صراع فوق بغداد يتجه لإقتصاد نحو الضغط وسياسة نحو الانفجار
تقف المنطقة اليوم في لحظة تبدو أقرب إلى مفترق تاريخي منها إلى أزمة عابرة. المشهد لا يوحي بمجرد توتر سياسي تقليدي أو جولة جديدة من التصعيد الإعلامي، بل يحمل ملامح إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة، وإعادة تعريف لمعنى السيادة وحدود النفوذ. بينما تنشغل قوى محلية بخلافات يومية وصراعات جزئية على السلطة والمكاسب، تتحرك في الخلفية مسارات أكبر وأثقل، ترسم ملامح مرحلة قد تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية برمتها.
في العراق تتكثف الضغوط بشكل لافت، ليس عبر الدبابات أو الطائرات، بل عبر أدوات أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً. الاقتصاد صار ساحة اشتباك مفتوحة، والعملة تحولت إلى مؤشر سياسي بامتياز. أي اهتزاز في الاستقرار المالي لا يُقرأ باعتباره خللاً تقنياً فحسب، بل يُفهم كرسالة ضغط لها أبعادها الإقليمية والدولية. عندما تتراكم الأزمات المعيشية ويتسع الفارق بين الدولة والمجتمع، يصبح المناخ مهيأً لإعادة تشكيل المشهد السياسي تحت وطأة الحاجة والخوف. هذا النوع من الضغط لا يعلن عن نفسه كحرب، لكنه يعمل ببطء على تفكيك الثقة العامة وإضعاف القرار الوطني المستقل.
العراق بحكم موقعه وتركيبته ليس دولة عادية في معادلات المنطقة. هو نقطة تقاطع بين نفوذ أميركي مباشر وحضور إيراني عميق، وبين مصالح خليجية وتركية متشابكة. أي خلل في توازن هذه القوى ينعكس فوراً على الداخل العراقي. الخطر لا يكمن فقط في صدام عسكري محتمل، بل في تحويل البلاد إلى مساحة اختبار لتصفية الحسابات أو فرض ترتيبات جديدة لا تعبّر بالضرورة عن إرادة أهلها. وفي ظل غياب رؤية استراتيجية موحدة وقادرة على المناورة في العواصم المؤثرة، تبدو الساحة مكشوفة أكثر مما ينبغي.
على الضفة الأخرى تتحرك تركيا بخطوات محسوبة نحو تكريس نفوذ طويل الأمد في الشمال العراقي والسوري. خطاب الأمن القومي يختلط بحسابات الطاقة والاقتصاد والعمق التاريخي. الوجود العسكري المتكرر، والاتفاقات الأمنية المتجددة، والمصالح الاقتصادية المتشابكة، كلها عناصر تشير إلى رغبة في تثبيت حضور دائم يتجاوز الظرف الطارئ. هذا التمدد لا يحدث في فراغ، بل يستفيد من هشاشة البنى السياسية ومن الانقسامات الداخلية التي تعرقل صياغة موقف وطني جامع.
في موازاة ذلك تبقى العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران العامل الأكثر حساسية في المشهد كله. سنوات من العقوبات والتهديدات والرسائل المتبادلة صنعت حالة ردع متبادل، لكنها لم تُنهِ أسباب الصراع. كل طرف يدرك أن كلفة الحرب المباشرة مرتفعة، لكن حسابات الردع قد تختل عند أي خطأ في التقدير. الخليج وممراته البحرية وقواعده العسكرية تبقى في قلب أي سيناريو تصعيد. وأي مواجهة واسعة لن تقتصر آثارها على ساحات الاشتباك، بل ستطال أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي بأسره.
الحديث عن قدرات عسكرية غير تقليدية، وعن وسائل قادرة على شل حركة الأساطيل أو تعطيل التفوق التقني، يعكس سباقاً صامتاً لتغيير قواعد اللعبة. في مثل هذه الأجواء يصبح عامل المفاجأة جزءاً من المعادلة النفسية قبل أن يكون أداة ميدانية. الرسائل التي تتسرب بين حين وآخر تحمل تحذيرات واضحة من أن استخدام أراضي أو أجواء دول مجاورة في أي هجوم قد يجر المنطقة كلها إلى دوامة يصعب احتواؤها. وهنا يتعقد المشهد أكثر، لأن دولاً كثيرة تجد نفسها بين تحالفاتها التقليدية ومخاوفها من أن تتحول إلى ساحات مواجهة.
داخل الولايات المتحدة نفسها لا تُصاغ القرارات الكبرى في فراغ. الانتخابات والاستقطاب الداخلي والضغوط الإعلامية جميعها تؤثر في اتجاهات السياسة الخارجية. شخصية أي رئيس، وحساباته السياسية، وحاجته لإثبات القوة أو استعادة الشعبية، يمكن أن تدفع نحو مواقف أكثر تشدداً أو أكثر حذراً. في بيئة دولية متوترة، تصبح الاعتبارات الداخلية عاملاً لا يقل أهمية عن الحسابات الاستراتيجية البحتة.
وفي خضم هذا كله، تعيش المجتمعات حالة إنهاك مزمنة. الخطاب الطائفي يعود كلما اشتد الضغط الخارجي، وكأن الانقسام الداخلي هو الثغرة الأسهل للنفاذ. وسائل الإعلام ومنصات التواصل تتحول إلى ساحات صراع رمزي، تُستحضر فيها الهويات والذاكرات التاريخية لتغذية الخصومات. حين ينشغل الناس بمعارك جانبية، يبهت النقاش حول السيادة والاقتصاد ومستقبل الدولة. الانقسام الاجتماعي لا يقل خطراً عن التهديد الخارجي، لأنه يضعف المناعة الوطنية ويجعل أي صدمة أشد وقعاً.
المنطقة إذاً لا تقف أمام حدث منفصل، بل أمام تراكم مسارات متشابكة: ضغط اقتصادي، تنافس إقليمي، توتر دولي، وهشاشة داخلية. الرهان على أن الأمور ستبقى تحت السيطرة تلقائياً يبدو أقرب إلى التمني منه إلى التحليل الواقعي. في المقابل، المبالغة في تصوير الحرب كقدر محتوم لا تخدم الفهم الدقيق أيضاً. ما بين الاحتمالين مساحة واسعة من القرارات السياسية التي يمكن أن تدفع نحو الاحتواء أو نحو الانفجار.
العراق وسواه من دول المنطقة أمام اختبار صعب: إما ترميم الجبهة الداخلية، وتحصين القرار الوطني، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، أو الاستمرار في الدوران داخل دوائر الاستقطاب. القوى الكبرى لا تتحرك بدافع العواطف، بل وفق مصالحها وحساباتها. ومن لا يمتلك أوراق قوة داخلية يصبح جزءاً من حسابات الآخرين لا صانعاً لها.
قد لا يقع الزلزال غداً، وقد تنجح الدبلوماسية في تأجيل المواجهة، لكن المؤشرات كلها تقول إن مرحلة جديدة تتشكل. السؤال ليس ما إذا كانت الخرائط ستتغير فقط، بل ما إذا كانت الدول المعنية ستشارك في رسم ملامحها أم ستجد نفسها مضطرة للتكيف مع نتائج لم تصنعها. في زمن التحولات الكبرى لا يحمي الدول إلا تماسكها الداخلي ووضوح رؤيتها، أما الرهان على الخارج فهو دائماً مقامرة محفوفة بالخسارة.
بقلم عقيل وساف صحفي وكاتب عراقي.

