامة “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين.
- وهل آن الأوان للعشائر والعائلات الكردية أن تستيقظ على حقيقةٍ واحدة: أن لا مستقبل لشعبٍ يتفرق في اللحظة التي يحتاج فيها إلى الوحدة؟ هل آن الأوان أن تُوحِّد جهودها لنيل الاعتراف بالشعب الكردي وحقوقه، بدل أن يبقى تابعًا لقومياتٍ استعبدته وطمست هويته؟ إن الكرد ليسوا طارئين على هذه الأرض، بل هم من أقدم شعوب المنطقة، وموطنهم التاريخي في جبال زاغروس والأناضول ثابت منذ آلاف السنين، فكيف يُطلب من شعبٍ أصيلٍ أن يعيش غريبًا في وطنه، تحت استعمار الدخلاء؟

