عندما يهاجم البروفيسور شعارًا ويقع في تناقضاته: قراءة نقدية في مقال الكتور البروفيسور بدرخان سندي – رضوان فارس

يفترض القارئ حين يقرأ نصًا لكاتب يحمل لقب بروفيسور أن يجد تحليلًا علميًا رصينًا يقوم على الدقة والاتساق المنطقي. غير أن المقال الذي كتبه الدكتور البروفيسور بدرخان سندي حول مصطلح “أخوة الشعوب” يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل ينسجم هذا الطرح مع المستوى الفكري الذي يُفترض في خطاب أكاديمي؟
أول ما يلفت الانتباه في المقال هو التناقض المفاهيمي الواضح. فالكاتب يهاجم مصطلح “أخوة الشعوب” ويصفه بأنه فكرة طوباوية غير قابلة للتطبيق، لكنه في ختام مقاله يقترح بديلاً يقوم على “علاقات إنسانية وسياسية سلمية واقتصادية إيجابية بين الشعوب”. والمفارقة هنا أن مضمون هذا الطرح لا يبتعد كثيرًا عن الفكرة التي انتقدها. فإذا كانت الشعوب ستقيم علاقات إنسانية وسلمية فيما بينها، فإن هذا الجوهر لا يختلف كثيرًا عن المبدأ الذي يقوم عليه مفهوم أخوة الشعوب. وهنا يظهر التناقض الأساسي: رفض المصطلح مع قبول مضمونه.
الخطأ الثاني في المقال يتمثل في التعميم غير العلمي. فالكاتب يعلن أن فكرة “أخوة الشعوب” غير قابلة للتطبيق عمليًا، لكنه لا يقدم دليلاً علميًا يبرر هذا الحكم المطلق. بل إن التجارب السياسية الحديثة تظهر أن هناك دولًا متعددة القوميات استطاعت تنظيم العلاقة بين شعوب مختلفة ضمن إطار دستوري وسياسي مستقر، كما هو الحال في سويسرا وكندا . وهذا يعني أن الحكم بعدم إمكانية التعايش بين الشعوب ليس نتيجة تحليل علمي بقدر ما هو موقف سياسي مسبق.
أما الخطأ الثالث فيكمن في اختزال قضية سياسية معقدة مثل القضية الكردية في صراع بين الشعارات. فالنقاش حول مستقبل  لا يمكن أن يُختصر في مفاهيم لغوية مثل “أخوة الشعوب” أو غيرها. فالقضايا القومية في العالم لم تُحل عبر الشعارات، بل عبر بناء مؤسسات سياسية قوية وصياغة دساتير تنظم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ومن هنا يظهر غياب العنصر الأهم في المقال: الحديث عن الدستور بوصفه الأساس الحقيقي لأي نظام سياسي مستقر. فالدستور هو الأداة التي تحدد شكل الحكم، وتنظم صلاحيات السلطات، وتضمن المساواة بين المواطنين أمام القانون دون امتياز لعائلة أو حزب، كما يحمي الهوية الثقافية واللغوية للمجتمع ويمنع احتكار السلطة.
كما أن المقال يتجاهل النقاش الدائر حول نتائج بعض السياسات التي رُفعت تحت شعارات مختلفة في مدينة  ما  ، حيث يرى عدد من المنتقدين أن السياسات المعتمدة خلال السنوات الماضية أدت إلى تغيّرات ديموغرافية أثارت قلقًا واسعًا حول مستقبل الهوية الثقافية للمدينة، وهي مسألة لم يناقشها الكاتب بعمق رغم ارتباطها المباشر بالموضوع الذي يتناوله.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في اختلاف الآراء السياسية، فذلك أمر طبيعي في أي مجتمع حي. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النقاش الفكري إلى تبادل للشعارات دون تحليل عميق للواقع. فالقارئ الكردي اليوم بحاجة إلى تفكير سياسي مسؤول يبتعد عن التبسيط، ويقترب من الأسئلة الحقيقية المتعلقة ببناء نظام دستوري عادل يحفظ الحقوق والهوية في آن واحد.
إن المفكر الحقيقي لا يكتفي برفض الأفكار، بل يقدم بدائل واضحة ومتماسكة. أما استبدال شعار بشعار، فليس مشروعًا فكريًا يليق بالخطاب الأكاديمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *