في غمرة التحولات العاصفة التي تعيد رسم ملامح الشرق الجريح، يقف العقل المتأمل أمام مشهد تتبادل فيه الأدوارُ الأقنعةَ، وتختلط فيه خيوط السياسة بألاعيب القوى العميقة التي لم تفتأ تحيك الدسائس ضد إرادة الشعوب الحالمة بالخلاص. إن المتتبع لمسارات “الصندوق الأسود” للدولة العميقة، المتمثل في شخوصٍ أدمنوا الرقص على جراح القضايا العادلة، يدرك أن الرسائل التي تُبث عبرهم ليست سوى صدى لمخططات غارقة في الظلمة. هؤلاء الذين يمتلكون سطوة التوجيه والتحكم في مفاصل الاقتصاد والإعلام، ما فتئوا يمارسون فن التضليل الممنهج، محاولين وأد الوعي الكوردي المنبعث من رماد القمع، عبر صناعة رموزٍ وهمية وأصنامٍ سياسية تُقدَّم للجماهير في قوالب مخادعة، بينما تظل خيوط تحريكها حبيسة غرف المخابرات المظلمة.
إن المتأمل في تاريخ العلاقة بين أجهزة الدولة وبين من يدعون تمثيل الوجدان الثوري، يلحظ نسقاً متكرراً من صناعة “الولاءات المصطنعة”. فمنذ عقود، والعمل جارٍ على صياغة هالاتٍ قدسية حول شخصيات رُسمت أدوارها بدقة لتوجيه الحراك الشعبي نحو مسارات تخدم بقاء المنظومة القمعية. هذا الاستثمار في “الرمزية” لم يكن عبثاً، بل كان وسيلة لاحتواء الغضب السوريالي الذي يملأ صدور الكورد، وتحويله من قوة تحررية أصيلة إلى وقود لصراعات داخلية وتصفيات دموية طالت الآلاف من الأبرياء والمخلصين. إنها اللعبة القديمة المتجددة التي تسعى لتحويل الضحية إلى أداة في يد الجلاد، حيث يُغتال الأحرار بتهمة الخيانة، بينما يُرفع شأن من يمرر أجندات القمع تحت مسميات براقة وتفاهمات سرية خلف الكواليس.
تتجلى مأساة هذا المشهد في تلك اللحظات الفاصلة التي يُزج فيها بالشباب في أتون حروب عبثية، كمعارك “الخنادق” التي أحرقت الأخضر واليابس وهجّرت الملايين، لم تكن تلك القرارات نابعة من ضرورة وطنية بقدر ما كانت تنفيذاً لسيناريوهات وُضعت في مطابخ القرار الأمني. إن الأدوار التي لعبها الوسطاء الذين يتنقلون بين مراكز القوى وسجون العزلة، كشفت عن حجم الاختراق الذي يعاني منه الجسد الكوردي. هؤلاء الرسل الذين يحملون “الأسرار” المسمومة ويسلمونها لعرّابي الدولة العميقة، يجسدون قمة المأساة؛ فبينما يظن البعض أنهم يقودون سفينة النجاة، يتبين أنهم ليسوا سوى ملاحين في أسطول العدو، يوجهون الدفة نحو الغرق المحتم، ثم يتلاشون في ظروف غامضة تاركين خلفهم رماد المدن المدمَّرة وأحزان الثكالى.
وبينما يتهاوى الطغاة وتتغير موازين القوى الدولية، نرى الدولة العميقة تسارع لنبش أوراقها القديمة، محاولةً إعادة تدوير “الأسلحة الصدئة” التي صنعتها في أقبية السبعينيات. إن التلويح ببوادر سلامٍ كاذب، ودعوة الرموز المستهلكة لإلقاء السلاح وتفكيك الذات، ليست صحوة ضمير، بل هي رعبٌ وجودي من تمدد الإرادة الكوردية التي بدأت تفرض شروطها على الأرض في كوردستان الغربية والجنوبية. إنهم يخشون من انبلاج فجرٍ لا مكان فيه للتبعية، فيلجأون إلى لغة التهديد والترهيب من القوى الخارجية، محاولين عزل الوعي الكوردي عن محيطه الدولي الداعم لحقوقه. إن التباكي على “مؤامرات” مفترضة تهدف لاغتيال الوسطاء، ليس إلا جزءاً من سيمفونية التضليل التي تهدف لصرف الأنظار عن القاتل الحقيقي المتربص في عتمة السلطة.
إن الروح الحرة لا تُشترى بالوعود الزائفة، والكرامة الإنسانية أغلى من أن تُعرض في مزاد الصفقات الأمنية. إن الواجب الأخلاقي والسياسي يحتم على كل غيورٍ على قضية الكورد أن يميز بين الغث والسمين، وبين الصديق والعدو المتخفي بزي الصديق. لا يمكن بناء مستقبلٍ مشرق بقدسية الأفراد على حساب حقوق الشعب، ولا يمكن قبول “حب طرف واحد” يُراد منه إخضاع الوجدان الكوردي لإرادة الدستور الذي ينكر وجوده. إن الإنجازات التي تحققت بالدماء في أجزاء كوردستان يجب أن تُحمى بحدقات العيون، بعيداً عن أوهام “العيش المشترك” القائم على التبعية والذوبان. إن زمن التضحية بالأوطان من أجل نجاة الأفراد قد ولى، وعلى الكورد اليوم أن يعانقوا حريتهم بعيداً عن وصاية “الصناديق السوداء” وأسرارها القاتلة، مؤمنين بأن الحقوق تُنتزع بالوعي والوحدة، لا بالرسائل المكتوبة بحبر المخابرات.
بوتان زيباري
السويد
10.03.2026

