حين يتحوّل الشيخ إلى نصّ … ويُختزل القائد في وطن
( قراءة في ظاهرة تقديس الأشخاص في المجالين الديني والسياسي )
في مجتمعاتنا ، لا يحتاج الاستبداد إلى دبابة دائماً ؛
أحياناً يكفيه مريد .
المريد الصوفي يبدأ رحلته بنيّة صافية :
يبحث عن إلهٌ يعبده ، عن الصفاء ، عن تهذيب النفس .
فيجد شيخاً يثق بعلمه وتقواه ، فيسلّم له اليد .
خطوة جميلة في بدايتها .
لكن الرحلة لا تتوقف هنا .
رويداً رويداً يصبح الشيخ من دليلٍ إلى طريق ،
ومن طريقٍ إلى غاية ،
ومن غايةٍ إلى صورة مصغّرة عن الكمال المطلق .
تصير كلماته تفسيراً نهائياً للنص ،
وإيماءاته حكمةً خالدة ،
وصمته إشارةً لا يجوز تأويلها إلا كما أراد …
أو كما ظنّ المريد أنه أراد .
في تلك اللحظة ، لا يعود المريد يبحث عن الإله ؛
بل يبحث عن رضا الشيخ .
ولا يعود يسأل : ما الدليل ؟
بل يسأل : ماذا قال سيدي ؟
الصورة ذاتها ، لكن بلباس مختلف ، تتكرر في السياسة .
المريد الحزبي لا يدخل الحزب ليعبد القائد ، بل ليخدم قضية :
حرية ، كرامة ، وطن .
لكن يحدث انزلاق خفيّ :
القضية تُختصر في الحزب ،
والحزب يُختزل في القائد ،
والقائد يُقدَّم بوصفه وطناً يمشي على قدمين .
يصبح القائد معصوماً من الخطأ ،
وتتحول اجتهاداته إلى رؤية استراتيجية بعيدة لا يفهمها العوام ،
لا لأن الدستور قال ذلك ، بل لأن الحزب والقائد قرر ذلك .
كل قرار حكمة ،
وكل تراجع تكتيك عبقري ،
وكل خطأ قراءةٌ عميقة لمستقبل لا نراه .
إن قال القائد إن الفيل يطير ،
فالمشكلة ليست في الفيل ،
بل في عيوننا التي لم تُدرَّب بعد على رؤية الأجنحة .
المفارقة المؤلمة أن كِلا المريدين – الصوفي والحزبي – يظن أنه يسير في طريق الكمال والفضيلة .
الأول يعتقد أنه يحمي الدين من التأويلات الضالة ،
والثاني يظن أنه يحمي الوطن من التشكيك والخيانة .
لكن في الحالتين ،
يتم استبدال النص بالعاطفة ،
واستبدال الفكرة بالشخص ،
واستبدال المسؤولية بالتسليم .
وهنا يكمن الخطر ،
الدين لا يحتاج إلى وسطاء معصومين ،
والوطن لا يحتاج إلى قديسين سياسيين .
الدين نصّ مفتوح على الاجتهاد ،
والوطن مشروع مفتوح على النقد .
أما حين يصبح الشيخ نسخة بشرية من الحقيقة ،
ويُختزل القائد في صورة الوطن ،
فنحن لا نمارس المحبة ولا الوفاء ؛
نحن نؤسس لعبادة أشخاص … ولو أنكرنا الاسم .
الأشد قسوةً في المشهد ، تلك اللحظة التي يختلط فيها الاستشهاد بالولاء الشخصي .
كثيرون يموتون وهم يظنون أنهم يموتون من أجل حرية وطنهم .
لكن حين يُسأل أحدهم – في لحظة صدق عابرة – يقول:
أموت ليحيا القائد .
هنا تنكشف البوصلة .
الوطن لم يعد الغاية ؛
بل صار خلفية رمزية لوجه واحد .
وكأن التضحية لا تكتسب معناها إلا إذا باركها الملهم ،
وكأن الشهادة لا تكتمل إلا إذا وُقّعت بختم الزعيم .
وهذا أخطر أنواع التديّن السياسي :
أن تتحول الحرية إلى ملحقٍ بشخص ،
وأن يصبح الوطن ظلّاً لزعيم .
والمريد في جوهره لا يحب الطغيان ؛
هو فقط يخاف من الفراغ ،
يبحث عن يقين جاهز ،
عن عقل يفكر بدلاً عنه ، عن بوصلة لا تتطلب منه عناء السؤال .
لكن السؤال هو جوهر الإيمان ،
والنقد هو جوهر الوطنية .
من دون سؤال ،
يتحول الدين إلى طقوس بلا روح .
ومن دون نقد ، تتحول السياسة إلى بيعة أبدية .
ربما آن الأوان لنقول بوضوح :
الشيخ بشر ، يصيب ويخطئ .
والقائد بشر ، يرى ويخطئ الرؤية .
أما المريد …
فإن لم يتحول إلى مؤمنٍ واعٍ ومواطنٍ ناقد ،
سيبقى وقوداً في معارك لا يفهم كل أبعادها ،
ويصفق لقرارات قد يدفع ثمنها من عمره ودمه ،
ثم يظن أن موته اكتسب المعنى لأن شخصاً ما منحه رتبة الشرف .
الوطن لا يحتاج مريدين .
يحتاج شركاء .
والدين لا يحتاج تابعين بلا وعي ،
يحتاج قلوباً حرة… وعقولاً تسأل.
أما الذين يقدسون البشر ،
فهم من حيث لا يشعرون –
يبنون أصناماً حديثة …
ثم يختلفون فقط في شكل المذبح .
بقلم : محمد ديب أحمد
